المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 91 - ص 120) ونُقل السيّد سجيناً إلى مستشفى كربلاء، ثمّ إلى المعسكر في الهنديّة، ثمّ إلى الحلّة حيث دخل سجناً ما يزال يستعيذ بالله منه. وهناك وجد رفاق الثورة، وكانوا أربعين رجلاً، وأمام الديوان الحربيّ العرفيّ (المجلس العرفيّ العسكريّ) حُكم على عدد كبير من رجال الثورة بالإعدام، وكان السيّد منهم، وذهب القرار إلى بغداد.

ويروي السيّد: إنّ أحد أبناء المحكومين بالإعداد ذَهب لمقابلة سير برسي كوكس، المندوب الساميّ البريطانيّ؛ ليرجوه عدم المُصادقة على الحكم، وهناك قالت له مس بيل: (لا تخف، إنّ أباك لن يشنق، اثنان فقط ذنبهما كبير. وسيشنقان<.

أمّا هذان الاثنان فهما: هبة الدين الشهرستانيّ، وحسن الدده.

لكن لندن لم توافق على قرار الإعدام، وأصدر الملك جورج الخامس عفواً عن الثائرين جميعاً. وكانت السياسة البريطانيّة ـ سياسة التهدئة ـ تقضي بعدم القيام بأيّ عمل استفزازيّ؛ حتّى لا تتجدّد الثورة.

ويروي السيّد الشهرستانيّ قصّته في السجن: لقد قضينا ٩ أشهر في الحبس في غرفة المصلبة (المشنقة)، على أنّ الإنكليز كانوا يحترموننا، فلم يغيّروا ألبستنا العادية.

وعندما صدر الحكم علينا بالإعدام، تغيّرت ألوان رفاقي، كانوا في همّ عظيم. أمّا أنا فلم اهتم، أخذت عباءتي وصعدت سلّم المشنقة، وجلست على فسحة صغيرة، ينتهي عندها السلّم تحت المشنقة مباشرة. ولكنّهم نادوا عليّ بأن أنزل لأشرب الشاي، فقلت لهم: ابعثوا لي بالشاي هنا، فعجبوا منّي.

ولكنّني بهذه الكلمة كنتُ بعثت في نفوسهم شيئاً من الاستهانة، فما لبثوا أن صعدوا جميعاً السلّم، وجلسوا معي يشربون الشاي تحت المصلبة.


الصفحة 92
لقد قلت لهم: لماذا اصفرّت وجوهكم؟ إنّنا شهداء، فما لبثت نفوسهم أن اطمأنت حتّى صارت المصلبة ملعبة<(1).

وفي مكان آخر من مذكّراته يقول الشهرستانيّ:

>أرسلتني الحاكميّة في كربلاء إلى الهنديّة في الثلاثاء ١٣ صفر = ٢٧ تشرين الأوّل، وفي السبت ٢٢ ربيع الأوّل = ٤ كانون الأوّل أرجعونا إلى كربلاء، وفي الأحد ١٤ ربيع الثاني = ٢٥ كانون الأوّل دخلت هيئة العرفي إلى كربلاء من الحلّة، وبَدأت بمحاكمتي التي دامت المرافعة تسع ساعات في اليوم الأوّل، وعشر ساعات في اليوم الثاني، حيث كانت المحاكمة جماعيّة، ثمّ حكموا عليَّ بالإعدام شنقاً؛ لتحريضي على الثورة وإسقاط الحكومة في كربلاء، والحثّ على وجوب الذهاب إلى الجهاد.

ثمّ أرسلوني إلى سجن في الهنديّة، وأودعوني مع المساجين والمعتقلين.

ثمّ نقلوني إلى سجن الحلّة، بعد أن أرسلت أوراق الحكم إلى لندن للتصديق عليها<(2).

وسافرت الهيئة بعد المحاكمة في كربلاء إلى النجف لمحاكمة الحاج محسن شلال، وعبد الواحد سكر، وعلي المزعل، وعبد الرسول تويج، ونجم العبود(3).

____________

1- حديث مع الشهرستانيّ: ٣ .

2- السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، للبهادلي، نقلاً عن مذكّرات الشهرستانيّ «مخطوط» ٣: ١٤ .

3- المصدر السابق، نقلاً عن مجلّة البلاغ، العدد ٢، السنة ٢ ـ ١٣٩٩ هـ .


الصفحة 93
ويقول الأُستاذ جعفر الخليليّ:

>وحين انتهت الثورة وألقى الإنكليز القبضَ على زعماء الحركة ورؤساء القبائل، كان السيّد هبة الدين من أوائل المقبوض عليهم، وزُجَّ في سجن الحلّة، وكان ظنّ الناس أنّهم سيُحكم عليهم بالإعدام.

ومنذ أن دخل الشهرستانيّ السجنَ، أصبح هذا السجن مسجداً، لاتحين أوقات الصلاة حتّى يتقدّم فيصلّي بالمساجين من الشيوخ والزعماء، وقد ملأ المساجين ثقة بأنفسهم وأزاح عنهم كابوس الهمّ والخوف من أن يصار بهم إلى المشنقة.

والغريب أن داهمَ السجنَ ذات مرّة أحدُ الضبّاط العسكريّين الإنكليز؛ لأمر من الاُمور، فسأل عن بعض الشرطة (الشبّانة)، الذين كانوا يعاونون الجنود الإنكليز في حراسة السجن، فقيل له: إنّهم يقومون بالصلاة خلف الشهرستانيّ داخل السجن!

وكان من أبرز رؤساء القبائل في سجن الحلّة، الشيخ عمران الحاج سعدون، رئيس قبائل بني حسن، وكان له ـ كما كان لبعض الشيوخ المساجين ـ مجلسٌ في السجن، وخوان يمتدّ ظهراً ومساء، وقهوة تُدار على مَن يحضر مجلسه من المساجين السياسيّين وغير السياسيّين.

ومنذ أن دخل السيّد هبة الدين السجن، أمر الشيخ عمران بأن يوحّد مجلسه مع مجلس الشهرستانيّ، وأن يجعل مطبخه وخوانه وقهوته تحت أمر السيّد، ويجلس هو ويجلس جميع الشيوخ والمساجين تحت يده.

والسيّد هبة الدين مُحدّث بارع، لا تفوته النكتة، ولا يمنعه مانع من أن يساوي بينه وبين الآخرين، على الرغم من هيبته، والإحساس بشخصيّته عند مَن يزوره، فإنّ له من الجاذبيّة ما يجعل زائريه يلمسون فيه مزايا قلّما يلمسونها


الصفحة 94
عند غيره.

قال لي الشيخ عمران الحاج سعدون مرّة:

إنّ المدّة التي قضيتها في السجن مع السيّد هبة الدين، قد جعلتني أعتقد أنّ من الممكن للإنسان أن يكون ملاكاً ...

وحقّاً لقد كان الرجل ملاكاً: سيرة طيّبة، ونفساً شريفة، وحبّاً للناس جميعاً، ومعرفة كافية لحياة أمثاله بالحياة العامّة، واجتهاداً بعيداً عن التزمّت، ييسّر من الأحكام ما عسر<(1).

وقد تمّ إطلاق سراحه بعد إعلان العفو العامّ الذي صدر في ٣٠ أيار سنة ١٩٢١م = ٢٢ رمضان سنة ١٣٣٩ هـ .

