المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 481 - ص 510)

وقد يتصوّر البعض أنّ هذه الشعائر والمظاهر، التي تقام في العشرة الاُولى من محرّم الحرام من كلّ عام، من قبل المسلمين في مختلف أنحاء الأرض، وبمختلف أشكالها، إنّما هي من محدثات العصور الأخيرة.

في حين أنّ هذا التعبير عن شعور التأثّر والتألّم تجاه مصرع الإمام الحسين(1)، إنّما يرقى تاريخه إلى عهد قديم في الإسلام، أو هو قريب العهد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

غير أنّه كان في أوّل أمره محدوداً جداً وصغير الحجم، يقام بمحضر أخصّ الناس بالحسين، كالأعلام من ذريته؛ للتسلية والمؤاساة، وللتخفيف عن لوعة المصيبة.

____________

1- لقد كان مصرع الحسين أعظم مصيبة نزلت في الإسلام، فلقد قتل من قبل عمر وعثمان وعلي، وقتل في وقعتي الجمل وصفين جموع غفيرة من المسلمين، ولكن ذلك لم يؤثّر على المسلمين مثل ما أثّرت شهادة الحسين.
وقد أدّت هذه المحنة إلى تفرقتهم، ولا يزالون إلى هذا اليوم متفرّقين، وقد انقرضت دولة الاُمويّين باسم الانتقام لهذا الحادث، وانقرض العباسيّون باسم إعادة الحقوق المغتصبة في الحادث نفسه، وقتل تيمورلنك أهل الشام انتقاماً لدم الحسين ... .
تاريخ العلويّين.


الصفحة 482

مظاهر العزاء لآل البيت في العصر الأموي

وكما كانت الآفاق العربيّة يومها تردّد صدى هذه الفاجعة المؤلمة(1)،

____________

1- مرّ سليمان بن قتة العدوي بكربلاء بعد قتل الحسين(عليه السلام) بثلاث، فنظر إلى مصارعهم واتكأ على فرس له عربية وأنشأ يقول:

مررت على أبيات آل محمّدفلم أرها أمثالها يوم حلّت
ألم تر أنّ الشمس أضحت مريضةلفقد حسين والبلاد اقشعرت
وكانوا رجاء ثمّ أضحوا رزيةلقد عظمت تلك الرزايا وجلّت
وتسألنا قيس فنعطي فقيرهاوتغتابنا قيس إذا النعل زلّت
وعند غني قطرة من دمائناسنطلبهم يوماً بها حيث حلّت
فلا يبعد الله الدّيار وأهلهاوإن أصبحت منهم برغمي تخلّفت
وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشمأذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وقد أعولت تبكي السماء لفقدهوأنجمها ناحت عليه وصلّت

ومرّ ابن الهباريّة الشاعر بعده بكربلاء، فجلس يبكي على الحسين(عليه السلام) وأهله، وقال بديهاً:

أحسين والمبعوث جدّك بالهدىقسماً يكون الحقّ عنه مائلي
لو كنت شاهد كربلاء لبذلت فيتنفيس كربك جهد بذل الباذل
وسقت حدّ السيف من أعدائكعللاً وحد المهري اُذابل
لكنّي اُخّرت عنك لشقوتيفبلابلي بين الغريّ وبابل
هبني حُرمت النصر من أعدائكمفأقل من حزنٍ ودمع سائل

ويقال: نام مكانه فرأى النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) فقال له: جزاك الله عنّي خيراً، أبشر فإنّ الله قد كتبك ممّن جاهد بين يدي الحسين(عليه السلام). عن المجالس السنية للسيد العاملي ج١ ص٤٢ـ٤٢ .


الصفحة 483
وقسوة ما اقترفه الأمويّون بآل الرسول في كربلاء، كانت العائلة النبويّة تجدّد ذكراها صباحاً ومساءً، في حزن عميق وشجن عظيم، وتبكي عليه رجالاً ونساءً، وكلّما رأوا الماء تذكّروا عطش قتلاهم، فلم يهنأوا بطعام ولا بمنام(1).

وكان وجوه المسلمين والموالين لآل البيت، يفدون على بيوت آل النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) بالمدينة معزّين ومواسين، وكان الواحد منهم يعبّر عن مشاعره وأحزانه بأبلغ ما اُوتي من روعة القول، وقوة البيان، وحسن المؤاساة لهذه المصيبة، حتّى تركوا ثروة أدبية رائعة في أدب التسلية والمؤاساة.

____________

1- قالت فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): ما تحنّأت امرأة منّا، ولا أجالت في عينها مروداً، ولا امتشطت، حتّى بعث المختار برأس ابن زياد إلى عليّ بن الحسين(عليهما السلام).
وقال الإمام الصادق(عليه السلام): ما اكتحلت هاشميّة، ولا اختضبت، ولا رؤي في دار هاشمي دخان، حتّى قتل عبيد الله بن زياد.
وكان الإمام عليّ بن الحسين «السجّاد» شديد الحزن، كثير البكاء على شهداء الطفّ، يتذكّر قتلاهم في حزن عظيم. فواساه يوماً مولاه أن يقلل من البكاء فأجاب:
ويحك إنّ يعقوب بن إسحاق كان نبياً وابن نبيّ، له اثنا عشر ولداً، فغيّب الله واحداً منهم، فشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء، وابنه حيّ في دار الدنيا. وأنا رأيت أبي، وأخي، وسبعة عشر من أهل بيتي، صرعي مقتولين، ثمّ رؤوسهم على القنا، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي؟!
المجالس السنية للسيّد محسن العاملي ج١ .


الصفحة 484
وبقيت بيوت آل البيت مجلّلة بالحزن والسواد، ولا توقد فيها النيران، حتّى نهضت في العراق ثلة من فتيانه الأشاوس، ومن زعماء العرب الأقحاح، أمثال المختار الثقفيّ، وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعي، وسليمان الخزاعي، والمسيّب الفزاري، وغيرهم.

