المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 421 - ص 450)


الصفحة 422


الصفحة 423


الصفحة 424
أو ما يُعزف بالفم من دون آلة موسيقيّة، أو الحركات التي يقومون بها من خلال اليد والصدر، ووضع الحجر تحت القدم ثمّ الضرب والقفز عليه، ونحو ذلك من القضايا الموجبة للاستئناس النفسيّ.

ولم يكن الطرب والغناء دليلاً على الحزن والتأسّف والتعزّي،

ولا يُشاهد فيه الأشخاص ذوي القلوب المنكسرة والأفراد الحزينة، وإنّما هو مجرّد محافل للاُنس والاجتماع، ووسيلة لجمع الأموال والمساعدات، ونيل المناصب لهذه الفئآت.

وغاية الأمر، أنّهم يتّخدون من اسم الله والرسول والحسن والحسين والبتول، حجّة لترقية مقاصدهم النفسيّة، ويموّهون على العوام ويستغلّونهم بذلك.

وينبغي أن تكون هذه الاُمور من المعاصي الكبيرة، والسيئآت الشرّيرة.

نعوذ بالله من شرّ شياطين الإنس والجنّ، وشرّ النفس الأمّارة بالسوء.


الصفحة 425

(١٨) نشر فتوى آية الله الشهرستانيّ في تحريم التطبير(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 426


الصفحة 427

نشر فتوى آية الله الشهرستانيّ في تحريم التطبير

ورد في مجلّة >اطّلاعات هفتگي<(1) ـ إطّلاعات الأسبوعيّة ـ الصادرة في طهران، في اليوم السابع من شهر محرّم الحرام، سنة ١٣٣٤ هـ ش = ١٣٧٤ هـ ق، في الصفحة الاُولى، الحقل الرابع والخامس ما يلي:

>طبقاً لفتوى آية الله الشهرستانيّ ـ التي تنصّ على أنّ >التطبير، والضرب بالسلاسل، وإيذاء النفس، اُمور ليس لها أساس ودليل شرعيّ ومنطقيّ<، وبعد صدور هذه الفتوى نشرت الجرائد هذا الخبر في اليوم التالي، واُذيعت من خلال إذاعة طهران ـ قام رجال الشرطة والأمن ـ وبأمر من المسؤولين الحكوميّين ـ بمنع التطبير وضرب السلاسل في أيام العزاء.

وفي نفس اليوم انتشر الخبر بين الناس، الذي مفاده: إنّ السيّد هبة الدين الشهرستانيّ ـ وهو أحد مراجع التقليد لشيعة العام ـ أجاب على استفتاء ورد

____________

1- مجلّة «اطلاعات هفتگي» ـ إطلاعات الأسبوعيّة ـ من المجلّات والجرائد التابعة لمؤسسة «اطلاعات» الإيرانيّة، صدر العدد الأوّل منها في شهر فروردين سنة ١٣٢٠هـ ش=١٣٦٠هـ ق، واستمرت بالصدور إلى الآن، وقد صدر منها لحدّ الآن ٣٧٥٠ عدداً.


الصفحة 428
عليه في ما يتعلّق بحدود إقامة العزاء في أيام عاشوراء، وإحياء ذكرى الإمام الحسين بن عليّ(عليهما السلام)، وما هي وظيفة الشيعة في ذلك.

فجاء الجواب: نُعلمكم بأنّ آية الله الشهرستانيّ، يرى عدم وجود دليل شرعيّ ومنطقيّ، للقيام بأعمال التطبير، وضرب السلاسل، وإيذاء النفس حين إقامة العزاء في تاسوعاء وعاشوراء، وسائر أيام وليالي العزاء.

واستدلّ السيّد في قوله هذا إلى الدلائل الكافية والبراهين القطعيّة، ويرى أنّ هذه الأعمال لم تُؤيّد من قِبل أئمة المذهب، وسوف ننقل نصّ الفتوى الصادرة منه في العدد المقبل من الجريدة ضمن عدّة حقول<.