في وزارة المعارف:

خرج السيّد الشهرستانيّ من السجن، بعد صدرو العفو العامّ في ٣٠ أيار سنة ١٩٢١م = ٢٢ رمضان سنة ١٣٣٩هـ ، واُبلغ بالأمر بواسطة معاون مستشار لواء الحلّة، في صباح الثلاثاء ٢٣ من شهر رمضان.

يقول السيّد في بعض مذكّراته: >عندما خرجنا من الحلّة إلى كربلاء عن طريق المسيّب، فوصلنا إلى كربلاء بعد ظهر السبت ٢٧ رمضان، حيث استقبلتنا جموع أهاليها في صفوف عبر الطريق، مُرحّبين بعودتنا سالمين، رغم حرّ الظهيرة وصيام الناس كانت جموعهم غفيرة، معبّرين عن شعورهم الطيّب نحونا<(2).

____________

1- هكذا عرفتهم ٢: ٢٠٥ ـ ٢٠٦ .

2- السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، للبهادليّ، نقلاً عن مذكّرات الشهرستانيّ «مخطوط» ٣: ١٤ .


الصفحة 95
بعد خروجه من السجن، كان عليه أن يواجه جهاداً، أو نهوضاً آخر

ـ كما سمّاه في لقائه مع أحد الصحفيّين ـ وهو خوض المعركة مع الخائضين، من أجل الشريف فيصل بن الحسين، الذي كانت تربطه معه علاقة قديمة؛ إذ يقول عنها: >إنّه كان يراسل الملك فيصل عندما كان في سوريا<(1).

كان هناك استفتاء قرّر الإنكليز إجراءه؛ لتقرير نوع الحكم في العراق، وجاءت نتيجة الاستفتاء أنّ ٩٦% من سكان العراق بايعوا الأمير فيصل ملكاً، على كتاب الله، وسنّة نبيّه، والعدل، والمصلحة الإسلاميّة.

يقول السيّد في لقائه الصحفيّ: >عندما جاء الأمير فيصل إلى كربلاء، جاء مَن يقول لي: إنّ الأمير يطلبك، فذهبتُ إليه وصافحني وعرّفته بالعلماء في الصحن الشريف، وألقيت بين يديه خطاباً، فردّ عليه، ثمّ انصرف وانصرفنا.

وبعد قليل جاءني حميد خان، متصرّف كربلاء، وقال لي: إنّ الشريف لا يتغدّى إلّا وأنت معه. فذهبت، وهناك تبادلنا الحديث ثمّ تواعدنا على الاجتماع في بغداد.

وذهبت إلى بغداد، وكان المرحوم فهمي المدرّس يومئذٍ مدير شؤون الأمير، وهو نازل في قصر شعشوع.

وهناك عرض عليّ أن أكون رئيساً للوزراء عند تشكيل الحكومة، فاعتذرت، ثمّ عرض عليّ وزارة المعارف، فاعتذرت، ولكنّه هدّدني بأن يشكوني يوم القيامة لدى جدّه وجدّي، فقبلتُ.

وبعد التتويج جاءني ـ وأنا في كربلاء ـ الأمر بتعييني وزيراً للمعارف في

____________

1- حديث مع الشهرستانيّ: ٢ .


الصفحة 96
أوّل حكومة عراقيّة<(1).

وكان ذلك في ١٢ آب اغطس سنة ١٩٢١م، فكان >ابن بَجْدَتِها<، كما عبّر بذلك السيّد عبد الرزاق الحسنيّ في موسوعته(2)، وأشار إليه السيّد جواد هبة الدين في بعض تعليقاته(3).

لم يكن الهدف من قبول السيّد الشهرستانيّ لحقيبة المعارف، طلباً للدنيا والشهرة، كيف!! وهو الذي ضحّى بحياته، وجلس على منصّة الإعدام، مدافعاً عن الدين والوطن، ومبارزاً قويّاً للاحتلال الأجنبيّ.

وإنّما جاء ذلك من أجل إسداء خدمات جديدة للمجتمع العراقيّ، وإبعاد بعض جوانب الغزو الفكريّ الغربيّ عنه، مصحوباً بتشجيعٍ من بعض العلماء، بدافع الحرص على تربية النشئ الجديد تربيّة إسلاميّة صحيحة.

وقد شَهدت المؤسسة التعليميّة تطوراً كبيراً في أيامه، رغم قصر المدّة التي تولّى فيها هذه الوزارة، ممّا دعى الأُستاذ محمّد عبد الحسين الكاظميّ لتأليف كتاب >سرّ تقدّم المعارف<، أشار فيه إلى سيرة السيّد هبة الدين، وعمله الكبير في تطوّر التعليم في العراق.

وقد عمل السيّد رحمه الله على تطوير التعليم في عدّة جوانب، منها:

إشاعة اللغة العربيّة في عموم المدارس العراقيّة، وإحلالها محلّ اللغة الأجنبيّة التي انتشرت في ذلك الوقت بشكل كبير، وفق منهج مدروس ومنظّم، وعِبر مراحل زمنيّة، اُلزمت كافّة المدارس بتطبيقه.

____________

1- المصدر السابق: ٣ .

2- تاريخ الوزارات العراقيّة في العهد الملكي ١: ٥٠ .

3- صدف اللآلي «مخطوط»: ورقة ٦ .


الصفحة 97
وتشكيل مجالس المعارف في المحافظات والألويّة والأقضيّة، التي تأخذ على عاتقها دراسة الوضع التعليميّ في مناطقهم، وتقديم اقتراحات لتطويره ضمن منهج معيّن، والعمل على تطبيقه بالتعاون مع الوزارة.

وتحجيم وتقليل النفوذ البريطانيّ في وزارة المعارف، بواسطة تقليل عدد الموظفين البريطانيّين في الوزارة، وإحلال عراقيّين محلّهم، وكذلك محاولة الحدّ من صلاحيّة المستشار البريطانيّ في الوزارة.

وتوسيع نطاق التعليم في عموم الأقضية والأماكن الريفيّة النائية، بواسطة فتح الكثير من المدارس في عموم العراق، فعند استلام السيّد كان عدد المدارس في عموم العراق ٩٦ مدرسة فقط، وعند خروجه من الوزارة وصل عددها إلى ٢٠٠ مدرسة(1).

وعندما سأله أحد الصحفيين: هل كانت مدرسة للبنات؟

أجاب رحمه الله قائلاً: >مدرسة واحدة فقط، ولكنّها كبيرة وطالباتها كثيرات، وكانت تستأجر بيت والد الأُستاذ محمود صبحي الدفتري بالرصافة.

وأذكر أنّني كُنتُ في مكتبي بالوزارة، حين دخل عليّ والد الأُستاذ محمود صبحي وقال لي: إنّه جاء لتوّه من استنابول، فوجد داره وقد استأجرها الإنكليز، وجعلوها مدرسة للبنات، وأنا أرجو منك إمّا أن تُعيد لي بيتي، أو تسمح لي بالنزول ضيفاً عليك في بيتك أنا وعائلتي.

فبعثتُ في طلب مديرة المدرسة، وكانت تركيّة على ما أتذكّر، واتّفقت معها على تخلية الدار في ظرف ٣ أيام<(2).

____________

1- حديث مع الشهرستانيّ: ٢ .

2- المصدر السابق: ٣ .


الصفحة 98
أمّا سبب خروجه من وزارة المعارف، يذكره لنا السيّد بنفسه، بعد سرد قصّة مدرسة البنات الآنفة الذكر قائلاً:

>وكانت قصّة المدرسة سبباً لخلاف بيني وبين مستشار الوزارة مستر فاريل، فقد جائني غاضباً وسألني: كيف اُوافق على نقل المدرسة؟

فقلت: إنّ الدار استؤجرت في غياب صاحبها، ومن حقّه أن يستعيدها، وكان ذلك هو الخلاف الأوّل بيننا.

