المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 121 - ص 150) (٥) جمعيّة جنود الله، مدينة كلكتا ـ الهند، ربيع الأوّل ١٣٣١هـ .

(٦) جمعيّة آل محمّد، مدينة بارهه ـ الهند، جمادى الاُولى ١٣٣١هـ .

(٧) جمعيّة انتشار الإسلام، مدينة إله آباد ـ الهند، جمادى الآخرة ١٣٣١هـ .

(٨) الجمعيّة النقويّة، مدينة جايس ـ الهند، شعبان ١٣٣١هـ .

(٩) جمعية أهل الحق، اليمن، ذي الحجّة ١٣٣١هـ .

(١٠) جمعيّة الصندوق الخيريّ الإسلاميّ، سنة ١٩٤٧م، مقرّها في مدينة الكاظميّة المقدّسة، ولها فروع كثير من المدن العراقيّة.

(١١) الجمعيّة الإسلاميّة، مدينة هامبورغ ـ ألمانيا ١٩٥٠م.

وسعى السيّد رحمه الله لإنشاء مدرسة دينيّة تُسمّى >كليّة علوم القرآن<، يكون مركزها مدينة الكاظميّة المقدّسة، ويكون الهدف منها تهيئة العلماء الصالحين؛ ليكونوا في المستقبل مُرشدين وقُضاة ومعلّمين وخطباء ومصلحين.

وحاول ـ أيضاً ـ جاهداً لإنشاء >مطبعة نشر الإسلام< كشركة خيريّة إسلاميّة لنشر العلوم الإسلاميّة.

إلّا أنّ اُمنيته لم تتحقّق في إنشاء هذين المشروعين المهمّين(1).

مكتبة الجوادين العامّة:

من المآثر والصدقات الباقية الجارية ليومنا هذا، للسيّد الشهرستانيّ

ـ إضافة لمؤلّفاته، ومقالاته، والمؤسّسات والجمعيّات التي أنشاءها، وغيرها من الاُمور ـ هي مكتبة الجوادين العامّة، الواقعة في زاوية الجانب الشرقيّ من

____________

1- انظر كتاب: السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ٢٢٤ .


الصفحة 122
الصحن الكاظميّ الشريف.

أنشأها سنة ١٩٤١م = ١٣٦٠هـ ؛ لتكون مجتمعاً للاُدباء، ومنهلاً عذباً لطلّاب العلوم في مختلف اللغات والفنون.

ومن الطبيعيّ أن يضع السيّد كلَّ ما لديه من كُتب ومجلّات وصُحف، وبلغات مختلفة في مكتبته هذه، التي كان عددها الأوّل آنذاك عشرة آلاف كتاب، وذلك واضح من المقابلة الصحفيّة التي اُجريت معه سنة ١٩٥٦م = ١٣٧٥هـ ، حينما سألة الصحفيّ هذه الأسئلة:

>* كم كتابٍ جَمعتم؟

ـ عشرة آلاف، منها ألف مخطوطة.

* ماهو أعزّ كتاب عندكم؟

ـ مخطوط لنهج البلاغة، كُتب قبل وفاة مؤلّفه الشريف الرضي، أي قبل ألف سنة<(1).

لكنّنا عندما دقّقنا النظر في المقالات التي كُتبت عن بداية إنشاء هذه المكتبة وتطوّرها، ظهر لنا تأمّل في هذا العدد المذكور، ولعلّ الكثير منها قد تمّت سرقته، خصوصاً زمن النظام السابق.

وهناك مَن يقول: >إنّ بدايتها كانت في ألف كتاب تبرّع بها مؤسّسها، وآلى على نفسه بأن يزوّدها بمئة كتاب سنويّاً، ومن ثمّ فتح باب التبرّعات، فتبرّع كلّ من: (عبد الهادي الجلبيّ، وأحمد شوقي الحسينيّ، وتحسين عليّ،

____________

1- حديث مع الشهرستانيّ: ٤ .
وأخبرني السيّد أياد الشهرستانيّ، مدير المكتبة حاليّاً، بأنّ هذه النسخة تمّت سرقتها من المكتبة.


الصفحة 123
وخليل إسماعيل، والحاج حسن الشالجيّ، ونظام حيدر، وآباد عثمان، وأمير حيدر، وجفعر الجعفريّ، وأصيل حيدر) بما جادت أيديهم، فكان لتبرّعهم أثر كبير، وحُفظت أسماؤهم في لوحة خاصّة تُعلّق في المكتبة في أوقات معيّنة من السنة.

وقد وفّقنا الباري عزّ وجلّ لدعم هذه المكتبة، ضمن عملنا في مركز الأبحاث العقائديّة، لدعم وإنشاء المكتبات في العتبات المقدّسة والمزارات الشيعيّة في العراق، وجرى احتفال بهذه المناسبة في التاسع من رجب سنة ١٤٢٨هـ ، في الصحن الكاظميّ المقدّس، ألقى بعض الأعلام كلمات موجزة، منهم المرحوم الدكتور حسين عليّ محفوظ، والمرحوم المهندس السيّد محمّد عليّ الشهرستانيّ، والأُستاذ الحاج فاضل الأنباري ـ أمين عام العتبة الكاظميّة آنذاك ـ وكان لي أيضاً كلمة بهذه المناسبة.

وكتبَ الباحث الأُستاذ زين النقشبندي مقالةً عن بدايات إنشاء هذه المكتبة، فيها معلومات عن مكتبتي الاعتماد والمفيد، ولطيفة متعلّقة بالسيّد محمود شكري الآلوسيّ، سمعها من السيّد جواد ابن السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، قال في مقالته التي بعنوان: >هوامش في ذكرى السيّد هبة الدين الشهرستانيّ<:

>الأوّل: أذكر أنّ أوّل كُتب السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، التي قرأتها، وأثارت في النفس ما أثارت، وتركت ما تركت، كتاب >نهضة الحسين<، أو سلسلة حوادث تاريخيّة حول فاجعة الإمام الحسين بن عليّ، بغداد ط ١: ١٩٢٧، ط ٢: ١٩٣٧م.

وأنا ما زلت طالباً في المرحلة المتوسطة، كان ذلك في سبعينيات القرن الماضي.


الصفحة 124
ففي أحد الأيام، عند زيارتي إلى مكتبة يوسف جموعة، الواقعة في منطقة >المربّعة<، والتي كانت تبيع الكتب القديمة، عرض عليّ صاحبها أبو يعقوب، مجموعة من الكتب القديمة، كان كتاب >نهضة الحسين< من بينها، وكانت هذه المرّة الاُولى التي أقرأ فيها كتاباً من تأليف السيّد هبة الدين.

وكم اُعجبت بطريقة طرحه، وتحليله للرواية التاريخيّة، وعرضه وتحليله للأسباب التي كانت وراء أسباب ضغينة يزيد بن معاوية على الإمام الحسين رضي الله عنه.

