المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 391 - ص 420)

رسالتان إلى السيّد هبة الدين الشهرستانيّ

الرسالة الاُولى

من مشهد إلى تجريش.

حضرة آية الله السيّد هبة الدين الشهرستانيّ

الجميع هنا يتشكّرون من توجيهاتكم وتعليماتكم، ويُبدون تأييدهم واحترامهم لكم.

ونُعلمكم بأنّ رسالتكم قد تمّ طبعها وتوزيعها بعد وصولها إلينا بيومين أو ثلاثة أيام، وأرسلنا عدّة نُسخ منها إلى المسؤولين الكبار في الدولة.

رام(1)

٤/٦/١٣٣٤هـ ش

[١٣٧٤هـ ق]

____________

1- مصطفى قلى ‌رام، ولد في مدينة مشهد المقدّسة سنة ١٢٧٧ هـ ش = ١٣١٧ هـ ق، وتوفّي في طهران سنة ١٣٦٠ هـ ش = ١٤٠٠ هـ ق.
والده علي أكبر انتخاب الملك.
بدأ دراسته في مدينة مشهد المقدّسة، وعيّن معلّماً فيها، ثمّ انتقل إلى طهران، وتعلّم اللغة الفرنسيّة، وسافر إلى اُروبا.
ثمّ عاد إلى طهران وعمل في عدّة وزارات.
وفي سنة ١٣١٩ هـ ش، أصبح سكريتراً لرئاسة الوزراء، ثمّ رئيساً عامّاً للدائرة الزراعيّة في الدولة.
وفي سنة ١٣٢٠ هـ ش، عيّن رئيساً لبلدية طهران، ثمّ رئيساً لإدارة الإحصاء والجنسية العامّة.
وفي سنة ١٣٣٠ هـ ش، استلم منصب نائب المتولّي العام لحضرة الإمام الرضا(عليه السلام) في مدينة مشهد المقدّسة، وفي حكومة الدكتور مصدق استلم حقيبة وزارة الداخليّة.
وفي سنة ١٣٣٤ هـ ش، أصبح محافظاً لمدينة مشهد المقدّسة، وهي السنة التي أرسل فيها هذه الرسالة للسيّد هبة الدين شهرستانيّ المؤرخة ٤/٦/١٣٣٤ هـ ش.
انظر: كتاب «شمس الشموس» لاحتشام كاويانيان، و«دائرة المعارف آستان قدس رضوي: ٤٩٢» .


الصفحة 392

الرسالة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى حضرة جناب المحترم والعالم المعظّم، آية الله العظمى السيّد الشهرستانيّ دامت بركاته.

بعد السلام والتحيّة والاحترام

حسب الأمر الموجّه من جنابكم، تمّ إرسال سبعة نُسخ من الرسالة عن طريق البريد الإيرانيّ، وهي التي اُرسلت إلينا، وقد طُبعت ثمّ نُشرت بواسطة السيّد (استاندار) المحافظ(1)، وقد ضممنا إليها رسالة العالم المحترم السيّد فخر

____________

1- هو مصطفى قلي‌رام، الذي تقدّمت ترجمته.
والظاهر أنّ المقصود من الرسالة التي تمّ طبعها ونشرها، هي فتوى السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، في حرمة بعض الشعائر الحسينيّة، وفي مقدّمتها التطبير، كما تدلّ القرائن على ذلك الموجودة في هذه المجموعة.


الصفحة 393
اليزديّ(1)، وتمّ إرسالها إليكم بواسطة السفارة العراقيّة في طهران، ونأمل وصولها إليكم إن شاء الله تعالى.

وحسب ما أمرتم به، أردتُ أن أنشر فتواكم بعينها في الجريدة، لكن المحافظ المحترم لم يرَ المصحلة في ذلك.

ونحن ـ طبعاً ـ قد كتبنا بعض المقالات المرتبطة بمنع التطبير، والجرح بالموسي، وإخراج الشبيه. وكان هذا الأمر والموضوع موجباً لانزعاج المحافظ المحترم، وكذلك رجال الشرطة.

علماً بأنّ جريدة >خراسان< كانت تبحث عن الفرصة كي تُثير الفتنة، فقد اغتنمت هذه الفرصة، وحرّضت المواكب الشيعيّة الحسينيّة ضدّ جريدة >آفتاب شرق<(2) ـ شمس الشرق ـ حيث نشرت جريدة >خراسان< مقالاً

____________

1- محمود فخر يزديّ الذي يُلقّب بـ «فخر الإسلام»، أحد رجال الدين في مدينة مشهد المقدّسة.
كان أحد المتعاونين مع رجال الأمن والدولة، زمن الشاه محمد رضا الپهلوي.
ذكرت جريدة «كيهان» أنّه قد تمّ تنفيذ حكم الإعدام به، في اليوم الثالث من شهر ارديبهشت سنة ١٣٥٨ هـ ش = ١٣٩٩ هـ ق، بتهمة التعاون مع رجال الأمن والاستخبارات، وارتكابه لجرائم اُخرى.