ثمّ اختلفنا على مسألة اللافتات والعبارات المعلّقة على أبواب غرف الوزارة، فقد كانت بالإنكليزيّة، فطلبتُ كتابتها بالعربيّة، وكلّفت المرحوم الشاعر معروف الرصافيّ بأن يتولّى أمرها، ويُشرف على ترجمتها بنفسه.

ثمّ لاحظتُ أنّ مدير الرسائل يُسيطر على كلّ كتاب يرد إلى الوزارة أو يصدر منها حتّى رسائلي، فاستدعيته وطلبت منه أن يترك رسائلي الرسميّة وشأنها، ولكنّه قال لي: إنّه لا يتلقّى الأوامر من الوزير، بل من المستشار الذي عيّنه.

وكان مرجع الخلاف مجلس الوزراء، فحرّرتُ كتاباً بالموضوع إلى المجلس، وحرّر المستشار كتاباً آخر، ولكن كتابي لم يصل إلى المجلس أبداً، وعلمتُ أنّ مستر تومسون احتجزه، وسمح بكتاب المستشار، وقد انتهى الخلاف بتدخّل سير برسي كوكس نفسه، وكان سياسياً قديراً، وقد بحثنا الأمر معاً، وتقرّر إقصاء مستر فايل ومستر تومسون من الوزارة، وتعيين مستشار جديد.

ثمّ جاءت المعاهدة العراقيّة البريطانيّة الاُولى، فاختلفتُ مع زملائي الوزراء على مادة واحدة فيها، وانتهى الخلاف بخروجي من الوزارة، وعيّن


الصفحة 99
الحاج عبد الحسين وزيراً مكاني، وصدّقت الوزارة على المعاهدة<(1).

في القضاء:

بعد استقالة السيّد الشهرستانيّ من وزارة المعارف، طلب منه الملك فيصل قبول رئاسة مجلس التمييز الشرعيّ الجعفري، فرفض ذلك الطلب؛ للتفرّغ للبحث والكتابة، لكنّ إصرار الملك، وعددٍ من العلماء الذين وجدوا فيه الرجل اللائق، الذي يمكنه القيام بخدمات جيّدة للقضاء الشرعيّ، ألجأه للقبول به.

وقد صدرت الإرادة الملكيّة بتعيينه في هذا المنصب في ١٤ آب سنة ١٩٢٣م.

يقول السيّد الشهرستانيّ عن هذا الموضوع: >وبعد خروجي من الوزارة، عُيّنت كأوّل رئيس لمجلس التمييز الشرعيّ الجعفري في بغداد، وفي ذلك الوقت فقدتُ بصري في قصّة لا مجال لذكرها، وقد بقيتُ ١٢ سنة في منصبي<(2).

ويقول جعفر الخليلي عن قبول السيّد لهذا المنصب وملابساته: >ثمّ تولّى رئاسة مجلس التمييز الشرعيّ الجعفريّ، وكان الشيخ محمّد السماويّ ينتظر أن يكون هو المرشّح لها؛ لذلك حصل هناك بين الشهرستانيّ والسماويّ شيء من سوء التفاهم، زاده اختلاف الرأي في الأحكام إحكاماً، وظلّ سوء التفاهم هذا قائماً حتّى توفّى الله الشيخ السماويّ.

____________

1- المصدر السابق: ٣ ـ ٤ .

2- المصدر السابق: ٤ .


الصفحة 100
وأنّ سوء تفاهم آخر حدث بين السيّد هبة الدين والشيخ محمّد الخالصيّ، كُدتُ أكون أنا طرفاً فيه، بعد أن تعرّفت بالجهتين، وقد تجاوز سوء التفاهم منهما الحدّ، وأصبح ضرباً من ضروب الجفوة غير المحتملة، والتي يكون ضرب الصفح عنها هنا أفيد وأحسن<(1).

لقد أيَّدَ مجموعة من العلماء تولّي السيّد لهذا المنصب، في رسائل بعثوها له مباشرةً؛ وذلك لثقتهم العالية به، والاعتماد الكبير عليه في هذا الجانب، منهم: الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، والشيخ عبد الكريم الجزائريّ، والشيخ عبد الحسين آل ياسين، والسيّد مهدي الموسويّ، والسيّد جواد القزوينيّ.(2)

وقد بدأ السيّد رحمه الله النظرَ في القضايا المرفوعة إليه، والحكم فيها وفق ما يمليه عليه الحكم الشرعيّ، طبقاً لمصادر التشريع الإسلاميّ، وفي مقدّمتها الكتاب والسنّة الشريفة.

وكان على اتصال دائم مع بقية العلماء، يتحاور معهم في العديد من المسائل الشرعيّة المتعلّقة بعمله.

وكان يُدوّن أهم القضايا التي تمرّ عليه؛ ليسجّل حُكمها في كتاب >دليل القضاة<، الذي بلغ اثني عشر مجلداً مخطوطاً؛ لجعله مصدراً نافعاً في أحكام الأحوال الشخصيّة وغيرها، والذي حدد بعض المصطلحات في الصفحة الاُولى منه.

وكان رحمه الله لا يُصدّق على حكم إلّا إذا كان مطابقاً وموافقاً لفتاوى

____________

1- هكذا عرفتهم ٢: ٢٠٨ .

2- رسائلهم الخطيّة محفوظة في مكتبة الجوادين العامّة.


الصفحة 101
مراجع التقليد المشهورين في النجف وكربلاء والكاظميّة آن ذاك، أو كان مطابقاً وموافقاً لأشهرهم مع اختلافهم في حكم المسألة، متحذّراً غاية الحذر من فتوى أحدهم، طبقاً لصياغة السؤال من المدّعي أو المدّعى عليه، بطريقة تؤدّي إلى الإجابة والفتوى بما يجانب الحقيقة<(1).

ويذكر البهادليّ في كتابه >السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ٢١١، قصة فقد السيّد بصره، وملابسات ذلك قائلاً:

>وبعد إصابة السيّد هبة الدين بعينيه بمرض الرمد الصديدي في بدايات ترؤسه المجلس، لم تتحسّن عيناه رغم التداوي المستمر، ممّا جعلَ عدداً من الأطباء الأخصائيّين بشأن العيون أن يرجّحوا إجراء العمليّة الجراحيّة على عينيه.

وتعهّد بذلك الدكتور طوبليان ـ المشهور حينذاك ـ واُجريت على يديه العمليّة الجراحيّة ضحوة الأربعاء ٩ ذي القعدة ١٣٤٥ = ١١ حزيران ١٩٢٧م، في المستشفى المجيدي في بغداد، مدينة الطب حالياً.

يقول طوبليان قبل الدخول إلى صالة العمليّات: >إنّ وراء هذه العين عقل كبير، فعلى العقول الكبيرة أن يهتموا بها لمنفعة البشر<(2).

ولكن العمليّة لم تنجح، وفقد السيّد هبة الدين البصر، ولكنّه استمر في عمله القضائي والإداري، بالإضافة إلى مواصلته البحث والكتابة إملاءً على كاتب.

وبسبب رغبة البعض في الوصول إلى رئاسة المجلس، أثاروا موضوع

____________

1- اُنظر: السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، للبهادليّ، نقلاً عن بعض الوثائق الخطيّة.