ثانياً: في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، عند بداية منتدى بغداد التابعة لأمانة العاصمة، وازدياد نشاط المجالس الأدبيّة، مثل: مجلس الدكتور محيي الدين، ومجلس الدكتور حسين أمين، ومجلس منتدى الإمام أبي حنيفة، ومجلس الخاقانيّ، ومجلس الشعرباف، والأُستاذ الغبّان، والشيخ جلال الدين الحنفيّ، ومجلس الدكتور رشيد العبيديّ، ومجلس مكتبة الجوادين.

إضافةً إلى المحاضرات والندوات التي كانت تُعقد في بعض المؤسسات الثقافيّة والبحثيّة والعلميّة، التي كان يلقيها أساتذة أعلام معروفون، من أمثال: الدكتور علي الورديّ، والدكتور حسين أمين، والدكتور حسين علي محفوظ، والشيخ جلال الحنفي، والمرحوم الدكتور حارث عبد الحميد، رئيس المركز البارسايكولوجيّ في جامعة بغداد سابقاً وغيرهم.

في هذه المجالس كنت قد تعرّفت على المرحوم السيّد جواد نجل السيّد هبة الدين، وتوطّدت هذه العلاقة من خلال اللقاءات والزيارات المتكرّرة إلى مكتبة الجوادين في الصحن الكاظميّ الشريف، ودار السيّد العامرة في الحارثيّة بكرخ بغداد.

حتّى أصبح من الطقوس اليوميّة تقريباً في نهاية التسعينات، أن يتّصل


الصفحة 125
السيّد جواد بي يومياً بعد الساعة العاشرة ليلاً؛ ليسأل أو يستفسر عن بعض الكتب أو المصادر، التي غالباً ما كان يرغب بالحصول عليها؛ لغرض إضافتها إلى مكتبته العامرة، أو لطلبها وإهدائها لأحد الأصدقاء، أو طلبة العلم أو الباحثين أو الصحفيين من الذين كانوا يتّصلون به.

وحينما بدأتُ بجمع بعض البحوث، التي ألقيتها في مركز إحياء التراث العلميّ، التابع لجامعة بغداد، عن أوائل المطبوعات والمكتبات البغداديّة، وجدتُ كلّ المساعدة من قبل السيّد الجواد، فقد ذكر لي في حينها معلومات عن بعض المكتبات القديمة، التي كانت موجودة في مدينة الكاظميّة في مطلع القرن الماضي، ثمّ تفضّل عليَّ بعد ذلك بكتابة هذه المعلومات؛ لغرض توثيقها ونشرها.

وقد ورد في هذه النُبذ إشارات مهمة، تتعلّق بصاحب الذكرى السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، فقد ذكر لي عند حديثه عن مكتبة الاعتماد لصاحبها الحاج عليّ محمّد الكتبيّ:

>إنّه في ٢٨ مايس ١٩٢٢، عندما توفّيت والدة العلّامة الحجّة السيّد هبة الدين، وزير المعارف يومها، في بغداد، ونُقل جثمانها بتشييع مهيب إلى الكاظميّة، قدّم الحاج عليّ محمّد غرفته في الصحن ـ والتي كانت مخزناً لمكتبته في الصحن ـ إلى السيّد هبة الدين؛ لدفنها في هذه الحجرة، ونقلَ ما فيها إلى مكتبته مقابل الصحن في داخل السوق يومها، قبل أن تصبح مطلّة على الشارع عند فتحه في الأربعينيات من القرن الماضي.

ثمّ غدت الغرفة مدفناً لأفراد اُسرة السيّد هبة الدين، ثمّ مجلساً لتدريسه علوم القرآن في تلك الغرفة<.


الصفحة 126
أمّا صاحب مكتبة المفيد الشيخ محمود الكتبي، فقد ذكر لي السيّد جواد رحمه الله:

>كانت تقع غرفته إلى اليمين الداخل من باب القبلة إلى الصحن الكاظميّ في الغرفة الخامسة، خاصة للشيخ صالح الكاظميّ المدرّس، حيث كان يُدرّس فيها بعض الأطفال القراءة والكتابة والقرآن الكريم، إلى أن يختمه الطفل في بدء نشأته.

وكان يبيع أجزاء القرآن الأربعة الأواخر لأرباب الأطفال، حتى يُعلّموا أطفالهم هذه الأجزاء الحاوية على قصار السور من القرآن الكريم، كما كان يبيع الدفاتر لهم، وفي نفس الوقت كان يجلّد لمن يشاء تجليد كتابه بشكل بدائي محض، وذلك في أوائل القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر.

ولمّا توفّي عام ١٩١٠م، ودفن في نفس الحجرة الخامسة من يمين الداخل إلى الصحن من باب القبلة، وتولّى ابنه الشيخ عبد الله مهام أبيه الشيخ صالح، يُدرّس الأطفال، ويجلّد الكتب، ويبيع أجزاء القرآن الكريم، وزاد عليها أنّه تولّى بيع كتب الأدعية ونظائرها، وكان بارعاً في تعليم القراءة والكتابة وجودة الخط للأطفال الناشئين على يديه، حتّى أشتهر بها في البلدة، وقد تميّز بورعه وزهده وتقاه نظير أبيه، ممّا جعل أولياء الأطفال يودعون أطفالهم إليه للغرض المتقدّم ذكره.

وعند وفاة الشيخ عبد الله ابن الشيخ صالح في عام ١٩٣٠، تولّى ابنه الشيخ محمود مهام أبيه، ووسّع أعماله، بحيث شرع إضافة إلى ما تقدّم من عمل التقويم السنوي، للسنة الهجريّة، يصدره كلّ عام مطبوعاً، كما شرع بإعداد الإمساكيّة لشهر رمضان وخواصّ أيامها مطبوعاً، إلى جانب الكتب الصغيرة التي شرع بطبعها في مطابع بغداد والنجف وبيعها بأسعار زهيدة، عن


الصفحة 127
حياة الأنبياء والأئمّة، وكتب القرعة الروحانية للخيرة عند الحيرة؛ لمعرفة بخت الطالب لها.

كما امتلأت رفوف جدران الغرفة من جهاتها الثلاث، بالعديد من الكتب النفيسة، التي اشتراها من ذوي المكتبات الخاصّة في بيوتهم، قد حملهم الفقر إلى بيع كتبهم، فاشتراها بأثمان زهيدة، وكوّن منها مكتبته في هذه الحجرة، وقد ضمّت أنفس الكتب، التي باعها بأغلى الأثمان.

وإثر اعتلال صحته، بارت تجارته، وترك غرفته، وانتقل إلى منزله في الكاظميّة، إلى أن توفّي عام ١٩٨٠، ولم يبق أثر من مكتبته التي كانت تُعرف مكتبة >المفيد<، حيث اختار لها هذا الاسم، وأخليت غرفته من الصحن وجُعلت مقرّاً للأفراد المسؤولين عن الأمن في الصحن الشريف.