2- «آفتاب شرق» ـ شمس الشرق ـ إحدى الجرائد الإيرانيّة، صدر العدد الأوّل منها سنة ١٣٠٣هـ ش = ١٣٤٣ هـ ق.
كانت في بداية أمرها اسبوعيّة، ثمّ صدر منها في الأسبوع ثلاثة أعداد، ثمّ توقّفت عن الصدور عدّة مرات، وعاودت الصدور سنة ١٣٣٣هـ ش=١٣٧٣هـ ق كجريدة يومية في طهران ومشهد.
مؤسّسها وصاحب امتيازها علي‌رضا آموزگار، وبعد وفاته سنة ١٣٣٣ هـ ش، أدار هذه الجريدة زوجته نرگس آموزگار، وابنه عبد الحسين، واستمرت في الصدور إلى سنة ١٣٥٧هـ ش=١٣٩٧هـ ق.
كانت هذه الجريدة تعتبر من الصحف المؤيّدة لنظام الشاه محمّدرضا الپهلوي، وفي يوم ١٩ دي سنة ١٣٥٦هـ ش=١٣٩٧هـ ق في الأيام الاُولى للثورة الإسلامية في إيران، كتبت هذه الجريدة مقالة أساءت فيها للإمام الخميني رحمه الله، ممّا أدى إلى غضب الكثير من المؤمنين ورجال الدين واحتجاجهم على هذا العمل الشنيع. وبعد نجاح الثورة الإسلاميّة في إيران سنة ١٣٥٧هـ ش=١٣٩٨هـ ق تمّ منع هذه الجريدة من الصدور.
انظر: روزنامه و روزنامه‌نگاري خراسان: ١٠٥ .


الصفحة 394
مشفوعاً بالسبّ والشتم والعبارات السخيفة، حتّى قرّر أهل المواكب الهجومَ على مطبعة جريدة >آفتات شرق<.

ومن حُسن الحظ قد اُخبرت بذلك، ودافعت عن فتواكم المتعلّقة بمنع التطبير والجرح بالمواسي، ودعمتها بشجاعة عالية وقوّة شديدة، وقد استفدتُ من فتواكم هذه كثيراً.

وبحمد الله تعالى سأواصل هدفكم، وأقوم بنشر هذه المواضيع في الجريدة، وأجعلها في متناول أيدي الناس ليل نهار، آملاً دوام هذه الجريدة تحت ظلّ الأئمّة الأطهار، وحضرة الشاه المعظّم، ودعم جنابكم الكريم.

فلن أنثني عن الدفاع بالكلام، وسأمضي قُدماً نحو نشر الوعي بين عموم الناس.

وسأقوم متعاقباً بإرسال عددٍ واحد من الجريدة لمكتبتكم في مدينة


الصفحة 395
الكاظميّة المقدّسة، وبعد أن تقرأوها تتفضّلون علينا بأوامركم وملاحظاتكم، ونحن على استعداد كامل بتنفيذ ما تتفضّلون به.

وإنّ جناب السيّد آموزگار(1) وحجّة الإسلام السيّد فخر اليزديّ، يبلّغونكم سلامهم، ويقولون: لم يصل إليهم إلّا البرقيّة >التلغراف<، والبطاقة التي أرسلتموها لهما من طهران فقط.

وأمّا في ما يتعلّق بفتواكم، فهناك دسيسة وحيلة ومخطّط، قام به بعض الأشخاص الطامعين في المناصب، والذين تعلمون أنّ لهم يداً في ذلك. وقد قاموا في يوم عاشوراء ـ عمداً ـ بالجرح بالمواسي، ولم أذكر هذا إلّا لمزيد الاطّلاع.

أسألكم الدعاء، وأرجو أن لا تحرمونا من ألطافكم، واُقبّل يدكم الشريفة عن بُعد.

محمّد نجاتي(2)

آفتاب شرق (شمس الشرق) ـ مشهد

٣١/٦/١٣٣٤ هـ ش

____________

1- عبد الحسين آموزگار بن علي‌رضا، ولد في مدينة مشهد المقدّسة سنة ١٢٩٩هـ ش=١٣٣٩هـ ق، وبدأ بالعمل الصحافي والإعلام سنة ١٣١٨هـ ش=١٣٥٨هـ ق، وبعد وفاة والده سنة ١٣٣٣هـ ش= ١٣٧٣هـ ق وبالتعاون مع والدته، تصدى لإدارة جريدة «آفتاب شرق» ـ شمس الشرق ـ إلى أن توقّفت عن الصدور سنة
١٣٥٧هـ ش=١٣٩٨هـ ق.
استلم عدّة مناصب زمن الشاه محمّدرضا الپهلوي، منها: عضو المجلس المحلّي في مدينة مشهد المقدّسة، وعضو المجلس الوطني «البرلمان» عن مدينة مشهد المقدّسة أيضاً.

2- محمّد نجاتي، أحد المساعدين لعبد الحسين آموزگار، صاحب جريدة «آفتات شرق».