2- المرشد ج٥، مج ١، ذي الحجّة ١٣٤٥ هـ ، حزيران ١٩٢٧م، ص١٦١ .


الصفحة 102
فقدان البصر، وقدّموا إلى بعض العلماء الاستفتاءات في صلاحيّة فاقد البصر للقضاء، فأفتوا بجواز تولّي القضاء للأعمى، ولا يشترط في القاضي البصر، وتنفذ أحكامه شرعاً(1).

وكانت فتوى الشيخ عبد الكريم الجزائريّ واضحة في هذا المجال، إذ جاء فيها: >غير خفيّ أنّ حضرة العالم الفاضل السيّد محمّد عليّ هبة الدين الشهير بالشهرستانيّ، ممّن حاز المرتبة العالية في العلم والديانة ومعرفة الأحكام الشرعيّة، ومع ذلك هو حائز ثقة العموم، والجميع واثقون ومأنوسون بإسناد رئاسة مجلس التمييز الجعفري إليه، ولا يضرّ ضعف البصر أو عدمه بوظيفته شرعاً<(2).

وقد ذكر البعض في فتواه: >إنّ العبرة ببصيرته لا بباصرته وينفذ قضاؤه، ولا يضر عماه<(3). إضافة إلى ردود وفتاوى كثيرة تؤيّد استمرار السيّد هبة الدين في هذا المنصب(4).

____________

1- فتوى الشيخ عبد الحسين آل ياسين في ٢١ جمادى الاُولى ١٣٤٧هـ .

2- نصّ فتوى الشيخ عبد الكريم الجزائريّ في ١٥ جمادى الاُولى ١٣٤٧هـ .

3- فتوى الشيخ محمّد حسين الأصفهاني في ٢٥ جمادى الاُولى ١٣٤٧هـ .

4- وجدتُ كافة الفتاوى المتعلّقة بهذا الموضوع في مكتبة الجوادين العامة (مخطوطة) وفيها فتاوى كلّ من السيّد محمّد الموسوي، السيّد عبد الهادي الحائريّ، الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، السيّد محمّد مهدي الصدر، الشيخ ضياء الدين العراقيّ، السيّد هادي الحسينيّ، السيد حسن الطباطبائيّ، الشيخ محمّد الخطيب، السيّد أبو الحسن الموسويّ، مرفقةً معها رسالة السيّد أبو الحسن الأصفهانيّ إلى الملك غازي يطلب فيها استمرار السيّد هبة الدين في رئاسة المجلس.


الصفحة 103

في مجلس النوّاب:

بعد أن قدّم السيّد الشهرستانيّ استقالته من رئاسة مجلس التمييز الشرعيّ الجعفريّ، في شهر تشرين الأوّل سنة ١٩٣٤م، اُنتخب نائباً عن مدينة بغداد في مجلس النواب العراقيّ في دورته الخامسة.

وكان يمثّل العاصمة بغداد في مجلس النوّاب ـ آنذاك ـ كلّ من: علي جودت الأيوبيّ، وجميل المدفعيّ، وياسين الهاشميّ، ويوسف غنيمة، وأحمد الداوود، وفخري جميل، والشيخ رضا الشبيبيّ، وعبد الهادي الجلبيّ، وأحمد عزّت الأعظميّ، وأمين زكي، وإبراهيم حييم، والياهو عوني.(1)

يقول السيّد عن هذا الأمر: >اُنتخبت نائباً في بغداد زمن الوزارة الأيوبيّة

ـ وزارة علي جودت الأيوبيّ ـ ، ولكن المجلس حُلَّ بعد زمن، ومنذ ذلك اليوم ـ أي قبل ٢٥ عاماً ـ حتّى اليوم وأنا جليس بيتيّ<(2).

وقد بدأ مجلس النواب هذا، الاجتماع الاعتياديّ في الجلسة الاُولى له يوم السبت ٢٩ كانون الأوّل سنة ١٩٣٤م، وقد ظهر اسم السيّد هبة الدين ضمن الشعبة الاُولى ـ من بين أربع ... شُعب ـ بجانب ياسين الهاشميّ، وفخري جميل عن نوّاب بغداد، وقد ترأس لجنة المعارف المؤلّفة من أربعة عشر عضواً من مختلف الألوية(3).

وبقي السيّد رحمه الله يحضر جلسات المجلس ويشارك في أعماله، إلى أن صدرت الإرادة الملكيّة بتأجيل جلسات المجلس لمدة ثلاثين يوماً، ابتداءً

____________

1- محاضر مجلس النوّاب: ٣ .

2- حديث مع الشهرستانيّ: ٤ .

3- محاضر مجلس النواب: ٥ .


الصفحة 104
من ١٢ آذار سنة ١٩٣٥م = ٧ ذي الحجّة ١٣٥٣هـ ، ثمّ ترك السيّد العمل السياسيّ بعد أن حُلَّ مجلس النواب بأكمله لتشكيل مجلس آخر، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته، مع الاحتفاظ بعلاقات طيّبة مع الكثيرين من الساسة.


الصفحة 105

نشاطه الإصلاحيّ

لكلّ زمان أهداف وغايات ووسائل، وهو ما استطاع معرفته اُولئك المُبدعون المجدّدون، رغم الصعوبات والأوضاع القاسية، فلم تقف بوجوههم صرخات وصيحات الممانعين، ولم تأخذهم في الله لومة لائم؛ سيراً على منهج إمامنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل بيته المعصومين(عليهم السلام)، في إنسانيّتهم، وريادتهم، وعمق فكرهم، وصلابة مواقفهم، ودفاعهم عن الحقّ أينما كانوا.

وبالفعل فقد جاءت هذه الكوكبة الطيّبة لتنشر فكر التقدّم والتطوّر، باذلة الغالي والنفسي في سبيل ذلك، وبصبرٍ وجلدٍ وقوّةِ إرادة لا مثيل لها، وكان من هؤلاء السيّد هبة الدين الشهرستانيّ.

حاول هذا السيّد رحمه الله في أوساط الحوزات العلميّة، في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة والكاظميّة المقدّسة، أن يجمع بين العلم والدّين، والسَير في طريق التنوير، والتوفيق بين ما يستجدّ في عالم الاكتشاف والاختراع، وبين الثوابت الدينيّة.

إنّ السيّد الشهرستانيّ، في اطلاعاته الواسعة، ورغبته الحقيقيّة في استنهاض الاُمّة، وإيقاد شعلة نشاطها، كان دؤوباً في معرفة وتعلّم ما عليه العالم، وما يبثّه المصلحون المجدّدون في العالم الإسلامي، وهو ليس يبعد


الصفحة 106
زماناً ومكاناً عن دعوات محمّد عبده.

كان رحمه الله جريئاً في ما يكتب ويقول، مقاوماً التقليد في اُمور من الصعب جداً تناولها آنذاك، وحتّى بعد حين، وإلى الآن لازال الكثير من الشباب يقتدي بهداه وأفكاره المتنوّرة.

قال السيّد عن بداية تحركه الإصلاحيّ، وعلاقته برموز الحركة الإصلاحية في مصر، في مقابلة صحفيّة اُجريت معه سنة ١٩٥٦م = ١٣٧٥هـ : >أمّا سيرتي فكلّها نهضات، نهضتُ وأنا لم أبلغ العشرين سنة من عمري بعد، وقضيت ٥٧ سنة كلّها في النهضات.

