×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 8 / الصفحات: ١ - ٢٠

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٨ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

٢

٣


٤

٥

( ١١٠ ) بحوث حول الإمام المهدي (عج)

السيّد علي الصدر

٦

٧

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، فاطر السماوات والأرضين، والصّلاة والسّلام على أحبّ خلقهِ وسيّد رُسله سيد الأنبياء والمرسلين، وخاتم السفراء المقرّبين، حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين، الغُرّ الميامين، لاسيّما بقية الله في الأرضين، سيّدنا ومولانا الحجّة ابن الحسن المهدي أرواحنا فداهُ، واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة من الجنّ والإنس إلى يوم الدين، آمين ربّ العالمين.

يسعدني ويشرّفني أن أتشرّف بالبحث حول ناموس الدهر وإمام العصر الحجّة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه; إذ الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) ، مما لا ينفكّ عن العقائد عن الاعتقاد بالإمامة التي هي من العقائد الأصولية والمباحث الأصلية في مباحث الاعتقادات، لذلك يستدعي أن نلفت الأنظار لتقوية الإيمان وروح ولاية أهل البيت(عليهم السلام) ، فيما يمكننا من البحث حول هذه الشخصية النورية (عليه السلام) والمأمول أن يوفّقنا الله تعالى فيه هذه الليالي الخمسة إن شاء الله في هذه العناوين التي اخترناها، ونسأل الله التوفيق لأدائها.

٨
أولاً: في إثبات والاستدلال على وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه والدليل على ذلك.

ثانياً: البحث في موضوع غيبة الإمام أرواحنا فداه، والحكمةُ فيها.

ثالثاً: في موضوع عمره المبارك، وتحليل طول العمر.

رابعاً: البحث في سفرائه الكرام، والتشرّف بخدمته ووظائفنا في غيبته.

خامساً: في بحث ظهوره الميمون وقيامه المبارك

نسأل الله بقدر ما يسمح لنا بالتوفيق والوقت أن نتمكّن من أداء جزء مما يجبُ علينا ويفرض.

أما البحث الأوّل: في وجوده أرواحنا فداه والدليل على ذلك.

الدليل على الإمام المهدي (عليه السلام) وجوده وولادته وبقائهِ إلى أن يملأ الله الأرض به قسطاً وعدلاً موجود من الكتاب والسُنّة القطعية المتواترة، ومن بشارات الكتب المقدّسة السابقة على القرآن، هذا أولاً.

وثانياً: من جهة الأخبار المتواترة بولادة الإمام (عليه السلام) ، فيها أخبار متظافرة وشهادات مقبولة بحيث لا تقبل الإنكار.

وثالثاً: من جهة شهود العيان في المراحل الثلاث للإمام (عليه السلام) يعني في زمان أبيه الإمام العسكري أرواحنا فداه، وفي عهد الغيبة الصغرى، وفي زمان الغيبة الكبرى، في جميع هذه الأدوار والمراحل شاهدوهُ عياناً، وأخبرنا به الثقات وجداناً، وهل يحتاج بعد العيان إلى بيان؟ ! شاهدوا الإمام

٩
وتشرّفوا بخدمتهِ من الثقات والأعيان ممن لا يشكُّ في صدقهم وعدالتهم، فكيف يمكن إنكارهُ؟ !

نفس الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) من الاعتقادات الأصولية لنا ثمّ دفع بعض الشبهات التي ألقاها بعض المنحرفين، نبيّن هذه الأدلة، والظاهر أنّها متفقٌ عليه بين الفريقن: العامة والخاصّة بلا شكّ، وسنقرأ بعض النصوص، لكن بعض المنحرفين ـ للأسف ـ شكّكوا في ذلك وألقوا بعض الشبهات حتّى أنكروا الوجود بشكل فظيع لا يمكن أن يقبل ويُنافي الصدق والحقيقة، لاحظوا بعض العبارات التي بيّنوها في كتبهم، الكتب مسجلة مع عناوينها كاملاً حتّى صفحاتها، قال بعضهم: لاحظوا بالله عليكم هل مع هذه الأدلة سنبينها مع هذا الوجود الذي هو كالشمس في رابعة النهار ينكر، هذا التعبير في حقّ الإمام المهدي، أسطورة لا دليل عليه ـ العياذ بالله ـ في الكتاب الكريم، ولا في كتب السُنّة.