حيث أخذوا ثأر الحسين، وقتلوا جميع قتلة الحسين، أمثال ابن زياد، وابن سعد، وسنان، وشمر، وحرملة، وغيرهم(1).

فخفّت من ذلك لوعة الأشجان في بني هاشم، وهدأ منهم نشيج الزفرات ونزيف العبرات، فصارت المآتم منهم وفيهم تقام في السنة مرّة بعدما كانت مستمرة.

ففي ذلك العهد ـ عهد السلف الصالح ـ يحدّثنا التاريخ الإسلامي عن

____________

1- روى ابن الأثير في الكامل عن الترمذي في جامعه أنّه «لما وضع رأس ابن زياد أمام المختار، جاءت حية صغيرة فتخلّلت الرؤوس حتّى دخلت في فم عبيد الله بن زياد، ثمّ خرجت من منخره ودخلت منخره وخرجت من فيه، فعلت هذا مراراً.
ثمّ بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد إلى عليّ بن الحسين(عليهما السلام)، وكان يومئذ بمكة، فأدخل عليه وهو يتغدّى، فسجد لله شاكراً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من عدوي. وجزى الله المختار خيراً، لقد اُدخلت على ابن زياد وهو يتغذي ورأس أبي بين يديه، فقلت: اللّهم لا تمتني حتّى ترني رأس ابن زياد.
وكان قتل ابن زياد وأشياعه في يوم عاشوراء، في اليوم الذي قتل فيه الحسين(عليه السلام)، ولم يقتل من أهل الشام بعد وقعة صفين مثلما قتل في هذه الوقعة، حيث قتل المختار منهم سبعين ألفا.
المجالس السنية للسيّد العاملي ج١ .


الصفحة 485
أعلام أهل البيت النبويّ، أنّهم كانوا يستشعرون الحزن كلما هلّ هلال محرّم، وتفد عليهم وفود من شعراء العرب(1)؛ لتجديد ذكرى الحسين(عليه السلام) لدى أبنائه

____________

1- وذكر السيّد الأمين في كتابه المجالس السنية ج١ فقال:
قال الإمام الصادق(عليه السلام) لأبي عمارة المنشد: يا أبا عمارة، أنشدني في الحسين بن عليّ.
قال: فأنشدته فبكى، ثمّ أنشدته فبكى، ومازلت أنشده ويبكي حتّى سمعت البكاء من الدار.
فقال: يا أبا عمارة، من أنشد شعراً في الحسين بن عليّ(عليهما السلام) فأبكى فله الجنّة.
ودخل جعفر بن عفّان على الصادق(عليه السلام) فقرّبه وأدناه، ثمّ قال: يا جعفر، بلغني أنّك تقول الشعر في الحسين(عليه السلام) وتجيد.
فقال: نعم جعلني الله فداك.
قال: قل، فأنشده:

ليبكِ على الإسلام من كان باكياًفقد ضيّعت أحكامه واستحلّت
غداة حسين للرماح دريئةوقد نهلت منه السيوف وعلّت
وغودر في الصحراء لحماً مبدداًعليه عتاق الطير باتت وظلّت
فما نصرته أمة السوء إذ دعالقد طاشت الأحلام منها وضلت
ألا بل محوا أنوارهم بأكفهمفلا سلمت تلك الأكف وشلت
وناداهم جهداً بحقّ محمّدفإنّ ابنه من نفسه حيث حلّت
فما حفظوا قرب النبيّ ولا رعواوزلّت بهم أقدامهم واستزلّت
أذاقته حرّ القتل اُمة جدّههفت نعلها في كربلاء وزلّت
فلا قدّس الرحمن اُمة جدّهوإن هي صامت للإله وصلّت
كما فجعت بنت النبيّ بنسلهاوكانوا كماة الحرب حين استقلّت

فبكى الإمام الصادق(عليه السلام) ومَن حوله حتّى انتشرت الدموع على وجهه ولحيته، ثمّ قال: يا جعفر والله لقد شهدت ملائكة الله المقرّبين ها هنا يسمعون قولك في الحسين(عليه السلام)، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعتك هذه الجنّة، وغفر لك.
يا جعفر ألا أزيدك؟
قال: نعم يا سيّدي.
قال: ما من أحد قال في الحسين(عليه السلام) شعراً فبكى وأبكى به، إلّا أوجب الله له الجنّة وغفر له.


الصفحة 486
الأماجد.

وقد ألقوا روائع في فنّ الرثاء والتسلية والتذكير، باُسلوب ساحر أخّاذ، ما ظلّ شعرهم خالداً رغم كرّ العصور.

فقد كان الشاعر العربي >الكُميت بن زيد الأسدي< من شعراء العصر الأموي، والمتوفّى سنة ١٢٦ للهجرة، قد جعل معظم قصائده في مدح بني هاشم، وذكر مصائب آل الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم)، حتّى سمّيت قصائده >بالهاشميات<، وكان ينشد معظمها في مجالس الإمام الصادق وأبيه محمّد وجدّه عليّ بن الحسين(عليهم السلام).

ومن تلك القصائد التي ألقاها بين يدي الإمام علي بن الحسين السجّاد(عليهما السلام) قصيدته المشهورة التي مطلعها:

مَن لقلب متيّم مستهامغير ما صبوة ولا أحلام
وقتيل الطفّ غودر عنهبين غوغاء اُمة وطغام
قتلوا يوم ذاك إذ قتلوهحاكماً لا كسائر الحكّام
قتل الأدعياء إذ قتلوهأكرم الشاربين صوب الغمام
ولهت نفسي الطروب إليهمولهاً حال دون طعم الطعام


الصفحة 487

فلمّا بلغ آخرها حتّى قال السجّاد(عليه السلام) له >ثوابك نعجز عنه، ولكن الله لا يعجز عن مكافأتك<.

فقال الكميت: سيّدي إن أردت أن تحسن إليّ، فادفع لي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرّك بها، فنزع الإمام(عليه السلام) ثيابه ودفعها إليه، ودعا له.