واتصلت بالحركة الجديدة، وكُنت أقرأ الكتب والمجلّات الجديدة، وكان لي شغف بكلّ جديد، ولذلك انكببتُ أدرس ما كنّا نسمّيه >علم الهيئة القديمة< على أيدي شيوخ النجف وكربلاء، ومن هنا قرأت الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وكنت أدعو إلى الأخذ بالعلوم الحديثة.

وبدأ النجفيّون يعارضونني، لكنّي استطعتُ أن أجتذب إليّ حزباً من الشباب النجفيّ، كان منهم: الشيخ محمّد رضا الشبيبيّ، والشيخ عليّ الشرقيّ، والسيّد حسين كمال الدين القاضي الجعفريّ السابق، وكان منهم عدد من شباب آل كاشف الغطاء.

وكان حزبنا يدعو إلى نشر العلوم الجديدة والتجديد، وفي تلك الفترة ألّفت كتاب >الهيئة والإسلام<، وفيه قارنت بين دين الإسلام وعلوم الهيئة الجديدة، مأخوذة من القرآن والحديث النبويّ، وقد تُرجم كتابي إلى الفارسيّة والتركيّة والإنكليزيّة والهنديّة فيما أعلم<.

وعندما سأله الصحفي: هل كانت لكم مراسلات مع كُتّاب النهضة الحديثة في مصر؟


الصفحة 107
قال رحمه الله: >كاتبتُ الشيخ محمّد عبده، والسيّد رشيد رضا، صاحب >المنار<، والشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ طنطاوي جوهري، وأصحاب مجلّتي >الهلال< و>المقتطف<. وقد كنتُ احتفظ بكثير من الرسائل، أمّا الآن فلم يبق لديّ منها إلّا رسالة واحدة من الشيخ محمّد عبده<.

وقال الصحفيّ بعد كلام السيّد هذا، مُكملاً لقاءه معه: >ويصف السيّد اشتغاله في حركة التجديد الدينيّ في النجف بأنّه كان: النهوض الأوّل في حياته<.

وعن علاقة السيّد بثريا بك، واتصاله بجمعيّة الاتّحاد والترقّي وبجمعيّة السعادة التركيّتين، قال الصحفيّ: >رجل هذا شأنه، كان لابُدَّ أن يلتفت إلى الحركات التقدميّة في استانبول، ومن هنا كان اتّصاله بجمعيّة الاتّحاد والترقّي وبجمعيّة السعادة. ولهذا كان من دعاة الحريّة العثمانيّة في ذلك الحين، أي من دعاة الدستور، وكان على اتصال بالمندوب المتجوّل لجمعيّة الاتّحاد والترقّي، واسمه ثريا بك. وكان هذا قد زار النجف. يقول السيّد: إنّ ثريا كان صديقه<(1).

وتتجسّد إصلاحات السيّد الشهرستانيّ في عدّة محاور، منها: مؤلّفاته الإصلاحيّة، مقالاته في الصحف والمجلّات، سفره لبلدان العالم، تأسيسه للجمعيّات والمدارس والمكتبات العلميّة، انتقاده لظاهرة نقل الجنائز إلى المدن المقدّسة، ودعوته لإصلاح بعض الشعائر الحسينيّة.

مؤلّفاته الإصلاحيّة:

تأليف الكتب الإصالاحيّة، هو أحد الطُرق التي اتّبعها السيّد الشهرستانيّ

____________

1- حديث مع الشهرستانيّ: ٢ .


الصفحة 108
رحمه الله، في دفاعه الجسور عن الإسلام الأصيل، وحقيقته الحقّة، وروحه المتوهّجة علماً ومعرفةً وتقدّماً.

فنراه تارة: يؤلّف تفسيراً في عشرة أجزاء، باُسلوب حديث، مُقترن بخلاصة النظريّات الحديثة، والمكتشفات الجديدة حتّى القرن العشرين، ومع الأسف الشديد لازال هذا الكتاب مخطوطاً.

واُخرى: يكتب عدّة رسائل في ردّ الفِرق الضالّة والمنحرفة، مثل: >الردّ على البابيّة<، و>ذكرى الصوفيّة< في الردّ عليهم، ساجل فيها عبد الرحمن البدويّ حول مبحث وحدة الوجود، وهي مخطوطة أيضاً.

ومرّة ثالثة: يردّ على بعض النظريّات العقائديّة الخاطئة، مثل: >الحريّة والجبريّة< ـ مخطوط ـ في مسألة الجبر والاختيار والأمر بين الأمرين.

و>حلول الحلول< ـ مخطوط ـ في إبطال الحلول والاتّحاد الذي يُنسب إلى بعض الصوفيّة.

و>سُبل الخلائق إلى معرفة الخالق< ـ مخطوط ـ في إثباة صانع العالم وبدائع حكمته، ومذاهب الناس في إثباة ذلك من الأوائل والأواخر.

ورابعة: يؤلّف عدّة كتب ورسائل علميّة، يُقارن فيها بين دين الإسلام والعلوم الحديثة، اعتماداً على القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف، وبهذا الاُسلوب كان رحمه الله قد أثبت أنّ الاختراعات العلميّة الحديثة لها أصلٌ في القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

ومن مؤلّفاته في هذا المجال: >الدين في ضوء العالم< ـ مخطوط ـ في إثباة الخالق وصفاته، وما يدعو به الله ورسالاته.

و>الشريعة والطبيعة< ـ مخطوط ـ في التوفيق بين ظواهر الشريعة، وعموم مظاهر الطبيعة.


الصفحة 109
و>مواقع النجوم< ـ مخطوط ـ في تحديد مواقع النجوم، والتحقيق في السماء الدنيا والنجوم.

و>زينة الكواكب في الهيئة والأفلاك والثواقب< ـ مخطوط ـ في بيان موقع الكواكب، وحركة الأرض، وعلاقة ذلك بالأفلاك الاُخرى.

و>الهيئة والإسلام<، أشهر مؤلّفاته في هذا الجانب، وهو في استنباط مسائل الهيئتين ـ القديمة والجديدة ـ من ظواهر الآيات القرآنيّة والروايات من كبار أئمة المسلمين في صدر الإسلام، والتوفيق بين ما تمّ اكتشافه حديثاً، وبين قواعد الفلك والنجوم، طُبع عدّة مرات، وتُرجم إلى عدة لغات.

وخامسة: كتبَ داعياً إلى إصلاح بعض الشعائر الحسينيّة، عدّة كتب ورسائل، منها: >التنبّه في تحريم التشبّه<، في بيان تحريم تشبّه الرجال بالنساء، طبع في بغداد سنة ١٩٢٦م.

و>نهضة الحسين(عليه السلام)<، الذي ألّفه في بدايات المعركة العلميّة التي جرت بين المؤيّدين والمعارضين لبعض الشعائر الحسينيّة، طبع عدة مرّات أيضاً.

و>الشعائر الحسينيّة<، وهي إحدى وعشرين رسالة ومقالة، طُبعت في هذا المجلّد.

وسادسة: ألّف كتابه المعروف، الذي أثار جدلاً واسعاً في الحوزة العلميّة، وهو >تحريم نقل الجنائز المتغيّرة<، طبع عدّة طبعات.

وقد تقدّم الكلام عن هذه الآثار، عند حديثنا عن مؤلّفات السيّد رحمه الله.

الصحافة:

أدرك المرحوم السيّد الشهرستانيّ ـ وهو بعدُ لم يُكمل العقد الثاني من


الصفحة 110
عمره ـ أهميّة الإعلام والصحافة في نشر الوعي، وإيصال المعلومة إلى الآخرين، وأنّها ـ أي الصحافة ـ لاتقلّ تأثيراً عن الكتاب ـ آنذاك ـ في التبليغ الإسلاميّ.