وفي خبر آخر ورد في الجريدة:

>إنّ الحكومة قرّرت تطبيق هذه الفتوى بعد صدورها، خاصّةً في يومي تاسوعاء وعاشوراء. ولذا انتشر رجال الشرطة والأمن والجيش في طهران، والمحافظات الاُخرى، وجميع أنحاء إيران، وتمّ إلقاء القبض على المتطبّرين، ومَن يُهيئ لهم مستلزمات ذلك، ويمدّهم بوسائل إيذاء أنفسهم.

وكذلك تمّ إلقاء القبض على الضاربين بالسلاسل، والمشجّعين على خروج هذه المظاهرات؛ كي يتمّ القضاء على أمثال هذه المخالفات الشرعيّة.

ومن الواضح أنّه لا إشكال في إقامة المأتم في الهيئآت والمساجد والمنازل، ولا مانع من قراءة التعزية والوعظ والإرشاد لعوامّ الناس، وحثّهم على نيل مكارم الأخلاق واكتسابها من واقعة كربلاء، ومصيبة خامس أهل الكساء، والتعرّف على مناقب الإمام الحسين(عليه السلام)، وباقي أئمّة المذهب الجعفريّ. فإنّ كلَّ ذلك مجاز للناس، وبإمكانهم القيام به بلا مانع.

وبالفعل كان الناس يقومون بما ذُكر، دون أن يمنعهم أحدٌ<.


الصفحة 429
ثمّ كتبت جريدة >طهران< للمرّة الثانية، في اليوم التالي ـ يعني في ليلة الثامن من شهر محرّم ـ في الصفحة الاُولى، في الحقل السادس والسابع، هذه العبارة المرتبطة بمنع التطبير: >أصدر العلماء الأعلام فتاوى كثيرة<.

ثمّ أعلن راديو طهران بياناً يرتبط بهذه الفتوى، التي تمّ الإعلان عنها بالأمس، وهي فتوى آية الله الشهرستانيّ، في حرمة التطبير، وإيذاء البدن في أيام العزاء.

وكان من المقرّر أن يُذاع نصّ الفتوى اليوم، لكن في وقت متأخّر من نفس اليوم، أعلن راديو طهران ما يلي:

كان من المقرّر الإعلان عن أسماء عددٍ من العلماء الأعلام، الذين يُحرّمون التطبير، وبما أنّ الفتاوى في هذا المقام متعدّدة، لذا سنذكر خلاصة جامعة لفتاوى غيره من مراجع التقليد، في ما يتعلّق بإقامة العزاء. ومفاد هذه الفتاوى: أنّه لا إشكال في إقامة العزاء بالطرق المتعارفة، وأمّا التطبير فهو حرام بالفعل، كما كان محرّماً سابقاً.

وأخبر المراسلون أنّ آية الله البهبهانيّ أفتى في مسألة التطبير، ولعلّ فتواه ستنشر في وقت لاحق، حيث كانت فتواه تتضمّن تحريم التطبير وإيذاء النفس.

ولم تكن السلطة الحاكمة والجهات الرسميّة، تتعرّض لذكر نصّ فتوى آية الله الشهرستانيّ، بل سكتت عنها.

وذات مرّة أجاب السيّد الشهرستانيّ، على سؤال أحد الطلبة الفضلاء، في ما يتعلّق بالتطبير وإيذاء النفس حين العزاء، قائلاً: إنّ شجّ الرؤوس وجرح الأبدان بالمواسي، من مستحدثات القرن الماضي، حيث كان الشيعة الأتراك


الصفحة 430
يقومون بذلك؛ لفرط محبّتهم وغلوّهم في الإمام الحسين(عليه السلام)، فطوّروا هذه الأفعال في عاشوراء، حتّى صار اسم >شاخصين<(1)، شعاراً لهم، يُعرفون به في كلّ مكان، وهو من موروثات الاستعمار الاُروبي على إيران والعراق، وقد اتّخذ الآن رونقاً جديداً متطوّراً.