ومن تلك القصائد، قصيدته التي ألقاها في مجلس الإمام الصادق(عليه السلام) والتي مطلعها:

طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُولا لعباً منّي وذو الشيب يلعب
ولكن إلى أهل الفضائل والنُهىوخير بني حواء والخير يطلب

إلى أن يقول:

ومن أكبر الأحداث كانت مصيبةعلينا قتيل الأدعياء الملحّب
قتيل بجنب الطفّ من آل هاشمفيالك لحماً ليس عنه مذبّب
ومنعفر الخدين من آل هاشمألا حبذا ذلك الجبين المترّب

وقد نال هذا الشاعر الجوائز الكثيرة من أئمّة آل البيت(عليهم السلام)، حتّى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) أكرمه مرّة على قصيدة ألف دينار وكسوة، فقال الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا، ولو أردتُ الدنيا لأتيت من هي في يديه، ولكنّي أحببتكم للآخرة، أمّا الكسوة فأقبلها لبركتها، وأمّا المال فلا أقبله.

ومثله الشاعر السيّد إسماعيل الحميري، أحد الشعراء المشهورين في العصر الأموي، فقد جعل معظم قصائده في آل البيت(عليهم السلام) وفي هذا المصاب، وقد دخل على الإمام الصادق(عليه السلام) مرّة يستأذنه أن ينشد له من شعره، فأذن الإمام فأنشد:

اُمرر على جدث الحسينوقل لأعظمه الزكيّة
يا أعظماً ما زلت منوطفاء، ساكبة رويّة


الصفحة 488

وإذا مررت بقبرهفأطل به وقف المطيّة
وابكِ المطهّر للمطهّروالمطهّرة النقيّة
كبكاء معولةٍ أتتيوماً لواحدها المنيّة

فما بلغ هذا الحد، حتّى أخذت الدموع من الإمام تنحدر على خديه، وارتفع الصراخ من داره، فأمره الإمام بالإمساك فأمسك، ثمّ أوصله بهدية ثمينة.

وهكذا كان الشعراء يقصدون مجالس آل البيت النبويّ(عليهم السلام)، وسائر مجالس الهاشميين في هذا الموسم؛ لإلقاء خيرة ما نظموه حول هذا الموضوع على سبيل العزاء، من مديح وثناء، وينالون عليه خير العطاء.


الصفحة 489

مظاهر عزاء الحسين في العصر العبّاسي

لقد كان لمجالس الهاشميّين، دورها الفعّال في جمع صفوفهم من الطالبيين والعلويين والعباسيين، وأنصارهم الموتورين من الحكم الأموي القائم، وتنظيم الحملة ضدّهم، وانطلقت الألسنة بإعادة الحكم لآل هاشم وتقاضي الحكم الجائر.

وقد حدّثنا التاريخ الإسلامي، أنّ تأسيس الدولة العباسيّة كان قائماً على دعوة الهاشميّين على أساس الثأر النهائي لقتلى الطفّ، والانتقام للعلويّين بالقضاء على الأمويين، وكان الشعراء لم يعدو فرصة تفلت أو مناسبة تمرّ إلّا ذكّروا بهذا الثأر.

إلى أن هيّأ الله لهم ذلك، ومكّنهم من الأمر، وقضوا على الحكم الأموي، وتربّع أبو العبّاس السفاح على الحكم كأوّل خليفة هاشمي، يذكّرنا التأريخ بوليمته المشهورة التي حضرها ثمانون رجلاً من عيون الأمويين، وهم على سمط الطعام، فدخل شبل مولى بني هاشم على السفاح، فأنشد في الحال قصيدته المشهورة والغيظ قد أخذه:


أصبح الملك ثابت الأساسبالبهاليل من بني العبّاس
أنت مهدي هاشم وهداهاكم اُناس رجوك بعد اُناس
طلبوا وتر هاشم وهداهابعد ميل من الزمان وياس


الصفحة 490

لا تقبلن عبد شمس عثاراًوارمها بالمنون والاتعاس
واذكرنّ مصرع الحسين وزيداًوقتيلاً بجانب المهراس

فقام السفاح في الحال مغتاضاً وقتلهم جميعاً، ثمّ أباد الأمويين عن آخرهم، وهكذا اتسع المجال أمام الشعراء في رثاء آل البيت النبويّ، وذكر مصابهم في قتلى الطفوف.

ومن هؤلاء الشاعران المشهوران دعبل بن عليّ الخزاعيّ، وإبراهيم بن العبّاس، اللذان قصدا من بخراسان، فقدم الأوّل على الإمام الرضا(1) علي بن موسى بن جعفر(عليهما السلام)، أيام ولاية عهده في خلافة المأمون العبّاسي ٢٠٣ للهجرة، فأنشد قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها(2):

____________

1- قال الإمام الرضا(عليه السلام): «كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه، حتّى تمضي العشرة الاُولى من محرّم، فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه». عن المجالس السنية للسيد العاملي ج١.

2- قال دعبل الخزاعيّ: دخلت على سيّدي ومولاي عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) في أيام عشرة المحرّم، فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلمّا رآني مقبلاً قال لي: «مرحباً بك يا دعبل، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه».
ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه، وأجلسني إلى جانبه، ثمّ قال لي: «يا دعبل أُحب أن تنشدني شعراً، فإنّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت، أيام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة، يا دعبل من بكى أو أبكى على مصابنا كان أجره على الله، يا دعبل من ذرفت عيناه على مصاب جدّي الحسين(عليه السلام) غفر الله له ذنوبه»، ثمّ نهض(عليه السلام) وضرب ستراً بيننا وبين حرمه، وأجلس أهل بيته من وراء الستر، ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين(عليه السلام)، ثمّ التفت إليّ وقال لي: «يا دعبل ارث الحسين، فأنت ناصرنا مادمت حياً».
قال دعبل: فاستعبرت، وسالت عبرتي وأنشأت أقول:

أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاًوقد مات عظشاناً بشطّ فرات


الصفحة 491
تجاوبن بالأرنان والزفرات .... إلى أن يقول:


مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاًوقد مات عطشاناً بشطّ الفرات
إذن للطمتِ الخدّ فاطم عندهوأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبينجوم سماوات بأرض فلات
ديار رسول الله أصبحن بلقعاًوآل زياد تسكن الحجرات ... الخ

وقد أجازه الإمام الرضا(عليه السلام) ـ بعد أن بكى هو وأهله ـ بعشرة آلاف درهم من المسكوك باسمه الكريم، وخلع عليه جبّته، فكان هذا خير رمز للتقدير والإعجاب، وقد اشترى القميّون >الجبّة< من دعبل أثناء عودته إلى العراق بمائة ألف دينار.

