×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ١ - ٢٠

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٩ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)

١

٢

٣

٤

٥

(١٢٤) شمس الإمامة

السيّد عادل العلويّ

٦

٧

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وسيّد الأنبياء والمرسلين؛ أبي القاسم محمّد(صلى الله عليه وآله) ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين(عليهم السلام) ، واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم، من الآن إلى قيام يوم الدين.

ربّ أنطقني بالهدى وألهمني التقوى.

إنّ الإمامة باعتبارها بالنصّ من الله تعالى، ونصبٌ من رسوله(صلى الله عليه وآله) ؛ كما في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، تكون من أصول الدين؛ إذ أنّها ترجع إلى فعل من أفعال الله تعالى.

والموضوع في أصول الدين، هو: الله تعالى، وأسماؤه وأفعاله سبحانه. فباعتبار أنّ الإمامة والخلافة كالنبوّة، وفي خطّ النبوّة، فلزم أن تكون بنصّ من الله تعالى ونصب منه عزّ وجلّ، ومن العدل واللطف الإلهي أن ينصب الله تعالى إماماً، كما يُرسل رسولاً ويبعث نبيّاً، فحينئذٍ يلزم أن تكون الإمامة والولاية والخلافة من أصول الدين.

كما أنّ الإمامة باعتبار وجوب الولاء والمحبّة والطاعة للإمام، ووجوب مودّة الإمام ومحبّته، تستلزم أن يكون متعلّقها فعل من أفعال الناس، وكلّ فعل من أفعال الناس يرتبط بالفقه؛ لأنّ موضوع الفقه هو: أفعال المكلّفين، فمفهوم

٨
الإمامة أوالولاية بالأحرى، أوالولاء، إنّما يكون من فروع الدين، لذا نرى أنّ التولّي والتبرّي من فروع الدين، ولكن إذا كان الإمام ينصب من الله سبحانه وتعالى، سيكون هذا المفهوم من مفاهيم أصول الدين.

وحديثنا في هذه الليلة إنّما يتعلّق بالإمامة باعتبارها فعل من أفعال الله تعالى، وأمر بنصّ منه سبحانه، فيلزم أن يكون حديثنا حديثاً عقائديّاً، وليس كلاماً في المحبّة والولاء للإمام.

تعريف الإمامة

عُرّف مفهوم الإمامة في الكتب العقائدية عند الفريقين السُنّة والشيعة

ـ كما في شرح التجريد، وشرح المواقف، وغيرهما ـ أنّ الإمامة هي: رياسة عامّة في الدين والدنيا؛ لشخص إنساني، نيابةً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بنص من الله تعالى، ونصب من رسوله(صلى الله عليه وآله) .. هذا في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) .

أمّا عند غيرهم؛ فتارة بالشورى ورأي أهل الحلّ والعقد، وتارة بيد الناس، وتارة بالتعيين.. ومن هنا بدأ الاختلاف بالنسبة لتعيين الإمام؛ أنّه بيد مَن؟ بيد الناس أوبيد الله تعالى؟

إنّ أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم قالوا: إنّه بيد الله تعالى؛ لأنّ الإمامة في خطّ النبوّة، وأنّها الجناح الآخر للنبوّة، فكما أنّ النبوّة بيد الله تعالى، فكذلك الإمامة.

لكن الإخوان قالوا: كلا .. الإمامة إنّما تتعلّق بفعل الناس، وبالشورى بينهم، فكانت عندهم الإمامة بيد الناس، وهنا يبدأ الخلاف، ويبتني على هذا الخلاف الاختلافات التالية؛ منها: شرائط الإمام.. على أنّه في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) يذكرون للإمام ميّزات خاصة، ومنازل ومقامات تختص بالإمام؛

٩
لا يشاركه أحد فيها.

ومن مختصات الإمام: (العصمة).. باعتبار أنّ الإمامة بنص من الله تعالى، وبما أنّ الله سبحانه يعلم بعباده، ويصطفي من خلقهِ الأنبياء، ثم الأوصياء، وأنّ الوصي والإمام والخليفة من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، والوصي من بعد كلّ نبي إنما يكون نصبه بيد الله، فهوأعرف به، وإنّما يختاره لما عنده من مواصفات النبوّة، وفي النبوّة نشترِط العصمة، فكذلك في الإمام؛ الذي ينوب نيابة خاصّة، نشترط العصمة أيضاً.

فكما أنّ الإمام في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) يمتاز بالعلم اللدنّي، وكما أنّ النبي عنده العلم اللدنّي من لدُن حكيم؛ بوحي من الله سبحانه وتعالى، فالإمام أيضاً عنده علم، إلاّ أنّه بإيحاء وإلهام من الله، يكونُ للنبيّ بالوحي وللإمام بإيحاء، فالفرق من حيث الطريق فحسب، وإلاّ فإنّ النتيجة واحدة، وكلاهما من العلم اللدنّي.

وفي مدرسة الخلفاء لا يوجد هذا المعنى.. فقد ورد عندهم أنّ كلّ الناس أفقه من فلان حتى ربّات الحجال(١)، لذا لا يشترطون أن يكون خليفة

١- ورد هذا الحديث بألفاظ قريبة المعنى في عدة مصادر من كتب أهل السنة؛ منها: الإحكام لابن حزم ٢: ٢٣٧ (وقد أمر عمر على المنبر بأن لا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره، فذكّرته امرأة بقول الله تعالى: (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا) (النساء:٢٠) فترك قوله وقال: كل أحد أفقه منك يا عمر، وقال: (امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ).
وفي تفسير الوسيط لوهبة الزحيلي ١: ٣٠٠: (خطب عمر بن الخطاب فقال: « ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجشّمت إليك أي تحمّلت الشدائد، فكلّمته امرأة من وراء الناس، كيف هذا ؟ واللَّه تعالى يقول: (وآتَيتُم إِحداهُنَّ قِنطاراً) فأطرق عمر ثم قال: (كل الناس أفقه منك يا عمر).
وجاء في السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٢٣٣: (وأخبرنا) أبوحازم الحافظ، أنبأ أبوالحسن محمد بن أحمد بن حمزة الهروي، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، ثنا مجالد عن الشعبي، قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسيق إليه إلاّ جعلت فضل ذلك في بيت المال ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أوقولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) فقال عمر رضي الله عنه: كل أحد أفقه من عمر مرتين أوثلاثا ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إنّي كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له).
ووثّقه الهيثمي في مجمع الزوائد ٤: ٢٨٣: (وعن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا أيها الناس ما أكاثركم في صدق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، فلوكان الاكثار في ذلك تقوى عند الله أومكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهم على أربعمائة درهم، قال: نعم، قالت: أما سمعت ما أنزل الله عز وجل في القرآن؟ فقال: فأنى ذلك؟ قالت: أما سمعت الله عز وجل يقول: (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئًا أَتَأخُذُونَهُ بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا)، فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر، قال: ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبويعلى: قال: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. رواه أبويعلى في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثق).
وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٨١: (وقال مرّة: لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلّا ارتجعت ذلك منها،فقالت له امرأة: ما جعل الله لك ذلك، إنه تعالى قال: (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئًا أَتَأخُذُونَهُ بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا) فقال: كل النساء أفقه من عمر، حتى ربات الحجال ! ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، فأضلت إمامكم ففضلته ! ومر يوما بشاب من فتيان الأنصار وهوظمآن، فاستسقاه، فجدح له ماء بعسل فلم يشربه، وقال: إن الله تعالى يقول: (أَذهَبتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا) (الأحقاف:٣٥) (فقال له الفتى: يا أمير المؤمنين، إنها ليست لك ولا لأحد من هذه القبيلة، اقرأ ما قبلها: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا)،فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر!)
وفي فقه السنة للشيخ سيد سابق ٢: ٥٨ قال ـ بعد إيراده للحديث ـ : رواه سعيد بن منصور وأبويعلي بسند جيد.
وفي تخريج الأحاديث للزيلعي ١: ٢٩٧ قال ـ بعد إيراده للحديث ـ : (سنده قوي) وكذلك ذكر العلجوني في كشف الخفاء ١: ٢٦٩ بأنّ سنده قوي وذكر العجلوني أيضاً في ٢: ١١٧: (كل أحد أعلم ـ أوأفقه ـ من عمر).
قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن خطب ناهيا عن المغالاة في أصداق النساء، وأن
لا يزدن على أربعمائة درهم، فقالت له امرأة من قريش أما سمعت الله تعالى يقول (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا) رواه أبويعلى في مسنده الكبير عن مسروق، قال: ركب عمر منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صدق النساء ؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصداق بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، فلوكان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أومكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق على أربعمائة درهم.
ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم ؟
قال نعم.
فقالت: أما سمعتَ ما أنزل الله في القرآن ؟
قال: وأي ذلك؟
فقالت: أما سمعت الله يقول (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئًا أَتَأخُذُونَهُ بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا)؟
قال: فقال: اللهم عفواً، كل الناس أفقه من عمر !
ثم رجع فركب المنبر، فقال: يا أيها الناس، إني كنت نهيت أن تزيدوا النساء في صدقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب.
قال أبويعلى: وأظنه قال: >فمن طابت نفسه فليفعل< وسنده جيد.
ورواه البيهقي في سننه بدون مسروق، وقال: إنه منقطع، ولفظه: خطب عمر الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: ألا لا تغالوا في صدق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسيق إليه إلّا جعلت فضل ذلك في بيت المال.
ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، أكتاب الله أحق أن يتبع أوقولك ؟
قال: بل كتاب الله، فما ذاك ؟
قالت: نهيت الرجال آنفا أن يتغالوا في صدق النساء والله يقول في كتابه (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأخُذُوا مِنهُ شَيئًا).
فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر ـ مرتين أوثلاثا ـ .
ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له.
وأخرجه عبد الرزاق عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر، فذكر نحوه، فقامت امرأة فقالت له: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا).
فقال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.
ورواه ابن المنذر بزيادة >قنطارا من ذهب< وهي قراءة ابن مسعود.
ورواه الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبدالله عن جده قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال.
وذكر نحوه بلفظ فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
وللبيهقي بسند جيد لكنه مرسل عن بكير قال: قال عمر: لقد خرجت وأنا أريد أن أنهي عن كثرة مهور النساء حتى نزلت (وَآتَيتُم إِحدَاهُنَّ قِنطَارًا).
وقال: مرسل جيد.
وتقدم أصل الحديث في: >خيركن أيسركن صداقا<.
وكذا تقدم آنفا بلفظ: >كل الناس أفقه منك يا عمر<..

١٠

١١

١٢

١٣
رسول الله(صلى الله عليه وآله) أفقه الناس، بل لا مانع لديهم أن تكون حتى المرأة الجالسة في حجلها أعلم من خليفتهم، وأفقه وأفهم منه.

والفقه هنا بمعنى الفهم في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، وعندنا يشترط في الإمام أن يكون عادلاً معصوماً، وفي مدرسة الخلفاء لا يشترط ذلك، بل عندهم أنّه لوكان الخليفة فاجراً، فاسقاً، يشرب الخمور، ويسفك الدماء، مثل يزيد بن معاوية، فإنّه خليفة واجب الطاعة وأمير المؤمنين عندهم.

فلا فرق عندهم بين البرّ والفاجر، بل كلّ من بيدهِ الحكم والولاية فإنّهُ يصبح خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، سواء كان ظالماً أوعادلاً، جاهلاً أوفاسقاً، عالماً أوجاهلاً.. فلا فرقَ في ذلك، وإنّما العمدة أنّه بيده الحكم، حتى لوأخذ هذا الحكم غصباً؟ ومن هنا بدأت الخلافات بشأن الإمامة.

فإنّ الإمامة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) تعني: القداسة والطهارة، والولاية الإلهية العظمى.

والإمام عندنا هو: اسم الله الأعظم؛ الذي تتجلّى فيه أسماء الله تعالى، ويتجلّى فيه الاسم الأعظم؛ وهو: اسم (الله) سبحانه بتمام أسمائه.

مراتب وأقسام الإمامة: (الإمامة التشريعية والتكوينية)

إنّ الإمامة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) إنّما تتبلور بثلاثة محاور إن صح التعبير، أوبثلاثة مراتب وأقسام؛ لأنّ تعريفها عبارة عن: رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص نيابة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بنص من الله تعالى.

١٤
هذه الرياسة أوالمرجعية أوالإمامة أوالخلافة أوالوصاية أو ـ سمّي ما شئت ـ تارة تكون مرجعية دنيوية، وأسمّيها فعلاً بالمرجعية السياسية والاجتماعية.. وعندنا إمامة أدقّ من هذه المرجعية أيضاً؛ وهي: مرجعية في الدين، وولاية تشريعية، وهي تعني أنّ الإمام المعصوم؛ الذي عِلمهُ لدنّي، وأنّه أفضل وأشرف الخلق من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، هوالحافظ لدين الله، والمروج والمبلغ له، وهوالذي يحفظ الكتاب ويحافظ على خط النبوة من آدم إلى الخاتم.. فهذه مرجعية دينية عندنا، وإمامة تكوينية.

الإمامة التكوينية تعني أنّ الإمام حجّة الله في الخلق، بحيث لولاه لساخت الأرض بأهلها(١)، هذه الإمامة التكوينية يُعتقد بها في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، وقد امتازت هذه المدرسة بها.

إنّ الإمامة أوالولاية التكوينية يمكن تبيينها من باب قاعدة النظام الأحسن؛ لأنّ النظام الأحسن هوالحاكم في الخلق، والله سبحانه وتعالى هوالأحسن والذي يصدر منه الحسن والأحسن، فالنظام الأحسن هوالذي يجعل لكل شيء أماماً.

كلّ شيء في هذا الكون لا بدّ أن يكون لهُ إمام، فالحيوانات لها إمام،

١- ورد في حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: >لوبقيت الأرض يوماً واحداً بلا إمام لساخت الأرض بأهلها، ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه.. إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا بأمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم، ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله تعالى بهم ما شاء وأحبّ< إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٠٤ الحديث (١٤) الباب الحادي والعشرون..

١٥
وكلّ صنف من أصناف الحيوانات وكلّ نوع من أنواع الحيوانات تجد لها إماماً.. الطيور المهاجرة عندما تطير، تطير على شكل مثلّث.. لماذا؟ لأنّ أمامها إمام بالنظام الأحسن، فالكلّ يقتدون بهذا الطائر، فيطيرون على شكل مثلّث عند هجرتهم، وكذلك الغزلان عندما يمشون في الأرض، تجدهم عندما يمشون، لا بدّ أن يكون عندهم إمام يمشي أمامهم.

هذا المعنى حاكم في كلّ الكون، وإمام الكون كُلّه مَنْ لا يكون له إمام، فالكون باعتقادنا يسير بإمامة وهداية هذا الإنسان الكامل التكوينية؛ الذي يكون إمام الكون.

هذا الإمام يكون مظهراً ومرآةً ومجلاً لأسماء الله سبحانه وتعالى؛ التي تتجلّى في الخلق.

إنّ الله تعالى قويّ، فتتجلّى القوّة والقدرة الإلهية في بعض المخلوقات، فتجد بعض المخلوقات قوية قادرة.. والله تعالى عليم، فيتجلّى العلم في بعض الأشياء.. والله تعالى رؤوف، فتتجلّى الرأفة الإلهية في بعض مخلوقاته، وهكذا..

لكن هل هناك من تتجلّى فيه كل الأسماء الإلهية؟

إنّ الأسماء الإلهية لله تعالى؛ التي وصلت إلينا ونعرفها هي: (ألفُ اسم)، وهذه الألف اسم تتجلّى في الاسم الأعظم؛ الذي يجمع كلّ الأسماء، وهو: (الله).

فعندما تقول: يا رازق، يدلّك على رزقه فقط، وعندما تقول: يا عليم،

يا عالم، يا علاّم، يدلّ على علمه فقط، وقولك: يا قادر، يدل على قدرتهِ فقط، أمّا عندما تقول: (يا الله)، يدل على علمه وقدرته ورازقيّته وخالقيته، وكلّ الأسماء الإلهية.. فهل هناك مخلوق في خلق الله سبحانه وتعالى يتجلّى فيه هذا

١٦
الاسم الأعظم؟

نعم؛ هو: الإنسان الكامل.

إنّ الإنسان الكامل يكونُ مظهراً لكل الأسماء الإلهية، وفي مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو: الحقيقة المحمدية(صلى الله عليه وآله) ؛ حسب قوله(صلى الله عليه وآله) : >أوّل ما خلق الله نوري<(١).

هذه الحقيقة المحمّدية، هي التي تسري في كلّ الخلق، ويظهر التوحيد الإلهي من خلال هذه الحقيقة المحمّدية في الخلق؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى غيب الغيب، وغيب الغيب لا اسم له، ولا عنوان له، ولا صفة له، ولا يمكن للبشر أن يصل إلى غيب الغيب، ولا يعلم ما هوإلاّ هوسبحانهُ وتعالى، وحتّى النبي الأعظم مع أنّه في مرتبة >لولاك لما خلقت الأفلاك<(٢)، ومع أنّه مظهر الاسم الأعظم، والإنسان الكامل، لكن مع ذلك عندما يصل إلى الحقيقة الإلهية والذات الإلهية يقول: >ما عرفناك حق معرفتك<(٣).

نعم لا يمكن لأيّ أحد أن يعرف الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه غيب الغيب، بل هوباطن الغيب، فلا يعلم ما هوإلاّ هو، ولكن هذا الغيب يتجلّى في أسمائه؛ طبعاً في غيب الغيب لا اسم ولا مسمّى، ولكن عندما تأتي إلى عالم تجلياتهِ

١- ورد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : (أول ما خلق الله نوري, ففتق منه نور علي, ثم خلق العرش واللوح, والشمس وضوء النهار, ونور الأبصار والعقل والمعرفة).
بحار الأنوار ٥٤: ١٧٠، ح ١١٧ .

٢- إنّ هذا الخبر أخرجه المجلسي في: (بحار الأنوار ٥٧: ١٩٩) عن كتاب (الأنوار لأبي الحسن البكري: ٥), وهومن الأحاديث القدسية المأثورة والمشهورة بين الفريقين.

٣- عوالي اللآلي ٤: ١٣٢.

١٧
فإنّه يتجلّى الاسم ويتجلّى المسمّى، ويتجلّى كل ذلك في الإنسان الكامل، أي: الإمام؛ الذي هومظهر لاسم الله الأعظم.

إنّ الإمام بالمفهوم العام هوأعم من أن يكون نبياً أووصياً، والإمامة بالمعنى العام هي: الإمامة التكوينية؛ التي تعم النبوّة، أمّا الإمامة الخاصة والخلافة الخاصة فإنّها للإمام التكويني، بمعنى أنّه يكون محور كلّ الكائنات؛ لأنّ الكائنات لا بدّ لها من قطب، ولا بدّ لها من محور، ولا بدّ لها من مركز. ومركز العالم كلّه، وقطب العالم كلّه إنّما يكون الإمام؛ الذي هومظهر اسم الله الأعظم.

هذه الإمامة تسمّى بالإمامة التكوينية، وقد يُسأل أيُّ مرتبة من هذه المراتب عند أئمّتنا(عليهم السلام) ، من خلال أحاديثنا؟ والجواب: أنّه لاشك ولا شبهة أنّهم(عليهم السلام) عندهم المراتب الثلاثة، فإنّ الإمام إمامٌ في السياسة وإمامٌ في الشريعة وإمام في التكوين، وله الإمامة التكوينية والإمامة التشريعية والإمامة السياسية.

شبهة وجوابها

وهنا أريدُ أن أدفع شبهة تُثار أخيراً.. يقال: إنّ الإمامية يعتقدون أنّ عليّاً أمير المؤمنين(عليه السلام) هوالأحق بالخلافة من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) . حسن، قبلنا ذلك تنزّلاً، لكن أليس أمير المؤمنين(عليه السلام) ، هوالذي تنازل عن هذا الحق؟ولا تعنينا الأسباب، لكن على كلّ حال تنازل عن هذا الحق، وتنازل عن إمامته وخلافتهِ للأوّل وللثاني وللثالث وفي المرة الرابعة قبِل الخلافة. إذن هوفي ثلاثة أدوار وفي ثلاثة عصور لم يقبل الخلافة، فلماذا تتنازعون معنا

١٨
على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) ؟

نقول في جوابهم: إنّ الإمامة تارة تكون بمعنى رياسة دنيوية وإمامة سياسية.. وهذه الإمامة السياسة إنّما هي عرضية للإمام؛ أي: تعرض على الإمام؛ لأنّها دنيوية، والدنيا كلّها عرَض، الدنيا ليست ذاتية، الدنيا متغيّر وكلّ متغيّر

لا يكونُ ذاتياً؛ لأن الذاتي يكونُ كلّياً، والكلّي لا يقبل التغيّر.

كما أنّ كون الإنسان حيوانٌ ناطق هومن ذاتيات الإنسان؛ لأنّ الحيوانية والناطقية الجنس القريب والفصل القريب، ولا يمكن أن يتخلّى الإنسان عن ذاتياته؛ كأن يكون عندنا إنسان لكن ليس بحيوان، بل مَلك مثلاً.. ذلك مستحيل، أوأن يكون عندنا إنسان يتخلى عن ناطقيته .. لا يمكن ذلك؛ لأنّ الناطقية والحيوانية بالنسبةِ للإنسان من ذاتياته.

ولكن عندنا إنسان يعرض عليه أمر دنيوي كالملابس التي يرتديها، هذه تعتبر عرضية للإنسان؛ لأنّها ليست من جوهريات الإنسان وذاتياته، بل يمكنه أن يتخلّى عن ملابسه؛ لأنّها عرضية وليست ذاتية.

إنّ الإمامة بمعنى الرياسة الدنيوية عرضية بالنسبة لأئمتنا(عليهم السلام) ، وعلى هذا الأساس ولمصالح عامّة وخاصّة، وحفاظاً على بيضة الإسلام، وحفاظاً على أرواح المسلمين آنذاك، وحفظاً على الإسلام من هجوم الإمبراطورية الفارسية والرومية آنذاك، باعتبار أنّ الإسلام كان في بدايته، والناس في بداية إسلامهم، وربما يتزعزعون في إسلامهم .. حفظاً على ذلك كلّه جلس الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بيتهِ خمسة وعشرين عاماً، وتخلّى عن إمامته السياسية؛ التي هي عرضية له.

١٩
فالإمام يمكن أن يتخلّى عن الإمامة السياسية.. لماذا؟ لأنها عرضية له. ولكن هل يصح أن يتخلّى الإمام عن إمامته التشريعية؛ التي هي ذاتية للإمام؟

الإمامة التشريعية والإمامة التكوينية للإمام من ذاتيات الإمام، ويستحيل أنّ الإمام المعصوم يقول يوماً ما: أنا لست حجّة الله.. لماذا؟

لأنّ هذه الحُجية جعلها الله سبحانه وتعالى من ذاتيات إمامته، والذاتي

لا يمكن أن يتخلّف، ولا يمكن أن يتغيّر؛ لأنّ الذاتي من الثوابت وليس من المتغيرات.. الجزئي هوالذي يتغيّر، أمّا الكلي فإنّه لا يتغيّر.

إنّ الكليات يستحيل التغير فيها عقلاً ومنطقاً؛ لذا يمكن للإمام أن يتخلّى عن الإمامة والسلطة السياسية لمصالح عامّة وخاصّة، ولكن ذلك مستحيل بالنسبة للإمامة التشريعية؛ لأنّ الإمام حافظ للشريعة، وكذلك بالنسبة للإمامة التكوينية؛ لأنّ لولا الحجة لساخت الأرض.

فإذا تخلّى أمير المؤمنين(عليه السلام) عن الإمامة السياسية، سواء في العصر الأول والثاني والثالث، أوفي عصر خلافته الظاهرية لمصالح، فإنّه لا يتخلّى عن إمامته التكوينية أبداً.

لماذا يُقال: خلافته الظاهرية؟ لأنه عندنا خلافة باطنية؛ وهي: الإمامة التكوينية، وهي خلافة باطنية بجعل وتكوين من الله تعالى؛ كما في قوله عزّ وجل: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(١)، ليست خلافة دنيوية فقط، وإنّما هي خلافة تكوينية على هذا الكون؛ حيث يدور كلّه حول هذا الخليفة، خليفة الله في الأرض، فيكون حينئذٍ قطباً للعالم.

١- البقرة: ٣٠.

٢٠