وهنا يطرح سوال: لماذا تطوّرت هذه الأعمال بعد النفوذ الاستعماريّ؟ الله العالم.

ثانياً(2): إنّ العلماء الأعلام والفقهاء العظام، في كلّ زمان ومكان، يجتنبون ويبتعدون عن هذه الأعمال، التي تُقام في عزاء الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، وكانوا يقتصرون على الندب والبكاء واللطم والنياحة؛ تأسّياً بالأئمّة الكرام، واقتداءً بالعلماء الأعلام؛ لأنّ الواجب على المسلمين عدم تجاوز الحدود الشرعيّة.

ثالثاً: إنّ الندبة وإقامة المآتم والعزاء على سيّد الشهداء(عليه السلام)، من المستحبّات المؤكّدة، المستوجبة للثواب الجزيل، بشرط عدم اشتماله على الفعل المحرّم، وعدم مخالفته لشريعة النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم).

وبما أنّ الإضرار بالنفس والبدن، وإراقة الدم، وجرح الإنسان نفسه أو غيره، أمر محرّم، ومرفوض، ومخالف للشريعة الإسلاميّة، لذا يجب على المؤمنين اجتنابه، والابتعاد عنه، ولا يصحّ ضمّ العمل المحرّم إلى العبادات الجائزة أبداً.

____________

1- تقدّم الكلام عن هذه الكلمة في الرسالة رقم ١٥ «كيف أصبح الفعل المحرّم ـ في المآتم الحسينيّ ـ حلالاً؟».

2- لم يتقدّم «أوّلاً».


الصفحة 431
رابعاً: إنّ هذه الأعمال المُستحدثة، المضرّة بالنفس والبدن من جهة، ليس فيها إلّا الإضرار للمجتمع الدينيّ والمذهبيّ، ومن جهة اُخرى إنّها سبب لتشويه سمعة الشيعة في نظر المخالفين لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وموجب لتشنيع أعداء الإسلام، وقد أجمع على ذلك جميع العلماء، إجماعاً ضرورياً، وأعتقد أنّها مخالفة للشرع الإسلاميّ المقدّس.

ولو خالف شخصٌ معلوم النسب هذا الإجماع، فإنّ مخالفته وخروجه

لا يؤدي إلى حلّ الإجماع لدى أهل الحلّ والعقد<.


الصفحة 432


الصفحة 433

(١٩) حكم النوح بطريقة >سوز خوانى<)(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 434


الصفحة 435

حكم النوح بطريقة >سوز خوانى<(1)

السؤال:

تُقرأ مُصيبة سيّد الشهداء(عليه السلام) في الهند بطريقة خاصة، تسمّى >سوز خوانى<؛ اذ يجتمع جماعةٌ حول المنبر، ويقرأون أشعار العزاء معاً بلحن مُحرق للقلب.

وتوجد أيضاً طريقة بنفس الاسم، تُناسب مجالس الغناء والطرب.

ولأجل هذا الشبه بينهما، فقد أفتى جماعة من علماء الهند بمنع القراءة بهذه الطريقة في مجالس العزاء.

ما هو رأي سماحتكم بشأن القراءة بهذا المقام، في مجالس ذكر مصائب أئمّة الهدى(عليهم السلام)؟

الجواب:

والله أعلم بالصواب:

كلّ لحنٍ ومقامٍ يشتمل على أوصاف الغناء، فهو محرّم للقارئ

____________

1- «سوز» أو «سوزناك»: أحد الطرق أو المقامات الموسيقيّة، التي يمكن بها قراءة القرآن والنياحة على الإمام الحسين(عليه السلام).
و«سوز» في اللغة الفارسيّة بمعنى: الحرقة.
وظاهراً يراد به: القراءة مع حرقة القلب وحرارته.


الصفحة 436
والمستمع، سواء كان بطريقة مُحرقة للقلب أم لا، وسواء كانت تصاحبه آلة موسيقيّة، أو كان مجرّد قراءة من دونها.