وهكذ زميله الشاعر إبراهيم بن العبّاس(1) فقد أنشد الإمام الرضا(عليه السلام)

____________

1- روى الصدوق في «العيون» عن البيهقي، عن الاُصولي، عن هارون بن عبد الله المهلبي: أنّه لما وصل إبراهيم بن العباس ودعبل بن عليّ الخزاعيّ إلى الرضا(عليه السلام)، وقد بويع له بولاية عهده، أنشده دعبل: «مدارس آيات خلت من تلاوة ...» الخ وأنشد إبراهيم بن العباس قصيدته: «أزال عزاء القلب بعد التجلد ...»، فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، وكان المأمون قد أمر بضربها في ذلك الوقت.
دعبل ذهب بالعشرة آلاف التي حصته إلى قم، فباع كلّ درهم بعشرة دراهم، فحصلت له مائة ألف درهم.
وأما إبراهيم فلم تزل عنده، بعد أن أهدى بعضها، وفرّق بعضها على أهله، إلى أن توفّي رحمة الله عليه، فكان كفنه وجهازه منها. مجلّة المرشد.


الصفحة 492
قصيدته الدالية المشهورة التي يقول في مطلعها:


أزال عزاء القلب بعد التجلّدمصارع أولاد النبيّ محمّد
فأكرمه الإمام بمثل ما أكرم به زميله الخزاعيّ.

وكانت جوائز أئمة البيت النبويّ في هذا المجال مشهورة بالسخاء والبركة، حتّى ذهبت مثلاً: >ما بلغت صرة من موسى بن جعفر لأحد إلّا استغنى<.

لذلك كان الشعراء يتفنّنون في هذا الباب، إلى جانب تأثّرهم بروعة فاجعة الطف وفظاعة وقعها، وكذلك تأثروا بأقوال أئمة أهل بيت النبيّ في شأن من يرثي الحسين(عليه السلام)، وماله من فضيلة عند الله سبحانه، فقد قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) لجعفر بن عفان: >ما من أحد قال في الحسين(عليه السلام) شعراً فبكى وأبكى به، إلّا أوجب الله له الجنّة وغفر له ...<.

وهكذا كان الشعراء يتبارون في الرثاء والمواساة والإبداع فيها بهذه المناسبة، في مجالس آل البيت النبويّ ومجالس الطالبين. وما من شكّ أن هذا العزاء كان فيه العزاء لكلّ مظلوم، وكلّ ذي حقّ مهضوم، بأعظم السلوان تأسياً بالحسين(عليه السلام).

وكيفما كان، في هذا العزاء عرض لتلك المأساة فإنّه لم يخل من فرض لجور الحاكمين، وعريض لضروب الظلم الذي أصاب آل البيت النبويّ منهم، وتهديد الظالمين بالعاقبة الوخيمة، لفتكها بأعلام بيت النبوّة، وما ناله الظالمون


الصفحة 493
من سوء المنقلب، كلّ ذلك على لسان الشعراء والخطباء، وفي أروع اُسلوب ممّا كان له أثره في جذب النفوس وتقوية القلوب، حتّى قال أحد الشعراء:


تالله ما صنعت اُميّة فيكممعشار ما صنعت بنو العبّاس
وكانت السلطات الحاكمة يومها، في فترة من الزمن وراء هذه المجالس، تطارد الملقين، وتفتك بالحاضرين، ولقي الموالون لآل البيت من الشدّة ضروب العذاب.

واُتلفت معظم تلك القصائد والأشعار وغيرها من الآثار ذات العلاقة بالإمام الحسين(عليه السلام)، ولو كانت باقية لكانت ثروة أدبية رائعة عن تلك الفترة.

وقد وصف ابن الأثير حوادث دمويّة مسبّبة عن ذكرى عزاء الحسين(عليه السلام)، جرت بصورة فظيعة بين الحزب المتشيّع لآل البيت، وبين الحزب المخالف له، ببغداد عاصمة الهاشميّين يوم ذاك، كانت تتّسع وتتقلّص حسب لون السياسة الحاكمة واجتهاد الحكام، وذهبت بسببها ضحايا كثيرة، لا لشيء سوى التعصّب الممقوت، وبسبب الجهل بمكانة آل البيت من الرسول، وعدم تقديرهم لشعائر الودّ والمحبّة لصاحب الرسالة وأهل بيته.

وكان >عزاء الحسين< ـ رغم جميع هذه الأحوال ـ قائماً كلّ عام في موسمه من محرّم الحرام، وإنّما يختلف تقلّصاً واتساعاً حسب الظروف، ولكنّه في جميع الأحوال كان يزداد تمكّناً في النفوس، واستقراراً في القلوب، وكان للشعراء الفضل الأكبر في تقوية هذا العزاء، وجذب القلوب إليه، بقصائدهم الغرّ في تصوير مصاب الحسين وأهل بيته، حتّى أنّ غالبية الموالين لآل البيت كانوا لا يحفلون بقسوة الحكام، قدر اهتمامهم للحضور إلى مجالس العزاء كائناً ما يكون المصير.


الصفحة 494

مجالس النياحة لعزاء الحسين(عليه السلام)

ولما توسّع التشيّع، وخفّت وطأة السلطات المعادية، التي أتلفت معظم تلك القصائد والآثار، صار الموالي لآل الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم) يُقيم ذلك العزاء باسم >النياحة< أو الرثاء، بمشاهد الأئمة من عترته، أو بمحضر من يوثق بتشيّعه وموالاته.