قال رحمه الله عن أهميّة الصحافة: >أليست للاُمّة عيناً مراقباً ولساناً ناطقاً، وخطيباً صادقاً، ودرعاً واقياً، ومعلّماً هادياً، ومؤدّباً ناصحاً، وصراطاً واضحاً؟ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا تحمي في الباطل حميماً، ولا تهضم في الحقّ خصيماً. وكلّ صحيفة أخطأت هذا الصراط، فعلى الاُمّة تأديبها<(1).

لذلك بدأ بالتعرّف على الصُحف التي تصدر في الدول العربيّة، وفي مقدّمتها القاهرة.

يقول رحمه الله: >واتصلتُ بالحركة الجديدة، وكُنتُ أقرأ الكتب والمجلّات الجديدة، وكان لي شغف بكلّ جديد<(2).

وقال رشيد الخيّون في مقالة له: >اتصل الشهرستانيّ من النجف مبكّراً بصحف القاهرة، وأنديتها العلميّة ومطبوعاتها، التي صارت ترد عليه بكثرة، مع فقدانها عند غيره، فتجمّع عليه المتعطّشون من أبناء العلم، الذي حُجبت عنهم<(3).

وكان رحمه الله يحتفظ في >مكتبة الجوادين العامّة<، بأعداد كاملة لثلاثمائة مجلّة وصحيفة يوميّة أو شهريّة، منها مجلّات وصحف عربيّة،

____________

1- تاريخ الصحافة العراقيّة ١: ٩ .

2- حديث مع الشهرستانيّ: ١ .

3- هبة الدين الشهرستانيّ فقيه التنوّر: ٣ .


الصفحة 111
واُخرى فارسيّة، فضلاً عن جميع المجلّات والصحف العراقيّة في تلك الفترة<(1).

وتجسّد عمل السيّد في الصحافة بإصداره مجلّة >العلم<، ودعمه وإشرافه المباشر على مجلّة >المرشد<.

إضافة لعشرات المقالات، التي كتبها في مجلّة >العرفان< الصيداويّة، ومجلّات اُخرى، لها قيمتها في التقريب بين العلم والدين، فهو على حدّ تعبير علي الورديّ: >كان يتمسّك بالدين، ويُريد من العلوم الحديثة أن تلحق به، وتواكبه وتتفق معه<.

ولهذا رأيناه في جميع كتبه ومقالاته، يحاول أن يُبرهن للقرّاء، أنّ الدين الإسلاميّ قد سبق العلوم الحديثة بنظرياته، وأنّ تلك العلوم لم تأت بما يناقض الإسلام أبداً، أمّا إذا ظهر بينهما شيء من التناقض، فمردّ ذلك إلى سوء الفهم وقلّة الاطّلاع<(2).

مجلّة العلم:

يُعتبر السيّد هبة الدين الحسينيّ رحمه الله، أوّلَ عالِم دين كبير يصدر مجلّة علميّة فلسفيّة، ويترأّس تحريرها، وهذا ما يُعدُّ ـ بحدّ ذاته ـ من السمات الإصلاحيّة في سلوكه.

____________

1- أخبرني بذلك السيّد أياد الشهرستانيّ ابن السيّد جواد ابن السيّد هبة الدين، مدير المكتبة حاليّاً، وقال: «بعد وفاة السيّد الجدّ اُضيفت للمكتبة مجلّات اُخرى، فوصل عددها الآن إلى ٥٣٣ مجلّة».

2- هبة الدين الشهرستانيّ فقيه التنوّر، لرشيد الخيّون: ٧ .


الصفحة 112
فلمّا رأى رحمه الله وجوب توسيع الحركة، وبثّ الأفكار الحديثة، والدعوة إلى الإصلاح، أصدر مجلّته الشهيرة >العلم< في النجف الأشرف. ولأوّل مرّة يتّخذ من هذه المجلّة، مدرسةً سيّارةً لنشر دعوة إصلاحيّة عامّة، إلى جانب اهتمامه بنقل الأخبار العلميّة والاكتشافات الحديثة.

وقد تولّى فيها الردّ على بعض المستشرقين، الذين نالوا في بحوثهم من الإسلام، إلى غير ذلك ممّا يُعتبر في وقته أمراً مهماً، وفي غاية الأهميّة، إذا ما درسنا أفكار ذلك العصر دراسة عميقة.

وعلى رغم العراقيل التي جابهها السيّد، وجابهتها مجلّته، فقد كان لها أثرٌ ملموس في الوعي العامّ(1).

وقد نحى السيّد في مجلّته هذه، منحىً إصلاحياً، لم يألفه الناس من قبل، وهاجم بعض التقاليد السائدة آنذاك. وككلّ مصلح يتصدّى لنشر آرائه، فقد لاقى مقاومةً وعنتاً شديدين(2).

قال الدكتور حيدر نزار السيّد سلمان في مقالة له، عن هذه المجلّة: >أصدر الشهرستانيّ ـ وبروح المكافح المخلص ـ مجلّته الشهيرة >العلم<، وهي واحدة من أفضل وأبرز المجلّات التي تصدّت للعلم والمعرفة والفكر والعلم، والصلة بين هذا الدين العظيم والتطوّرات العلميّة.

ومن يطّلع على أعدادٍ صادرة من هذه المجلّة، لابُدَّ له أن يتوقّف على حقيقة نزعاتها الإصلاحيّة، تقدّمها على العصر الذي صدرت فيه، مع ملاحظة مدى الجهل الذي كان يطبق على كلّ أرجاء العالم الإسلاميّ.

____________

1- هكذا عرفتهم ٢: ٢٠٢ .

2- هبة الدين الشهرستانيّ فقيه التنوّر، لرشيد الخيّون: ٣ .


الصفحة 113
ولم تكن هذه المجلّة، إلّا الجهد الأوّل الذي عَرَّف النُخب المثقّفة بالسيّد الشهرستانيّ، ودوره في حركة الدستور، والدعوة للحكم المقيّد<(1).

وكان السيّد رحمه الله قد عرض في مجلّته هذه، أفكاره وإطروحاته العلميّة الإصلاحيّة، وحاول من خلالها جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم، وبثّ روح الإصلاح في نفوسهم(2).

صدرت المجلّة سنة ١٩٠٩م = ١٣٢٧هـ ، أي بعد عامٍ واحد من إعلان الدستور العثمانيّ(3)، الذي شهد بعده حركة ثقافيّة واسعة، في كلّ المدن التابعة للدولة العثمانيّة آنذاك.

وطُبعت أعدادها الاُولى في بغداد في مطبعة >الآداب<؛ لعدم وجود مطبعة آنذاك في مدينة النجف الأشرف، ثمّ بعد تأسيس مطبعة >حبل المتين< في النجف الأشرف، نقلَ السيّد طباعتها إليها. وصدر منها في السنة الاُولى اثنا عشر عدداً، وفي السنة الثانية تسعة أعداد(4)، ثمّ احتجبت بإرادة السيّد(5).

وهناك مَن يذهب إلى أنّها أوّل مجلّة عربيّة صدرت في العراق(6)، وآخر يقول: >هي أوّل مجلّة عربيّة صدرت في النجف<(7).

____________

1- السيّد هبة الدين الشهرستانيّ وجرأة الدعوة: ٣ .