الصفحة 396


الصفحة 397

(١٤) مقالة مجلّة >خواندنيها< ـ المقروء ـ(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 398


الصفحة 399

مقالة مجلّة >خواندنيها<ـ المقروء ـ(1)

اتصل ـ تلفونيّاً ـ أحدُ الشخصيّات العلمائيّة الكبار برئيس الوزراء، وحذّره من وقوع حوادثٍ خطيرة، وذلك على أثر فتوى أصدرها آية الله الشهرستانيّ، في ما يتعلّق بالمنع والنهي عن التطبير واللطم.

وقد أخذت هذه الفتوى مأخذاً كبيراً في المحافل العلميّة، وبين رجال الدين والسياسيّين في طهران، ممّا دفع مجموعة من علماء قم وطهران والنجف الأشرف ـ المعروفين ـ أن يقوموا بإرسال برقيّات إلى رجال السلطة

____________

1- مجلّة «خواندنيها» من أقدم المجلّات الصادرة في إيران، صدرت من سنة ١٣١٩ هـ ش = ١٣٥٩ هـ ق، إلى سنة ١٣٥٨ هـ ش = ١٣٩٨ هـ ق، مؤسّسها وصاحب امتيازها علي‌أصغر أميرانيّ (ت ١٣٦٠هـ ش = ١٤٠١ هـ ق).
وكانت في بداية إصدارها عبارة عن تجميع لعدّة مقالات من هنا ومن هناك، لتطبع في جزء مستقلّ، وبعد أن انتمى إليها مجموعة من الكُتّاب والمترجمين، أخذت تصدر بشكل منظّم كمجلّة.
وقد مُنعت من الإصدار عدّة مرّات، وآخر عدد صدر منها كان سنة ١٣٥٨ هـ ش = ١٣٩٩ هـ ق، وبعدها قام مديرها ومؤسّسها بايقاف أصدارها.
وكان علي‌أصغر أميرانيّ من المقرّبين للشاه الپهلوي محمدرضا والعاملين معه، لذلك تمّ إعدامه سنة ١٣٦٠ هـ ش = ١٤٠١ هـ ق. انظر: روزنامه وروزنامه نگاري.


الصفحة 400
الكبار، ويحذّرونهم من تطبيق هذه الفتوى، وكانت نتيجة ذلك عدم نشر هذه الفتوى المذكورة.

وكان عُمر آية الله الشهرستانيّ ثمانين سنة تقريباً، وهو من كبار علماء العراق، وأحد مراجع الشيعة الكبار فيه. وهو الشخص الوحيد الذي قام باستقبال الشاه المعظّم لمّا سافر إلى العراق في الخامس والعشرين من شهر مرداد، حيث لم يخرج لاستقباله أحدٌ من علماء العراق الكبار.

ولذا وجّهت إليه دعوة ملكيّة لاستضافته في طهران السنة الماضيّة، وقد أتى مرّة اُخرى في هذه السنة إلى طهران، ومنها سافر إلى مدينة مشهد المقدّسة، والتقى في طهران بالعلماء المنفتحين، وطلبوا منه أن يمنع المظاهرات المخالفة لمعنويات الشرع، ويستغل وجاهته في إيقاف هذا الأمر، ثمّ يصدر فتواه بشكل علنيّ.

ولمّا أصدر السيّد الشهرستانيّ فتواه علناً، ثارت حفيظة بعض العلماء، الذين كانوا يعتقدون عدم مخالفة التطبير واللطم للشرع المقدّس، كما أنّه كتب عن ذلك في بعض الصحف والمجلّات.

ثمّ ابتدأ هؤلاء باتخاذ المواقف الحاسمة، وقاموا بإصدار فتاوى مخالفة لفتواه المذكورة، وطلبوا من السلطة الحاكمة أن تمنع من انتشار فتوى آية الله الشهرستانيّ، واستدلّوا على ذلك باحتمال وقوع حوادث في المحافظات والنواحي البعيدة، التي يعتقد أهلها أنّ اللطم والتطبير وقراءة التعزية ليست إلّا عادات دينيّة يقومون بها.

وقد حكت الأخبار الواردة في تلك الليلة عن وجود أرضيّة تمهّد لتلك الحوادث، ولهذا حصلت عدّة اتصالات بين رجال الدولة والشرطة وبين علماء كبار وسياسيين، وكان ذلك يوم السبت، حتّى أنّ أحد العلماء اتّصل ـ تلفونيّاً ـ


الصفحة 401
برئيس الوزراء وحذّره من ذلك.

وأنتج ذلك تأخير نشر هذه الفتوى التي كانت لآية الله الشهرستانيّ، على احتمال وقوع حوادث في يوم تاسوعاء وعاشوراء، على أثر اجتماع الناس فيها، فلذا اُخّر نشر الفتوى إلى وقت مناسب.

وكانت هذه الفتوى تتضمّن التصريح بأنّ التطبير واللطم وقراءة التعزية، ليست إلّا عادات ورثها المسلمون من الاستعمار، فانتشرت بينهم، ثمّ استدلّ على ذلك بكلام الإمام الحسين(عليه السلام) حيث يقول: >إذا أنا متُ فلا تلطموا عليّ الصدور ولا تشقّوا عليّ ثوباً<(1).

وبعد ذكر الاستدلال مفصّلاً، استنتج وجوب امتناع المسلمين ومشاركتهم في هذه المظاهرات.