هذا مضافاً إلى أنّ إجماع فقهائنا (رضوان الله تعالى عليهم)، وكذلك الأخبار الصحيحة(1)، تدلّ أيضاً على حُرمة الاستماع، والتكسّب بالغناء.

والمراد من أوصاف الغناء: ترجيع الصوت وتقطيع وتحريك امتداده بانتظام يوجب الطرب، الذي يحصل من تمرير الصوت في الحنجرة والأنف والحلق.

فكلّ ما كانت الطريقة المذكورة (سوز خوانى) مشتملة على هذه الصفات، فالظاهر حرمة القراءة بها، والاستماع إليها.

وكلّ ما كانت مشتملة على بعض هذه الصفات، فالاحتياط يقتضي حرمة القراءة والاستماع وإن كانت غير ثابتة عندنا.

أمّا بشأن مسألة الشبه بين الطريقتين المذكورتين في السؤال، فالصواب في الإجابة عليها: أنّ مجرّد المشابهة في اللحن المحرق للقلب، لا يوجب الحكم بالجواز أو المنع، بل لابُدَّ من ملاحظة اشتمال ما يُقرأ في تلك المجالس على أوصاف الغناء، كي يصبح محرّماً، أو عدمه مطلقاً، أو في الجملة كي يكون جائزاً.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ إقامة مجالس عزاء أهل البيت(عليهم السلام) بطريقة تُشابه مجالس الطرب والأعمال اللهوية، تُعدّ إهانة لأهل البيت(عليهم السلام)، واقتداء بأشرار بني اُميّة، كيزيد اللعين، والله أعلم بحقائق الاُمور، وإليه النشور.

____________

1- انظر: وسائل الشيعة ١٧: ١٢٠ـ١٢٢ باب ١٥ من أبواب «ما يكتسب به»: باب تحريم كسب المغنّية، و١٢٢ـ١٢٤ باب ١٦ «تحريم بيع المغنّية وشرائها وسماعها وتعليمها».


الصفحة 437

(٢٠) جواب سؤال عن حكم التطبير


الصفحة 438


الصفحة 439

جواب سؤال عن حكم التطبير

السؤال:

ما رأيكم في عادة بعض المسلمين، بضربهم أنفسهم بالزنجيل على أكتافهم، أو بالقامات على الهامات، بحيث يسيل الدم منهم على وجوههم؛ بحجّة أنّهم يَتشبّهون بأصحاب الحسين(عليهم السلام)؟

الجواب:

هذه العادة بدأت في المتأخّرين من الشيعة، وقد سألوني عن حكمها الشرعيّ مراراً، فأجبتُ بتحريم ذلك.

ولمّا نقلوا كلامي في التحريم، إلى سماحة المرحوم آية الله البروجرديّ، أجابهم: بأنّ الحقّ ما قاله السيّد الشهرستانيّ.

ولما اعتذر بعضُ هؤلاء، بأنّه قد نذر ذلك على نفسه وعلى ولده، أجبته بأنّ النذر لا يتعلّق بفعل محرّم، سيما في نذرك على غيرك من أولادك أو أرحامك.

وأمّا تشبّثهم بأنّهم يتشبّهون في ذلك بأصحاب سيّدنا الحسين(عليه السلام)، فذلك اُغلوطة ومغالطة؛ لأنّ أصحاب الإمام الحسين ونحوهم، كانوا يستعملون السلاح على أعدائهم، لا على أنفسهم.


الصفحة 440
وقد بلغني أنّ أعداءنا يتسابقون في أخذ التصاوير لهؤلاء؛ لتباع على مخالفينا بأغلى الأثمان، ومخالفونا ينشرون تلك التصاوير البشعة على أعدائنا؛ لأغراضهم السيئة، والعياذ بالله منهم.

وقد قلت قبل هذا:

رُبَّ شِعارٍ هُو عارٌ ذاتيّكَضَربِ قاماتٍ عَلى هَامات


الصفحة 441

(٢١) حدود إقامة العزاء الحسينيّ(1)

____________

1- أصل المقالة باللغة الفارسيّة.