وقد أخذ اسم مكتبة >المفيد< أحد الكتبيّة، الذين كانوا يمارسون بيع الكتب في الكاظميّة، ثمّ بارحوها إلى بيروت، فافتتح هناك مكتبة ودار طباعة ونشر باسم (دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع) وأضاف:

>وأذكر أنّ الشيخ محمود الكتبيّ هذا، قد تولّى غسل والدي العلّامة الحجّة السيّد هبة الدين بعد وفاته في ٧ شباط عام ١٩٦٧، وأشرف على دفنه في قاعة مؤسسته (مكتبة الجوادين العامة) في الصحن الكاظميّ المقدّس.

كما كان على صلة ومعرفة تامة بعائلة رشيد عالي الكيلانيّ وبناته، حيث كانوا يدعونه إلى بيتهم في الصليخ، في عديد من المناسبات، حسبما كان يذكره في أواخر الثلاثينات في القرن الماضي<.

وقد صدر هذا الكتاب عام ٢٠٠١ من قبل مركز إحياء التراث العلمي / جامعة بغداد، تحت عنوان >مباحث في أوائل المطبوعات والمكتبات البغداديّة<، ويقع في أكثر من ٣٠٠ صفحة عام ٢٠٠١م.


الصفحة 128
ثالثاً: من الأشياء الاُخرى التي حدّثني بها المرحوم السيّد جواد في إحدى المناسبات، والتي لها علاقة بوالده السيّد هبة الدين، وعلاقته بأعلام بغداد في عشرينيات القرن الماضي، ومنهم السيّد محمود شكري الآلوسي عند ذكره، فقد ذكر لي: >أنّ السيّد الآلوسي كان دائم الزيارة لوالده، وفي إحدى الزيارات، روى السيّد هبة الدين للآلوسي قصة الكتاب (المخطوط) المتضمّن الأسئلة والأجوبة، التي كان يسألها السيّد محمود شكري الآلوسي من أحد المراجع الكبار المعروفين بمدينة النجف الأشرف في حينها.

وشرح له سبب اختيار اسمه من قبل أحد طلبة العلم، من الذين كانت لديهم أسئلة مختلفة، لا يجرؤ على طرحها علناً على العلماء والمراجع الأعلام، فاختار اسم الآلوسي؛ لشهرته في تلك الفترة. وقد كتب هذا السائل هذه الأسئلة إلى الكثير من المراجع والعلماء، فاُهملت من قبلهم، عدا مرجع معروف في حينه أجابه، وهذا الشيء شجّع الشخص السائل في الاسترسال في الاسئلة والاستفسارات، وفي نفس الوقت فإنّ المرجع المجيب لم يبخل بالإجابة عن هذه الأسئلة والإسهاب فيها.

وكانت الحصيلة أن كوّنت هذه الأسئلة والأجوبة مجموعة (مخطوطة كبير) بحجم كتاب، تمّ تأليفه من قبل شخص باسم السيّد محمود شكري الآلوسي، دون أن يعلم عنه شيئاً<.

قال السيّد جواد هبة الدين: >لما ذكر والدي هذه الرواية إلى الآلوسي، وإعطاؤه الكتاب المخطوط، ذهل وتعجّب، وكان غير راضٍ عن هذا الفعل ومستاءً أشدّ الاستياء من هذا الشيء<.

إنّنا اذا نقوم اليوم بنشر قصة هذا الكتاب (المخطوط)، المنسوب إلى السيّد محمود شكري الآلوسيّ، والذي لا يعلم عنه الكثير من الذين اهتموا


الصفحة 129
بالآلوسي وتراثه، فإنّنا نؤكد أنّ هذه المخطوطة ـ كما أخبرنا السيّد جواد ـ موجودة ومحفوظة اليوم في إحدى مكتبات مدينة النجف الأشرف.

رحم الله السيّد هبة الدين، الذي نحتفي اليوم بذكره، والذي إذا أحصينا مآثره الكثيرة، ومواقفه المشهودة، وجهوده المحمودة في سبيل النهوض بالعلوم والآداب ونشر محامد الأخلاق، فإنّ القلم يعجز عن إيفائه حقّه، إضافة إلى كونه رائداً من روّاد الإصلاح في العصر الحديث بالعراق، وأثّر تأثيراً كبيراً في محيطه وفي عصره.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته<.(1)

نقل الجنائز إلى المُدن المقدّسة:

لم يكن إصدار مجلّة >العلم< إلّا بداية لطريق طويل، عُرف السيّد الشهرستانيّ أنّه سائر فيه، ما دام يُريد التجديد والإصلاح، وكان جريئاً حازماً، وهو يحثّ خطاه في هذا الطريق الوعر.

ولمّا كانت روحه لا ترضى إلّا بالحقّ والصواب، وتتوجّع لمشاهد وروايات تُثير الحسّ الإنسانيّ وتؤلمه، وخاصة أنّ ما يجري ليس بعيداً عنه، بل هو داخل مجتمعه.

فكانت للسيّد خطوة جريئة، لا يمكن قياسها إلّا بالزمن الذي وُلدت فيه، وهو يعيش وسط آراءٍ وأفكارٍ مختلفةٍ بين الرفض والقبول، إذ تصدّى الشهرستانيّ لظاهرة نقل الجنائز من الأماكن البعيدة؛ بغية دفنها في مدينة النجف الأشرف، مع طول الطريق، وبُعد الزمن، وتفسّخ الأجساد المنقولة، ممّا

____________

1- هوامش في ذكرى السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ١ ـ ٣ .


الصفحة 130
كان يسبّب الكثير من الأمراض. بالإضافة إلى هتك حرمة الميّت، وتخلّف وسائل النقل حينذاك.

وقد ردّ الكثيرون على هذه المواقف وعدّوها خطراً يُهدّد المذهب، وواجهوا السيّد بأنواع الاتّهامات، لكنّه كان يُريد الإصلاح، وإبعاد الناس عن الأخطار، فلم تفتّ في إرادته الاعتراضات والممانعات، بل صمد شاهراً قلمه وصوته بوجه كلّ ما يثير الشبهة، ويدخل في باب التقليد الأعمى(1).

قال رشيد الخيّون: >إنّ هذه المسألة ـ حرمة نقل الجنائز ـ أحدثت مشكلة كبيرة بين الصفويّين والعثمانيّين، وملخصها: إنّ الشيعة أخذوا من زمن بعيد يدفنون موتاهم في مقبرة وادي السلام بالنجف، وتُعدّ من كُبريات المقابر بالعالم، وما يصاحب نقل الجنائز من مضايقات وأضرار صحيّة.

فيروى أنّ والي بغداد مدحت باشا، استغلّ فرصة وجود الشاه ناصر الدين القاجاري لزيارة العتبات المقدّسة بالعراق، ففاتحه بأمر نقل الجنائز من إيران إلى النجف، فلزم أن يُدفن الميّت في موطن موته، ويبقى مدّة سنة، وبعد مرور السنة تُنقل عظامه ورممه، فيحصل الغرض(2).

ولم يكتف السيّد بوقوفه أمام هذه الظاهرة، بل أصدر رسالته >تحريم نقل الجنائز<، مثبتاً بطلان هذه العادة دينيّاً.