وما يجدر ذكره، أنّه لم يكن في القرن الأوّل ـ أي القرن الذي قتل فيه الحسين(عليه السلام) ـ أثر ولا عين من جماعة أهل العزاء، سوى الراثين والنائحين في بيوت أهل البيت النبويّ فقط، وكذا الحال في القرن الثاني، إلى أن ظهر في القرن الثالث اسم >النائح< علماً لمن يرثي الحسين، ويقرأ الشعر على حسابه، ويقيم النياحة عليه، من أمثال دعبل الخزاعي إلى عليّ الناشيء الأصغر.

فأصبحت المجتمعات تنعقد باسم >النياحة على الحسين(عليه السلام)<، على ما هم فيه من التستّر، فيبكون على مصاب الحسين(عليه السلام)، وينوحون عليه بقريض ينشؤه أو ينشده الناشد، ويسمّى >النائح<، ويذكر المؤرّخان الشهيران ياقوت الحموي في >معجمه<(1)، وابن خلكان في >وفياته< قضيّة الناشيء الأصغر

____________

1- جاء في ترجمة علي بن عبد الله الناشىء: «حدّثني الخالع، قال: كنت مع والدي في سنة ٢٤٦ هـ وأنا صبيّ، في مجلس الكبوذي في المسجد بين الوراقين والصاغة، وهو غاصّ بالناس، وإذا برجل قد وافى، وعليه مرقعة، وفي يده سطحيه وركوة، ومعه عكاز وهو شعث. فسلّم على الجماعة بصوت مرتفع، وقال: أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها.
قالوا: مرحباً بك وأهلاً، ورفعوه.
فقال: أتعرّفون لي أحمد النائح؟
قالوا: ها هو جالس.
فقال: رأيت مولاتنا(عليها السلام) في النوم، فقالت: امضِ إلى بغداد واطلبه، وقل له: نح على ابني بشعر الناشىء الذي يقول فيه:

بني أحمد قلبي لكم يتقطّعبمثل مصابي فيكم ليس يسمع

وكان الناشىء حاضراً، فلطم لطماً عظيماً على وجهه، وتبعه المزوّق، والنّاس كلّهم، وكان أشدّ الناس في ذلك الناشىء، ثمّ المزوّق، ثمّ ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر، وتقوّض المجلس، وجهدوا بالرجل أن يقبل منهم شيئاً، فقال: والله لو اُعطيت الدنيا ما أخذتها، فإنّني لا أرى أن أكون رسول مولاتي(عليها السلام). ثمّ آخذ عن ذلك عوضاً، وانصرف ولم يقبل شيئاً.
قال ومن هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتاً:

عجبت لكم تفنون قتلاً بسيفكمويسطو عليكم من لكم كان يخضع
كأنّ رسول الله أوصى بقتلكموأجسامكم في كلّ أرض توزع

قال: وحدّثني الخالع، قال: اجتزت بالناشىء يوماًَ وهو جالس في السارجين، فقال لي: قد عملت قصيدة، وقد طلبت واُريد أن تكتبها بخطك حتّى أخرجها.
فقلت: أمضي في حاجة وأعود.
وقصدت المكان الذي أردته، وجلست فيه فحملتني عيني، فرأيت في منامي أبا القاسم عبد العزيز الشطرنجي النائح، فقال: أحب أن تقوم فتكتب قصيدة الناشىء البائية، فإنّا قد نحنا بها البارحة بالمشهد، وكان هذا الرجل قد توفّي وهو عائد من الزيارة.
فقمت ورجعت إليه وقلت: هات البائية حتّى أكتبها.
فقال الناشىء: ومن أين علمت أنّها بائية، وما ذاكرت بها أحداً! فحدّثته بالمنام، فبكى، وقال: لا شكّ أنّ الوقت قد دنا فكتبتها، وكان مطلعها:

رجائي بعيد والممات قريبويخطىء ظنّي والمنون تصيب

عن مجلة المرشد.


الصفحة 495


الصفحة 496

عليّ، الشاعر المشهور، ومجالس النياحة على الحسين(عليه السلام)، وفيها ما يدلّ على أنّ هذه المجتمعات كانت تنعقد في ذلك الزمن باسم >النياحة على الحسين(عليه السلام)<، وليس هذا في العراق فحسب، بل في الحجاز وبلاد فارس ومصر.

ثمّ تطوّرت مجالس العزاء عقب النياحة بقراءة المقاتل لابن نما، وابن طاووس، ونحوهما، فسمّوا بالقرّاء، أو قارىء الحسين(عليه السلام)، لا يزالون يعرفون حتّى اليوم بهذا الاسم في بلاد العرب.


الصفحة 497

بدء المواكب والحسينيّات

وقد سجّل التأريخ اهتمام معزّالدولة البويهيّ، وسائر الملوك البويهيّين في الدولة العباسيّة ببغداد عام ٣٥٢ هجرية، بشأن مآتم الحسين(عليه السلام)، وإبرازها في هيئة مواكب خارج البيوت.

فكانت النساء يخرجن ليلاً، ويخرج الرجال نهاراً، حاسري الرؤوس حفاة الأقدام، تحيتهم التعزية والمواساة بمأساة الحسين(عليه السلام)، ولا تزال هذه العادة إلى الآن في مدن العتبات المقدّسة في العراق وإيران.

وبعد مادالت الأيام بالدولة إلى آل محمّد وأتباعهم، سواءً في حكومة الفاطميين في مصر أيام المعزّ لدين الله الفاطمي، أو في حكومة الحمدانيين في حلب أيام سيف الدولة الحمداني، أو في حكومة الصفويّين في إيران، أو ملوك في ممالك اُخرى من بلاد الترك والهند.

أنشىء للنياحة بيوت أحزان في كل مكان لتعازي الحسين(عليه السلام)، سمّيت عند العرب بـ >الحسينيّات<، كما سمّيت عند الهنود بـ >إمام بارة<(1)، وعند الفرس والترك بـ >مأتم سراى<، كما كانت تسمّى هاتيك المجالس >بالمآتم<

____________

1- الدلائل والمسائل ج١ للسيّد هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ، جواب عن تاريخ العزاء الحسينيّ.