الصفحة 442


الصفحة 443

حدود إقامة العزاء الحسينيّ

السؤال:

سماحة حجّة الإسلام والمسلمين آية الله سيّدنا هبة الدين الشهرستانيّ مدّ ظله العالي.

أمّا بعد:

لا يخفى أنّ فتاوى حجج الإسلام قديماً وحديثاً، مشعرة بحرمة إدماء الرأس في عاشوراء، وكذا الأعمال التي يزعم بعض الشيعة، أنّ الإتيان بها في مراسيم العزاء على خامس آل العباء ـ أرواحنا فداه ـ يرضي الله تعالى وأولياءه؛ وذلك لجهة أنّها مصداقاً للإضرار بالنفس، مضافاً إلى باقي الأدلّة الشرعيّة القوية، الدالّة على كون تلك الأعمال مخالفة للشريعة المطهّرة ورضى الله تعالى.

لكن مع هذا، كيف بقيت هذه الممارسات إلى زماننا؟! مع أنّ الرسائل العمليّة منذ أيام شيخ المجتهدين الأنصاري(1)، وجميع المجتهدين الكبار

____________

1- الشيخ مرتضى ابن الشيخ محمّد أمين الأنصاري التستريّ النجفيّ، كان(رحمه الله) فقيهاً أصوليّاً متبحّراً في الاُصول، لم يسمح الدهر بمثله، كان أهل زمانه يضربون به المثل في زهده وتقواه وعبادته وقداسته.
حضر على أعلام عصره كالسيّد محمّد المجاهد، وشريف العلماء، والشيخ مولى ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ثمّ اشتغل بالتدريس، وأطبقت الشيعة الإماميّة على تقليده في شرق الأرض وغربها.
ألّف عدّة كتب منها: المكاسب، كتاب الطهارة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الخمس، الفرائد في علم الاُصول، اٌصول الفقه.
مات(رحمه الله) في النجف سنة ١٢٨١ هـ .
انظر معارف الرجال ٢: ٣٩٩ .


الصفحة 444
رضوان الله تعالى عليهم، وكذلك فتوى آية الله العظمى الحاج آقا حسين البروجردي مدّ ظله(1)، وسماحة الشيخ كاشف الغطاء طاب ثراه(2) في: >الفردوس الاعلى<(3)، وباقي رسائله التي

____________

1- تقدّمت ترجمته في الرسالة رقم ١٠ «جواب مغالطات جريدة نواي خراسان ـ صوت خراسان» .
وتقدّمت فتواه في الرسالة رقم ١ «فتوى النائينيّ وكاشف الغطاء وأشباههما في إباحة السلاسل وغيرها».

2- تقدّمت ترجمته في الرسالة رقم ١ .