وقال آخر منهم: نحن لا نعتقد بولادة غائبهم الموهوم، ونجزم أنّ الحسن العسكري لم يتزوّج، ولم يولد له ولد.

وقال ثالث منهم في تعبيره: إنّما نهدف إلى القول أنّ شخصاً باسم محمّد بن الحسن العسكري لم يولد، ولم يوجد.

هذا ظلمٌ في الحقيقة وجفاءٌ على الواقع مع وجود الأدلّة المتظافرة من الكتاب والسُنّة والبشائر في الكتب المقدّسة المقبولة للفريقين، كيف يقول أحد ويدعي هذه التعبيرات والادعاءات؟ ! هو غافل عن الكتاب والسنّة أم

١٠
جهلهما أم عاندهما؟ الظاهر أنّه عناد والعياذ بالله وإلاّ اعترف به كبار علمائهم في مستندات كتبهم وصحاح أحاديثهم كما سنبيّنه إن شاء الله.

البحث الأوّل

إثبات وجود الإمام المهدي (عليه السلام) ، وهو ابن الحسن العسكري، الحسن العسكري من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ومن أولاد الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

في بعض الروايات يوجد تحريف من جهة أنّ أبا داود السجستاني نقل الحديث محرّفاً بالنسبة إلى الحديث الشريف المتفق عليه بين الطرفين عن الرسول الأعظم أرواحنا فداه أنّه قال: المهدي من ولدي، اسمهُ أسمي، وكنيتهُ كنيتي، به يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، هذا المضمون في الروايات متفق عليه بين الفريقين، ومن المُسلمات في الكتب الحديثية، لكن حُرِفَ بجملة منه بزيادة: واسم أبيه اسم أبي (١) تحريفاً للحقيقة وتزويراً للواقع بعد قول الرسول: اسمهُ اسمي وكنيتهُ كنيتي، زادوا في ذلك: واسم أبيه اسم أبي، هذه الزيادة من التحريفات التي لا يمكن الوفاق عليها سنداً ولا متناً، لا في كتب الخاصّة ولا في كتب العامّة.

بيان ذلك: هذه الزيادة في الحديث منقولة فقط في سنن أبي داود، بسنده عن زائدة عن عاصم، عن زر بن حبيش عن عبد الله عن النبي.

١- سنن أبي داود ٢ : ٣٠٩ حديث ٤٢٨٢.

١١
أوّلاً هذا السند فيه إشكال حتّى من جهة أهل السنّة؛ لأنّ زائدة كان يزيد في الحديث على ما اعترف به نفس الجمهور(١)، وصرّح به في كتاب كشف الغمة(٢).

ثمّ المتن كذلك لا يمكن قبوله; لأنّه من المتفق عليه أنّ الإمام المهدي بن الحسن العسكري اسم أبيه الحسن لا عبد الله كاسم النبي، لذلك لا سنداً ولا متناً.

ويؤيدنا في تحريف هذه الزيادة وعدم صحّتها هذه الزيادة، ما ذكرهُ الكنجي الشافعي في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان:

قلت: وقد ذكر الترمذي الحديث ولم يذكر قوله: واسم أبيه اسم أبي وذكره أبو داود.

وفي معظم روايات الحفّاظ والثقاة من نقلة الأخبار >اسمه اسمي< فقط والذي رواه: واسم أبيه اسم أبي فهو زائدة، وهو يزيد في الحديث... والقول الفصل في ذلك أن الإمام أحمد مع ضبطه وإتقانه، روى الحديث في مسنده في عدة مواضع >اسمهُ اسمي<(٣).

إذن هذه الزيادة غير صحيحة، المتفق عليه في الأحاديث المهدي اسمه اسم رسول الله، وكنيتهُ كنية الرسول، أبو القاسم، يملأ الله الأرض به

١- البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي : ٢٦.

٢- كشف الغمة ٣ : ٢٧٧.