الصفحة 498
أو >تعازي الحسين< وخصّصت لها أوقات وصدقات جارية، لا يستهان بها وبأرباحها الوفيرة.

فأخذ العزاء الحسينيّ دوراً متسع النطاق في ظلّ عناية الهيئات الحاكمة، ونال الموالون لآل البيت كلّ حرّيتهم في إظهار رغباتهم وشعائرهم.

فالناظر إليها لأوّل وهلة، يخالها تشكيلات تولّدت من عهد الملوك الصفويّة، أو هي من مستحدثات الأعاجم، لكنّما المتصفّح لكتب التاريخ والآثار، يجد لهذا الأمر أدواراً أو أطواراً في عصور سابقة على العصر الصفوي، وفي اُمم لا مساس لها بالعجم، بل هي من غروس العراق القديمة وأشجارها الصلبة، التي نبعت في ضفاف الرافدين قبل أيّة اُمة اُخرى، ثمّ تسرّبت وامتدت إلى الاُمم الاُخرى.

وكلّ من جاب عواصم الاُمم الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، يرى في الكثير منها ـ إن لم يكن فيها كلّها، سيما المجتمعات الموالية لآل بيت الرسول ـ المباني الضخمة التي خصّصت لإقامة هذه المجالس في هذا الموسم، لإحياء ذكرى شهيد الحقّ الإمام الحسين(عليه السلام).


الصفحة 499

اهتمام الأقطار الإسلاميّة بعزاء الحسين(عليه السلام)

وهكذا أصبح المسلمون في اليوم العاشر من محرّم كلّ عام، يحتفلون بذكرى >عاشوراء<، إحياءً لذكرى شهيد الطفوف الإمام الحسين(عليه السلام) في جميع الأقطار الإسلاميّة، ويُعتبر هذا اليوم عطلة رسميّة لدى معظم هذه الدول، ويشترك كثير من رؤساء الدول الإسلاميّة في مراسيمه.

وحين تمرّ هذه الذكرى بالمسلمين، سواء في العشرة الاُولى من محرّم، أو في اليوم العاشر منه، فإنّها تغمر غالبية العالم الإسلامي بموجة من الأسى، ويخيّم عليه سحاب من الحزن، كأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قد قُتل حديثاً، وكأنّ أشلاء آله وأنصاره، لا تزال على منظرها المؤلم فوق تلك الترب، وكأنّ دم اُولئك الضحايا من الشهداء لم يزل يفور على تلك الأرض، فيثير في نفوس المسلمين كلّ تلك المشاعر والأحزان.

ممّا جعلت معظم الحكومات العربية والإسلامية، أن تحافظ على حرمة هذه المناسبة، وتلاحظ شعور المسلمين نحوها، ومن أجل ذلك تصدر أوامرها بغلق دور اللهو واللعب وحانات الخمور والشراب والمسارح، وأمثالها مما تحمل طابع اللهو والطرب، كما تقلص على غرارها ما في برامج الإذاعة والتلفزيون خلال العشرة الاُولى من محرّم، ببرامج تتسم بالطابع الديني والروحي والعلمي، مجرداً من كلّ أسباب اللهو والطرب.


الصفحة 500
كلّ ذلك رعاية لشعور المسلمين، واحتراماً لمكانة هذه الذكرى، كما هو الحال في العراق وإيران وفي الهند والباكستان، وعديد من الدول الإسلامية الاُخرى.

والمسلمون إذ يحتفلون بهذه الذكرى الدامية ببالغ الأسى وعظيم الألم، إنّما يشيدون فيها على موقف الإمام الحسين في ساحة الطفّ، ويمجّدون مواقف آله وأصحابه، وما قدّموه في ذلك الموقف من جسيم التضحية وعظيم البسالة، التي أدهشت الأجيال وأذهلت التاريخ.

ثمّ إذ يعبّرون في إحيائهم لهذه الذكرى الدامية، عن شعورهم نحو الإمام الشهيد، فإنّهم يختلفون في هذا التعبير حسب معتقداتهم فيه، وفي حركته واستشهاده، وباختلاف مداركهم وعاداتهم.

فمنهم من يعتبره عيداً مجيداً؛ لأنّ الفضيلة فيه قد انتصرت على الرذيلة، وأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) بموقفه ذاك من يزيد قد أسند تعاليم جدّه سيّد الرسل، وجدّد مجد شريعته السمحاء، كما هو الحال لدى المسلمين في الشمال الإفريقي والمغرب العربي، الذين يعتزّون بهذه الذكرى.

ومنهم من يندفع مع العاطفة إلى إيلام نفسه وإيذائها بمختلف الوسائل والأساليب، كضرب نفسه بالسلاسل، أو بالتطبير، ظنّاً منه أنّ هذا النحو من الإيذاء لمن دلائل المواساة أو الاقتداء باُولئك الشهداء، كما هو الحال في بعض أنحاء العراق وإيران والهند والباكستان.


الصفحة 501

عزاء الحسين في أمريكا الوسطى

ومنهم من يحصرها في هودج كبير ضخم، كما هو الحال في أمريكا الوسطى(1)، وفي مدينة بورت أو اسباين عاصمة جزيرة في ترينيداد، الواقعة في البحر الكاريبي من شمال أمريكا الجنوبية، حيث يزيّن المسلمون هذا الهودج بالذهب والفضة، وبأزهى الألوان الوهّاجة وأحلاها.

ويشترك المسيحيون والهنود مع المسلمين في احتفالاتهم العظيمة بيوم عاشوراء، في مسيرة عظيمة في طليعتها هذا الهودج الفخم.

وتسير الجماهير وراءه، تحفّ بها الطبول وآلات الموسيقى بأنغامها الحزينة، تطوف شوارع العاصمة، وبين تعالي العويل والهتاف بحياة الحسين(عليه السلام) سيّد الشهداء في ذكرى مصرعه، يلقى بالهودج إلى البحر الصاخب، فتحمله الأمواج إلى الأعماق الزرقاء المجهولة.