وقد خالف الشهرستانيّ في هذه القضيّة آراء العامة، ونتيجة لذلك صوّر البعض الشهرستانيّ على أنّه كافر ومُلحد، وتعرّضت حياته للخطر، واُغلقت مجلّته (العلم) في أواخر العام ١٩١١م، واُجبر على مغادرة النجف والعراق،

____________

1- السيّد هبة الدين الشهرستانيّ وجرأة الدعوة للتجديد: ٣ ـ ٤ .

2- هبة الدين الشهرستانيّ فقيه التنوّر: ٥ .


الصفحة 131
وأمضى عامين في الهند(1).

بل ولم يكتف السيّد أيضاً بإصداره هذه الرسالة، بل توخَّى في معالجته لهذه القضيّة إثارةَ الرأي العامّ ضدّ النقل، من خلال المجالس والندوات، التي أراد من وراء التركيز فيها على هذه المسألة ـ فضلاً عن إثارة الرأي العام ـ كسبَ موقف الفقهاء والعلماء والمتعلّمين إلى جنبه في إثارة الرأي العام ضدها؛ لأنّ هدف الإصلاح عنده لابدّ أن يقوم به رجال الدين، ممّن يتمسّك بصريح المعقول وصحيح المنقول.

فطالب فقهاء عصره بإيضاح الأمر إلى الناس، وإطلاعهم على حقيقة الأمر ـ كما هي فلسفته ـ في >أنّ كشف الحقائق المهمّة، وإزاحة قناع الشكوك عن محيّا بنات الأفكار، لا يكون إلّا بالبراهين العقليّة والمعاني الفلسفيّة، أو بالأدلّة الشرعيّة في المسائل الدينيّة<.

وقد أورد في كتابه عدداً من القصص، التي تقشعر لذكرها الأبدان(2).

وقد ورد ما يؤيّد ذلك في مذكّرات فريدريك روزن حين يقول: إنّ الزوّار الذين يتدفّقون على العتبات المقدّسة في العراق، يجلبون معهم بقايا موتاهم، ويدفنونهم في ثرى كربلاء، المضمّخ بدماء الشهداء.

وهذه الجثث التي تلف باللباد، تشاهد متدلّية من ظهور الإبل بمجموعات من أربع جثث إلى خمس جثث. وبالرغم من هذه العادة، فإنّ الزيارة إلى كربلاء تجمع بين النزهة ومتطلبات العبادة<(3).

____________

1- الشهرستانيّ رائد الحركة التجديد في العراق: ٢ .

2- انظر تحريم نقل الجنائز: ٦ .

3- هبة الدين الشهرستانيّ: ١٠٦، نقلاً عن «العراق في مذكّرات الدبلوماسيين الأجانب»: ٧٢ .


الصفحة 132
ويقول الأُستاذ جعفر الخليليّ عن هذه الرسالة ـ تحريم نقل الجنائز ـوما جرى بعد طبعها، ناقلاً بعض القصّص منها:

>ثمّ قرأتُ كتاب >تحريم نقل الجنائز<، وهناك استطعتُ أن أفهم حركة السيّد الشهرستانيّ أكثر، خصوصاً في الكتاب الأخير >تحريم نقل الجنائز<.

وفهمتُ جيداً سبب الهياج العظيم الذي جُوبه به الشهرستانيّ، حتّى أصبحت حياته في خطر، واعتُبرت دعوته هذه ـ التي حمّلها كتابه ـ دعوة مخالفة للشرع، وقد تجرّأ البعض فنسبَ له الكفر والزندقة، وطلب منه أن يستغفر ربّه ويتوب، في حين كان قد بلغ مرحلة الاجتهاد واُوغل فيها.

ودعوة تحريم نقل الجنائز من الأماكن النائية إلى النجف الأشرف، تلخّص في أنّ السيّد هبة الدين، كان لا يُبيح نقل هذه الجنائز، إذا ما أخلّ هذا النقل بحرمة الميّت، بحيث يسبّب نتونة الجثة وتفسّخها أو الاستهانة بها، وحصر النقل في دعوته على الأماكن القريبة.

وقد أورد في كتابه هذا ـ الذي قرأته بعد حدوث الضجة والهياج بمدّة طويلة ـ عدداً من القصص التي تقشعر لذكرها الأبدان، ومن بين تلك الشواهد من القصص التي أوردها في كتابه، وظلّت عالقة بذهني هي:

إنّ قافلة كانت تحمل نحو مائتي جنازة، من الجنائز التي كانت مدفونة في قبور مختلفة من البقاع الإيرانيّة على سبيل (الأمانة)، حتّى إذا مرّ الزمن الذي يكفي لامتصاص الأرض موادّ الجثّة وتعرّق العظم، اُخرجت هذه الهياكل العظمية، وصُرّت عظام كلّ جثة في صرّة، وحُملت في صناديق؛ للاتجاه بها إلى العراق، ودفنها في العتبات المقدّسة.

وكان أن وصلت هذه القافلة إلى المحمّرة (خرمشهر اليوم) واُنزلت في ساحة الكمرك، فشبّت في تلك الليلة النار في أحد الأماكن القريبة، ثمّ


الصفحة 133
ما لبثت أن اتّصلت بدائرة الكمرك، ثمّ بالجنائز، فأحرقتها ولم تتركها إلّا رماداً.

وسأل السيّد هبة الدين: ترى مَن هو المسؤول عن هذه الحادثة، وأمثالها من الحوادث، غير سُكوت أهل الفتيا، الذي يُطمِع سكوتُهم المتاجرين بالجنائز، فيسلبون حرمة الميّت، فضلاً عمّا يسبّب هذا النقل من انتشار الجراثيم وعدوى الأمراض.

وقد حمل في كتابه هذا بشدّة، وعزّز رأيه بعدد كبير من فتاوى كبار العلماء بتحريم نقل الجنائز، إلّا في الحدود المقبولة عقلاً، وأثبت كلّ تلك الفتاوى بالزنكوغراف زيادة في التأكيد.

وذكّرتني (الأمانة) أمانة دفن الميت برجل لم يزل حيّاً، وكان قد جاء من إيران بقصد زيارة العتبات، وكان قد امتطى حماراً جموحاً، أتعبه ركوبه، حتّى شكا إلى القافلة أمره، فعرض عليه أحد أفراد القافلة أن يبادله حماره ليتولّى ترويض حماره الجموح في ساعة أو ساعتين، يُعيده بعدها إليه هادئاً متّزناً.

فنزل الرجل عن حماره، وامتطى حمار صاحبه، الذي تولّى أمر ترويض الحمار، والذي راح يوسع الحمار ضرباً من أول وهلة، واندفع حيث يريد الحمار مشرّقاً ومغرّباً، وهو لا يكفّ عن ضربه بكلّ ما أوتي من قوّة.

أمّا صاحبنا، فما كاد يمتطي حمار المروّض، حتّى ألفى تحته خرجاً، وفي جانب منه صرّة، دفعه فضوله أو شهيّته للأكل أن يفتح في الصرّة فتحة؛ ليستخرج منها ما يحتوي عليه هذا الكيس من المأكول، فإذا به كسر من الخبز (المحمّس) المعجون بالتوابل من الأملاح والحوامض والمجفّف على النار، وبدأ يخرج من هذه الصرّة بعض الكسر ويأكلها بشهيّة.