2- رحلة السيّد الشهرستانيّ إلى سلطنة عمان، لجواد كاظم البيضانيّ: ٣ .

3- حديث مع الشهرستانيّ: ٢ .

4- ماضي النجف وحاضرها: ١٧٩ .

5- تاريخ الصحافة العراقيّة: ١٨ .

6- حديث مع الشهرستانيّ: ٢ .

7- الشهرستانيّ رائد حركة التجديد في العراق: ١ .


الصفحة 114
والحقّ أنّها أوّل مجلّة عربيّة دينيّة فلسفيّة سياسيّة علميّة صناعيّة صدرت في العراق؛ لأنّ المجلّات التي صدرت قبلها بسنوات، كانت ذات صفة دينيّة تبشيريّة مسيحيّة، مثل مجلّة >زهيرة بغداد< التي صدرت فيها سنة ١٩٠٥م، ومجلّة >الإيمان والعدل< البغداديّة، ومجلّة >إكليل الورد< التي أصدرها باللغة الفرنسيّة الآباء الدومنيكان(1).

وشارك في الكتابة فيها مجموعة من الكُتّاب، بعضهم بأسماء حقيقيّة، وبعضهم بأسماء مستعارة؛ لأنّ هناك من الكتّاب في تلك الفترة، كان يَجد نفسه أكبر من أن يكتب في مجلّة، فآثر الاسم المستعار؛ حتّى لا يُشار إليه في مجالس أهل العلم في النجف الأشرف، أن انحدر إلى مستوى أدنى.

لكن أغلب مقالاتها دُرجت بقلم السيّد الشهرستانيّ، وخَصّصت المجلّة جانباً للآخبار من المجلّات العربيّة والأجنبيّة.

وأرّخ المرحوم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء هذه المجلّة قائلاً:

هبةُ الدين أتانا بعلوم مُستفيضةولَه (أهدى طلب العلم فريضة)(2)

وقرّضها الشاعر علي الشرقيّ بقوله:

آمنتُ فيك وحبُّ العلم إيمانٌفآيةُ العلم إنجيل وقرآنُ
العلمُ للمجد والعلياء مُرشدناالمرشدان له عقلٌ ووجدان(3)

وقرّضها الشاعر خيري الهنداويّ في ٣١ بيتاً، منها:

____________

1- تاريخ الصحافة العراقيّة: ٢ ـ ٣ .

2- ماضي النجف وحاضرها: ١٧٩ .

3- تاريخ الأدب في العراق الحديث ٣: ٤٠٢، هبة الدين الشهرستانيّ فقيه التنوّر: ١ .


الصفحة 115

طرقتني >مجلّة العلم< والفكركليل من شدّة الإطراق
وخيول الهموم تركض في الأحشاءركضاً كالنار في الإحراق
ذكّرتني تلك الرُبوع وأياماً مضت لي بظلّها الخفّاق
حيث كنّا وللعلوم رياضنختبيها بأهدب الآماق
زحزحت عني الهموم فكبّرت وحلّت بعد الأسا وثاقي
زفرت العلم فاستراض أخوالجهل وأضحى مهذّب الأخلاق
أأنت في العالم العراقي فردوكذاك العراق فرد الباقي
دُم سعيداً لازلت للعلم بدراًليس تحمي أنواره بالمحاق(1)

مجلّة المرشد:

>تُعدُّ مجلّة >المرشد< البغداديّة، من أغنى المجلّات الفكريّة والأدبيّة، التي صدرت في بغداد، فـ >المرشد< يمكن عدّها الامتداد الطبيعيّ لمجلّة >العلم<، التي أصدرها السيّد هبة الدين الشهرستانيّ سنة ١٩١٠م في النجف الأشرف.

صدرت >المرشد< في العقد الثالث من القرن العشرين نهاية عام ١٩٢٥م، وبالتحديد في جمادى الاُولى سنة ١٣٤٤هـ ، أي بعد تأسيس الحكم الوطني بأربع سنوات وبضعة أشهر، وهي حقبة نشطت فيها الصحافة المقروءة، وعملت في جوّ فكريّ، سادت فيه نسمة من رياح الحريّة في التعبير والتفكير والكتابة والخطابة.

ومجلّة >المرشد< من المجلّات المتخصّصة ذات الصبغة المهنيّة، وهي من أبرز المجلّات الفكريّة والأدبيّة غير السياسيّة، إذ عرّفت نفسها على وفق

____________

1- خيري الهنداويّ، حياته وديوان شعره: ٢٨٣ .


الصفحة 116
ترويستها في عددها الأوّل من السنة الثالثة بأنّها:

مجلّة دينيّة علميّة أدبيّة شهريّة، تصدر في بغداد مرّة في الشهر، أسّسها السيّد محمّد الحسينيّ (ابن خالة السيّد هبة الدين الحسينيّ)، والسيّد صالح الشهرستانيّ، وفي الحقيقة بعد التحريّ الدقيق، ظهر أنّ السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، هو الذي يموّل هذه المجلّة ويرسم سياستها ويحرّر ويراجع عدداً من أبحاثها<.

انظر: مقالة >مجلّة المرشد البغداديّة: دراسة تحليليّة تاريخيّة ـ ١٩٢٥ ـ ١٩٢٩م، للدكتور حميد مجيد هدو، في مجلّة كليّة الآداب، العدد ١٠٣ .

رحلاته إلى دول العالم:

لاشكّ أنّ الدوافع وراء القيام بالرحلات، يختلف بين شخصٍ وآخر، فمنهم مَن يقوم بذلك سعياً وراء المال، وآخرون يَسعون وراء طلب العلم. بَيدَ أنّ هنالك أشخاصاً يقومون بهذه الرحلات بدوافع اُخرى، تتمثّل بالإصلاح والدعوة.

وهؤلاء رغم قلّة عددهم، إلّا أنّهم سجّلوا لنا ملاحظات اتّصفت بدقّتها ومصداقيّتها، مع ما تميّزت من أمانة في الوصف والتقصّي في تسجيل مشاهداتهم بمنتهى الدقّة.

من هؤلاء الأفذاذ السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، الذي بدأ برحلةٍ دينيّةٍ واجتماعيّةٍ إصلاحيّةٍ، من أجل بثّ الدعوة الإسلاميّة، ونشر الأفكار الإصلاحيّة، فضلاً عن رغبة كبيرة لديه في دراسة الأديان والعادات، والوقوف على آداب الاُمم وشعائرها، وأسرار تقاليدها، وكشف رموزها، ومعرفة طقوسها على قدر إمكانه، فنجده يقول:

>انكشف لي خلال أسفاري من أسرار الديانات نحو الخميس بالمئة،


الصفحة 117
لكن دعواي هذه إنّما تصدق إذا نَشرتُ تفاصيل رحلتي كما اُريد<(1).

قام رحمه الله بسفرات عديدة إلى دول كثيرة عربيّة وإيرانيّة وهندية، منها: سوريا ولبنان ومصر والحجاز واليمن وإيران والهند، وغيرها. وكان خلال إقامته فيها داعياً للدين ونشر المعارف، وتوثيق أواصر الأخوّة والائتلاف بين المسلمين بمختلف جنسياتهم.

وقد اختلف الذين كتبوا عن سيرته، في تعيين المدّة التي استغرقتها رحلاته هذه: فمنهم من جعلها ثلاث سنوات، ابتداءً من سنة ١٣٣٠هـ ، حيث عاد إلى النجف الأشرف في أول رمضان، مثل: عليّ الخاقانيّ، والشيخ أقا بزرك الطهرانيّ.(2)

ومنهم من حدّدها بسنتين، ابتداءً من شهر رمضان سنة ١٣٣٠هـ ، وانتهاءً شهر رجب الأصم سنة ١٣٣٢هـ(3).