3- في هذا الكتاب تعرّض الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت ١٣٧٣ هـ) إلى حكم إقامة الشعائر الحسينيّة، في جوابه على سؤال ضمن «المسائل القندهاريّة» التي وردت إليه، والتي طُبعت سنة ١٣٣٩ هـ ، ثمّ قام السيّد الشهيد محمّد علي القاضي الطباطبائيّ بترجمتها إلى العربيّة، وطبعها في أوّل «الفردوس الأعلى» سنة ١٣٧١ هـ في النجف الأشرف، وسنة ١٣٧٢ في تبريز.
انظر الذريعة ١٦: ١٦٥ / ٤٦١ .
وتمام عبارته في «الفردوس الأعلى» المطبوعة ضمن رسائل الشعائر الحسينيّة» ٤: ٣٨٤، هي:
«مسألة لطم الصدور ونحو ذلك من الكيفيّات المتداولة في هذه الأزمنة، كالضرب بالسلاسل والسيوف وأمثال ذلك، إن أردنا أن نتكلّم فيها على حسب ما تقتضيه القواعد الفقهيّة والصناعة المقرّرة لاستنباط الأحكام الشرعيّة، فلا تساعدنا إلّا على الحرمة، ولا يمكننا إلّا الفتوى بالمنع والتحريم؛ فإنّه لا مخصّص للعمومات الأوليّة والقواعد الكلّية من حرمة الإضرار وإيذاء النفس وإلقائها في التهلكة، ولا دليل لنا يخرجها عنها في المقام.
ولكن الذي ينبغي أن يُقال بالقول الصريح: إنّ من قطعيّات المذهب الإماميّ، ومن مسلّمات هذه الفرقة الحقّة الإثني عشريّة، أنّ فاجعة الطفّ والواقعة الحسينيّة الكبرى واقعة عظيمة، ونهضة دينيّة عجيبة، والحسين(عليه السلام) رحمة الله الواسعة، وباب نجاة الاُمّة، ووسيلة الوسائل، والشفيع الذي لا يردّ، وباب الرحمة الذي لا يسدّ.
وإنّي أقول: إنّ حقّ الأمر وحقيقة هذه المسألة إنّما هو عند الله جلّ وعلا، ولكن هذه الأعمال والأفعال إن صدرت من المكلّف بطريق العشق الحسينيّ والمحبّة والوله لأبي عبد الله(عليه السلام) نحو الحقيقة والطريقة المستقيمة، وانبعثت من احتراق الفؤاد واشتعال نيران الأحزان في الأكباد بمصاب هذا المظلوم ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم)، المصاب بتلك الرزيّة، بحيث تكون خالية ومبرّأة من جميع الشوائب والتظاهرات والأغراض النفسانيّة، فلا يبعد أن يكون جائزاً، بل يكون حينئذٍ من القربات وأجلّ العبادات.
وعلى هذا يُحمل ما صدر من أعمال ونظائر هذه الأفعال من أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام)، مثل ما نُقل عن العقيلة الكبرى والصدّيقة الصغرى زينب(عليها السلام) من «أنّها نطحت جبينها بمقدّم المحمل حتّى سال الدم من تحت قناعها».
ومثل ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة في وصف مخدّرات أهل البيت(عليهم السلام): «للشعور ناشرات وللخدود لاطمات».
ولكن المعنى الذي أشرنا إليه لا يتيسّر لكل أحد، وليس شرعة لكلّ وارد، ولا مطمع لكلّ طامع، ولا يحصل بمحض الادّعاء والتخيّل؛ فإنّه مرتبة عالية ومحلّ رفيع، ومقام شامخ منيع، وأغلب الأشخاص الذين يرتكبون هذه الاُمور والكيفيّات لا يأتون بها إلّا من باب التظاهر والمراءات والتحامل والمداجات.
مع أنّ هذا المعنى بغير القصد الصحيح والنيّة الصادقة لا يخلو من إشكال، بل حرام، وحرمته تتضاعف لبعض الجهات والعوارض الحالية والطوارئ المقامية.
وأحسن الأعمال وأنزهها في ذكرى الحسين السبط(عليه السلام) هو النياحة والندبة والبكاء لريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم)، والمظلوم الموتور، والسلام عليه والزيارة له، واللعن على أعدائه، والتبرّي من ظالميه والمشاركين في دمه وقاتليه، والراضين بقتله، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأولاده الميامين المنتجبين».