____________

1- عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين(عليهما السلام) أنّه قال ـ في حديث طويل ـ لاُخته زينب(عليها السلام): «يا اُختاه، إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عنده». انظر: المعالم ـ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ ١٧: ٢٤٦، عن الإرشاد للشيخ المفيد: ٢٥٩، وبحار الأنوار: ٤٥/١ .
وقال السيّد ابن طاووس في «الملهوف ـ اللهوف على قتلى الطفوف ـ : ١٤١، إنّه(عليه السلام) قال لها: «يا اُختاه، تعزّي بعزاء الله، فإنّ سكّان السموات يموتون، وأهل الأرض لا يبقون، وجميع البريّة يهلكون».
ثمّ قال: «يا اُختاه يا اُمّ كلثوم، وأنتِ يا زينب، وأنتِ يا رقيّة، وأنتِ يا فاطمة، وأنتِ يا رباب، اُنظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققن عليَّ جيباً، ولا تخمشن عليَّ وجهاً، ولا تقلن عليَّ هجراً».


الصفحة 402
وعلى أيّ حال، لمّا قرّروا عدم نشر فتوى السيّد الشهرستانيّ، قام أحد العلماء المعروفين في طهران بإرسال فتوى مرتبطة باللطم، إلى الإذاعة؛ كي يتمّ إذاعتها وقراءتها في الراديو، وكانت هذه الفتوى مجوّزة للّطم. ولكن بعد المشاروة تمّ رفض قراءتها، وصار ذلك ردّاً على كلمة العلماء المنتقدين.

مجلّة >خواندنيها< ـ المقروء ـ

العدد ١٠٠، السنة ١٥

شهريور ١٣٣٤ هـ ش [١٣٧٤ هـ ق]


الصفحة 403

(١٥) كيف يصبح الفعل المحرّم ـ في المأتم الحسينيّ ـ حلالاً؟


الصفحة 404


الصفحة 405

كيف يصبح الفعل المحرّم ـ في المأتم الحسينيّ ـ حلالاً؟

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ البعض يُحلّل المحرّمات التي حرّمها الشرع المقدّس، ونهى عنها بشدّة، ويجيزها؛ لإفراطه في محبّة أهل البيت(عليهم السلام)، وشدّة ولائه لهم؛ محتجّاً في ذلك بتعظيم الشعائر، فيجعل المرفوض مقبولاً، غافلاً عن عدم انقلاب المحرّم إلى محلّل أبداً، إلّا أن يحلّل بالحكم الثانوي، كالكذب المحرّم، فإنّه يُحلّل في خصوص أداء الشهادة والقضاء، إذا كان تتوقّف عليه حياة فردٍ مؤمن، أو حفظ نفس أو مال، فإنّه يجوز حينئذٍ.

جاء في الخبر المعتبر: >حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمّد حرام إلى يوم القيامة<(1)، فإنّ شرب الخمر أمرٌ محرّمٌ، ولا يكون محلّلاً، مهما اُضيف عليه عنوان الحليّة، فتبقى الحرمة غالبة على الحليّة، إلّا أن ينحصر شفاء المريض بشربه، فحينئذٍ يخرج من عنوان الحرمة إلى الوجوب، ويُطلق عليه أنّه حلال.

وكذلك الأمر في إقامة العزاء على أهل البيت(عليهم السلام)، الذي هو أمر مستحبّ مؤكّد، فهل يمكن أن نُدخل فيه الأفعال المحرّمة، كالتطبير، والإيذاء

____________

1- انظر: وسائل الشيعة ٢٧: ١٦٩ حديث ٣٣٥١٥، عن المحاسن للبرقي: ٢١٥ حديث ١٠١ .


الصفحة 406
بالجرح والسلسلة، وإلقاء القفل على البدن؟! ومن العجب أنّهم يجيزون بعض هذه الأفعال، ويعدّونها من العزاء.

وفي كردستان، كان الناس يجتمعون على شكل حلقات في أيام عاشوراء، وتُعزف فيها الموسيقى، ويُسمع منها صوت النايّ، وقد اُعدّت طُشوت الخمر والمشروبات الغازيّة، ثمّ تُقسّم على المستمعين؛ للتبرّك، وينادي الساقي بأعلى صوته: >سبيل ياعطشان<، فيسقى في سبيل الله، ويرتفع نداء: >يا حسين< أثناء العزف على النايّ.

فلماذا لا يُحرّمون هذه الأفعال ولا ينكرونها؟ بل تراهم يجوّزونها، والحال أنّ المحرّم يبقى محرّماً، سواء كان متعلّقه هذا الأمر أو غيره، أي العزاء الحسينيّ أو غيره، فهل نُحلّل ما يفعله الأكراد؛ بناءً على تحليل ما يفعله الأتراك في >الشاخصين<(1)؟!