وإذ تمّ ترويض الحمار الجموح، عاد به المروّض، وقد أصبح أطوع من البنان، فشكر له صاحبه يده وقال له: أرجو أن تغفر لي جرأتي أو وقاحتي،


الصفحة 134
التي دفعت بي إلى أن أمدّ يدي إلى هذه الصرّة من خرجك، وأتناول شيئاً من الخبز (المحمّس) قبل استئذانك.

قال الرجل: وأيّ خبز هذا الذي تعنيه؟

وما كاد يشير إلى الصرّة، حتّى صرخ الرجل، ولطم على رأسه، وصاح: تعالوا إليّ، فلقد أكل هذا أبي، لقد أكل عظام أبي النخرة، وهو يحسبها خبزاً محمّساً، وظلَّ يولول.

أقول: وعلى أثر الضجّة التي أحدثتها صرخة السيّد هبة الدين، والتي تعرّض فيها للخطر، اضطرّ السيّد الشهرستانيّ أن يُهاجر من النجف إلى كربلاء ويستوطنها، على ما نقل الرواة<(1).

الشعائر الحسينيّة:

كُنّا نعتقد ـ وكثيرٌ غيرنا أيضاً ـ أنّ دعوةَ السيّد هبة الدين الشهرستانيّ لإصلاح بعض الشعائر الحسينيّة، جاءت تأييداً لدعوة السيّد محسن الأمين العامليّ وتابعةً لها، وكذلك تأييداً لدعوة السيّد محمّد مهدي القزوينيّ البصريّ.

ولكن، بعد أن تتبّعنا تواريخ هذه الحركة الإصلاحيّة، التي بدأت بواسطة كتابة مقالات ورسائل، بل كُتبٍ أيضاً، وجدنا أنّ دعوة السيّد هبة الدين للإصلاح كانت مقارنةً لدعوتهما ـ الأمين والقزوينيّ ـ إن لم تكن قبلهما.

ومن المعلوم أنّ هؤلاء الأعلام الثلاثة، بدأوا دعوتهم الإصلاحيّة

____________

1- هكذا عرفتهم ٢: ٢٠٣ ـ ٢٠٥ .


الصفحة 135
بواسطة البيان والبنان، من خلال عدّة رسائل وكتب:

ففي سنة ١٣٤٣هـ :

* ألّف السيّد هبة الدين الشهرستانيّ كتابه >نهضة الحسين(عليه السلام)<(1).

* وكتبَ السيّد محسن الأمين العامليّ كتابيه: >إقناع اللائم على إقامة المآتم<(2)، و>المجالس السنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة<(3).

* وسكنَ السيّد محمّد مهدي الموسويّ القزوينيّ البصريّ مدينة البصرة ـ بعد عودته من الكويت ـ وبدأ بدعوته للإصلاح(4).

وفي سنة ١٣٤٥هـ :

* نشرت جريدة >الأوقات العراقيّة<، للسيّد محمّد مهديّ القزوينيّ، مقالةً بعنوان >يوم عاشوراء<، في عددها ١٦٦١، الصادر في الأوّل من شهر محرّم من هذه السنة، انتقدَ فيها بعض الشعائر(5).

* ونشرت جريدة >العهد الجديد< البيروتيّة، للسيّد محسن الأمين العامليّ، مقالة يدعو فيها أيضاً لإصلاح بعض الشعائر(6).

* وألّف وطبع السيّد محمّد مهدي القزوينيّ رسالته >صولة الحقّ على

____________

1- نهضة الحسين(عليه السلام): ٣٤ .

2- الذريعة ٢: ٢٧٥ / ١١١٥ .

3- الذريعة ١٩: ٣٦٠ / ١٦١٠ .

4- الذريعة ٧: ١٦٨ / ٨٩٤ .

5- انظر: رسالة كلمة حول التذكار الحسينيّ، المطبوعة ضمن «رسائل الشعائر الحسينيّة» ٢: ٢٨٩ .

6- انظر: رسالة سيماء الصلحاء، المطبوعة ضمن «رسائل الشعائر الحسينيّة» ٤: ٢٧٩ .


الصفحة 136
جولة الباطل<(1).

* واُلّفت ردّاً على >الصولة< عدّة رسائل ـ وفي هذه السنة أيضاً ١٣٤٥هـ ـ منها(2):

ـ >المواكب الحسينيّة<، للشيخ عبد الله المامقانيّ.

ـ >نظرة دامعة حول مظاهرات عاشوراء<، للشيخ مرتضى آل ياسين.

ـ >كلمة جامعة حول التذكار الحسينيّ<، للشيخ محمّد جواد الحچاميّ.

ـ >نصرة المظلوم<، للشيخ حسن المظفّر.

ـ >المواكب الحسينيّة<، للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.

ـ >سيماء الصلحاء<، للشيخ عبد الحسين صادق العامليّ.

وفي سنة ١٣٤٦هـ :

* ألّف السيّد محسن الأمين العامليّ رسالته >التنزيه لأعمال الشبيه<.

* وكتبَ الأعلام ـ ابتداءً من هذه السنة ـ رسائلَ ومقالات كثيرة، أكثرها معارض للسيّد الأمين وقليل منها مؤيّد له.

ولم يكتفِ السيّد هبة الدين بتأليف كتاب >نهضة الحسين(عليه السلام)<، بل تبعه بعدّة مقالات، عربيّة وفارسيّة، طُبعت في صحف ومجلّات مختلفة.

ومطالعة سريعة لهذه المقالات ـ المطبوعة في هذا المجلّد ـ يتّضح أنّه رحمه الله حرّم بعض الشعائر، مثل: التطبير، وإيذاء الجسد بالجرح، وضرب السلاسل، وإلقاء القفل على البدن، والسير على الجمر.

بل صرّح ـ طبقاً لرأيه ـ أنّ هذه الأعمال نزوات شيطانيّة، يقوم بها غير

____________

1- الذريعة ٢٦: ٩٣ / ٤٤٢ .

2- انظر المجلّد الأوّل من رسائل الشعائر الحسينيّة.


الصفحة 137
المتديّنين باسم العزاء الحسينيّ، فلابدّ من تنزيه مجالسنا ومآتمنا العزائيّة منها.

وصرّح أيضاً براجحيّة واستحباب البكاء، وإقامة العزاء، واللطم، وقراءة التعزيّة.

ويتّضح أيضاً أنّ حكومة شاه إيران رضا پهلوي، قد استغلّت فتوى السيّد هبة الدين في تحريم التطبير، وقامت بمنعه، ومنع بعض الشعائر، وهاجمت بعض الحسينيّات والهيئآت، واعتقلت المقيمين والمشجّعين لها، وعاقبتهم أشدّ عقاب.