ويعود الجميع إلى مجالس العزاء بذكرى الحسين(عليه السلام).

وأغلب الظن أن هذه الظاهرة انتقلت إلى هذه الجزيرة مع الهنود المسلمين، حيث يمارسون على غرارها في الهند، تعبيراً عن عواطفهم نحو

____________

1- من مجلة الأسبوع العربي في عددها ٥١٥ من السنة العاشرة بتأريخ ٢١/٤/١٩٦٩، بقلم بهجت منصور.


الصفحة 502
هذه الذكرى، على هذا النحو في معظم الأقطار الإفريقيّة والآسيوية، يعبّر المسلمون عن مشاعرهم حسب تصوّرهم ومعتقداتهم في هذه المناسبة.

ومنهم من ينحو بها كعرض لذلك المسرح الحزين يوم الطفّ بالمنطق الرزين، وبأرقّ الأساليب الأخّاذة بالمشاعر، مستوحين من قدسية ذلك اليوم التاريخي ضروب العبر وأنواع البطولة والإيمان بالحق، فينتزعون من ذكراه أروع الصور وأبلغ الدروس، وأسمى العظات، وإن كانت منهم مجرد سرد وترديد.


الصفحة 503

عزاء الحسين(عليه السلام) في مدن العتبات المقدّسة

وإلى جانب ما تقدّم، تلبس مدن العتبات المقدّسة في العراق وإيران، والمساجد المهمّة، والأماكن المتبركة في الهند والباكستان، وغيرها من الأقطار والمناطق، التي يتعصّب أهلها في الحبّ والولاء لآل البيت النبويّ، حلّة من السواد كشعار للحزن والحداد، وتبتعد عن مظاهر الزينة والبهرجة ومباعث الاُنس والانشراح.

هذه الحالة في العشرة الاُولى من شهر محرّم الحرام عند المسلمين، بالنسبة لهذه الذكرى، إن لم يكن الشهر كلّه من كلّ عام ومن الأقطار الإسلاميّة، كالعراق وإيران والهند والباكستان، إلى ما بعد العشرين من صفر، حيث تستكمل هذه الذكرى يومها الأربعين.

ولها زيارتها الخاصة ومراسيمها المختصة في كربلاء بالعراق، حيث يؤمها أكثر من مليون زائراً في يوم واحد لزيارة قبر الحسين(عليه السلام)، والطواف حول ضريحه في ذكرى أربعينه، وتطوف المواكب الزاخرة حول مشهده لليُمن والبركة.


الصفحة 504
هذا، وتواصل مجالس العزا الحسينيّ خلال شهري محرم وصفر(1)، في مدن العتبات المقدّسة وغيرها، حيث تجذب هذه المجالس إلى ساحتها ـ كالمغناطيس ـ شتات المسلمين إخواناً على سرر متقابلين، تصفّ أجنحتها حول منبر يرتقي عليه الخطيب، فيفتتح الكلام بآي من الذكر الحكيم، وتفسير علومها من أحاديث الرسول الكريم.

ثمّ يتلو ذلك بفصول من التاريخ الإسلامي، أو تواريخ الرسل السالفين، ويختم كلامه بتاريخ الحسين، وما جرى عليه وعلى آل بيت المصطفى صلوات الله عليهم(2).

ولابُدَّ أن يتخلّل هذه الخطابة، وعظ وإنذار، وتلطيف القرائح بلطيف الأشعار، ممّا يجعل مجلسهم هذا أشبه بمدرسة علم أو مجمع تهذيب، ودروسها ما يهم المسلمين من اُمور الدنيا والدين.

اللهمّ إلّا بعض الجاهلين، ممّن يتولّون الخطابة بغير علم ولا هدى، وممّن لا يجتنبون قول الزور، فيذهبون بذلك إلى سرد أحاديث، ما أنزل الله بها من سلطان، بغية إثارة الأشجان في نفوس المستمعين لمصاب

____________

1- وتقام مجالس العزاء الحسينيّ إضافة على شهري محرّم وصفر، في شهر رمضان، وذلك في لياله، وفي سائر أيام السنة على سبيل النية والنذر لحاجة من الحاجات قضاها الله، فيقيم صاحبها مجلس عزاء ليوم واحد، أو لثلاثة أيام، أو لاُسبوع، أو عشرة أيام، أو أكثر، حسب ما نوى، وتوزّع فيها الخيرات للفقراء والمساكين، وكثيراً ما توافق مجالس العزاء الحسينيّ إطعام أو خيرات للحاضرين إليها.

2- ومنهم من يتخذ عاشوراء يوم عيد وفرح وسرور، وإنّها لسنّة أموية وقد اتبعها جهلاً بالحال، وإلّا فلا يظن بمسلم أن يفرح في يوم قتل فيه ابن بنت نبيه الذي لو كان حياً لكان هو المعزّى به والباكي عليه.


الصفحة 505
الحسين(عليه السلام)، استدراراً للأكف واستجلاباً للمنافع.

وهكذا ألحق بهذا العزاء وضمن تطوراته طوال السنين، كثير من الغرائب، شأن كل قضية فازت بقوة النموّ في منبت خصيب وتربة صالحة، ممّا يحتم على أهل العلم أن ينظروا إلى تعديله أو إجراء إصلاح فيه، خاصة ونحن أقرب الاُمم إلى حادثة الطفّ مكاناً وشأناً، وأوفر حرية من غيرنا وأقدر.

لذلك يلزم على أعلامنا، أئمة الهدى وشيبنا وشبابنا، رسم الخطّة الصالحة لإقامة هذه الذكرى الكريمة، خالية من الشوائب، وممّا يسيء أو يشين، وأن نسير بها على أحسن وجه ونهج، خدمة للاُمة وتوجيهاً للجيل، وعسى أن تحذوا حذونا شعوب مسلمة اُخرى فتنال أجزل النفع، ولعلّنا بهذا نحقق بعض آمال الحسين من نهضته وتضحيته.