وكذلك يقال: إنّهم يُحضرون شبيهاً لعروس القاسم(عليه السلام)، وقد قاموا بنقش وجوههم، حتّى يؤدّي هذا العمل بعض الأحيان إلى التقبيل المحرّم. فهل نُحلّل هذا أيضاً؟! أو نُحلّل السرقة التي يقومون بها لأجل إعداد مستلزمات التعزية؟! وهكذا لابُدَّ أن نُحلّل كلّ فعلٍ محرّم؛ لأجل إقامة العزاء

ـ والعياذ بالله ـ .

والحاصل، ليس علينا إلّا أن نختار أمراً من أمرين:

____________

1- أصلها «شاه حسين»، وهو النداء الذي كان يطلقه المعزّون أثناء إقامتهم لعزاء الإمام الحسين(عليه السلام)، وبما أنّ البعض يُبدّلون «الهاء» «خاءً» فأصبحت الكلمة «شاخسين» ثمّ تحوّلت إلى «شاخصين».
وقد وضّحها المؤلّف في رسالة رقم ٨ «ماذا حدث؟ ومتى ظهر التطبير؟».


الصفحة 407
إمّا أن نلتزم بالموازين الشرعيّة، فنعتبر الحرام حراماً، سواء كان متعلّقه العزاء أم غيره.

وإمّا أن نلتزم بالحكم الثانويّ، فنقول: إنّ المحرمّات تُحلّل بالحكم الثانوي، سواء كان المتعلّق العزاء أم غيره.


الصفحة 408


الصفحة 409

(١٦) باب الصبر والجزع والاسترجاع


الصفحة 410


الصفحة 411

باب الصبر والجزع والاسترجاع

نقلاً عن >مرآة القعول<(1) في شرح >الكافي<(2) ج٢ ص٩١ .

____________

1- «مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول»، للعلّامة المجلسيّ المولى محمّد باقر ابن المولى محمّد تقيّ الأصفهانيّ، (ت ١١١١هـ )، وهو شرح على جميع كُتب الكافي من الاُصول والفروع والروضة.
وأمّا كتاب الخمس فليس مُدرجاً في أصل كتاب «الكافي» مستقلّاً، وإنّما ذكر أخباره في سائر الكتب، وقد استخرج تلك الأخبار من سائر كتبه، ورتّبها وجمعها، بعض الفضلاء، وطُبع بعنوان «كتاب الخمس» في مجلّد الفروع.
وهذا الشرح لطيف مفيد جدّاً، بل هو أحسن شروحه، ويقرب من مائة ألف بيت في أربع مجلّدات».
انظر: الذريعة ٢٠: ٢٧٩ رقم ٢٩٧٠ .

2- «الكافي في الحديث»، وهو أجلّ الكتب الأربعة الاُصول المعتمد عليها، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول. لثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينيّ الرازي (ت ٣٢٨هـ )، مشتمل على أربعة وثلاثين كتاباً وثلاثمائة وستة وعشرين باباً، وأحاديثه حُصرت في ستة عشر ألف حديث. كتبه في الغيبة الصغرى في مدّة عشرين سنة، ولم يُصنّف مثله في الإسلام، وقد طُبع اُصوله وفروعه مكرّراً في غاية اللطافة والتنقيح والتصحيح».
انظر: الذريعة ١٧: ٢٤٥ رقم ٩٦ .


الصفحة 412
الخبر الأوّل: ضعيف.

عدّة من أصحابنا ... بالأسانيد إلى أبي جعفر(عليه السلام) .. عن جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: ما الجزع؟

قال: >أشدّ الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجزّ الشعر من النواصي. ومَن أقام النواحة، فقد تركَ الصبرَ، وأخذ في غير طريقه. ومَن صبرَ واسترجع وحمد الله عزّ وجلّ، فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله. ومَن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم، وأحبط الله تعالى أجره<(1).

قال المجلسيّ في الشرح: >العَويلُ: صوتُ الصدر بالبكاء.

وفي >القاموس<: >أعوَلَ: رفعَ صوتَهُ بالبكاء والصِياح، كَعَوَّل، والاسمُ العَولُ والعَولَةُ والعَويلُ<(2).

وفيه: >اللَّطمُ: ضَرْبُ الخَدِّ وصَفْحةِ الجَسدِ بالكَفّ مَفتوحة<(3).

قال الشهيد رحمه الله في >الذكرى<: >يحرم اللطم، والخدش، وجزّ الشعر إجماعاً ـ قاله في >المبسوط<(4) ـ ولما فيه من السخط لقضاء الله<.

____________

1- الكافي ٣: ٢٢٢ حديث ١ باب «الصبر والجزع والاسترجاع».

2- القاموس المحيط ٣: ٥٨٠ «عالَ».

3- القاموس المحيط ٤: ١٤٨ «لطمَ».

4- المبسوط ١: ١٨٩ .


الصفحة 413
ثمّ قال: >واستثنى الأصحاب ـ إلّا ابن إدريس(1) ـ شقّ الثوب على موت الأب والأخ؛ لفعل العسكريّ(عليه السلام) على الهادي(عليه السلام)(2)، وفعل الفاطميّات على الحسين صلوات الله عليه(3).

____________

1- السرائر ١: ٢٣٥ .

2- وسائل الشيعة ٣: ٢٧٤ حديث ٣٦٣٣، عن من لا يحضره الفقيه ١: ١١١ حديث ٥١١ .