٣- البيان في أخبار صاحب الزمان : ٢٦ ـ ٢٧.

١٢
قسطاً وعدلاً، وبالاضافة إلى ذلك أنّه من أولاد أمير المؤمنين(١)، ومن أولاد الصديقة الطاهرة(٢) وكونه من أبناء الحسن العسكري(٣)، وفي هذه السلسلة الشريفة، من الأمور التي وردت في الأحاديث المتفق عليها بين الفريقين، يشهد لنا في هذا النسب الشريف من كتب الخاصّة روايات كمال الدين للصدوق، وكفاية الأثر، ومن كتب العامة الصواعق المحرقة، وتذكرة الخواص، ومستدرك على الصحيحين للحافظ النيسابوري والبيان للكنجي الشافعي، وينابيع المودّة للقندوزي، كما أحصاه بمتون هذه الروايات والعناوين الكاملة في منتخب الأثر صفحة ٣٤ فما بعد، لذلك هذا النسب هذه الشخصية بهذه الكيفية للنسب متفق عليه في أحاديث الفريقين بلا إشكال، وبلا زيادة.

إنّ هذه الشخصية الاعتقاد بها حقيقة ثابتة راسخة لا تقبل التشكيك أبداً، من العقائد الإسلامية الصحيحة الصريحة المأخوذة من كلام أهل بيت الوحي لا شك فيها ولا إشكال، ودليلنا على ذلك من الكتاب الكريم والسُنّة المتواترة والكتب المقدّسة والأحاديث المتظافرة.

١- معاني الأخبار : ٦٠ وكمال الدين : ٢٨٨.

٢- المستدرك على الصحيحين ٤ : ٥٥٧ وينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ٣ : ٢٦٩.

٣- كفاية الأثر : ٢٨٩.

١٣

الآيات الدالة على الإمام المهدي (عليه السلام)

أما من الكتاب من القرآن الكريم أُحصيت الآيات التي فُسّرت بالإمام المهدي أرواحنا فداه ١٢٠ آية في كتاب المحجّة للسيد البحريني (أعلى الله مقامه)، وأكثر تلك الآيات تفسيرها بأهل البيت والإمام المهدي، ونختار منها المتفق عليه بين الفريقين استدلالاً وتبركاً ثلاث آيات فقط.

الآية الأولى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾(١).

ظهور الآية بنفسها تكفي في تفسيرها بأهل البيت والإمام المهدي، وتفسير الفريقين يدل على ذلك أيضاً.

أمّا الآية الشريفة (نُرِيدُ) إرادة الله التي لا تتخلّف عن المراد، إذا قال لشيء كن فيكون، لا يمكن فيها التخلّف، ﴿نُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ مِنَةً على المستضعفين، والمنية تكون في النعم العظمى، النعمة إن كانت عظيمة يعبّر الله عنها بالمنّ ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢) الله لا يَمنّ، لكن هذه المِنّة بمعنى النعمة العظيمة ﴿نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ﴾ من هم المستضعفون؟ الفرد الأكمل والمصداق الأتم للمستضعفين هم أهل البيت أرواحنا فداهم; لأنّهم كانوا مظلومين منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وفي كلام

١- القصص : ٥.

٢- آل عمران : ١٦٤.

١٤
الأمير أرواحنا فداه: «لم أزل مظلوماً منذ قُبضَ رسول الله»(١) المظلومية لأهل البيت أرواحنا فداهم بعد الرسول جعلتهم من المستضعفين، استضعفهم الناس، استضعفهم الأعداء، قتلوهم وشرّدوهم وسجنوهم حتّى منعوهم عن شرب الماء، حتّى أهدوا رؤوسهم إلى الأشقياء، أتمّ أفراد المستضعفين أهل البيت أرواحنا فداهم. في رواية المنهال عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنّه سأله: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ قال: >ويحك يا منهال: أصبحنا كما أصبح بنو إسرائيل في آل فرعون يذبحون رجالنا ويستحيون نسائنا<(٢).

لذلك المظلومية والمستضعفية بالنسبة لأهل البيت مُسلمة; لأنّهم الفرد الأكمل للمستضعفين في العالم، ﴿نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ نجعلهم أئمة الأرض وقادتها وسادتها ونجعلهم الوارثين للأرض، ومن المعلوم أن الوارث من يصل إليه عن الموروث شيء، ينتقل إليه عن المورِّث شيء، بعد ذهاب المورّث وبقاء الوارث.

سؤال: في أي زمان انطبقت هذه الإرادة الإلَهية؟ منذ نزول الآية إلى يومنا هذا جميع الأرض هل ورث جميع الأرض أهل البيت؟ ورثها المستضعفون؟ لم تتفق منذ نزول الآية إلى يومنا هذا، تطبيق هذه الإرادة

١- كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٤٠٤، رقم ٥٣.

٢- انظر : مناقب الإمام أمير المؤمنين لمحمّد بن سليمان الكوفي ٢ : ١٠٩ حديث ٥٩٨ وبحار الأنوار ٢٤ : ١٧٠ حديث ٤.

١٥
التي لا تتخلّف قطعاً بيّنها الصادق المُصدّق الله تبارك وتعالى، لذلك لابدّ أن يكون هناك وراثة للمستضعفين في جميع الكرة الأرضية، وهذا لم يتفق، فمعناه أنّ المستضعفين، وهم أهل البيت يلزم أن يكونوا الوارثين للأرض، يرثون الأرض بلا شكّ ولا إشكال، هذا بحسب ظاهر الآية.

أنّ التفاسير المتفق عليها بين الخاصّة والعامة تبيّن أنّ المراد بها أهل البيت والإمام المهدي أرواحنا فداه، أمّا من الخاصّة بعنوان النموذج وإلاّ الروايات كثيرة في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي بسنده المعتبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾(١).

قال (عليه السلام) : >هم آل محمّد صلوات الله عليهم، يبعث الله مهديهم بعد جهدهم، فيعزّهم، ويذلّ عدوّهم<.

ثمّ يقول شيخ الطائفة (رحمة الله عليه): والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تُحصى(٢).

وكذلك في الحديث الخاص المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة أنّهُ قال (عليه السلام) : «لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شمسها عطف الضروس على ولدها<(٣).

١- القصص : ٥.

٢- الغيبة للشيخ الطوسي : ١٨٥ حديث ١٤٣.

٣- نهج البلاغة ٤ : ٤٧، الحكمة رقم : ٢٠٩.

١٦
كما تحن الضروس أي الناقة السيئة الخُلق التي تعظ صاحبها في سبيل حفظ لبنها لولدها إشفاقاً عليه، وهذه محبّة إشفاقية وحنان وجداني ستكون للدنيا علينا أهل البيت، وتلا (عليه السلام) عقيب ذلك: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إشفاق الدنيا علينا أهل البيت وإرادة امتلاكنا للأرض.

وأمّا من أحاديث العامّة:

قال الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل باسناده، عن المفضّل بن عمر، قال: سمعت جعفر بن محمّد الصادق يقول: >إنّ رسول الله نظر إلى علي والحسن والحسين فبكى، وقال: أنتم المستضعفون بعدي<.

قال المفضّل: فقلت له: ما معنى ذلك يابن رسول الله؟

قال معناه: أنّكم الأئمّة بعدي; إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ فهذه الآية فينا جارية إلى يوم القيامة<(١).

بل صرّح بذلك ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة: وأصحابنا يقولون: إنّه وعدٌ بإمام يملك الأرض، ويستولي على الممالك(٢) نسبه إلى الأصحاب، يعني هو متفق عليه بين العامة والخاصة في أنّ هذه الآية في أهل البيت في الإمام المهدي أرواحنا فداه، لذلك هي الآية التي تبيّن إرادة الله في أن يملك الأرض أهل بيت، بشارة بالإمام المهدي، وهذه البشارة

١- شواهد التنزيل ١: ٤٥٢.

٢- شرح نهج البلاغة ١٩ : ٢٩.

١٧
لابدّ أن تتحقّق بعد شهادة الإمام الحسن العسكري، من يحقّق هذا الوعد غير الإمام المهدي؟ ! لا يمكن أن نلتزم بأنّه في آخر العهد يولد الإمام المهدي بدون أم، لا يلتزم بهِ أحد، ثمّ يملك الأرض، لابدّ أن يكون من نسل العسكري للروايات المتقدّمة، فإذن يلزم أن يكون المخصوص لهذه الآية الإمام المهدي (عليه السلام) من جهة بشارة الله ووعده، إرادة الله التي لا تتخلّف.

الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾(١).

وعدٌ إلهي غير مكذوب قطعاً، وعدهُ بمنزلة القسم باتفاق المفسّرين، لذلك جاء في الآية ليستخلفنّهم، اللام لام الجواب، ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ تأكيد بالنون وبلام القسم ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم الأنبياء، ﴿وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ تمكين الدين، يعبدون الله بكلّ إمكانية ﴿وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ هو الإسلام، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ يعبدون الله بلا خوف وبلا تقية بكلّ تجاهر بالحق، ﴿يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ كذلك بحسب المعنى الظاهري تعني أهل البيت

١- النور : ٥٥.

١٨
أرواحنا فداهم; لأنهُ لم يتحقّق من حين نزول الآية إلى هذا اليوم ألف وأربع مائة سنة معنى كامل لهذه الفقرات الثلاثة، يستخلفهم في الأرض، تصل إليهم جميع الكرة الأرضية، ثمّ أنّهُ من جهة أخرى يمكنّن لهم دينهم يعبدون بلا خوف ولا تقية، وتبديل الخوف بالأمن، هذا لم يتحقّق إلى ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه، وهذا التفسير متفقٌ عليه بين الخاصّة وذكره بعض العامة في الروايات.

أمّا من الخاصّة بعنوان النموذج حديث الآيات الباهرة ينقلها في تفسير كنز الدقائق رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ....﴾(١).

عنى بهِ ظهور المهدي (عليه السلام) (٢)، بذلك الاسم الخاص الذي ينبغي له القيام.

وكذلك في حديث جوامع الجامع عن المقداد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : >لا يبقى على وجه الأرض بيتُ مدر ولا وبر إلاّ أدخلهُ الله كلمة الإسلام بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل. إمّا أن يعزّهم فيجعلهم من أهلها، وإمّا أن يذلّهم فيدنمون لها<(٣).

١- النور : ٥٥.

٢- تفسير كنز الدقائق ٩ : ٣٣٧.

٣- تفسير جوامع الجامع ٢ : ٦٣٠.

١٩
وكذلك نفس هذه الروايات تُفسّر هذه الآية بأهل البيت موجودة في عدة روايات في شواهد التنزيل(١) للحاكم الحسكاني من علماء العامة.

إذن تفسير الآية بأهل البيت والمهدي ذكره الفريقان.

الآية الثالثة التي كرّرت بلفظ واحد في ثلاث مواضع من القرآن تأكيداً على هذا المعنى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(٢).

تُبيّن الآية الهدف من الرسالة وبعث الرسول يظهرهُ أيّ: يغلبه على الدين كلّه، على جميع الأديان، ولو كان برغم أنف المشركين، معناهُ أنّهُ لا يبقى على وجه الأرض دين إلاّ دين الإسلام، يكون الإسلام غالباً على جميع الأديان، لا يبقى دين واحد، وكذلك هذا لم يتحقّق إلاّ في زمان حكومة أهل البيت، ظهور المهدي أرواحنا فداه، وهذا المعنى كذلك متفقٌ عليه بين الخاصّة والعامة.

أما من الخاصّة ففي حديث الكنز عن أبي بصير قال أبو عبد الله (عليه السلام) في هذه الآية: >والله ما نزل تأويلها بعد<، قلت: جعلت فداك ومتى ينزل تأويلها؟

قال: >حتّى يقوم القائم، فإذا خرج القائم لم يبق كافر ولا مشركٌ إلاّ وكره خروجه<(٣).

١- شواهد التنزيل ١ : ٥٥٥ ـ ٥٦٠ الأحاديث ٥٨٩ ـ ٥٩٧.

٢- التوبة : ٣٣ والصف : ٩.

٣- تفسير كنز الدقائق ١٣ : ٢٣٤.

٢٠