قال جعفر الخليليّ: >ولقد كان الفضل في كفّ الضاربين بالسيوف على رؤوسهم في إيران، إلى فتواه في الدرجة الاُولى، وفتاوى بعض العلماء، التي أخذت بها الحكومة الإيرانيّة، ومنعت بمقتضاها الضرب بالسيوف في أيام عاشوراء(1).

وتقدّم تفصيل هذا في مقدّمة الكتاب.

وإضافةً لما كتبه السيّد من مقالات إصلاحيّة، فقد أقام يوم عاشوراء مجلساً حسينيّاً كبيراً، تُتلى فيه أسرار النهضة الحسينيّة، شارك فيه أعلام الكُتّاب والشعراء، وثابر على ذلك سبعة أعوام، كانت نتائجها تملأ المجلّات والصحف، منها أعداد خاصة لمجلّة >البيان<(2).

معاناة السيّد وتضحياته من أجل الإصلاح:

بسبب الآراء الحديثة التي طرحها السيّد هبة الدين الشهرستانيّ،

____________

1- هكذا عرفتهم ٢: ٢١١ ـ ٢١٢ .

2- عاشوراء وتجديد هبة الدين الشهرستانيّ: ١ .


الصفحة 138
وتحريمه لنقل الجنائز إلى المدن المقدّسة، ومحاولته إصلاح بعض الشعائر الحسينيّة، تعرّض لهجمة شرسة من أبناء جِلدته الجهلاء، الذين لا يُريدون لمجتمعهم التقدّم ومواكبة التطوّر العلميّ.

حتّى وصل الأمر إلى اتهامه ـ رحمه الله ـ بالكفر والزندقة، والخروج عن الدين، ومطالبته بالتوبة والاستغفار، ومحاولة الاعتداء على حياته. لذلك نراه قد ترك مدينة النجف الأشرف وهاجر بعياله إلى مدينة كربلاء المقدّسة، ثم إلى مدينة الكاظميّة المقدّسة، التي كانت آخر محطّات حياته، إلى أن وافاه الأجل المحتوم.

وهناك مَن يذهب إلى أنّ السيّد هبة الدين، كان مرشّحاً للمرجعيّة العليا في مدينة النجف الأشرف، لكنّه ضحّى بهذا المقام المقدّس، من أجل الأفكار الإصلاحيّة التي كان يحملها.

يقول الأُستاذ جعفر الخليليّ:

>لقد كان هذا الرجل، الذي تقدّم مضحّياً بمقامه ومستقبله الروحاني، في سبيل الدعوة إلى نبذ تلك الخرافات، هو السيّد محمّد عليّ الحسينيّ، أو هبة الدين الشهرستانيّ، أو هبة الدين الحسينيّ.

وكان يومذاك رجلاً من المراهقين للاجتهاد، وعلى جانب غير قليل من الاطّلاع على العلوم الحديثة والأفكار الجديدة، إلى جانب اختصاصه في الفقه، وعلم الاُصول، وعلم الكلام.

نقول: يضحّي بمستقبله الروحانيّ؛ لأنّ للوصول إلى المرجعيّة الكبرى مراسيم وأساليب والتزامات خاصة، إذا خرج عليها الروحانيّ، بَعدت عنه الزعامة والمرجعيّة، على قدر ابتعاده عن الأخذ بتلك (الاعتبارات) والالتزامات.


الصفحة 139
فالعرف والمفاهيم العامّة تتطلّب من المرشح للزعامة الدينيّة الكبرى: أن لا يضحك مثلاً، وأن يكتفي بابتسامة خفيفة إذا اقتضى أن يضحك.

وأن يبتعد عن التجديد في هيئته وحياته الخاصّة والعامّة.

وأن يقصر اهتمامه وأكثر اهتمامه في الزهد والقناعة.

وأن يقتصد على قدر الإمكان في الكلام.

وأن يمشي مشية رتيبة موزونة ثقيلة.

وإلّا كان كبعض الناس، وإذا صار كبعض الناس، فلتت منه صفة العظمة، التي يسبغها الناس على الزعماء الروحانيّين.

وقد أدرك ناسُنا في السنين الأخيرة، عدداً غير قليل من هؤلاء، الذين قصّر بهم مزاجهم، ورقّة حاشيتهم، وعدم التزامهم بتلك الطقوس، عن بلوغ كرسيّ الزعامة، في حين تبوّأه من هم أقلّ درجة علميّة منهم.

قال لي مرّة أحد أبناء عمّي، وكان من الطلّاب الروحانيّين، وقد كان الحديث يدور حول الشيخ ضياء العراقيّ، والشيخ ضياء العراقيّ من كبار المجتهدين وأساتذة العلوم الروحانيّة، الذي لم يكن يحضر مجلس بحثه إلّا العلماء والمراهقون للاجتهاد، وقد أدركته أنا، ورأيت مجلس بحثه ودرسه عن كثب، وعرفته بعض المعرفة.

لقد قال لي قريبي: هل هناك من يشكّ في مقدرة الشيخ العراقيّ الهائلة في العلوم الدينيّة، وكونه من الأفذاذ؟

قلت له: لا أحسب أنّ هناك مَن لا يعرف ذلك عنه.

قال: ومع أنّ الجميع يَرون فيه الزعيم الروحانيّ الكبير، فإنّه لن يصل إلى المرجعيّة الكبرى، ولن يبلغ يوماً ما مرحلة الزعامة العامّة، مادم على ما هو عليه من المزاج، الذي يتنافى والشروط التي يطلبها الناس، وليس العلم.


الصفحة 140
قلت: وما هو هذا المزاج؟

قال: إنّه كثيراً ما يُرى الشيخ ضياء، وقد اقتعد إحدى قمم هذه التلول المحيطة بالنجف، قبيل غروب الشمس وبعيده، وحوله بعض تلاميذه، وهو يستعرض الغادين والمارة من الناس، ويستنشق الهواء.

وفي الوقت الذي ينتظر الناس من الذي يعدّ نفسه للمرجعيّة، أن يكون في مثل تلك الساعة في الحرم الشريف، أو الصحن، أو المسجد، وقد لفّ حنكه حول رقبته خاشعاً يصلّي إلى الله.

وكثيراً ما ترى الشيخ ضياء العراقيّ، وقد وقف يصلّي صلاة الصبح فوق دكة الحمّام العمومي، وليس بينه وبين شروق الشمس إلّا بضع دقائق، والناس ينتظرون من الذين يتصدّون لأن يكونوا مراجع دينية، أن يكونوا قد انتهوا من صلاة الصبح عند الفجر، وفي المسجد، أو في الحرم الشريف، لا في الحمّام، ولا في البيت.

هذا إضافة إلى مرحه، وضحكاته الرنّانة، ومناقشاته الطويلة التي تجري في مجلسه، ومعاملته لتلاميذه وأصدقائه معاملة الندّ للندّ.

كُنت عند الشيخ ضياء العراقيّ مرّة، فقص عليّ قصّة ترجع إلى أيام شبابه، قال: زرتُ مرّة رجلاً في بيته لشأن خاصّ، وكانت الغرفة نظيفة وجميلة، وجدرانها مكلّسة ناصعة البياض، وهناك سعلت فألقيت ببصقة على الجدار، ولم أكن أنا وحدي من يفعل مثل هذا، فيلقي بالبصاق هنا وهناك في تلك الأيام.