3- «قال عليّ بن الحسين(عليهما السلام): إنّي جالس في تلك اللّيلة، التي قُتل أبي في صبيحتها، وعندي عمّتي زينب تمرّضني، إذ اعتزل أبي في خباء له، وعنده فلان مولى أبي ذر الغفاريّ، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:

يا دهر اُفٍّ لك من خليلِكم لك بالاِشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيلِوالدّهر لا يقنع بالبديل
وإنّما الأمر إلى الجليلِوكلُّ حيّ سالك سبيلي

فأعادها مرّتين أو ثلاثاً، حتّى فهمتها وعلمت ما أراد، فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أنّ البلاء قد نزل، وأمّا عمّتي زينب فلمّا سمعت ما سمعتُ، وهي امرأة، ومن شأن النساء الرقّة والجزع، فلم تملك نفسها أنْ وثبت تجرّ ثوبها وهي حاسرة حتّى انتهت إليه، وقالت:
واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت اُمّي فاطمة، وأبي عليّ، وأخي الحسن، يا خليفة الماضي وثمال الباقي.
فنظر إليها الحسين(عليه السلام) وقال لها: يا اُخيّة لا يذهبنّ حلمك الشيطان! وترقرقت عيناه بالدموع، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام.
فقالت: يا ويلتاه، أفتغتصب نفسك اغتصاباً؟ فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي، ثمّ لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقّته، وخرّت مغشياً عليها.
فقام إليها الحسين(عليه السلام) فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: إيه يا اُختاه اتقي الله وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وإنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه الله تعالى، الذي خلق الخلق بقدرته، ويبعث الخلق، ويعودون إليه، وهو فرد وحده، جدّي خير منّي، وأبي خير منّي، واُمّي خير منّي، وأخي خير منّي، ولي ولكلّ مسلم برسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) اُسوة، فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها:
يا اُختاه إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندي».
انظر: المعالم ـ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ ١٧: ٢٤٧، عن الإرشاد للشيخ المفيد: ٢٥٩، وبحار الأنوار ٤٥/١ .


الصفحة 414
وفي >نهاية< الفاضل: >يجوز شقّ النساء الثوب مطلقاً<(1)، وفي الخبر إيماء إليه.

وفي >المبسوط<: >رُوي جواز تخريق الثوب على الأب والأخ، ولا يجوز على غيرهما<(2).

ويجوز النوح بالكلام الحسن وتعداد فضائله<(3).

انتهى إلى آخر ما جاء في >مرآة العقول< من كتاب الجنائز، وكذلك في كتاب >الوافي<(4).

____________

1- نهاية الأحكام ٢: ٢٩٠ .

2- المبسوط ١: ١٨٩ .

3- مرآة العقول ١٤: ١٨١ـ١٨٢ .

4- الوافي ٣: ٢٤٠ .
في هامش النسخة الخطيّة لهذه الرسالة وردت العبارة التالية:
«فصل: في ادعاء إجماع المجتهدين في هذه المسألة:
بعد مراجعتنا لكتاب «الرسائل» للمرحوم الشيخ الأنصاري، وكتاب «عوائد الأيام» الصفحة ٢٦٢ للمرحوم الشيخ النراقيّ ـ طيّب الله ثراهما ـ بخصوص ما يتعلّق بالإجماعات الكليّة، هل هي شاملة للأفراد الجزئيّة، أو لا؟ لأنّه لا يُفهم الإطلاق والعموم من الدليل اللبيّ، وكذلك في الصفحة ٢١٧ من هذا الكتاب المذكور، وسائر كتب الاُصول».


الصفحة 415


الصفحة 416


الصفحة 417

(١٧) هل تُعدُّ أعمال عاشوراء عزاءً؟ أو هي نزوات نفسانيّة؟(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 418


الصفحة 419

هل تُعدُّ أعمال عاشوراء عزاءً؟ أو هي نزوات نفسانيّة؟

إنّ كلّ مُنصف غير مُتحيّز، حينما ينظر إلى هذه الأعمال ـ التي يقوم بها جهّال العوام في يوم عاشوراء ـ يحكم أنّها جملة من النزوات النفسانيّة، أعمّ من الألحان التي تُعزف بواسطة الطَبل، والصّنج، والدف، والدنبك، والناي(1)،