الصفحة 445


الصفحة 446
شاهدناها(1)، وكذلك ما سمعناه منه و من غيره، كلّ ذلك يدلّ على حرمة هذه

____________

1- مثل رسالة «المواكب الحسينيّة» التي هي عبارة عن ثلاث رسائل وُجّهت له، وأجاب عليها مفصّلة، طُبعت ضمن كتابه «الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات» الذي طُبع ضمن «رسائل الشعائر الحسينيّة» ٣: ١٥٢ .
والملاحظ أنّ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء قال في هذه الرسائل برجحان كافّة الشعائر الحسينيّة، ومنها ضرب الرؤوس بالقامات، المعبّر عنه بـ «التطبير»، وإليك نصّ عبارته، قال(رحمه الله):
«لا ريب أنّ جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده في حدّ ذاته من المباحات الأصليّة، ولكنّه قد يجب تارةً، وقد يحرم اُخرى، وليس وجوبه أو حرمته إلّا بالعناوين الثانويّة الطارية عليه وبالجهات والاعتبارات.
فيجب كما لو توقّفت الصحّة على إخراجه، كما في الفصد والحجامة.
وقد يحرم، كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت.
وقد تعرض له جهة تُحسّنه ولا توجبه، وناهيك بقصد مواساة سيّد أهل الإبا وخامس أصحاب العبا، وسبعين باسل من صحبه وذويه، حسبك بقصد مواساتهم وإظهار التفجّع والتلهّف عليهم وتمثيل شبح حالتهم مجسّمة أمام عيون محبّيهم، ناهيك بهذه الغايات والمقاصد جهات محسّنة وغايات شريفة ترتقي بتلك الأعمال من أخسّ مراتب الحطّة إلى أعلى مراتب الكمال.

وإنّ الاُولى بالطفّ من آل هاشمتأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا

أمّا ترتّب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدّي إلى الموت، أو إلى المرض المقتضي لتحريمه، فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لبّ، فضلاً عن فقيه أو متفقّه:
أمّا أوّلاً: فلقد بلغنا من العمر ما يناهز الستّين، وفي كلّ سنة تقام نصب أعيننا تلك المحاشد الدمويّة، وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرّر، ولا سمعنا به في الغابرين.
وأمّا ثانياً: فتلك الاُمور على فرض حصولها إنّما هي عوارض وقتيّة، ونوادر شخصيّة، لا يمكن ضبطها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة، وليس على الفقيه إلّا بيان الأحكام الكليّة، أمّا الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، والذي علينا أن نقول: إنّ كلّ من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك العمل.
ولا أحسب أنّ أحد الضاربين رؤوسهم بالسيوف يخاف من ذلك الضرب على نفسه ويقدم على فعله، ولئن حرم ذلك العمل عليه فهو لا يستلزم حرمته على غيره.
وأمّا ما ورد في الأخبار، وذكره الفقهاء في كتاب الحدود والدّيات، من أقسام الشجاج كـ «الحارصة»: وهي التي تقشر الجلد، وفيها بعير، و«الدامية»: وهي التي تأخذ من اللحم يسيراً وفيها بعيران، وهلم جرا إلى «الهاشمة» وفيها عشرة، فمعلوم أنّ المراد مالو جناه إنسان على آخر عدواناً، لا ما إذا فعله الإنسان بنفسه، ضرورة أنّ الإنسان لا يملك على نفسه شيئاً، وهذا ممّا لا أظنّه يخفى على جاهل فضلاً عن فاضل.
هذا، وأنّ بالأصل الذي شيّدناه من أنّ المباح قد تعرض له جهات محسّنة، يتّضح لك الوجه في جميع تلك الأعمال العزائيّة في المواكب الحسينيّة».
والذي يظهر من كلامه في «الفردوس الأعلى» أنّه يعارض ما ذهب إليه في كتابه الآخر «المواكب الحسينيّة» من جواز تلك الشعائر، بل جعله أمراً حسناً.
فما هو الرأي الصحيح للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في هذه الشعائر؟ وأيّ كتاب مقدّم: «المواكب الحسينيّة» أو «الفردوس الأعلى»؟
ومن الواضح أنّ جوابه في المسائل القندهاريّة كان قبل سنة ١٣٣٩ هـ وهي سنة طبعها، بينما كلامه في «المواكب الحسينيّة» المطبوعة مستقلّاً ومع «الآيات البينات» كان سنة ١٣٤٥ هـ ، فيقدّم ما في الأخيرة من جواز تلك الشعائر؛ لأنّها متأخّرة تاريخيّاً.
لكن يمكن الجواب على هذا الكلام بأنّ كتاب «الفردوس الأعلى» تُرجم إلى العربيّة وطبع سنة ١٣٧١ هـ بإجازة من الصنّف وبعد مراجعته له وتقريضه له أيضاً، وأنّه رحمه الله جعل «الفردوس الأعلى» و«جنّة المأوى» ختام مسك حياته، أي أنّه أقرّ ما ورد في «الفردوس».
وبهذا يكون الرأي الأخير له رحمه الله هو ما في «الفردوس» من حرمة تلك الأعمال.