فالتفت إليّ صاحب البيت وقال لي: كم يكون من الجميل لو تفضّلت فألقيت ببصقة اُخرى على الجدار المقابل؛ ليتعادل الأمر، ويكون هذا متّفقاً مع تنسيق الغرفة.


الصفحة 141
ألا ترى هذا الشباك مقابلاً لذلك الشباك، ثمّ ألا ترى كيف وضعتُ هذه المعلقات إحداها مقابل الاُخرى. فارم ببصقة اُخرى مراعة لهذا التنسيق، إرمها على الجدار المقابل ـ قالها ذلك الرجل ـ وقال الشيخ ضياء: كم أخجلني هذا الرجل بتهكّمه وسخريّته، وقد خرجت من مجلسه وما رأيته بعد ذلك<(1).

محنته في فقد بصره:

في أثناء تسلّم السيّد هبة الدين رئاسة مجلس التمييز الشرعيّ الجعفريّ، اُصيب بمرض الرمد الذي أدى إلى فقد بصره.

وهنا تسكت المصادر عن سبب هذا المرض: فهل كان اعتداءً أثيماً؟ أم حادثةً عفويّةً؟ أو محنةً مؤلمةً؟

الذي يُدقّق ما بين السطور، يتبادر إلى ذهنه شئ مهم، أشار إليه عليّ الخاقانيّ بقوله: >لا نقوى على سردها<(2)، أي قصّة فقد بصر السيّد.

>وبهذا جعل القارئ يضرب أخماساً بأسداس، متشوّقاً لمعرفة ما جرى لهذا العالم الجليل<(3).

قال البهادليّ في كتابه >السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ٢١١ : ـ ناقلاً عن عدّة مصادر ووثائق ـ قصّة فقد السيّد بصره، وملابساتها:

>وبعد إصابة السيّد هبة الدين بعينيه بمرض الرمد الصديدي، في بدايات ترؤّسه المجلس، لم تتحسّن عيناه رغم التداوي المستمر، ممّا جعل عدداً من

____________

1- هكذا عرفتهم ٢: ١٩٧ ـ ١٩٩ .

2- شعراء الغريّ ١٠: ٦٦ .

3- هبة الدين الشهرستانيّ فقيه التنوّر: ٤ .


الصفحة 142
الأطباء الأخصّائيين بشأن العيون، أن يرجّحوا إجراء العمليّة الجراحيّة على عينيه.

وتعهّد بذلك الدكتور طوبليان ـ المشهور حينذاك ـ وأجريت على يديه العملية الجراحية ضحوة الأربعاء ٩ذي القعدة ١٣٤٥هـ ـ ١١حزيران ١٩٢٧م، في المستشفى المجيدي في بغداد (مدينة الطب حالياً).

يقول طوبليان قبل الدخول إلى صالة العمليات: >إنّ وراء هذه العين عقل كبير، فعلى العقول الكبيرة أن يهتموا بها لمنفعة البشر<(1).

ولكن العمليّة لم تنجح، وفقد السيّد هبة الدين البصر، ولكنّه استمر في عمله القضائي والأداري، بالإضافة إلى مواصلته البحث والكتابة إملاءً على كاتب.

وبسبب رغبة البعض في الوصول إلى رئاسة المجلس، أثاروا موضوع فقدان البصر، وقدّموا إلى بعض العلماء الاستفتاءات في صلاحيّة فاقد البصر للقضاء، فأفتوا بجواز تولّي القضاء للأعمى، ولا يشترط في القاضي البصر، وتنفذ أحكامه شرعاً(2).

وكانت فتوى الشيخ عبد الكريم الجزائري واضحة في هذا المجال، إذ جاء فيها: >غير خفيّ أنّ حضرة العالم الفاضل السيّد محمّد عليّ هبة الدين، الشهير بالشهرستانيّ، ممّن حاز المرتبة العالية في العلم والديانة ومعرفة الأحكام الشرعية، ومع ذلك هو حائز ثقة العموم، والجميع واثقون ومأنوسون بإسناد رئاسة مجلس التمييز الجعفري إليه، ولا يضرّ ضعف البصر أو عدمه

____________

1- المرشد، ج٥، مج٢، ذي الحجة ١٣٤٥هـ ، حزيران ١٩٢٧م، ص١٦١ .

2- فتوى الشيخ عبد الحسين آل ياسين في ٢١ جمادى الاُولى ١٣٤٧هـ .


الصفحة 143
بوظيفته شرعاً<(1).

وقد ذكره البعض في فتواه: أنّ العبرة ببصيرته لا بباصرته، وينفذ قضاؤه ولا يضرّ عماه(2).

إضافة إلى ردود وفتاوى كثيرة تؤيّد استمرار السيّد هبة الدين في هذا المنصب<(3).

وفاته:

توفّي السيّد هبة الدين الشهرستانيّ ـ كما نقل ولده السيّد جواد ـ >فجر يوم الاثنين ٢٥ شوال سنة ١٣٨٦هـ ، الموافق ليوم ٦ شباط سنة ١٩٦٧م، حيث شُيّع جثمانه تشييعاً مهيباً من مسجد براثا بالكرخ من بغداد إلى الكاظميّة، تتقدّمه مواكب العزاء الشعبيّة بأعلامها، وممثّل رئيس الجمهوريّة نائباً عنه، وكبار رجال الدين الأعلام، مع السفراء والوزراء، وأهل العلم، ووجوه البلد، وعامّة الشعب، إلى مثواه الأخير وسط مكتبته المذكورة بالروضة الكاظميّة

____________

1- نص فتوى الشيخ عبد الكريم الجزائريّ في ١٥ جمادى الاُولى ١٣٤٧هـ .

2- فتوى الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ في ٢٥ جمادى الاُولى ١٣٤٧ هـ .

3- وجدت كافة الفتاوى المتعلّقة بهذا الموضوع في مكتبة الجوادين العامة (مخطوطة) وفيها فتاوى كلّ من: السيّد محمّد الموسوي، السيّد عبد الهادي الحائريّ، الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، السيّد محمّد مهدي الصدر، الشيخ ضياء الدين العراقيّ، السيّد هادي الحسينيّ، السيّد حسن الطباطبائيّ، الشيخ محمّد الخطيب، السيّد أبو الحسن الموسويّ، مرفقة معها رسالة من السيّد أبو الحسن الموسويّ إلى الملك غازي يطلب فيه استمرار السيّد هبة الدين في رئاسة المجلس.


الصفحة 144
عن عمر بلغ ٨٥ عاماً<(1).

ونقل الأُستاذ زين النقشبنديّ عن السيّد جواد هبة الدين: إنّ الشيخ محمود الكتبيّ، صاحب مكتبة المفيد، هو الذي تولّى تغسيل السيّد وتكفينه وأشرف على دفنه(2).