____________

1- تعّرض الأعلام في رسائلهم المطبوعة ضمن «رسائل الشعائر الحسينيّة»، إلى أنواع الآلات الموسيقيّة المستعملة في مواكب العزاء، وبيّنوا حكمها الشرعي، كـ : «نصرة المظلوم»، «كلمات تامّات»، «المواكب الحسينيّة»، «الأنوار الحسينيّة»، «النقد النزية لرسالة التنزيه»، وغيرها.
وقد ركّز أصحاب هذه الرسائل على ثلاثة أنواع من هذه الآلات، وهي: الطَبْل، والبُوق، والصّنج، وبيّنوا أنواعها، والمحرّم منها الذي يستعمل في مجالس اللهو والفسوق، وأكّدوا على أنّ المستعمل في مواكب العزاء ليس محرّماً.
ونحن نكتفي بذكر عبارة الشيخ حسن المظفّر (ت ١٣٨٨هـ.) في رسالته «نصرة المظلوم»؛ لما فيها من الاختصار والشموليّة، إذ قال:
الطَبْلُ
المعبّر عنه بلسان العامة (الدمّام)، وهو موضوع العناية من الكلام، أمّا غيره ممّا قد يُستعمل في بعض البلدان، كالمسمّى عندهم (نقّارة)، فلا ريب في حرمته.
ذكر العلاّمة في التذكرة ٢: ٤٨٣، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ١٠: ١٠٧، أقسام الطبول وعدّا منها: «طبل الحرب الذي يُضرب به للتهويل، وطبل القافلة الذي يُضرب به للإعلام بالنزول والارتحال، وطبل العطّارين: وهو سفط لهم، وطبل اللهو وفسّر بالكوبة».
ولكن نظراً إلى اشتراك الكوبة بين معان، بعضها ليس من أقسام الطبول، وبعضها الآخر طبل لهو كما ستعرفه، مثّل له العلاّمة بما «يضرب به المخنّثون من طبل وسطه ضيّق وطرفاه واسعان» وقد صرّحوا بجواز استعمال ما عدا الأخير منها وبيعها وشرائها والوصيّة بها، وادّعى في التذكرة الإجماع على ذلك.
ولا ريب أنّ هذه الطبول جميعاً يمكن أن يضرب بها ضرباً لهوياً كما يستعمله أهل الطرب، فلمَ جوّزوا استعمالها؟
أليس لأنّها ما أعدّت ولا هيّئت لذلك؟
أليس لكون الضرب العادي بها ليس ملهيّاً ولا مطرباً؟ بل هو ضرب إعلام وتنبيه، كما هو الشأن في الطبل المستعمل في العزاء.
الطبل العزائي لو كان من الآلات المشتركة بين اللهو وغيره، فلا ريب أنّ استعماله ليس لأجل الطرب ولا على الكيفيّة المطربة، ولهذا عدّ كاشف الغطاء في عداد ما كان راجحاً لعنوان راجح ينطبق عليه أكثر ما يقام في العزاء من «دقّ طبول وضرب نحاس وتشابيه صور».
قد رأينا طبل الحرب أيام الحرب العامّة عند أعراب نجد في النجف، وطبل القافلة عندهم منذ كان الحاج العراقي يسير برّاً على طريق جبلي طي، وهما عين الدمّام المتعارف استعماله اليوم في المواكب العزائية في النجف.
إنّ طبل الحرب والقافلة وطبل العزاء في الشكل والحجم سواء، وفي كون الضرب عليها بآلة لا باليد سواء، وفي كون الضرب منتظماً انتظاماً خاصاً سواء، وفي كون الغرض من ضربها التنبيه والإعلام سواء، فما هو الفارق بينهما إذاً؟!
إنّ طبل اللهو يفارق هذه الطبول في جميع هذه الخواص عدا الانتظام، بيد أنّه في طبل اللهو على كيفيّة خاصة يعرفها أهل الملاهي ولا يجهلها كلّ أحد، وتلك الكيفيّة غير حاصلة في ضرب الدمّام.
ومع قطع النظر عن جميع ما أسلفته، أوقفك على أمر يكفيك في الحكم بجواز الدمّام، وهو أنّه لم يقع لفظ الطبل في شيء من الأدلّة موضعاً للحكم ليؤخذ بإطلاقه، وليدفع الإطلاق بكون المراد طبل اللهو، أو يراد بضربه الضرب الملهي وإنّما الموجود في الأدلّة الكبرات والكوبات.
والكَبَرُ ـ بفتحتين ـ الطبل ذوالوجه الواحد، وهذا ليس إلّا طبل اللهو، فإنّ ما عداه بوجهين.
والكُوبَةُ ـ بالضمّ ـ البربط: وهو العود أو النرد أو الشطرنج أو طبل صغير.
وفي الصحاح ١: ٢١٥ «كوب»: طبل صغير مخصّر.
وهذا أيضاً ليس سوى طبل اللهو; لأنّه الصغير، ولو كان غيره كوبة ـ أي طبلاً صغيراً ـ لم يبق للطبل الصغير مصداق أبداً.
وإذا كان لفظ الطبل لم يقع موضوعاً للحكم، فلا مساغ للمنع عنه إلّا بدعوى أنّ كلّ طبل آلة لهو، وأنّ كلّ آلة لهو يحرم جميع أنحاء الاستعمال بها على جميع الكيفيات، وهذا ما لا أظنّ بأحد أن يقول به.