والله المستعان على ما نبتغي ونريد

بغداد ١٣ محرّم الحرام ١٣٨٩

١ نيسان ١٩٦٩

جواد هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ(1)

____________

1- السيّد جواد ابن السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، أشرفَ على طباعة هذا الكتاب، وعلّق عليه بتعاليق مُفيدة.
ذكره الأُستاذ عبد الكريم الدبّاغ في كتابه «كواكب المشهد الكاظميّ»: ٢٩١ قائلاً:
«كاتبٌ معروفٌ، من بيت اشتهر بالعلم والأدب، فقد كان والده الحجّة السيّد هبة الدين الحسينيّ، الشهير بـ «الشهرستانيّ» من مشاهير العلماء، ومن كبار الفقهاء والمجتهدين المصلحين في صدر هذا القرن، ومن القادة المبرزين في ثورة العشرين، وأوّل وزير للمعارف عند تأسيس الحكم الملكي، وتتويج الملك فيصل الأول ملكاً على العراق عام ١٩٢١م.
ولد ـ السيّد جواد ـ في بغداد، وأتمّ بها تحصيله العلميّ من كليّة الحقوق، ومارس المحاماة والصحافة فيها.
وتولّى مسؤوليّة رئاسة تحرير عدد من الصحف المحليّة، منها جريدته «الأنباء الجديدة»، وغطّى صحف العاصمة يومها بتحقيقاته الصحفيّة عن أحداث التأميم وأزمات الشرق الأوسط يومذاك، حيث كان مراسلاً لعدد من الصحف العراقيّة والأجنبيّة، ومندوباً لوكالة الأنباء الآسيويّة في الشرق الأقصى.
وعمل في الإذاعة العراقيّة فترة طويلة، إلى أن أصبح مساعداً لمدير الإذاعة، كما أسهم في عدد من الإذاعات العالميّة: معلّقاً إذاعياً، ومحدّثاً.
وخلال الخمسنيات من هذا القرن [القرن العشرين] مثّل العراق في المؤتمرات الإسلاميّة، التي انعقدت في كلّ من كراجي بالباكستان في مايس ١٩٥٢م، وفي القدس في كانون الثاني سنة ١٩٥٣م، وفي دمشق في حزيران ١٩٥٦م، كلّ ذلك أيام الحكم الملكي، إلى أن انطوت أعلامه في العراق في منتصف تموز سنة ١٩٥٨م.
ثمّ انصرف إلى الوظائف الإداريّة والقانونيّة في مصلحة الكهرباء بضع سنوات، تقاعد بعدها وانصرف إلى المحاماة، وإدارة مؤسسة والده الثقافيّة في الروضة الكاظميّة، المشهورة بـ «مكتبة الجوادين العامّة».
وفي «موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين»، قال عنه حميد المطبعي: «كاتب في شؤون التاريخ الإسلاميّ والحديث ... أوّل مقال نشره في مجلّة «الرسالة» للزيّات سنة ١٩٣٨م، وكان بعنوان «السعيد سعيد في بطن اُمّه، والشّقي شقي في بطن اُمّه» ... وصدر له «خنت وطني» لعباس اللاهوتي، ترجمة، سنة ١٩٥٦م، وله أيضاً «مذكّرات رؤوف البحراني»، الجزء الأوّل، وهو تحقيق وضبط لنصوص مذكّرات السياسيّ العراقي الراحل محمّد رؤوف البحراني [١٨٩٧ ـ ١٩٦٣ م]، وله كتب خطيّة كثيرة».
توفّي رحمه الله سنة ٢٠٠٥ م = ١٤٢٥ هـ في مدينة الكاظميّة المقدّسة، ودفن بجوار والده في مكتبة الجوادين العامّة، الواقعة في الصحن الكاظميّ المقدّس.


الصفحة 506


الصفحة 507


الصفحة 508


الصفحة 509

فهرس المصادر

(١) الاحتجاج

لأبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ (ت ٥٨٨ هـ)، تحقيق السيّد محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشرف، ١٣٨٦ هـ .

(٢) أدب الطفّ

للسيّد جواد شبّر (ت قرن ١٥ هـ)، دار المرتضى، بيروت، ١٤٠٩ هـ .

(٣) إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان

للحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي، المعروف بالعلّامة الحلّي

(ت ٧٢٦ هـ)، تحقيق المرحوم الشيخ فارس الحسّون (ت ١٤٢٦ هـ )، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الاُولى، ١٤١٠ هـ .

(٤) الإرشاد في معرفة حُجج الله على العباد

للشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي، المشهور بالشيخ المفيد (ت ١٤١٣ هـ)، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث ـ دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ .

(٥) إرشاد الاُمّة للتمسّك بالأئمّة

للشيخ عبد المهدي المظفّر (ت ١٣٦٣هـ)، المطبوعة ضمن >رسائل الشعائر الحسينيّة<، جمع وتحقيق وتعليق الشيخ محمّد الحسّون.


الصفحة 510

(٦) الأعلام

لخير الدين الزركلي (ت ١٤١٠ هـ)، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٠م.

(٧) أعلام العراق الحديث

للسيّد باقر أمين الورد المحاميّ (ت ١٩٨٩ هـ)، طُبع سنة ١٩٧٨ م.

(٨) الأعلام الحسينيّة

فارسيّ، للسيّد مرتضى ابن السيّد علي الداماد (ت القرن ١٤ هـ)، المطبوعة ضمن >رسائل الشعائر الحسينيّة< جمع وتحقيق وتعليق الشيخ محمّد الحسّون.

(٩) أعيان الشيعة

للسيد محسن الأمين العامليّ (ت ١٣٧١هـ)، تحقيق السيد حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.

(١٠) الأغاني

لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦ هـ)، تحقيق سمير جابر، دار الفكر، بيروت.

(١١) إقبال الأعمال

للسيّد رضيّ الدين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس الحسنيّ الحلّي (ت ٦٦٤ هـ)، تحقيق جواد القيّومي، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الاُولى، ١٤١٤ هـ .


الصفحة 511
الصفحة السابقةالصفحة التالية