واُقيمت له مجالس الفاتحة في النجف الأشرف، وكربلاء المقدّسة، والكاظميّة الشريفة، ورثاه عدد من الشعراء، وأشادوا بجهاده ومكانته العلميّة وخدماته الجليلة.

وأرّخ وفاته السيّد محمّد حسن الطالقانيّ بقوله:

طود النُهى فيكَ الفضيلة روّعتوالشرع بعدك ماله من سعفِ
قد كُنت للإصلاح رمزاً فاغتدىميدانه قفراً يحنّ لمشرفِ
هذي المعاهد قد نعتك لأنّهانداً لشخصك في الحجى لم تعرفِ
وثرى ضريحك للضراح سماعلاأرّخ وروّي بالدموع الذرّف(3)

وفي الحفل التأبينيّ الذي اُقيم في كربلاء مساء ٨ آذار ١٩٦٧م، ألقى الشاعر سلمان هادي آل طعمة قصيدة بعنوان (أبا الجواد) وممّا جاء فيها:


لا نجم يلمع فوق السهل والجبلوضجَّت الضاد إثر الحادث الجللِ
وأنت أيّتها الشمس التي أفلتطال اشتياقي إلى أيامك الاُولِ
وهبتَ قلبك للفكر الذي رسختأقدامه في ربى الدنيا على القللِ

____________

1- صدف اللآلي «مخطوط»، ورقة ٦ .

2- هوامش في ذكرى السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: ٣ .

3- نقباء البشر ـ طبقات أعلام الشيعة ـ ١: ١٤١٧ .


الصفحة 145

وكُنتَ في ثورة العشرين رائدهاكالشمس تهدي لدرب واضح السبلِ
كُنتَ المجاهد لا يخشى من الزللوخضت سوح الوغى بالبيض والأسل
ولن تصد عن التقوى وتتبعهاحتى بلغت الأماني الغر بالعملِ
أبا الجواد أعرني منطقاً سلساًحتّى أوفّيك حقاً غير منتحلِ
مجلّة (العلم) مازالت مخلّدةيبكيك عنوانها بالمدمع الخضلِ
و(المرشد) الحقّ مازالت مدارجهتنعاكَ يا ويل نعي الأمثل البطلِ
وأنتَ أعمق فكراً إن دجت ظلمتطوي الثمانين بين القول والفعلِ
تشيد للعلم مجداً طاب مغرسهأضوتك فيها ثمانون على مهلِ
تلك الوزارة من أرسى قواعدهاحتّى نهضتَ بها في أقول السبلِ
أفنيتَ عُمرك لا تبسط يديك لذيجاه وأنت كريم الأصل في المللِ
ناجيت ذكراك والبلوى تُنادمنيفلا سمير يناغي الروح بالأملِ
نجم البيان وما أحلى مجالسهتزدان مزهوة التيجان والحللِ
لكَ الخلود وإن الرافدين لفيشجو يفيض بدمع ساكب هطلِ(1)

ورثاه الشيخ محمّد حسين الصغير، بقصيدة رائعة، اُلقيت في الحفلة التأبينيّة الأربعينيّة التي اُقيمت له في مسجد براثا في ٢٧ ذي الحجة سنة ١٣٨٦هـ = ٧ نيسان سنة ١٩٦٧م، قال فيها:


ألمثل مجدك يستطيل رثاءوعلى يديك من الجهاد لواء
ورسالة بنت الخلود كريمةوعقيدة رأد الضحى غراء
وصحائف سكرَ الزمان بخمرهاأرأيت كيف تجانس الندماء

____________

1- مجلة العدل، النجف، السنة الثانية، ج٢، ١٣٨٦هـ ـ ١٩٦٧م .


الصفحة 146

ومواقف شعّت بكلّ ملمّةلتنير داجية بها الأضواء
هي من تراثك شعلة وهاجةلا الليل يحجبها ولا الظلماء
غمرت بها هدى الصباح وأشرقتفيها الرباع وما جت الأرجاء
وكذاك مجد الخالدين مواقفخلّاقة وصحائف بيضاء
تستلهم المثل الصحاح ويبتنيالشرف الصراح كيانها البنّاء
فإذا فقدت فمثلما طوت السناسحب لتهطل بعدها الأنواء
وإذا ثويت على الصعيد معفراًفلربّ ثاوٍ دونه الجوزاء
شيخ على التسعين أربى عمرهعن متنه ما زلت الأعباء
تلك السنون الحافلات بوعيهدوّى لها صوت ورنّ نداء
طوراً تتوّج بالجهاد جبينهألقاً، وطوراً بالكتاب تُضاء
وعلى كلا الحالين قد نهضت بهقيرم، وقامت همّة شمّاء
لم ينحرف خطوا ولم تقصر بهسُبل، ولم تعصف به نكباء
مترسّماً سنن الطريق وحولهالعقبات والصدمات والأقذاء
يا قائد الفكر الوهوب إلى العلىبالعزم فكرك واهب معطاء
ما كان بالأمر اليسير إمامةروحيّة وقيادة عصماء
ألقت على كفيك عبئاً فادحاًفنهضت لا برم ولا إعياء
لله درّك المعيا ثاقباً قفزت به قدسية وإباء
وموجهاً خصب الشعور وناقداًعفّ العواطف يرتيء ويشاء
ومجرباً خبر الاُمور دراسةحتّى تشعشع رأيه الوضاء
جمعَ القديم إلى الحديث بحكمةقطفت ثمار نتاجها الحكماء
فكان (رسطاليس) خدن حديثهوكأنّ (سقراطا) به حداء


الصفحة 147

ويلوح (للكندي) مرهف فكرهومن (ابن سينا) تشحذ الآراء
وترى‌إلى‌جنب‌(الرضي)‌(المرتضى)وعن (المبرّد) يصدر (السفراء)
هذا سبيل الواهبين وهكذاتبني الخلود القادة الاُمناء(1)

وليكن هذا آخر ما كتبته في ترجمة حياة السيّد هبة الدين الحسينيّ الشهرستانيّ، مساء ليلة الثلاثاء، السابع عشر من شهر صفر الخير، سنة ١٤٣٩هـ ، في مدينة قم المقدّسة.

وأنا أقلّ العباد عملاً، الراجي عفو ربّه ومغفرته يوم الحساب: محمّد ابن الحاج رضا ابن الحاج محمّد عليّ ابن الحاج حسّون الترك، النجفي المولد والنشأة، القميّ هجرةً ودراسة وتدريساً وتأليفاً وتحقيقاً، ونسأله تعالى أن يعيدنا إلى مدينة باب علم النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) مدينة العلم والعلماء، النجف الأشرف، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

محمّد الحسّون

١٧ صفر ـ ١٤٣٩هـ

قم المقدّسة

البريد الالكتروني: [email protected]

الصفحة على الانترنيت: www.aqaed.com/muhammad

____________

1- أعيان الشيعة ١٠: ٢٦١ .


الصفحة 148


الصفحة 149

(١) فتوى النائيني وكاشف الغطاء وأشباههما في إباحة السلاسل وغيرها


الصفحة 150


الصفحة 151
الصفحة السابقةالصفحة التالية