ومع هذا كلّه فالاحتياط بترك الطبل كلّه; لأنّ تذكارات سيّد الشهداء من أهم الأعمال التي يعتبر فيها الإخلاص لله في إقامتها، وتعريتها عن كلّ ما يحتمل تحريمه فضلاً عن معلوم الحرمة.
البُوق
المعبّر عنه في لسان العامّة (البوري)، لم يعهد استعماله قديماً وحديثاً لأهل الطرب والملاهي كالعود والأوتار والمزامير، وانّما يستعمل في الحرب للتنبيه ولحشر الجنود وتسيير المواكب لحرب أو لغيرها، فهو في الحقيقة آلة تنبيه وإعلام، لا آلة طرب نحو الآلة الصغيرة الصافرة التي يستعملها الشرط والحرس اليوم للتنبيه ليلاً نهاراً.
ومن عرف الخاصيّة الطبيعيّة لهيئته الوضعيّة يعرف بأنّه يستحيل أن يخرج بالنفخ فيه صوت مطرب، ولذلك يحصل الجزم لكلّ عارف به أنّه ليس من المزامير المعدودة من آلات اللهو.
ابتدع الشكل الطبيعي للبوق لأجل خروج صوت عال مرتفع مستهجن، يبلغ بارتفاعه وهجنته مالا يبلغه أرفع صوت مجرّد، وهو كلما دقّ موضع النفخ منه واتسعت فوهته العليا زاد صوته ارتفاعاً وهجنة.
فلارتفاعه استعمل لتنبيه الجند، ولهجنته جعل جزء من «الجوق الموسيقي» للتأليف بين نحو عشرين صوتاً من الأصوات المختلفة في نفخة واحدة; لحصول الطرب بالمجموع، ولكنّه لو انفرد لايكون ولا يصلح لذلك، ولذلك لاينبغي عدّه من الآلات المشتركة بين اللهو وغيره.
وإذا لم يكن من المزامير ولا من آلات اللهو، فما هو البرهان على تحريمه؟! لم يوجد في الأدلّة ما يتضمّن النهي عن استعماله بخصوصه في ما حضرني من كتب الاستدلال من غير فحص كامل.
الصّنج
وهو مفرد صنوج، المعبّر عنها بلسان العامة اليوم (طوس)، المنهي عنه في المروي في المجمع ٢: ٣١٣، فهو بظاهر الأمر مردّد بين معان ثلاثة، لا يعلم أيها المقصود بالنهي، ولا أنّ النهي نهي تنزيه أو تحريم، فقد ذكروا أنّه آلة بأوتار، ونحاس صغار مدوّر يجعل في إطار الدف، وآلة تتخذ من صفر يضرب إحداها بالأخرى.
وهذا المعنى الأخير ينطبق على ما هو المستعمل اليوم في العزاء الحسيني، لكن من المعلوم أنّ استعمال هذا بالنحو المتعارف الآن في النجف لايمكن قصد التلهّي به والطرب; لأنّه بذاته لا لهو فيه ولا طرب، فكيف يعدّ من آلات اللهو أو المشتركة بينه وبين غيره؟
إنّ دقّ الصّنج المتعارف في المواكب يوجب الضجر لا الطرب، وما هو إلّا كدقّ الصفّارين بمطارقهم الحديدية على قطعات الصفر دقاً منتظماً، ولا يبعد أن يكون هذا كان مستعملاً في الحرب مع الطبل ـ إن كان قديماً ـ وإنّ الصّنج المعدود من آلات الملاهي ليس هو هذا الصّنج، ولا صنج الموسيقى، بل ما يتّخذ من صفر قطعاً، نحو
ما يجعل في إطار الدف، يضع الزافن ـ الراقص ـ كلّ اثنتين منها في إصبعين من أصابع يديه، إحداهما في الإبهام والأخرى في السبابة أو الوسطى، يضرب بأحدهما الأخرى فترنّ رنيناً خفيفاً هو أرقّ من التصفيق صدى وأقرب منه إلى الإطراب، وهذا هو
ما يسمّيه الفرس بلغتهم: «زنك».
وقد اتّفق اللغويون على أنّ لفظ «صنج» فارسي معرّب، وإذا كان فارسيّاً هو تلك الآلة كان النهي مختصّاً باستعمالها لا محالة، وعسى أن تكون تسمية غيره باسمه للمشابهة.
ثمّ إذا كان الصّنج لغةً مردّداً بين المعاني الثلاثة، وكانت الآلة ذات الأوتار وما يجعل في إطار الدفّ قدراً متيقّناً ممّا جعل موضوع الحكم، وما عدا ذلك مشكوك الفرديّة له، كان مقتضى أصول الفنّ ـ لمن لايوجب الاحتياط في الشبهة المفهوميّة ـ أن يقول بجوازه لاحرمته.
وكم من فرق بين هذا وبين كاشف الغطاء ـ واللغة بمرئى منه ـ يعدّ من الأمور الراجحة «دقّ طبل إعلام وضرب نحاس» وظنّي أنّه حمل الصّنج المنهي عنه على خصوص المطرب منه، ملاحظة للمناسبة بين الحكم وموضوعه.
على أنّ حمل ذلك النهي على التحريم لاقرينة عليه، ولا إجماع بالفرض، لاسيما والنهي الوارد بلفظ التحذير لابهيئة النهي ولا بمادّته.
انظر: «نصرة المظلوم» المطبوعة ضمن «رسائل الشعائر الحسينيّة» ٢: ٤٦٤-٤٧٢ .


الصفحة 420


الصفحة 421
الصفحة السابقةالصفحة التالية