ويذهب البهادلي في كتابه عن السيّد هبة الدين إلى الرأي الثاني، قائلاً: >لأنّه يتوافق مع المخطوطات التي عثرتُ عليها بخطّ السيّد هبة الدين، وتواريخ الأحداث اللاحقة، من أحداث الجهاد ومشاركته فيها.

وعلى ذلك تكون رحلته قد دامت اثنين وعشرين شهراً، والتي وافقت من أيلول سنة ١٩١٢م إلى حزيران سنة ١٩١٤م.

____________

1- السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، للبهادلي: ١٠٩، عن مخطوط في مكتبة الجوادين العامّة.

2- شعراء الغري ١٠: ٦٨، نقباء البشر (طبقات اعلام الشيعة) ٤: ١٤١٥ . وانظر: حديث مع الشهرستانيّ: ٢، والشهرستانيّ رائد لحركة التجديد في العراق: ١ .

3- اختاره محمّد مهدي العلوي في كتابه «نابغة العراق»: ٢٢ .


الصفحة 118
بدأ رحلته بنيّة القيام بمشروع جليل، كثير النفع والأهميّة للعالم الإسلاميّ، يهدف إلى نشر تعاليم الدين الإسلاميّ، قطع فيها نحو خمسة عشر ألف ميلاً من المسافات، وشاهد فيها اثنتي عشرة حكومة وإمارة، وزار أكثر من ستّين بلدة، ووُفّق أثناءها إلى تشكيل إحدى عشرة مؤسّسة، كانت ـ على اختلاف أسمائها ـ سلسلة واحدة، تؤلّفها غاية إصلاحيّة اجتماعيّة، قائمة على اُسس الروابط والعرى في عموم البلدان والقرى<(1).

يقول جواد كاظم البيضانيّ عن رحلته إلى سلطنة عمان:

>إنّ السيّد هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ، في وصفه للمدن، كان يهتم بالجانب الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ، ولم يقتصر وصفه على هذين الجانبين، بل اهتم بالجانب الثقافي أيضاً.

حيث سجّل لنا الأوضاع العامّة في منطقة الخليج، وطبيعة السكان، والموارد الاقتصاديّة، وبعض القيم والعادات الاجتماعيّة.

ومن نوادر ما كتبه، هي حواراته مع أمير البحرين وسلطان عمان، وعلاقته مع حاشية أمير البحرين وسلطان عمان، وشرحه لمظاهر الحياة العامّة في الأهواز والكويت والبحرين وسلطنة عمان، مع ما ورد في رحلته من إشارات إلى بعض جزر ومدن الخليج، مثل الأحساء والقطيف وقطر ودبي.

وممّا تركه لنا من كنوز حواره مع سلطان عمان فيصل بن تركي، والذي عرّفه بـ : >سلطان عمان المفخّم أدام الله سلطته، وأقام له مملكته، جلال الملك المعظّم، فخر أمراء العرب والعجم، مثال طيب الأخلاق وحسن الشيم، حضرة السيّد فيصل خان<.

____________

1- السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ١١٠ .


الصفحة 119
وسمّى هذا الكتاب (فيصل الدلائل في أجوبة المسائل)، والذي تحدّث فيه عمّا دار بينه وبين السلطان، من حوار فكريّ وسياسيّ، وقد سجّله لنا على النحو الآتي:

دعوة المسلمين إلى الاتّفاق على محافظة الدين.

عدد الجيش الداعين إلى النصرانيّة.

الوسيلة إلى ارتقاء الاُمّة.

سبب اختلاف إيران.

إصلاح الأحوال في زمان الحال.

إصلاح الأفكار أساس لكلّ إصلاح.

ثمّ عرج على جوانب فقهيّة وفلسفيّة وعلميّة.

وممّا جاء في الصفحة الاُولى: >أمّا بعد، فقد وفّقني ربّي ـ عزّ شأنه ـ أثناء رحلتي إلى الهند سنة ١٣٣١هـ ، لزيارة حضرة السلطان المعظّم، الأمير الكبير المفخّم، فخر ملوك العرب والعجم، جلالة السيّد العربي، فيصل بن تركي، سلطان عمان، خلّد الله ملكه وسلطانه، وخذل حسّاده وعدوانه. فدارت فيما بيننا مذكّرات علميّة ومسائل دينيّة، ما عدا المحاورات الاُنسيّة والازهاد الروحيّة، التي اقتطفها من أخلاقه المرضيّة وطلعته الوطنيّة.

ولم أر (والحق يقال) مثل حضرته رؤوفاً برعيّته، محبوباً في قلوبهم، جليلاً في أعينهم، يحبّ العلم والبحث عن أسراره<.

ثمّ يقول: >وكان ـ دام سلطانه ـ يتفضّل عليّ بالسؤال والمذكراة، أو يأمر وزراءه والحاضرين الكرام بإلقاء الأسئلة النافعة على هذا الفقير، فالتمسني ثمّة بعض الأخوة العظام أن أجمع له شطراً من هاتيك المسائل المجابة بالآيات والدلائل، مفصلاً لبعض المجملات؛ إخلاداً لذكراه الجميل، وتعجباً لنفعه


الصفحة 120
الجزيل، وهو يحسب من ظنّه أنّ طلّاب العلم والباحثين سوف يعلّقون عليها أهميّة كبرى<.

والحقيقة أن السيّد هبة الدين سجّل لنا بعض ما قاله للسطان منها قوله: >ما دامت وطأة الفقر والجهل شديدة على هذه الاُمّة، فإنّها مهدّدة بالفناء من دون ريبة<.

ثمّ تحدّث لنا عن لطف السلطان وأخلاقه، ولم يكتف السيّد بذلك، بل دوّن لنا جوانب مهمّة من الأوضاع العامّة في مجمل الخليج العربيّ، غير أنّنا سنتحدّث عن هذه الجوانب بتسلسل، مبتدئين بالجانب السياسيّ، ثمّ الاقتصاديّ، ثمّ الجانب الاجتماعيّ، بعد ذلك نتحدّث عن الأوضاع العامّة في الخليج<(1).

تأسيسه للجمعيّات والمدارس العلميّة:

من الأعمال المهمّه التي قام بها المرحوم الشهرستانيّ في حلّه وترحاله، وضمن برنامجه الإصلاحيّ، هو إنشاء جمعيّات علميّة، ومؤسّسات ثقافيّة، واُخرى خيريّة، نذكر بعضها، مع ذكر تاريخ التأسيس، والمدينة التي اُسّست فيها:

(١) جمعيّة خدمة الإسلام، الأعظمية ـ بغداد، شوال ١٣٣٠هـ .

(٢) الجامعة الإسلاميّة، مدينة العمارة، ذي القعدة ١٣٣٠هـ .

(٣) جمعيّة الإصلاح، البحرين، محرّم ١٣٣١هـ .

(٤) جمعيّة الاتّفاق العمانيّ، سلطنة عمان، الذي وقّع على منهاجها رئيس الجمعيّة سالم بن فيصل، سلطان مسقط وعمان.

____________

1- رحلة السيّد هبة الدين الشهرستانيّ إلى سلطنة عمان والخليج العربي: ٢ ـ ٣ .


الصفحة 121
الصفحة السابقةالصفحة التالية