الصفحة 447


الصفحة 448


الصفحة 449

الأعمال، ومع ذلك لا نرى منعها في زماننا.

نطلب من سماحتكم كتابة رأيكم المبارك في هذه المسألة؛ كي يكون حجّة على المسلمن وشيعة أهل بيت العصمة(عليهم السلام)؛ رجاء استيقاظ العاملين بهذه الأعمال، التي توجب وهن الشيعة عند الأجانب، والتي أصبحت مستمسكاً للهجوم على أتباع الطائفة الناجية.

متّع الله المسلمين بطول بقائكم

العتبة الرضوية في مشهد ـ ١٨ ذالحجّة ١٣٧٤ هـ

العبد عليّ رضا حكيم خسرويّ خسروانيّ

الجواب:

بسمه تعالى

لا يخفى ضرر العمل إجمالاً، و لا حاجة للسؤال عنه؛ لوضوح حرمته في الشرع والعقل من دون أيّ شكّ، لكن ينبغي التفصيل، وذكر بعض الاُمور على نحو الاختصار؛ لمزيد اطّلاع المؤمنين، ودفع التوهّمات الحاصلة لدى الشيعة (أعزّهم الله) في هذا الخصوص.

أوّلاً:

ما ذكرتم في السؤال من شجّ الرأس بالقامات وجرح البدن، هو من


الصفحة 450
مُستحدثات القرن الماضي، وكان يعمله ويروّج له الشيعة الأتراك في عزاء يوم عاشوراء، إفراطاً وغلوّاً في محبّة مولانا الحسين عليه السلام، وقد اشتهر عندهم هذا العمل باسم >شاخسين<(1)؛ لأنّ عبارة >شاه حسين< كانت شعارهم وندائهم حين القيام بهذا العمل.

وكان السيّد الدربندي التركي(2) (من أهالي منطقة دربند في القوقاز) يقوّي عزيمتهم على هذا الفعل قولاً وعملاً، وقد اشتهر سريعاً لهذا السبب، لكن معاصره آية الله العظمى الحاج الشيخ مرتضى الأنصاري، وجميع فقهاء ذلك العصر، وقفوا أمامه وأعلنوا مخالفتهم له قولاً وعملاً، أمّا بعد ذلك فقد تمّ التشجيع للقيام بهذا العمل من قِبل الدول الاستعماريّة في إيران والعراق، والله العالم بأسباب كثرة انتشار هذه الأعمال يوماً بعد يوم.

ثانياً:

لقد اجتنب وابتعد العلماء الأعلام وفقهاء الإسلام عن هذه الأعمال في جميع الأمكنة والأزمنة، وكانوا يقتصرون على البكاء والنوح واللطم في عزاء الأئمة الأطهار(عليهم السلام)؛ متأسّين في ذلك بالأئمة الأطهار، ومقتدين بعلماء الإسلام؛ كي لا يتعدّوا حدود الشرع المبين، ولا يتجاوزوا على موازينه الواجب مراعاتها على المسلمين، كما قال المعصوم: >إنّ لله حدوداً فلا

____________

1- أصلها «شاه حسين»، وهو النداء الذي يُطلقه المعزّون أثناء إقامتهم لعزاء الإمام الحسين(عليه السلام)، وبما أنّ البعض يُبدّلون «الهاء» «خاءً»، فأصبحت الكلمة «شاخسين»، ثمّ تحولّت إلى «شاخصين».
وقد وضّحها المؤلّف في رسالة رقم ٨ «ماذا حدث؟ ومتى ظهر التطبير؟».

2- تقدّمت ترجمته في الرسالة رقم ٢ «تاريخ العزاء الحسينيّ وإقامة المآتم».


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية