المكتبة العقائدية » رسائل الشعائر الحسينية (ج 09) (لـ مجموعة من العلماء، جمعها وحقّقها وعلّق عليها الشيخ محمّد الحسّون )


رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص 241 - ص 270)


الصفحة 242
والسيّد باقر اليزديّ الطباطبائيّ(1)، والحاج أغا رضا

____________

1- قال عنه السيّد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» ٣: ٥٣٣:
«الحاج ميرزا باقر الطباطبائيّ:
ولد سنة ١٢٨٥ هـ في تبريز، وتوفّي فيها في شهر رجب سنة ١٣٦٦ هـ ، ونُقل جثمانه إلى قم فدفن فيها.
كان رأس الاُسرة الطباطبائيّة، ومن أفاضل العلماء، تلقّى بادئ العلوم العربيّة والدينيّة في تبريز، ثمّ سافر إلى النجف الأشرف، ومكث فيها خمسة أعوام، حضر خلالها دروس الأعلام، كالرشتيّ، والمامقانيّ، والشربيانيّ.
وفي سنة ١٣١٤ هـ عاد إلى تبريز، فمكث فيها أربعة أعوام، ثمّ عاد إلى العراق، وحضر درس السيّد محمّد كاظم اليزديّ، وشيخ الشريعة الأصفهانيّ، والسيّد محمّد باقر الاصطهباناتيّ، والحاج رضا الهمدانيّ.
وفي سنة ١٣٢٤ هـ رجع إلى تبريز، حيث أقام فيها عاملاً على ترويج شعائر الإسلام، ونشر أحكامه، وتدريس الطلّاب، وله عدّة تآليف في الفقه وغيره لم تطبع. تخلّف بالميرزا محمّد عليّ القاضي الطباطبائيّ».


الصفحة 243
الهمدانيّ(1).

____________

1- ذكره السيّد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» ٧: ١٤ قائلاً:
«الأقا رضا ابن الميرزا عليّ نقي ابن المولى محمّد رضا الواعظ الهمدانيّ، نزيل طهران.
توفّي حدود سنة ١٣٢٣ هـ ، وقيل: ١٣٢٤ هـ ، وفي بعض المواضع سنة ١٣٢٠ هـ ونيف، وفي بعضها: بعد ١٣٢٠ هـ .
عالم فاضل، عارف، واعظ قدير، بارع متكلّم، مؤلّف.
حضر إلى النجف أيام وجودنا هناك في طلب العلم، ونصب له منبر في الصحن الشريف من جهة الشمال ليلاً في ظهر الحضرة الشريفة، فصعد عليه وجعل يعظ الناس عدة ليال بالفارسيّة، واجتمع تحت منبره خلق كثير، وحضرتُ مجلس وعظه في بعض تلك الليالي، فتكلّم على اُصول الدين واستدلّ عليها.
من مؤلّفاته:
١) الأنوار القدسيّة في الحكمة الإلهيّة والعقائد الدينيّة، مطبوع. في «الذريعة»: في مقدّمة طبعه ترجمة أحواله وتصانيفه، لكن وقع خطأ مطبعي في تاريخ وفاته، ولعلّ صوابه ١٣٢٣ هـ ، ولم يتيسر لنا الاطلاع عليه.
٢) الإشارات في المعارف، نظير «فصوص الحكم» في «الذريعة»: لكن فيه ما فيه، وليس ما فيه كما وصفه كذلك مصنفه ذكره في مقدمة طبع كتابه «الأنوار القدسية».
٣) مفتاح النبوة في إثباة النبوّة.
٤) هدية النملة إلى رئيس الملّة، في الرد على الشيخيّة، مطبوع، ألّفه باسم الميرزا السيّد محمّد حسن الشيرازيّ نزيل سامراء.
٥) أرجوزة في النحو، في «الذريعة»: ذكرها في مقدّمة كتابه «الأنوار القدسيّة» وقال: إنّها تقرب من ألفي بيت».


الصفحة 244
حيث أخذ كلّ من هؤلاء على عاتقه مهمّة تكذيب الأخبار الضعيفة، وتنبيه الناس على الأفكار السخيفة، وكانوا يبحثون ويحقّقون في هذه الجوانب.

ومن هؤلاء المحقّقين آية الله العظمى الميرزا الشيرازيّ(1)، الذي سأله

____________

1- ذكره السيّد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» ٥: ٣٠٤ قائلاً:
«السيّد أبو محمّد معزّ الدين الميرزا حسن ـ ويقال: محمّد حسن ـ ابن الميرزا محمود ابن الميرزا إسماعيل ـ ويقال: محمّد إسماعيل ـ ابن السيّد فتح الله بن عابد بن لطف الله بن محمّد مؤمن الحسينيّ الشيرازيّ، نزيل النجف الأشرف ثمّ سامراء، الشهير بالميرزا الشيرازيّ.
ولد في شيراز سنة ١٢٣٠ هـ ، وتوفّي أول ليلة الأربعاء ٢٤ شعبان سنة ١٣١٢ بسامراء، وحمل إلى النجف، ودفن في المدرسة التي كان أنشأها ناصر علي خان الأفغاني ـ المقيم في لاهور ـ قرب باب الصحن الشريف العلويّ الشماليّ، المعروف بباب الطوسيّ، على يسار الداخل إلى الصحن، ويمين الخارج منه.
وعمل على قبره صندوق، وفوقه شباك من الشبه الأصفر، وأخرج له شباك كبير من الحديد على الفضاء الذي يدخل منه إلى الصحن الشريف، ليكون قبره ظاهراً للمارة.
وحمل في كثير من الطريق على الأعناق، فكلّما قارب نعشه بلداً، خرج أهلها إلى مسافة وحملوه على الرقاب، وعند الخروج منها يحملونه أيضاً مسافة.
وكنّا يومئذ بالنجف، فبعض أهل النجف وصل إلى خان الحماد، وبعضهم إلى خان المصلّى، وبعضهم إلى وادي السلام، فخرجنا للقاء جنازته فيمن خرج إلى وادي السلام، وشهدنا تشييعه العظيم، ووصلت جنازته إلى النجف يوم الثلاثاء الثلاثين من شعبان عند العصر، وبقي إلى ليلة الأربعاء غرّة شهر رمضان، ودفن تلك الليلة.
وكان قد ضعف في آخر أيامه، وانقطع عن الدرس والصلاة جماعة، ومرض أياماً قلائل وتوفّي، وكان يوم وفاته يوماً عظيماً، كثرت فيه الحسرات، وسالت العبرات، واُقيمت له مجالس الفاتحة في جميع مدن العراق وإيران وغيرها من بلاد الشيعة، ورثاه الشعراء بالقصائد الكثيرة.
وأقام له مجالس الفاتحة في النجف من العلماء شيخنا الشيخ محمّد طه نجف، والشيخ ميرزا حسين الخليليّ، والشيخ ملا كاظم الخراسانيّ، وغيرهم، هذا عدا ما اُقيم له من مجالس الفاتحة في جميع الأقطار.
كان إماماً عالماً فقيهاً ماهراً محققاً مدققاً، رئيساً دينياً عاماً، ورعاً تقياً، راجح العقل، ثاقب الفكرة، بعيد النظر، مصيب الرأي، حسن التدبير، واسع الصدر، منير الخلق، طليق الوجه، صادق النظر، أصيل الرأي، صائب الفراسة، قويّ الحفظ.
على جانب عظيم من كرم الأخلاق، يوقّر الكبير، ويحنو على الصغير، ويرفق بالضعيف والفقير، اُعجوبة في أحاديثه وسعة مادته وجودة قريحته، آية في ذكائه ودقّة نظره وغوره، أديباً يحب الشعر وإنشاده، ويجيز عليه، ولذلك قصده الشعراء من سائر البلاد عرباً وعجماً، وراجت بضاعة الأدب في أيامه.
وانتهت إليه رئاسة الإمامية الدينية العامة في عصره، وطار صيته، واشتهر ذكره، ووصلت رسائله التقليدية وفتاواه إلى جميع الأصقاع، وقلّد في جميع الأقطار والأمصار في بلاد العرب والفرس والترك والهند وغيرها.
وكان في عصره من أكابر العلماء المجتهدين المقلّدين من العرب والفرس والترك، أمثال الشيخ محمّد حسين، والشيخ محمّد طه نجف، والسيد حسين الكوهكمريّ، والشيخ أقا رضا الهمدانيّ، والشيخ ملا كاظم الخراسانيّ، والشيخ حسن المامقانيّ، والملا محمّد الشرابيانيّ، والميرزا لطف الله، والملا محمّد الإيرواني».
ثمّ ذكر السيّد الأمين له ترجمة مفصّلة، تحت عدة عناوين: «مبدأ أمره وكيفيّة تحصيله»، «إدراره العطاء وحجّه»، «هجرته إلى سامراء»، «عمران سامراء في عهده»، «فسخ امتياز الدخان»، «تلامذته»، و«مراثيه».


الصفحة 245


الصفحة 246
الشعراء يوماً: على أيّ كتب نعتمد كمصادر للنقل على المنابر؟

فقال: >طبعاً لا بدّ أن لا يُعتمد على كتب البرغانيّين و>منتخب الطريحيّ<.

وكان له تحقيقات في مواضيع متعدّدة: كتفسير الآيات، وتأويل الروايات، واستدلالات وبراهين في ما يتعلّق باُصول الدين، وأبواب العدل والتوحيد والنبوّة والمعاد، وردّ الأديان الباطلة، وإنكار المذاهب الزائفة الزائلة.

ولهذا السبب اتّخذ المنبر رونقاً جديداً وشكلاً حديثاً، بحيث تبدّل اسم >الروضة خان< إلى >الواعظ<، وصارت المجالس الحسينيّة كالمدارس السائدة، التي تُلقى فيها الدروس النافعة.

وفي أواخر العهد القاجاريّ، وظهور ثورة المشروطة، توسّعت دائرة


الصفحة 247
المنابر الحسينيّة، واشتدّ نفوذ القرّاء، وتأثير الوعّاظ على الشارع العامّ، واستطاع المنبريّون أن يغيّروا أفكار الناس من خلال المنابر الحسينيّة.

وكانت لديهم مداخلات كثيرة تتعلّق بالمشروطة والانقلاب ضدّ الاستبداد، إلى درجة أنّ القارئ يهدّد الصدر الأعظم والرجل الأوّل في الحكومة بالعزل ـ من على المنبر ـ ويهدّد الوزراء، بل الحكومة بالتغيير وخلع الملوكيّة. فكيف إذاً بعالم من العلماء، كيف لا يسقطه بنطقه وبيانه؟!

وكان القارئ يتمتّع بإلقاء بليغ، وإمرة منبريّة، وسلطة قويّة، بحيث يقال له: >باحث< و>حاكم< و>محقّق<. ثمّ اُطلقت الألقاب العالية على القرّاء كـ : >سلاطين العصر<، و>مجدّدي المتكلّمين<، وكذلك >سلطان الواعظين<، و>فخر المحقّقين<، ونحو ذلك.

وكان للخطباء كلام في العرفان والتصوّف والأخلاق والنصائح، وكان خصوص كلماتهم حول شؤون الدولة وإصلاح الملّة، وأغلب ما يتحدّثون عنه تواريخ الحكومات السابقة والأنظمة السالفة.

وعلى ضوء ذلك حُذفت قراءة المقتل بالكليّة، وبقيت الأشعار المتضمّنة للمصائب، والمشتملة على التخيّلات طبعاً، وكان المجلس يختم بالدعاء للعلماء والرؤساء وأصحاب النفوذ.

وفي حوالي سنة ١٣٤٠ هـ حينما انتهت الحرب العالميّة، وبرزت الملكيّة الجديدة في مماليك العثمانيّين والإيرانيّين، وتطوّر الفكر الإسلاميّ أكثر فأكثر، وزاد نفوذه، وكثرت الإذاعات، وتصاعد عدد الناطقين والمتكلّمين من العرب والعجم، وزادت المخالفات والاعتراضات على الشيعة وتواريخهم


الصفحة 248
بشتى الطرق، ممّا اضطرّني إلى تأليف كتاب >نهضة الحسين(عليه السلام)<(1) وتحليلها

____________

1- أحد الكتب الرائعة التي جادت بها أنامل مؤلّفه المصلح السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، نُعرّف به في عدّة نقاط:
الاُولى: بيّن فيه مؤلّفه أوّلاً معنى الخلافة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) «وأنّها النيابة عنه في الولاية على الاُمّة، في جميع شؤونها، إلّا الوحي، فهي اُخت النبوّة وشريكتها في البيعة والعهد والرياسة العامة».
ثمّ شرع ببيان من هو الأولى بالخلافة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم)، وكيف وصل يزيد بن معاوية إلى الحكم، بزعم أنّه الخليفة.
وبدأ ببيان عدم صلاحيّة يزيد لهذا المنصب الحسّاس، وأهليّة الإمام الحسين(عليه السلام) له، وهو صاحبه الشرعيّ بعد وفاة أخيه الإمام الحسن(عليه السلام).
وأوضح أهميّة الحركات الإصلاحيّة في المجتمع، وكون حركة الإمام الحسين(عليه السلام) رمزاً لكلّ الحركات، وبيّن آثار هذه الحركة المباركة على العالم الإسلاميّ في الماضي والحاضر.
وذكر عوالم نهضته(عليه السلام)، ومبادىء قضيّته العادلة، ودوافع يزيد الانتقاميّة من أهل البيت(عليهم السلام).
ثمّ أخذ يشرح كيفيّة هجرة الإمام الحسين(عليه السلام) وحركته من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة، قاصداً الكوفة عاصمة أبيه، ثمّ إجباره على النزول في كربلاء المقدّسة، وما جرى له من محاورات مع أخيه محمّد بن الحنفيّة وابن الزبير وابن عباس وغيرهم، وكيفيّة سيطرة ابن زياد على الكوفة وقتله لمسلم بن عقيل وهاني بن عروة، ومقابلته(عليه السلام) مع الحرّ الرياحي.
ثمّ أخذ بسرد الأحداث التاريخية التي جرت على الإمام الحسين(عليه السلام) منذ نزوله أرض كربلاء المقدّسة، إلى استشهاده مع أهل بيته وصحبه الكرام يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ .
كما أوضح المؤلّف مصير ما جرى على عيال الإمام بعد مصرعه(عليه السلام)، ودور عقيلة بني هاشم الحوراء زينب(عليها السلام) في مواصلة رسالة أخيها، سواء في الكوفة أو الشام، وتأثير خُطبها على المسلمين.
وأخيراً ذكر تاريخ العزاء الحسينيّ، ابتداءً من العصر الأمويّ، ومروراً بعصر الدولة البويهيّة، وانتهاءً بعصر المؤلّف، أي قبل وفاته سنة ١٣٨٦ هـ .
الثانية: أهمّية هذا الكتاب تتجلّى بوضوح من الكلمات المُشرقة التي قالها عنه الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء، إذ قال:
«كتاب نهضة الحسين(عليه السلام)، الأثر الجليل الذي مازلتُ أُنوّه به وأحثّ عليه منذ أن رأيته قبل برهة، لا رعاية لحقوق الصداقة والأخوّة، بل عناية بحقوق الحقّ والمروءة، فإنّه من الآثار الخالدة التي هي من كتب الدهر، لا من كتب العصر. ومن الجاريات مع الأبد، لا الساريات إلى آمد. ومثل هذه الكتب هي التي تُنضج الأفكار، وتُنشط العزائم، وتبعث في مطالعها روح الهمّة للتفاني على الحقّ، والتهالك على الإباء وعزّة النفس».
الثالثة: اعتمد في كتابه هذا على اُمهات المصادر الرئيسيّة عند علماء المسلمين، والتي اُلّفت في القرنين الثالث والرابع، منها:
«الإمامة والسياسة» و«المعارف» لابن قتيبة الدينوريّ (ت ٢٧٦ هـ ).
و«تاريخ الاُمم والملوك» لابن جرير الطبريّ (ت ٣١٠ هـ ).
و«العقد الفريد» لابن عبد ربّه الأندلسيّ (ت قبل ٣٢٨ هـ ).
«الأخبار الطوال» للدينوريّ (ت ٣٢٨ هـ ).
و«الكافي» للشيخ الكلينيّ (ت ٣٢٨ هـ ).
و«مقاتل الطالبين» لأبي فرج الأصفهانيّ الأمويّ (ت ٣٣٦ هـ ).
و«مروج الذهب» للمسعوديّ (ت ٣٤٥ هـ ).
الرابعة: ذكر المؤلّف سبب تأليفه لهذا الكتاب قائلاً:
«فقد حدا بي إلى تأليف كتابي هذا، غفلة الجمهور عن تاريخ الحركة الحسينيّة وأسرارها ومزايا آثارها ـ وهي النواة لحركات عالميّة ـ حتى إنّ بعض الأغيار إذ وجد هياج العالم، وحداد الاُمم، ومظاهرات العرب والعجم، اندفع قائلاً: ما هذا؟ ولماذا؟ وهل الحسين إلّا رجل خرج على خليفة عصره ثمّ لم ينجح؟
نعم! سنعرّفه: ما هذا؟ ولماذا؟ ومن الحسين الناهض؟ ومن المعارض؟ وما هي غايات الفريقين؟ كلّ ذلك بهذا الكتاب الذي جمع المحاكمات التاريخيّة إلى النظرات الاجتماعية والمرويات الموثّقة من كتب التواريخ».
الخامسة: طبع هذا الكتاب سنة ١٣٨٩ هـ = ١٩٦٩م، كما هو مُثبت في آخره، إذ علّق عليه نجل المؤلّف المرحوم المغفور له العلّامة النسابة السيّد جواد هبة الدين الشهرستاني.
السادسة: تاريخ تأليف الكتاب، هو الرابع والعشرون من شهر رمضان سنة ١٣٤٣ هـ ، كما أثبته مؤلّفه في آخر مقدّمته له.
وهذا التاريخ ـ وكذلك مقدّمته ـ يدلّ على أنّ مؤلّفه العلّامة السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، كان من ضمن أولئك الأعلام الذين نادوا بضرورة إصلاح الشعائر الحسينيّة وتخليصها من الشوائب التي لحقتها عبر العقود والقرون المتأخرة.
ففي هذه السنة أيضاً ـ ١٣٤٣ هـ ـ كتب السيّد مهدي القزوينيّ الكاظميّ البصريّ (ت ١٣٥٨ هـ ) عدّة مقالات في صحيفة «الأوقات» البصريّة يدعو فيها إلى إصلاح الشعائر الحسينيّة، وفيها أيضاً ألّف كتابه المعروف «صولة الحقّ على جولة الباطل».
الذريعة ١٥: ٩٨ رقم ٦٤٦ .
وفيها أيضاً ألّف السيّد محسن الأمين العاملي (ت ١٣٧١ هـ ) كتابيه: «إقناع اللائم على إقامة المآتم» ـ الذريعة ٢: ٢٧٥ رقم ١١١٥ ـ ، و«المجالس السنيّة في مناقب ومصائب العترة النبويّة» ـ الذريعة ١٩: ٣٦٠ رقم ١٦١٠ ـ ، وفيها نشر مقالاته في الصحف البيروتية مدافعاً عن آراء السيّد مهدي القزوينيّ الكاظميّ، التي نُشرت في صحيفة «الأوقات» البصريّة.
ثمّ قام السيّد الأمين ببيان آرائه حول الشعائر الحسينيّة وضرورة إصلاحها في رسالة مستقلّة سمّاها «التنزيه في أعمال الشبيه»، أثبت فيها لزوم تنزيه مجالس العزاء ومحافلها عن الأعمال غير المشروعة، ووجوب التحرّز عن إدخال بعض المحرّمات في التعزية وفساد هذا الأمر الخطير.
وقد طبعت هذه الرسالة أوّلاً بمطبعة العرفان ـ الذريعة ٤: ٤٥٥ رقم ١٠٢٧ ـ ثمّ توالت طبعاتها، وتُرجمت إلى عدّة لغات.
انظر «أعيان الشيعة» ١٠: ٣٨٠ .
وقال الشيخ الطهرانيّ في «الذريعة» ٢٤: ٤٣٠ رقم ٢٢٥٤:
«نهضة الحسين(عليه السلام)، فيه فلسفة شهادته وتواريخ الحادثة، للمعاصر هبة الدين الشهرستانيّ، طبع سنة ١٣٥٤ هـ ، اختصره من كتابه الكبير في الموضوع، وعلى المطبوع تقريظات للأفاضل، طبعها في مجلّة «المرشد» البغداديّة».


الصفحة 249


الصفحة 250


الصفحة 251
فلسفيّاً، والبحث في أسرار وقائع تلك الحوادث الأليمة واحدة واحدة.


الصفحة 252
وقد قمتُ بتصحيح مصادر تلك الواقعة الأليمة من الكتب التأريخيّة، التي اُلّفت ونُشرت قبل سنة أربعمائة هجريّة، والتي تُرجمت إلى لغات اُخرى.

ومن أجل تبليغ هذا النهج، والسير في هذا الطريق، كتبت عدّة مقالات، وقد قامت الإذاعات العراقيّة بنشر هذه المقالات وإشاعتها عبر الراديو، واستمر هذا الاُسلوب الحديث لمدّة خمس وعشرين سنة ـ >ربع القرن< ـ وكان مورداً لتقدير وثناء عموم الطبقات والفئات الاجتماعيّة، واتّخذت المنابر الحسينيّة روناً تأريخيّاً وفلسفيّاً وأخلاقيّاً جديداً، وصار القارئ يُعرف بـ >المبلّغ<.

طهران ٧ ذي الحجّة ١٣٦٤ هـ

هبة الدين الحسينيّ، الشهير بالشهرستانيّ


الصفحة 253

(٣) جواب السؤال عن الغناء في العزاء الحسينيّ


الصفحة 254


الصفحة 255

جواب السؤال الأوّل عن الغناء في العزاء الحسينيّ

ج ١ = الدلائل والمسائل(1)

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

العزاء الحسينيّ من شعائر المسلمين عامّة، وخاصّة الشيعة، ما لم يُخالف الشريعة. وكذا الندبة مندوبة على سيّدنا الحسين السبط(عليه السلام)، ما لم يستلزم الفعل الحرام.

والعمومات الدالّة على كراهة الندبة والبكاء على الموتى(2)، قد

____________

1- «الدلائل والمسائل» إحدى مؤلّفات السيّد هبة الدين الشهرستانيّ، يصوّر لنا فيه أدقّ الحلول العلميّة لكثير من المشاكل.
انظر: كتاب السيّد هبة الدين الشهرستانيّ: آثاره الفكريّة ومواقفه السياسيّة: ٦٩ .

2- في وسائل الشيعة ٣: ٢٤٢ حديث ٣٥١٩، عن الكافي ١: ٢٩١ حديث ١٧، عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها،ولا ينبغي لها أن تقول هجراً، فإذا جاءها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح».
وفيه أيضاً ١٧: ١٢٨ حديث ٢٢١٦٦، عن من لا يحضره الفقيه ٤: ٣ حديث ١، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) أنّه: «نهى عن الرنّة عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع إليها، ونهى عن تصفيق الوجه».
وفيه ١٧: ١٢٨ حديث ٢٢١٦٧، عن الخصال: ٢٢٦ حديث ٦٠، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) قال: «أربعة لا تزال في اُمّتي إلى يوم القيامة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وأنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من حرب».
وفيه ١٧: ١٢٩ حديث ٢٢١٦٨، عن مسائل عليّ بن جعفر: ١٥٦ حديث ٢٢١، عن عليّ ابن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن النوح على الميّت أيصح؟ قال: «يكره».
وعلّق الحر العامليّ على هذه الأحاديث بقوله: «هذا محمول على النوح بالباطل، أو ما تضمّن الغناء، أو استماع الأجانب».


الصفحة 256
خصّصت ببعض الموارد، كالوارد عن سيّدنا النبيّ(صلى الله عليه وآله و سلم) في بكائه على ولده إبراهيم، قائلاً: >العينُ تدمع والقلبُ يخشع، ولا نقول ما يسخط الربّ<(1).

وبكاء سيّدة النساء فاطمة الزهراء(عليها السلام) على أبيها وندبتها عليه(صلى الله عليه وآله و سلم)(2)،

____________

1- عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «لمّا مات إبراهيم ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم)، هملت عينُ رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) بالدموع، ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم): تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».
وسائل الشيعة ٣: ٢٨٠ حديث ٣٦٥١، عن الكافي: ٣: ٢٦٢ حديث ٤٥ .

2- عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم، فإنّ فاطمة لمّا قُبض أبوها، أسعدتها بنات هاشم، فقالت: اُتركن التعداد، وعليكنّ بالدعاء».
وسائل الشيعة ٣: ٢٤١ حديث ٣٥١٥، عن الكافي ٣: ٢١٧ حديث ٦، والخصال: ٦١٨ .
وروى الشيخ زين الدين في «مسكّن الفؤاد»: أنّ فاطمة(عليها السلام) ناحت على أبيها، وأنّه أمر بالنوح على حمزة.
وسائل الشيعة ٣: ٢٤٢ حديث ٣٥١٨، عن مسكّن الفؤاد: ١٠٣ .
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال ـ في حديث: البكاؤون خمسة ـ : «وأمّا فاطمة(عليها السلام) فبكت على رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) حتّى تأذّى بها أهل المدينة، فقالوا لها: قد آذيتينا بكثرة بكائك، وكانت تخرج إلى المقابر ـ مقابر الشهداء ـ فتبكي حتّى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف».
وسائل الشيعة ٣: ٢٨٠ حديث ٣٦٥٥، عن الخصال: ٢٧٢ .


الصفحة 257
وعلى عمّها حمزة سيّد الشهداء(1).

وندبة النساء على قتلاهم، وخصوصاً شهداء بَدر، وسبط سيّد الأنبياء الحسين (سيّد الشهداء) وأولادهم، بالندبة والبكاء وإقامة العزاء(2)، ما لم

____________

1- عن عليّ بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) أنّه قال: «لمّا انصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) من وقعة اُحد إلى المدينة، سمعَ من كلّ دار قُتل من أهلها قَتيلٌ نوحاً وبكاءً، ولم يسمع من دار حمزة عمّه، فقال(صلى الله عليه وآله و سلم): لكن حمزة لا بواكي له، فآلى أهل المدينة أن
لا ينوحوا على ميّت ولا يبكوه، حتّى يبدؤوا بحمزة، فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك».
وسائل الشيعة ٣: ٢٨٤ حديث ٣٦٦٢، عن من لا يحضره الفقيه ١: ١١٦ حديث ٥٥٣ .

2- روى البرقي بسنده عن عمرو بن عليّ بن الحسين، قال: «لمّا قُتل الحسين بن عليّ(عليهما السلام) لبسَ نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان عليّ بن الحسين(عليهما السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم».
وسائل الشيعة ٣: ٢٣٨ حديث ٣٥٠٨، عن المحاسن: ٤٢٠ حديث ١٩٥ .


الصفحة 258
يستلزم الفعل الحرام، كالجرح والإيلام، فإنّ ذلك ـ مهما كان منبعثاً عن شدّة الحبّ والغلوّ في الولاء ـ مخالف للأحكام الشرعيّة، والاُصول المرعيّة، والعمومات الفقهيّة.

ولذلك أوصى سيّدنا الحسين(عليه السلام) ليلة عاشوراء اُخته زينب(عليها السلام)، قائلاً: >إذا أنا قُتلت، فلا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعين بالويل والثبور<(1).

____________

1- عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام) أنّه قال ـ في حدث طويل ـ لاُخته زينب(عليها السلام): «يا اُختاه، إنّي أقسمت عليك فأبرّى قسمي، لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور، إذا أنا هلكت، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عنده».
المعالم ـ الإمام الحسين(عليه السلام) ـ ١٧: ٢٤٦، عن الإرشاد للشيخ المفيد: ٢٥٩، وبحار الأنوار: ٤٥/١ .
وقال السيّد ابن طاووس في «الملهوف ـ اللهوف ـ على قتلى الطفوف»: ١٤١، أنّه(عليه السلام) قال لها: «يا اُختاه، تعزّي بعزاء الله، فإنّ سكّان السموات يموتون، وأهل الأرض لا يبقون، وجميع البريّة يهلكون».
ثمّ قال: «يا اُختاه يا اُمّ كلثوم، وأنتِ يا زينب، وأنتِ يا رقيّة، وأنتِ يا فاطمة، وأنتِ يا رباب، اُنظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققن عليّ جيباً، ولا تخمشن عليّ وجهاً، ولا تقلن عليّ هجراً».


الصفحة 259

ولم يصحّ سنداً ولا دلالة عنها(عليها السلام) أنّها خالفت الوصيّة، ولا أنّها نطحت جبينها بالمحمل(1).

____________

1- إشارةً إلى رواية مسلم الجصّاص، التي رواها العلّامة المجلسيّ في «بحار الأنوار» ٤٥: ١١٤.
وقد كثُرَ الحديث عن هذه الرواية، سنداً ومتناً، ودلالتها على إباحة أو استحباب ضرب الرؤوس بالقامات والسيوف، المعبّر عنه بـ «التطبير».
واستجابةً لطلب بعض الإخوة الأعزّاء، كتبتُ مؤخّراً ـ مقالةً، سلّطت الضوءَ فيها على كلّ جوانب هذه الرواية، نوردها هنا تعميماً للفائدة.
رواية مسلم الجصّاص
«زينب(عليها السلام) نطحت جبينها بالمحمل»
محمّد الحسّون
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، والصلاةُ والسّلامُ على الحبيب المصطفى، وآله النجباء.
قبلَ أيامٍ قلائل تَداول بعضُ الإخوة الأعزّاء، في إحدى المجاميع العلميّة، عبرَ شبكات التواصل الإجتماعي في الانترنيت، حديث مسلم الجصّاص، المعبّر عنه بـ «حديث النَطْح»، فشرّقوا وغرّبوا، بينَ : مؤيّدٍ له على كثرة علّاته، ومعارضٍ نافٍ لصحّته واعتبارِه، وثالث ساكت متفرّج على ما يكتبه هذا ويردّه ذاك، وأكثرُ الحاضرين أدلوا بِدِلائهم، وأظهروا ما في جِعابهم من معلومات مخزونة في أذهانهم.
والعجيبُ ـ والعجائبُ جمّة ـ أن البعضَ يستدلّ لاعتبار هذه الرواية، بمجرّد ورودها في «البحار» الذي يعبّر عنه بـ «المقدّس»، كما يعبّر عن «الكافي» بـ «الشريف»، متناسِياً أنْ لا كتاب مقدّس ومعتبر عندنا من ألِفهِ إلى يائِهِ، إلّا كتاب الله الذي {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} فصّلت (٤١): ٤٢، وأنّ إطلاق هذه العبائر عَلَى كُتبنا الحديثية إنّما هو من باب الاحترام لها.
والبعض الآخر يستدلّ لاعتبارها، بكلمات واردة في زيارة عقيلة الهاشميّين زينب(عليها السلام)، أو أبياتِ شعرٍ باللّغة العاميّة العراقيّة، قرأها أحد المنشدين الحسينيّين «الرادود»، أو يعتبر أنّ مُجرّدَ ذِكرِها من قبل خطباء المنبر الحسينيّ ـ زاد الله في شرفهم ـ دليلٌ على اعتبارها ووثاقتها.
ما هكذا تُورد يا سعد الإبل!! إلى أينَ نحنُ ذاهبون؟! وبأيّ أدلّة تستدلّون؟! وإلى أيّ منطق تتحاكمون؟
إذا كانَ هذا منطقُ بعضِ طلّاب العِلم، واُسلوبُهُم في البحثِ العلميّ، وإقامتُهم للحجج والبراهين!! فما بالُ عامّة الناس وسوقتِهم؟!
وبعد أن انتهى البحث ـ أوكادَ ـ طلبَ منّي بعض الإخوة الكرام، أن أكتبَ مقالةً، اُسلّط الضوءَ فيها على هذا الحديث ومصادره وملابساته والإشكالات الواردة عليه، فاستجبتُ لطلبهم، وكتبتُ هذه الوريقات القليلة، التي أساسُ البحث فيها هو حديث مسلم الجصّاص، دون التطرّق لأدلّة ضرب الرؤوس بالسيوف والقامات، المعبّر عنه بـ «التطبير»، فذلك له محلّ خاصّ، وهو حكمٌ شرعيّ يرجع فيه المكلَّف إلى مَرْجعِ تقليده، فأقول وبالله المستعان:

النصّ الكامل للرواية
لابُدّ أوّلاً من ذكرِ النصِّ الكاملِ لهذه الرواية، كي يطّلع عليها القارئ، ثمّ الانتقال إلى ما يتعلّق بسندها ومتنها من إشكالات وردود. قال العلّامة المجلسي في «بحار الأنوار» ـ وهو المصدر الرئيسي والمشهور لها ـ :
«رأيتُ في بعض الكُتب المعتبرة: روي مرسلاً عن مسلم الجصّاص قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا اُجصّص الأبواب، وإذا أنا بالزعقات
ـ الزعقُ: الصياحُ، وقد زَعَقْتُ به زَعْقاً. الصحاح ٤: ١٤٩٠ «زعق» ـ قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلتُ على خادمٍ كان معنا فقلتُ: مالي أرى الكوفة تضجّ؟
قال: الساعةُ أتوا برأس خارجي خرج على يزيد.
فقلتُ: مَن هذا الخارجي؟
فقال: الحسين بن علي(عليه السلام).
قال: فتركتُ الخادمَ حتّى خرجَ، ولطمتُ وجهي حتّى خَشيتُ على عيني أن تذهب، وغسلتُ يدي من الجُصّ، وخرجتُ من ظَهر القصر وأتيتُ إلى الكناس ـ الكُنَاسَةُ: القمامةُ، واسمُ موضعٍ بالكوفة. الصحاح ٣: ٩٧٢ «كنس» ـ .
فبينما أنا واقف، والناس يتوقّعون وصولَ السبايا والرؤوس، إذ أقبلت نحو أربعين شُقّة تُحمل على أربعين جَملاً، فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة(عليها السلام)، وإذا بعليّ بن الحسين(عليه السلام) على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دماً، وهو مع ذلك يبكي ويقول:

يا أمّةَ السوءِ لا سُقياً لرِبعكميا أمّةً لم تُراعِ جدّنا فينا
لو أنّنا ورسولُ اللهِ يَجمعُنايومَ القيامةِ ما كُنتم تقولونا
تسيّرونا على الأقتاب* عاريةًكأنّنا لم نُشيّد فيكُمُ دِينا
بَني أميّة ما هذا الوقوفُ علىتلكَ المصائب لا تُلبون داعينا
تُصفّقون علينا كفّكَم فرحاًوأنتُم في فجاج الأرض تَسبُونا
أليسَ جدّي رسولُ الله ويلكُمأهدى البريّةِ من سُبل المضلّينا
يا وقعةَ الطفّ قد أورثتَني حُزناًواللهُ يَهتكُ أستارَ المسيئينا
* القَتَبُ، بالتحريك: رحلٌ صغير على قدر السَنام. الصحاح ١: ١٩٨ «قتب».
قال: وصار أهلُ الكوفة يناولون الأطفالَ الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم اُمّ كُلثوم، وقالت: يا أهلَ الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض، قال: كلّ ذلك والناس يبكون على ما أصابهم.
ثمّ إنّ اُمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: صَهْ يا أهلَ الكوفة، تقتلنا رجالكم، وتبكينا نساؤكم؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصلِ القضاء.
فبينما هي تخاطبهنّ إذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين(عليه السلام)، وهو رأس زهريّ قمريّ أشبهُ الخلق برسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) ولحيتُهُ كسواد السّبج ـ السُبْجَةُ، بالضم: كِساء أسود، يقال: تَسَبَّجَ الرجلُ: إذ البسهُ، وهو فارسيّ معرّب، أصله «شَبي». الصحاح ٣٢١:١ «سبج» ـ قد انتصل منها الخضاب، ووجهُهُ دارةُ قمر طالع والرّمحُ تلعبُ بها يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب فرأت رأسَ أخيها فنطَحَتْ جَبينها بمقدّم المحمل، حتّى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها، وأومأت إليه بحرقة وجعلت تقول:

يا هلالاً لمّا استتمّ كمالاغالَهُ خَسفُه فأبدا غروبا
ما توهّمتُ يا شقيقَ فؤاديكان هذا مُقدّراً مكتوبا
يا أخي فاطمُ الصغيرةُ كلّمهافقدْ كادَ قلبُها أن يذوبا
يا أخي قلبُكَ الشفيق علينامالَهُ قد قسى وصارَ صليبا
يا أخي لو ترى عليّاً لدى الأسرمعَ اليُتم لا يطيق وجوبا
كلّما أوجعوه بالضربِ ناداك بذلٍّ يغيضُ دمعاً سكوبا
يا أخي ضُمّه إليك وقرّبهوسكّن فؤادَهُ المرعوبا
ما أذلَّ اليتيم حينَ يُناديبأبيه ولا يراه مُجيبا»

بحار الأنوار ٤٥: ١١٤ .
مصادر الرواية
«بحار الأنوار»
يُعتبر «بحار الأنوار» للعلّامة محمّد باقر المجلسيّ (ت ١١١١ هـ)، المصدَر الأساسيّ والمشهور لهذه الرواية، إلّا أنّ المشكلة فيه أنّه لم يذكر المصدر الذي أخذ منه الرواية، إذ قال: «رأيت في بعض الكتب المعتبرة» ـ بحار الأنوار ٤٥: ١١٤ ـ ، وسيأتي الحديث قريباً عن الإشكالات الواردة على سند هذا الحديث.
«المنتخب» و«نور العين»
ذكرنا أنّ العلّامة المجلسيّ لم يصرّح بمصدَرِه لهذا الحديث، إلّا أنّ المحدّث الشيخ عباس القميّ (ت ١٣٥٩هـ) قال في «منتهى الآمال»: «وهذا الخبر وإن نقله العلّامة المجلسيّ، لكن مصدر نقله (منتخب الطريحي) ، وكتاب (نور العين)» ـ منتهى الآمال (المطبوع ضمن مؤلّفات الشيخ عباس القميّ) ٢١: ٨٣٢ ـ . وفي هذا القول إشكالات عديدة، نذكرها أيضاً قريباً إن شاء الله.
«ينابيع المودّة لذوي القربى»
لسليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ (ت ١٢٩٤ هـ)، ذكر هذه الرواية بنصّ مختلف عمّا في «البحار»، دون ذكر مصدرٍ لها، ولا اسم الراوي مسلم الجصّاص، ولم ينسبها إلى راوٍ آخر، وفيه: «نطحت جبهتها بمقدّم الأقتاب فخرج الدم منها» ـ ينابيع المودّة ٣: ٨٦ ـ .
المصادر المتأخّرة
كافّة المصادر التي جاءت بعد «البحار» نقلت هذه الرواية عنه، ابتداءً بكتاب «العوالم» ـ العوالم «الإمام الحسين(عليه السلام)» ١٧: ٣٧٢ ـ للشيخ عبد الله البحراني (ت ١٢٢٧ هـ)، وانتهاءً بالكتب والرسائل المعاصرة.
مناقشة سند الرواية
يردُ على سند هذه الرواية عدّة إشكالات، هي:
الإشكال الأوّل: مجهوليّة مصدرها
قلنا قبل قليل: إنّ العلّامة المجلسيّ لم يذكر مصدر هذه الرواية، بل نسبها إلى مصدرٍ مجهول، قائلاً: «رأيت في بعض الكتب المعتبرة» ـ بحار الأنوار ٤٥: ١١٤ ـ ، وهذا بحدّ ذاته تضعيف لها؛ إذ أنّه (رحمه الله) كثيراً ما يذكر الكتب التي ينقل عنها الأحاديث.
ثمّ إنّ أغلب مصادر العلّامة المجلسيّ في «بحاره» وصلت إليه عن طريق الوجادة، وليس بالمناولة. ومعلوم أنّ النقل بالوجادة في حكم الخبر المرسل؛ لأنّ تلك النسخة قد لا تكون صحيحة النسبة لكاتبها، وقد تكون محرّفة أو مشوّهة.
فإن قيل: إنّ مجرّد ذكر الرواية في «البحار» المقدّس، دليلٌ على اعتبارها.
قلنا: هذا كلام واهٍ، يدلّ على عدم معرفة قائله بمصادرنا الحديثيّة، فالبحر مثلما يحتوي على الدّر الثمين، يمكن أن يكون فيه الحصى والمدر، واطلاق عبارة «المقدّس» و«الشريف» على بعض كتبنا، جاء من باب الاحترام والتقدير.
وإن قيل: إنّ العلّامة المجلسيّ حكم باعتبار هذه الرواية.
قلنا: لم يحكم باعتبارها، بل نقلها عن «بعض الكتب المعتبرة»، والفرق بين الأمرين واضح وجليّ، فليس بالضرورة اعتبار وتوثيق كلّ الروايات الواردة في الكتاب المعتبر إجمالاً. ثمّ قد يكون الكتاب معتبراً طبقاً لمباني العلّامة المجلسيّ، غير معتبرٍ لمباني غيره.
وإن قيل: إنّ محلّ الشاهد في هذه الرواية (وهو نطح زينب(عليها السلام) جبينها بمقدّم المحمل) وارد في الزيارة الشريفة لها، التي يزورها بها ملايين المسلمين، وهذا دليل كافٍ في اعتبارها، إذ وردَ في زيارتها(عليها السلام): «السلام على يا من نطحت جبينها بمقدّم المحمل إذ رأت رأس سيّد الشهداء، ويخرج الدم من تحت قناعها ومن محملها بحيث يرى من حولها الأعداء».
قلنا: هذا دليل سَمج، إذ غاب عن قائله أن لا وجود لزيارة لها(عليها السلام) صادرة من المعصوم، بل ألّفها البعض معتمداً على بعض الروايات، التي منها ما رواه مسلم الجصّاص.
والعجيب من بعض الجهلة أنّهم يستدلّون على اعتبار هذه الرواية بقول شاعر شعبيّ ومنشدٍ حسينيّ «رادود» إذ قال:

لا تَسل يا لائماً عن شَجّ رأس العاشقينأصدرَت فتواه زينب مُذ رأت رأس الحسين

ـ من قصيدة للشاعر الميرزا عادل الإشكناني، قرأها المنشد الحسينيّ محمّد الحجيرات، ومطلعها:

أنا لا أملكُ وجوديوكلُّ وُجودي بينَ يديك
شلون يصير وأنا ملككأَبخل بدميّ عليك ـ

وإن قيل: إنّ المحدّث الشيخ عباس القميّ صرّح بأنّ العلّامة المجلسيّ نقلها من كتابي «المنتخب» و«نور العين»، وهذا كافٍ في اعتبارها.
قلنا: إنّ المجلسيّ لم يذكرهما، فمن أين عرفَ المحدّث القميّ ذلك؟ ثمّ إنّه
ـ المجلسي ـ لم يذكر هذين الكتابين ضمن مصادر (بحاره) التي ذكرها في أوّله
ـ في بحار الأنوار ١: ٦ «في بيان الاُصول والكتب المأخوذ منها» ـ .
ولو سلّمنا ـ من باب التنزّل ـ أنّ مصدره هذان الكتابان، فهذا لا يفيد في اعتبار الرواية أبداً:
أمّا «منتخب الطريحي» فإنّه أرسل الرواية عن مسلم الجصّاص ـ انظر: المنتخب: ٤٧٧ ـ ، كما فعل المجلسيّ.
والشيخ فخر الدين الطريحيّ النجفيّ (ت ١٠٨٥ هـ) وإن كان من العلماء الكبار، إلّا أنّ كتابه هذا «المنتخب» عبارة عن مجموعة نثريّة وشعريّة تهدف إلى التذكير بمصاب أهل البيت(عليهم السلام)، لذلك صرّح بعض الأعلام بعدم الاعتماد على ما ينفرد فيه من أحداث واقعة الطفّ.
قال المحدّث الشيخ عباس القميّ في «منتهى الآمال» بعد ذكره لكتابي «المنتخب» و«نور العين»: «وحال هذين الكتابين عند أهل فنّ الحديث لا يخفى» ـ انظر: منتهى الآمال (ضمن المؤلّفات الكاملة) ٢١: ٨٣٢ ـ .
ثمّ في صحّة نسبة النسخة المطبوعة والمتداولة من هذا الكتاب، إلى مؤلّفه، نقاش عند أهل الفنّ. قال العلّامة المتتبّع الشيخ أقا بزرك الطهراني (ت١٣٨٩ هـ) في «الذريعة»:
«والمنتخب الكبير الذي فيه زيادات على المطبوع، عند السيّد محمّد اليزديّ وعند الميرزا علي أكبر العراقيّ، ونسخة منتخب من المنتخب لبعض المتأخّرين، وهو موافق مع المنتخب في الخطبة، ومخالف معه كثيراً بالزيادة والنقصان، ومن نقصه عدم ذكر حديث الكساء فيه ... ونسخة اُخرى من المنتخب لكن بينه وبين المنتخب المطبوع اختلاف بعض الألفاظ» ـ الذريعة ٢٢: ٢٤٠ رقم ٧٦٩٦ ـ .
وأمّا «نور العين» فنقول عنه:
أوّلاً: نُسب هذا الكتاب «نور العين في مشهد الحسين» إلى ركن الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران البغدادي الشافعي الذي يعرف بالاسفرائني (ت ٤١٨ هـ). له عدّة مؤلّفات منها: أدب الجدل، الجامع الجليّ والخفيّ في أصول الدين، الردّ على الملحدين، شرح فروع ابن الحدّاد، معالم الاسلام ـ انظر: هديّة العارفين (المطبوع مع كشف الظنون) ٦: ٨ ـ .
طبع هذا الكتاب عدّة طبعات في مصر: مطبعة شرف سنة ١٢٨٩هـ، مطبعة عبد الرزاق سنة ١٣٠٢ و١٣٠٣هـ ـ انظر: معجم المطبوعات العربيّة والمعرّبة ١: ٤٣٥ ـ .
ورأينا الطبعة التي طبعت في مطبعة المنار في تونس.
ثانياً: أكثر الذين ترجموا للاسفرائني، لم يذكروا هذا الكتاب من مصنّفاته، لذلك يشكّك الكثير من الأعلام في صحة نسبته إليه، حتّى أنّ إسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩ هـ) في كتابه «هدية العارفين» عندما ذكره ضمن مصنّفات الاسفرائني، أعقبه بعبارة «ينسب إليه» ـ انظر: هديّة العارفين (المطبوعة مع كشف الظنون) ٦: ٨ ـ .
نعم، نسبه إليه يوسف الياس سركيس (ت ١٤١٢ هـ) في كتابه «معجم المطبوعات العربيّة والمعرّبة» اعتماداً على الطبعات التي رآها له ـ انظر: معجم المطبوعات العربيّة والمعرّبة ١: ٤٣٥ ـ .
وأشار إليه العلّامة الطهراني عند حديثه عن «قرّة العين في شرح ثارات الحسين» للشيخ علي بن الحسين بن موسى المروي العاملي الكاظمي، قائلاً: «وأمّا (نور العين) فهو لأبي إسحاق الاسفرائني إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الشافعي، المتوفّى ٤١٨ هـ أو ٤١٧ هـ» ـ الذريعة ١٧: ٧٢ رقم ٣٨٠ ـ .
ثالثاً: إن ثبتت نسبةُ هذا الكتاب للاسفرائني، فإنّ نسبة النسخة المطبوعة إليه غير ثابتة؛ لاحتوائها على كلمات عاميّة باللهجة العراقيّة، لم تكن مستعملة في القرن الرابع الهجري، ولنقله وقائع مكذوبة تتعلّق بمأساة الطفّ، لذلك شكّك بعض الأعلام في نسبة هذا الكتاب للاسفرائني.
قال الشيخ عباس القميّ في «منتهى الآمال» بعد ذكره لهذا الكتاب و«المنتخب»: «وحال هذين الكتابين عند أهل فنّ الحديث لا يخفى» ـ انظر: منتهى الآمال (ضمن مؤلّفاته الكاملة) ٢١: ٨٣٢ ـ .
وقال السيّد المرعشي النجفي (ت ١٤١١ هـ) في كتابه «إحقاق الحقّ»: «ليس ممّا يعتمد عليه في منفرداته» ـ إحقاق الحقّ ١: ٤٨٢ ـ .
ونُسب إلى المحقّق السيّد عبد العزيز الطباطبائي (ت ١٤١٦ هـ) قوله: «أغلبُ الظنّ أنّ هذا الكتاب من الموضوعات، وقد نُسب إلى الاسفرائني لاحقاً؛ وذلك لأنّ النصّ المذكور لا يُساعد أن يكون من القرن الرابع».
وإلى القاضي الطباطبائي قوله: «من الكتب الضعيفة جدّاً، التي لا يعتمد عليها، ومجهول وضعيف، ومجهول المؤلّف».
وإلى فضل علي القزويني قوله: «ومن نظر في مقتله المطبوع (نور العين) يعرف أنّ فيه أكاذيب وأموراً على خلاف ما أجمع عليه الفريقان ... فإنّا لا نعتمد على ما تفرّد به».
رابعاً: الرواية المذكورة في هذا الكتاب تختلف عن النصّ الوارد في «البحار»، وتلقيبه الراوي ـ «الحصّاص» بالحاء المهملة. والشيء المهم فيها: عدم ورود نطح زينب(عليها السلام) جبينها بمقدّم المحمل، الذي هو المقصود من الرواية، ومحلّ الشاهد فيها الذي يحتجّ به الذين يسعون لاعتبارها وتصحيحها.
فإن ثبتت نسبة الكتاب لمؤلّفه الاسفرائني، وحكمنا باعتبار هذه الرواية، فلا يفيدنا هذا بشيء في محلّ النزاع، الذي هو اثبات النطح منها(عليها السلام).
الإشكال الثاني: الرواية مُرسلة من الواضح أنّ العلّامة المجلسيّ (رحمه الله) أرسل الرواية عن مسلم الجصّاص، ولم يذكر سنده إليه، بل لم يذكر المصدر الذي حكاه عنه، كما بيّنا سابقاً. وهذا يجعلنا نحكم بضعف الرواية وعدم إمكان الاعتماد عليها؛ إذ أنّ المرسل من أقسام الضعيف.
قال الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العامليّ (ت ٩٦٥ هـ) في «الدراية» ـ بعد أن جعلَ المرسل من أقسام الضعيف ـ : «والمرسل ليس بحجّة مطلقاً في أصح الأقوال للأصوليين والمحدّثين؛ وذلك للجهل بحال المحذوف، فيحتمل كونه ضعيفاً»
ـ انظر: الدراية: ٤٨ ـ .
الإشكال الثالث: مجهوليّة الراوي مسلم الجصّاص
أوّلاً: مسلم الجصّاص ـ أو الحصّاص، كما في «نور العين» ـ مجهولٌ، لا بمعنى أنّ الأعلام ذكروه وحكموا بمجهوليّته، بل لم يَرد له أيُّ ذكرٍ في المصادر الرجاليّة، شيعيّة وسنيّة.
وإنّما ذكره بعض المتأخّرين ـ مثل علي النمازي الشاهرودي (ت١٤٥٠هـ) في كتابه «مستدركات علم الرجال» انظر: مستدركات علم الرجال ٧: ٤١١ رقم ١٤٩٠٣ ـ بناءً على ورود اسمه في «بحار الأنوار»، وهذا يدلّ على أنّ هذا الرجل لم يُعرف قبل زمن العلّامة المجلسيّ (ت ١١١١ هـ).
ثانياً: من الغريب أنّ هذا الراوي ـ مسلم الجصّاص ـ لم يروِ أيّ روايةٍ، سوى رواية «النطح»، الواردة في «البحار»، فلم تذكر المصادر الحديثيّة كافّة له رواية واحدة.
ثالثاً: يتّضح من نصّ الرواية، أنّ هذا الرجل، انتدبه ابن زياد لإصلاح قصر الإمارة وتجصيص أبوابه، فهو إذن من الذين يعملون للظالمين.
وهو أيضاً لا شغل ولا معرفة له بالأحداث الدائرة آنذاك، شأنه شأن الكثير من أهل الكوفة، الذين وقفوا غير معنيّين ولا مهتمّين بثورة الحسين(عليه السلام). وهذا واضح من سؤاله الخادم «ما لي أرى الكوفة تضجّ؟». ومن جواب الخادم: «قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي».
فهكذا شخص هل يمكن الاعتماد على روايته؟! هذا إذا سكتنا عن باقي الإشكالات الواردة على سند الرواية ومتنها.
فإن قيل: إنّما تقبل روايات أمثال مسلم الجصّاص، الذين كانوا مع الظالمين، من باب الاطمئنان إلى أنّ العدو لا يشهد على نفسه إلّا بالصدق، ولا يظهر عيوبه إلّا وهو محقّ. ولا يخفى أنّ قول أحدهم: إنّه كان حاضراً في معسكر العدو، أو كان يجصّص قصر الطاغي، ومع ذلك هاله ما جرى على الحسين(عليه السلام) وأهل بيته، فبكى عليهم، وروى تلك الأحداث مفصّلة، مفهومه أنّه يدين نفسه لتخاذله أو تقصيره، لذا يُطمأن إلى ما رواه.
قلنا: إنّ تعاطف الظالمين مع مصائب أهل البيت(عليهم السلام)، وبكاءهم عليهم في بعض المواقف، لا يخرجهم من دائرة الظلم والفسق، التي يترتّب عليها عدم قبول قولهم، وهناك شواهد كثيرة على ذلك: مثل بكاء معاوية بن أبي سفيان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، عندما طلب من أبي الدرداء أن يصف له علياً(عليه السلام)، فهل هذا يدلّ على صلاح معاوية؟
وكذلك بكاء اللعين عمر بن سعد، وهو ينظر إلى الحسين(عليه السلام) يذبح في يوم عاشوراء.
وبكاء مروان بن الحكم وهو يستمع لندبة السيدة أمّ البنين(عليها السلام)، وهي تندب أولادها في البقيع.
مناقشة متن الرواية
يرد على متن الرواية عدّة إشكالات، وهي:
أولاً: وردَ في رواية «البحار»: «فالتفتت زينبُ فرأت رأسَ أخيها فنطَحَت جَبينها بمقدّم المحمل، حتى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها» ـ انظر: بحار الأنوار ٤٥: ١١٤ ـ .
وفي مصادرنا المعتبرة، أنّ عمرَ بن سعد حملَ عيالات الحسين(عليه السلام) على جمالٍ بدون وطاء:
قال السيّد ابن طاووس (ت٦٦٤ هـ) في كتابه «اللهوف»: «ثمّ رحلَ ـ ابن سعد ـ بمن تخلّف من عيال الحسين(عليه السلام)، وحملَ نساءه صلوات الله عليه على أحلاس
ـ الحِلْسُ للبعير: وهو كساءٌ رقيق يكون تحت البَرذَعَةِ. الصحاح ٩١٩:٣ «حلس» ـ أقتاب ـ القَتَبُ، بالتحريك: رَحلٌ صغير على قدر السَنام. الصحاح ١٩٨:١ «قتب» ـ بغير وطاء، مكشّفات الوجوه بين الأعداء، وهنّ ودائع خير الأنبياء، وساقوهنّ كما يُساق سبيّ الترك أو الروم في أسر المصائب والهموم» ـ انظر: اللهوف «الملهوف»: ١٨٩ ـ .
وحكى الشيخ عبد الله البحراني في «العوالم» عن «مجالس المفيد» و«مجالس الطوسيّ» عن حذلم بن ستير أنّه قال: «قدمتُ الكوفة في المحرّم سنة إحدى وستين، عند منصرف عليّ بن الحسين(عليهما السلام) بالنسوة من كربلاء، ومعهم الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلمّا اُقبل بهم على الجمال بغير وطاء، جعل نساء الكوفة يبكين ويندبن» ـ انظر: العوالم «الإمام الحسين(عليه السلام)» ١٧ :٣٧١ ، نقلاً عن: أمالي المفيد: ٣٢٠ حديث ٨ ، وأمالي الطوسي ٩٠:١، وبحار الأنوار ٤٥: ١٦٤حديث ٨ ـ .
وقال الشيخ عباس القميّ في «منتهى الآمال»: «لم يَردْ ذكرُ المحامل والهودج في خبر غير خبر مسلم الجصّاص... وقد نُقل في المقاتل المعتبرة أنّ العائلة حملوهم على الجمال بغير وطاء، ومعهم الأجناد يحيطون بهم، خوفاً من الفتنة؛ لأنّ الكوفة فيها كثير من الشيعة» ـ انظر: منتهى الآمال (ضمن مؤلّفاته الكاملة) ٢١: ٨٣٢ ـ .
ثانياً: إنّ هذه الرواية تضمّنت مقطوعتين شعريّتين: إحداهما للإمام زين العابدين علي ابن الحسين(عليهما السلام)، والثانية للعقيلة زينب(عليها السلام). والذي يراجع هذه الأبيات الشعريّة يجد فيها ركّة في التعبير وصياغة الألفاظ، ومعانٍ يبعد صدورها من أهل البيت(عليهم السلام).
فالإمام السجّاد(عليه السلام) عُرف بقوّة بلاغته، والصحيفة السجاديّة خير شاهد على ذلك. وكذلك عقيلة الهاشميين، العالمة غير المعلّمة، الفصيحة البليغة، بنت سيّد البلاغة العربيّة وواضع اُسسها أمير المؤمنين(عليه السلام)، وخطبها في الكوفة والشام والمدينة دالّة على ذلك.
هذا إذا سكتنا عن منزلة العصمة لهما، وتعاملنا معهما منزلة عموم البشر.
ثمّ إنّ بعض هذه الأبيات الشعريّة منسوبة لمحمّد بن حمّاد، المعاصر للعلّامة المجلسيّ، كما قال العلّامة السيّد محسن الأمين (ت ١٣٧١ هـ) في «أعيان الشيعة»، إذ ذكر مقطوعة شعريّة تقع في تسعة أبيات، والبيتان الثامن والتاسع نُسبا في رواية مسلم الجصّاص لزينب(عليها السلام)، والمقطوعة الشعريّة هي:

إنّ يومَ الطفوف لم يبق لي منلَذّة العيش والرقاد نصيبا
يومَ سارت إلى الحسين بنو حرببجمعٍ فنازلوه الحُروبا
وحموه من الفرات فما ذَلفسوى الموتَ دونه مشروبا
في رجالٍ باعوا النفوسَ على اللهِفنالوُا ببيعها المرغُوبا
فكأنّي بصُحبهِ حولَه صَرعىلدى كربلا شبابا وشيبا
وكأنّي بزينب إذ رأتهُعارياً دامَي الجبين تَريبا
كنتَ حُصني من الزمان إذا ماخفتُ خطباً دفعتَ عنّي الخُطوبا
يا هلالاً لمّا استتبَ كمالاًغالَهُ خسفه فأهوى غُروبا
ما توهّمتُ يا شقيقَ فُؤاديكانَ هذا مُقدّراً مكتُوبا

أعيان الشيعة ٩: ٢٦٢ .
كذلك فعلَ السيّد جواد شبر في «أدب الطفّ»، إذ أورد هذين البيتين ضمن مقطوعة شعريّة تقع في خمسة وثلاثين بيتاً، ونسبها لمحمّد بن حمّاد الحلّي، من أعلام أواخر القرن التاسع، ومطلعها:

ويك يا عين سحِّ دمعاً سكوباويك يا قلب كن حزيناً كئيبا

أدب الطفّ ٤: ٣٠٩ .
ثالثاً: يستشكل البعض على ورود كلمة «النطح» في هذه الرواية، على أنّها مخصوصة بالحيوانات (الكباش)، وبعيدة عن الذوق العربي، وفيها ما يُشين ويحطّ من كرامة العقيلة زينب(عليها السلام).
ويمكن الجواب على هذا الإشكال، بأنّ هذه الكلمة وإن كانت مستعملة كثيراً ومشهورة للحيوانات، إلّا أنّها تُطلق على غيرها أيضاً، فيقال: نطحه: أي دفعه وأزاله، ونطحَ فلاناً عن كذا: أي دفعه وأزاله. وتناطحت الأمواج والسيول: تلاطمت وتضاربت. وكناطح صخرة: يضرب في المكابرة لمن يحاول المستحيل.
قال الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ) في «كتاب العين»: «النَّطْحُ للكباش ونحوها. وتَناطَحَتِ الأمواج والسيول والرجال في الحرب». انظر: كتاب العين ٣: ١٨٠٦ .
وقال الجوهري (ت ٣٩٣ هـ) في «الصحاح»: «نَطَحَهُ الكبش ينطحُهُ نطحاً. وانتطَحَتِ الكباش وتَنَاطَحَتْ، وكبشٌ نطَّاحٌ». انظر: الصحاح ١: ٤١٢ «نطح» .
وقال ابن منظور (ت ٧١١ هـ) في «لسان العرب»: «النطح للكباش ونحوها ... ويُقْتاس من ذلك تَنَاطحْتِ الأمواجُ والسيولُ والرجالُ في الحرب». انظر: لسان العرب ١٤: ١٨٤ «نطح» .
وقال الفيروزآبادي الشيرازي (ت ٨١٧ هـ) في «القاموس المحيط»: «نَطَحَهُ كمنعه وضربه: أصابه بقرنه. وانتطَحَتِ الكباشُ: تناطَحت. والنَطيحةُ: التي ماتَت منه».[انظر: القاموس المحيط ١: ٣٤٨ «نطح» .
لكن الإشكال يبقى وارداً، واستعمال الكلمة هنا من قبل الراوي مسلم الجصّاص، في غير محلّها؛ إذ الأصل واحد في المادة: وهو الطعن بقرن في الثور والكبش والعنز وغيرها. وتستعمل مجازاً للرجال في الحرب، وكذا للأمواج والسيول.
رابعاً: يستشكل البعض على فعلِ العقيلة زينب(عليها السلام)، إذ كيف تضرب رأسها بمقدّم المحمل؟! وقد أوصاها الإمام الحسين(عليه السلام) بالصبر وعدم الجزع، وهي العالمة غير المعلّمة والفهمة غير المفهمة، بل هي معصومة لا بمعنى واجبة العصمة.
قال السيّد ابن طاووس في «اللهوف»: إنّ الإمام الحسين(عليه السلام) خاطبها قائلاً: «يا اُختاه، تعزّي بعزاء الله، فإنّ سكانَ السماوات يموتون، وأهلَ الأرض لا يبقون، وجميعَ البريّة يهلكون».
ثمّ قال(عليه السلام): «يا اُختاه يا اُمَّ كلثوم، وأنتِ يا زينب، وأنتِ يا رقية، وأنتِ يا فاطمة، وأنتِ يا رباب، اُنظرنَ إذا أنا قُتلت فلا تشققنَ عليَّ جيباً، ولا تخمشنَ عليّ وجهاً، ولا تقلنَ عليّ هجراً». انظر: اللهوف «الملهوف»: ١٤١ .
قال المحدّث الشيخ عباس القميّ في «منتهى الآمال»: «مع أنّ نسبة شجّ الرأس إلى السيّدة زينب(عليها السلام)، بعيدة أيضاً عن هذه المخدّرة، عقيلة الهاشميّين، العالمة غير المعلّمة، رضيعة ثدي النبوة، صاحبة مقام الرضى والتسليم».
انظر: منتهى الآمال «ضمن مؤلّفاته الكاملة» ٢١: ٨٣٢ .
ويجاب على هذا الإشكال: إنّ ما قامت به العقيلة زينب(عليها السلام)، من ضرب جبينها بمقدّم المحمل، إنّما كان سبَبهُ الجزع على مصاب المولى أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، هذا المصاب الذي يحقّ أن تشق القلوب لأجله، لا تضرب الرؤوس فقط.
والجزع على الحسين(عليه السلام) مستحبٌ ومأجور فيه فاعله، كما ورد عن عليّ بن أبي حمزة، عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ البكاءَ والجزعَ مكروه للعبد في كلِّ ما جزعَ، ما خلا البكاء على الحسين بن علي(عليهما السلام)، فإنّه فيه مأجور».
انظر: كامل الزيارات: ٢٠٢ حديث ٥ .
ومن المعلوم أنّ إيلام النفس غير المؤدّي إلى الهلاك، لا دليل على عدم جوازه. وقد بيّن الإمام الباقر(عليه السلام) معنى الجزع في رواية جابر عنه إذ قال: سألته: ما الجزع؟ قال: «أشدّ الجزع الصّراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجزّ الشعر من النواصي».
انظر: الكافي ٣: ٢٢٢ حديث ١ باب «الصبر والجزع والاسترجاع» .
وإذا أضفنا إلى هذا قولَ الإمام الصادق عليه السلام، في رواية خالد بن سدير عنه، إذ قال: «وقد شققنَ الجيوب ولَطمن الخُدود الفاطميّات على الحسين بن علي، وعلى مثله تُلطم الخُدود وتُشقّ الجيوب» ـ التهذيب ٨:٤٤٩ حديث ١٩٩ ـ ، يتّضح أنّ ما قامت به العقيلة(عليها السلام)، نابع من العشق الحسينيّ، والمحبّة والوله لأبي عبد الله(عليه السلام)، والجزع لمصابه العظيم.
خلاصة البحث
تبيّن ممّا تقدّم من الكلام، أنّ هذه الرواية: مجهولة المصدر، مجهولة الراوي، مرسلة، في متنها عدّة إشكالات، لذا لم نجد من الفقهاء ـ إلّا ما ندر ـ من استندَ إليها كدليل مستقلّ، بل أوردوها من باب المؤيّد والشاهد والمؤكّد للدليل الدالّ على جواز أو استحباب ضرب الرؤوس وشجّها على المولى أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).
وهناك فرقٌ كبير بين الاستناد إلى رواية كدليلٍ مستقلّ، وبين ذِكرها كشاهد ومؤيّد يدعم دليل الجواز أو الاستحباب. ولا يوجد أيّ محذور من إيراد الرواية غير المعتبرة سنداً كمؤيّد إذا كان مضمونها لا يتنافى مع الدليل، بل هو منسجم مع منهج علمائنا.
لذا نجد أنّ بعض الأعلام استأنسَ بها، بل صحّحها، وجعلَ ما قامت به العقيلة إنّما هو مصداق من مصاديق الجزع الذي لا يؤدّي إلى تلف النفس. ونحن ننقل هنا عبارات بعض الأعلام في مؤلّفاتهم عن الشعائر الحسينيّة، التي جمعناها وحقّقناها في مجموعة «رسائل الشعائر الحسينيّة»:
١) قال الشيخ عبد الله المامقاني (ت ١٣٥١ هـ) في رسالته «المواكب الحسينيّة»:
«ويمكن الاستيناس لإدماء الرأس بالسيف والسلسلة، بضرب زينب جبينها بمقدّم المحمل، وسيلان الدم من تحت قناعها». المواكب الحسينيّة (المطبوعة ضمن المجموعة) ٢: ٢٤٢ .
٢) قال الشيخ حسن المظفّر (ت ١٣٨٨ هـ) في رسالته «نصرة المظلوم»:
«ولقد كان شيخنا العلّامة شيخ الشريعة (ت ١٣٣٩ هـ) (قدس سره)، بهذا الاعتبار ـ أي: باعتبار أنّ «كلّ الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين(عليه السلام)»، ـ انظر: أمالي الشيخ الطوسي ١: ١٦٢ وكامل الزيارات: ٢٠٢ حديث ٥ ـ وباعتبار تحديد أشدّ الجزع بالصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجزّ الشعر من النّواصي، انظر الكافي ٣: ٢٢٢ حديث ١ ـ وبتلك الأخبار، يصحّح الخبر المرسل الذي استبعده بعض العظماء، من أنّ عقيلة عليّ الكبرى لمّا لاح لها رأس الحسين(عليه السلام) وهو على رمح، والريح تلعب بكريمته، نطحت جبينها بمقدّم المحمل حتّى سال الدم من تحت قناعها.
ويقول العلّامة شيخ الشريعة (قدس سره) ـ في نصرة المظلوم (المطبوعة ضمن المجموعة) ٢: ٤٠٠ ـ : «إنّه لا استبعاد فيه إلّا من جهة ظهور الجزع منها وإيلام نفسها، والإيلام غير المؤدّي إلى الهلاك لا دليل على عدم جوازه، والجزع مندوب إليه ومرغب فيه في كثير من الأخبار ...».
انظر: وسائل الشيعة ١٤: ٥٠٠ باب ٦٦ من أبواب المزار وما يناسبه «باب استحباب البكاء لقتل الحسين وما أصاب أهل البيت(عليهم السلام)...» .
٣) قال الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت ١٣٧٣ هـ) في كتابه «الفردوس الأعلى»: ـ قال (رحمه الله) قبل إيراده هذه العبارة: «هذه الأعمال والأفعال إن صدرت من المكلّف بطريق العشق الحسينيّ والمحبّة والوله لأبي عبد الله(عليه السلام) نحو الحقيقة والطريقة المستقيمة، وانبعثت من احتراق الفؤاد وانتقال نيران الأحزان في الأكباد بمصاب هذا المظلوم ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم)، المصاب بتلك الرزية، بحيث تكون خالية ومبرّأة من جميع الشوائب والتظاهرات والأغراض النفسانيّة، فلا يبعد أن يكون جائزاً، بل يكون من القربات وأجلّ العبادات» ـ .
«وعلى هذا يُحمل ما صدر من الأعمال ونظائر هذه الأفعال من أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام)، مثل ما نُقل عن العقيلة الكبرى والصدّيقة الصغرى زينب(عليها السلام)، من أنّها نطحت جبينها بمقدّم المحمل حتّى سال الدم من تحت قناعها». الفردوس الأعلى (المطبوع ضمن المجموعة) ٤: ٣٨٥ .
(٤) قال الشيخ عبد الرضا كاشف الغطاء (ت ١٣٨٧ هـ) في كتابه «الأنوار الحسينيّة»:
«ويمكن ـ لك أيّها الضالع ـ الاستيناس لجواز إدماء الرؤوس بالسيوف والقامات والسلاسل، من أنّ عقيلة عليّ الكبرى زينب(عليها السلام)، لمّا لاحَ لها رأس الحسين(عليه السلام) وهو على رمح طويل، والريح تلعب بكريمته، نطَحَت جبينها بمقدّم المحمل حتّى سال الدم من تحت قناعها». الأنوار الحسينيّة والشعائر الإسلاميّة (المطبوعة ضمن المجموعة) ٣: ٣٥١ .
(٥) قال السيّد مرتضى ابن السيّد عليّ الداماد (ت القرن الرابع العشر) في كتابه «الأعلام الحسينيّة»:
«وهذه الصّديقة الصغرى زينب(عليها السلام)، التي حملت أسرار آل محمّد(صلى الله عليه وآله و سلم)، وهمّ علماء الشريعة والسلوك، وأئمة اُسس الحكمة، وأساطين علماء الحقيقة المتعالية، والمراتب الجلية، الطاهرة المعصومة، التي جعلوا شأنها كشأن إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وعدّوا قولها وفعلها وتقريرها حجّة كالإمام، نطحت جبينها بمقدّم محملها حتّى سال الدم من تحت المحمل.
وقد توهّم بعض من لا علم له ـ بلا علم ولا تفحّص ـ في أنّ «نطحت» فعل مجهول، ولكنّ النطح غير الدقّ؛ لأنّ الدقّ يقع في حالتي الاختيار والاضطرار، إضافةً إلى أنّ سياق الخبر يأبى عن وجود مثل هذا التوهّم، كما لا يخفى ذلك على المنصف غير المتعسّف المتأمّل في الخبر». الأعلام الحسينيّة (المطبوع ضمن المجموعة) ٤: ٢٢ .
(٦) قال الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي (ت ١٣٧٥ هـ) في رسالته «النقد النزيه لرسالة التنزيه»:
«وبهذا الاعتبار كان بعض العظماء يصحّح المرسل المتضمّن لكون بعض عيال الحسين(عليه السلام) ممّن لا يشكّ في عصمتها وعظمتها، لمّا لاح لها رأسه «نطحت جبينها بمقدّم المحمل حتّى سال دمها»، إذ أنّ ذلك لا بُعد فيه إلّا من جهة ظهور الجزع منها وإيلام نفسها. والإيلام غير المؤدّي إلى الهلاك أو المرض لا دليل على حرمته، والجزع مندوب ومرغّب فيه في الأخبار الكثيرة، بل الظاهر من الأخبار جواز الهلع أيضاً، وهو على ما ذكره أئمة اللغة: أفحش الجزع وأشدّه».
النقد النزيه لرسالة التنزيه (المطبوع ضمن المجموعة) ٦: ٢١٣ .
(٧) قال السيّد مهدي السويج الخطيب (ت ١٤٢٣ هـ) في رسالته «الفتاوى والتقارير»:
«ويحدّثنا أهل المقاتل والسير، أنّ العالمة غير المعلّمة، زينب بنت علي(عليه السلام)، لمّا رأت رأس أخيها الحسين(عليه السلام) نطحت رأسها بمقدّم المحمل، حتّى سال الدم من تحت قناعها، وكان ذلك بمرأى ومسمع من الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فلم ينكر عليها ذلك، بل أيّدها وساعدها في النوح على الحسين(عليه السلام) وتحمّل الآلام في سبيله».
الفتاوى والتقارير في جواز العزاء والشبيه والتطبير (المطبوعة ضمن المجموعة) ٦ :
٥٠١ .
مصادر البحث
١) أدب الطفّ، للسيّد جواد شبر، دار المرتضى ـ بيروت ١٤٠٩هـ .
٢) أعيان الشيعة، للسيّد محسن الأمين (ت ١٣٧١ هـ)، المطبعة الإسلامية ـ طهران ١٣٨٥ هـ .
٣) بحار الأنوار، للعلّامة المجلسيّ (ت ١١١١ هـ)، المطبعة الإسلامية ـ طهران ١٣٨٥ هـ .
٤) ترتيب كتاب العين، للخليل أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ)، اُسوة ـ طهران ١٤١٤ هـ .
٥) تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق علي أكبر غفاري، مكتبة الصدوق ـ قم ١٤١٨ هـ .
٦) الدراية في علم الأصول، للشهيد الثاني زين الدين الجبعي (ت ٩٦٥ هـ)، مطبعة النعمان ـ النجف الأشرف.
٧) الذريعة، أقا بزرك الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ)، دار الأضواء بيروت.
٨) رسائل الشعائر الحسينيّة، لمجموعة من المؤلّفين، جمع وتحقيق الشيخ محمّد الحسّون، دار الرافد ١٣٤٢ هـ .
٩) الصحاح تاج اللغة، لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت ٣٩٣ هـ) دار العلم للملايين ـ بيروت ١٤٠٧ هـ .
١٠) عوالم العلوم والمعارف والأحوال، للشيخ عبد الله البحراني (ت ١١٣٠ هـ)، مدرسة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ـ قم ١٤٢٥ هـ .
١١) القاموس المحيط، للفيرزآبادي (ت ٨١٧ هـ)، دار الكتب العلميّة ـ بيروت ١٤٢٠ هـ .
١٢) الكافي، لثقة الإسلام الكليني (ت ٣٢٨ هـ)، دار الكتب العلميّة ـ طهران ١٣٧٥ هـ ش.
١٣) كامل الزيارات، لابن قولويه (ت ٣٦٨ هـ)، نشر الفقاهة ـ قم ١٤١٧ هـ .
١٤) لسان العرب، لابن منظور (ت ٧١١ هـ)، دار إحياء التراث العلمي العربي ـ بيروت ١٤١٩ هـ .
١٥) اللهوف (الملهوف) على قتلى الطفوف، دار اُسوة ـ قم ١٤١٧هـ .
١٦) مستدركات علم الرجال، للشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت ١٤٠٥ هـ) مطبعة حيدري ـ طهران ١٤١٥ هـ .
١٧) معجم المطبوعات العربيّة والمستعربة، ليوسف إلياس سركيس (ت ١٤١٢ هـ)، افسيت المكتبة المرعشية ـ قم ١٤١٠ هـ .
١٨) المنتخب، لفخر الدين الطريحي النجفي (ت ١٠٨٥ هـ)، الشريف الرضي ـ قم ١٣٦٨ هـ .
١٩) منتهى الآمال، للشيخ عباس القميّ (ت ١٣٥٩ هـ)، المطبوعة ضمن مجموعة آثاره ـ إيران ١٣٨٩ هـ ش.
٢٠) نور العين في مشهد الإمام الحسين، للاسفرايني (ت ٤١٨ هـ)، مكتبة المنار ـ تونس.
٢١) هدية العارفين (المطبوع مع كشف الضنون)، لإسماعيل باشا البغدادي (ت ١٣٣٩ هـ)، دار الفكر ـ بيروت ١٤٠٢ هـ .
٢٢) ينابيع المودة، لسلمان القندوزي، اُسوة ـ طهران ١٤١٦ هـ .
والحمد لله أوّلاً وآخراً، اللهمّ اغفر لنا، ووفّقنا لما فيه خير الدنيا والآخرة.
محمّد الحسّون
١١ شهر رمضان المبارك ١٤٣٨ هـ


الصفحة 260


الصفحة 261


الصفحة 262


الصفحة 263


الصفحة 264


الصفحة 265


الصفحة 266


الصفحة 267


الصفحة 268


الصفحة 269


الصفحة 270


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية