الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » من هو أبو بكر؟


م / أمير / استراليا
السؤال: من هو أبو بكر؟
من هو أبو بكر؟ وهل كان ممّن تبع رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟
الجواب:

الاخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسم أبي بكر هو: عبد الله، وقيل: عبد الكعبة، وقد ذكر أهل النسب، وأكثر المحدّثين أنّ اسمه: عتيق(1).
وعلى أية حال فهو: ابن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر(2).

وهناك روايات وردت في كتب أهل السُنّة تشير إلى أنّه أوّل من أسلم، ولكن العلماء المحقّقين ردّوا هذه الدعوى بالتحقيق والبيّنات، ويمكنك مراجعة كتاب (الغدير) للعلاّمة الأميني في الجزء السابع، عن أبي بكر وإسلامه وفضائله، لتتابع هذه التحقيقات بدقّة وشمولية.. وأيضاً يمكنك في الجزء المذكور أن تتابع التحقيق حول فرية الفضائل المنسوبة إليه، وإدراك البعد السياسي لتدوينها، وتسويد الوريقات من أجلها.

وفي روايات الشيعة: أنّه أسلم طمعاً، بعد أن أخبره كهّان الجزيرة بأنّ محمّداً(صلّى الله عليه وآله) سيظهر على كلّ العرب(3)، وخير دليل على ذلك: ما فعله بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله). فمن المعلوم أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كان قد بعثه مع سريّة أُسامة قبل وفاته(4)، وأمره، وجمع من كبار الصحابة، بالخروج من المدينة للقتال مع أُسامة بن زيد، ذلك، وقال قولته المشهورة: (جهّزوا جيش أُسامة، لعن الله من تخلّف عنه)(5)، ولكنّه تخلّف عن السرية وبقي في المدينة، ولم يمتثل لأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، حتّى توفّي النبيّ(صلّى الله عليه وآله).

وجرت أحداث جليلة بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من عقد البيعة له من قبل عمر بن الخطّاب في سقيفة بني ساعدة من دون نص من النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو مشورة للصحابة الكبار، كعليّ(عليه السلام)، والعبّاس عمّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وسلمان، وعمّار، وأبي ذرّ، والمقداد، والزبير، وغيرهم ممّن تخلّفوا عن هذه البيعة ولم يشهدوها..

وأخذه لـ(فدك)، نحلة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) للزهراء(عليها السلام)، حتّى توفّيت الزهراء(سلام الله عليها) وهي واجدة (غاضبة) عليه، كما يذكر البخاري في صحيحه(6).. وقد قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لفاطمة(عليها السلام) في حديث معروف: (إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك)(7)، وقال(صلّى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني)(8).

ومخالفاته الكثيرة للكتاب والسُنّة، كحرقه للحديث ومنع التحديث(9)، وقتله مانعي الزكاة، وتركه إقامة الحدود(10).. إلى غير ذلك من الحقائق والوقائع التي تجعل الرجل في مقام المؤاخذة والسؤال!
وإلى درجة أنّ عمر، وهو أوّل من بايعه، قد استنكر مبايعته، ودعا لقتل من عاد إلى مثل تلك البيعة، كما يذكر البخاري عنه: ((إنّ بيعة أبي بكر فلتة... وقى الله شرّها))(11)، وفي رواية: ((فمن عاد لمثلها فاقتلوه))(12).
ودمتم في رعاية الله

(1) الرياض النضرة في مناقب العشرة 1: 77 القسم الثاني، الباب الأوّل، الفصل الثاني: في ذكر اسمه.
(2) الطبقات الكبرى 3: 169 ترجمة أبو بكر، أُسد الغابة 3: 205 ترجمة عبد الله بن عثمان بن عامر أبو بكر، فتح الباري 7: 7 باب مناقب المهاجرين وفضلهم، الاستيعاب 3: 963 (1633) ترجمة عبد الله بن عثمان أبو بكر.
(3) الاحتجاج 2: 275 احتجاج الحجّة القائم المنتظر المهدي(عجّل الله فرجه).
(4) الطبقات الكبرى 2: 190 سرية أُسامة بن زيد، و4: 66، 68 أُسامة الحبّ بن زيد، تاريخ اليعقوبي 2: 77 الأُمراء على السرايا والجيوش، و2: 113 الوفاة، أنساب الأشراف 1: 474 الحديث (955) موالي رسول الله، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6: 52 خطبة (66)، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 532 الحديث (3) كتاب الفضائل، ما جاء في أُسامة وأبيه، و8: 549 الحديث (16) كتاب المغازي، ما حفظت في غزوة مؤتة، كنز العمّال 10: 570 الحديث (30264)، تاريخ مدينة دمشق 8: 46، 60، 63 (569) أُسامة بن زيد، الكامل في التاريخ 2: 317 أحداث سنة إحدى عشرة، فتح الباري 8: 115 باب بعث النبيّ أُسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه، السيرة الحلبية 3: 227 سرية أُسامة بن زيد بن الحارثة، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والأثر 2: 352 سرية أُسامة بن زيد بن حارثة إلى أبنى.
(5) انظر: الملل والنحل، للشهرستاني 1: 23 المقدّمة الرابعة، الخلاف الثاني، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6: 52 ذيل خطبة (66)، شرح المواقف، للجرجاني 3: 650 الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد السابع، تذييل، نقلاً عن الآمدي.
(6) صحيح البخاري 4: 42 باب فرض الخمس، و 5: 82 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.
(7) انظر: المعجم الكبير، للطبراني 1: 108 الحديث (182) مسند عليّ بن أبي طالب، و 22: 401 مسند النساء، ومن مناقب فاطمة(رضي الله عنها)، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري 3: 154 ذكر مناقب فاطمة، مجمع الزوائد 9: 203 باب مناقب فاطمة بنت النبيّ، الآحاد والمثاني 5: 363 الحديث (2959)، الذرّية الطاهرة، للدولابي: 168 الحديث (226)، كنز العمّال 12: 111 الحديث (34237) عن الديلمي، و الحديث (34238)، و 13: 674 الحديث (37725)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 3: 156 ذكر من اسمه أحمد، باب صفة خلقه ومعرفة خلقه، وغيرها.
(8) صحيح البخاري 4: 210 باب مناقب قرابة رسول اللهّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنقبة فاطمة، و4: 219 باب مناقب فاطمة(رضي الله عنها).
(9) تذكرة الحفّاظ 1: 2، 5 أبو بكر الصدّيق، الرياض النضرة في مناقب العشرة 1: 199 القسم الثاني، الباب الأوّل، الفصل (12) ذكر ورعه.
(10) تاريخ خليفة بن خيّاط: 67 ــ 69 الردّة، الثقات، لابن حبّان 2: 169 استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة، أُسد الغابة 3: 295 مالك بن نويرة، تاريخ اليعقوبي 2: 131 أيام أبي بكر، تاريخ الطبري 2: 503 السنة الحادية عشرة من الهجرة، الفتوح، لابن أعثم 1: 18 مسير خالد إلى مالك بن النويرة.
(11) صحيح البخاري 8: 25، 26 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(12) انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 158 أيّام عمر بن الخطّاب.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » كان عابداً للأصنام


عبد الله الزيدي / العراق
السؤال: كان عابداً للأصنام
هل أنّ أبا بكر بن أبي قحافة كان قبل إسلامه يعبد الأصنام، أم أنّه كان موحّداً كما يزعم البعض؟
مع المصادر
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ شرك أبي بكر - وكذا عمر وعثمان - وعبادته للأصنام قبل إسلامه لا يحتاج إلى دليل، فإنّه من المسلّمات القطعية عند أتباعه فضلاً عن الشيعة، وقد أقرّ به جميع علمائهم ولم يتمكّنوا من إنكاره أمام خصومهم من الشيعة عند الجدل والمناظرة وفي كتب العقائد.. كيف وأنّه أسلم في حدود الأربعين، ولم يكن متحنّفاً قطعاً، فإنّ أسماء المتحنّفين معروفة وهو ليس منهم، ولم يكن على الديانة اليهودية أو النصرانية، فلم يبق إلاّ الشرك.
بل حتّى من وضع الروايات في فضله وسبق إسلامه من أتباعه، وضعها وهو يقرّ في نفسه أنّه كان يعبد الأصنام قبل الإسلام.

ففي سيرة ابن إسحاق (السير والمغازي): ((نا أحمد، قال: نا يونس، عن ابن إسحاق، قال: ثم إنّ أبا بكر لقي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: أحقّ ما تقول قريش يا محمّد من تركك آلهتنا وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آبائنا؟ فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم: يا أبا بكر! إنّي رسول الله ونبيّه، بعثني لأبلّغ رسالته، فأدعوك إلى الله بالحقّ، فوالله، إنّه للحقّ! وأدعوك إلى الله يا أبا بكر وحده لا شريك له ولا يعبد غيره، والموالاة على طاعة أهل طاعته، وقرأ عليه القرآن، فلم يقرّ ولم ينكر، وأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقرّ بحقّ الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدّق))(1).
بل لم يستطع إنكاره حتّى ابن تيمية (ت728هـ)، فضلاً عمّن سبقه، كالجصّاص (ت370هـ)، والقاضي عبد الجبّار (415هـ)، والفخر الرازي (ت606هـ)، ومن تأخّر عنه كأبي حيّان الأندلسي (ت745هـ)، والقوشجي (ت879هـ)، عند محاولتهم ردّ استدلال الشيعة بقوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)(2)، حيث قال العلاّمة في (منهاج الكرامة) عند عرضه للأدلّة الدالّة على بطلان إمامة غير عليّ(عليه السلام): ((الخامس: قوله تعالى: (( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ))، أخبر بأنّ عهد الإمامة لا يصل إلى الظالم والكافر، لقوله تعالى: (( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) (البقرة:254)، ولا شكّ في أنّ الثلاثة كانوا كفّاراً يعبدون الأصنام إلى أن ظهر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ))(3).
فأجابه ابن تيمية في (منهاجه) بسبعة وجوه، لم يذكر في واحدٍ منها أنّ المتقدّمين ومنهم أبو بكر لم يكونوا كافرين، ونحن نورد وجوهه على وجه الاختصار للتنبيه، فقال:
((أحدها: أن يقال: الكفر الذي يعقبه الإيمان الصحيح لم يبق على صاحبه منه ذمّ...
الثاني: أنّه ليس كلّ من وُلد على الإسلام بأفضل ممّن أسلم بنفسه...
الثالث: أن يقال قبل أن يبعث الله محمّداً(صلّى الله عليه وسلّم) لم يكن أحد مؤمناً من قريش...
الرابع: أنّ أسماء الذمّ: كالكفر، والظلم، والفسق، التي في القرآن لا تتناول إلاّ من كان مقيماً على ذلك...
الخامس: أنّ من قال: إنّ المسلم بعد إيمانه كافر، فهو كافر بإجماع المسلمين...
السادس: أنّه قال لموسى: (( إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ )) (النمل:10-11)...
السابع: ... أخبر الله عن جنس الإنسان أنّه ظلوم جهول، ونصوص الكتاب صريحة في أنّ كلّ بني آدم لا بدّ أن يتوب...))(4).
حتّى أنّه لوضوح إقراره بكفرهم، وعدم استطاعته إنكاره، حاول أن ينسب الظلم للأنبياء والمرسلين - كما في الوجه السادس والسابع - ليبرئ أصحابه ويساويهم بهم من هذه الجهة!

وقد روى ابن المغازلي (ت483هـ) في (المناقب) عن أبي محمّد الحسن بن أحمد بن موسى الغَنْدَجانيّ(5)، والحاكم الحسكاني (ق5هـ) في (شواهد التنزيل) عن أبي نصر عبد الرحمن بن علي بن محمّد البزّاز من أصل سماعه(6)، قال كلاهما - واللفظ للحسكاني - : ((أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمّد بن جعفر ببغداد، قال: حدّثنا أبو القاسم إسماعيل بن علي الخزاعي، قال: حدّثني أبي، وإسحاق بن إبراهيم الدبري، قالا: حدّثنا عبد الرزّاق، قال: حدّثنا أبي، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (أنا دعوة أبي إبراهيم). قلنا: يا رسول الله! وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: (أوحى الله عزّ وجلّ إلى إبراهيم أنّي جاعلك للناس إماماً. فاستخفّ إبراهيم الفرح، فقال: يا ربّ! ومن ذرّيتي أئمّة مثلي؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أنّ يا إبراهيم إنّي لا أعطيك عهداً لا أفي لك به. قال: يا ربّ! ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيتك. قال: يا ربّ! ومن الظالم من ولدي الذي لا يناله عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماماً أبداً، ولا يصلح أن يكون إماماً. قال إبراهيم عندها: (( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ )) (إبراهيم:35-36)، قال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): فانتهت الدعوة إليَّ وإلى أخي عليّ، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني الله نبيّاً، وعليّاً وصيّاً)).
وهو دالّ بالالتزام على أنّ من تقدّم بالخلافة على عليّ(عليه السلام) قد سجد لصنم فلا يستحقّ أن يكون خليفة.
ومثله إجماعهم واتّفاقهم على إفراد عليّ(عليه السلام) عن جميع الصحابة بقولهم: ((كرّم الله وجهه))، لأنّه لم يسجد لصنم قطّ، فلو كان الآخرين مثله لما صحّ اختصاصه بهذا.

وقد نصّ علمائنا الأعلام بالاتّفاق على أنّ الذين تقدّموا على أمير المؤمنين(عليه السلام) كانوا كفّاراً عاكفين على أصنامهم قبل الإسلام.
فقال الشيخ المفيد في (الإفصاح): ((وقد اتّفقت الكافّة على أنّ أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد وسعيداً، وأبا عبيدة، وعبد الرحمن، قد عبدوا قبل بعثة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الأصنام، وكانوا دهراً طويلاً يسجدون للأوثان))(7).
وفي (الصراط المستقيم)، قال: ((أقام أبو بكر يعبد الأصنام ونبت لحمه على ما ذبح على النصب والأزلام، وغير ذلك من شرب الخمور وأعمال الجاهلية والفجور))(8).
في (كتاب الأربعين) لمحمّد طاهر القمّي الشيرازي، قال: ((وأمّا أبا بكر فإنّه كان لقبه عبد اللات، وكان يخدمها، وكان عاكفاً على عبادتها والسجود لها أربعين سنة، وكان خيّاطاً، فأظهر الإسلام، فسمّاه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عبد الله، وكان اسمه في الجاهلية عتيقاً، لأنّه كان قديم الهجرة في خدمة الأصنام، وكان يطليها بالدهن، ويطلي بفصيلتها حتّى اسودّ، فسُمّي عتيقاً))(9).
ودمتم برعاية الله
(1) سيرة ابن إسحاق/السير والمغازي 2: 120 إسلام أبي بكر الصدّيق، وانظر: السيرة النبوية، لابن هشام 1: 432 فصل في ذكر أوّل من أسلم، دلائل النبوّة، للبيهقي 2: 163 باب من تقدّم إسلامه من الصحابة، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 30: 35 ترجمة أبي بكر، البداية والنهاية 3: 37 فصل أوّل من أسلم من متقدّمي الإسلام والصحابة.
(2) انظر: أحكام القرآن 1: 87 من سورة البقرة الآية، المغني، للقاضي عبد الجبّار ج2 ق1: 194 فصل في أنّ النصّ على الإمامة غير واجب ولا ثابت من جهة السمع، تفسير الرازي 4: 45 تفسير الآية، تفسير المحيط 1: 549 سورة البقرة، شرح تجريد الاعتقاد، للقوشجي: 371 المقصد الخامس في الإمامة.
(3) منهاج الكرامة: 180 الفصل الخامس، الخامس.
(4) منهاج السُنّة 8: 283 ــ 287 الفصل الخامس، فصل: قول الرافضي: الخامس قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين).
(5) مناقب علي بن أبي طالب: 224 الحديث (291).
(6) شواهد التنزيل 1: 411 الحديث (435).
(7) الإفصاح: 146.
(8) الصراط المستقيم 2: 72 الباب 9، فصل 12.
(9) كتاب الأربعين: 532.

عبد الله / الكويت
تعليق على الجواب (1)
هل توجد في مصادر أهل السنة عبادته للأصنام
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ارشاد الساري للقسطلاني عن ابي هريرة انه قال : اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : وعيشك يا رسول الله ! إني لم أسجد لصنم قط فغضب عمر بن الخطاب وقال : تقول :
وعيشك يا رسول الله ! إني لم أسجد لصنم قط . وكنت في الجاهلية كذا وكذا ؟ رواه القسطلاني في ( إرشاد الساري ) ( 6 / 187 ).
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ليس هو أوّل من أسلم من الشيوخ


ابو غسان / كندا
السؤال: ليس هو أوّل من أسلم من الشيوخ
كيف نردّ على قول إخواننا السُنّة: إنّ أبا بكر (أوّل من آمن من الشيوخ)؟
الجواب:
الأخ أبا غسان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: لم يثبت أنّ أوّل من أسلم هو أبو بكر، بل الوارد في روايات كثيرة تعسر عن الحصر خلاف ذلك!
منها: ما رواه الطبري في تاريخه بسندٍ صحيح: ((عن ابن سعد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟ قال: لا. ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاماً))(1).
وهذا يعني أنّه أسلم بعد فترة الدعوة السرّية التي استمرّت ثلاث سنوات على أقلّ التقادير، وانتهت بالخروج من دار الأرقم، فإنّ المسلمين كانوا أربعين في ذلك الوقت، وبالتالي لم يكن أوّل من أسلم حتّى من الرجال كما يدّعون!

والمتابع لذكر المناقب والفضائل التي صرّح بها عمر في ترشيحه لأبي بكر في بيعة السقيفة، أنّه لم يذكر هذه المنقبة! فإنّها لو كانت صحيحة وواقعية لكان الاحتجاج بها أمضى من السكّين في الجزور، إلاّ أنّها لم تذكر، ولم يُشر إليها، لعدم واقعيّتها ووجودها.
ثمّ إنّه لا يهم عند الدخول في الإسلام كون الداخل شيخاً كان أم كهلاً أو شاباً، فإنّ ذلك لا تأثير له، وإنّما الغاية بالسبق لا بالعمر.

ثانياً: حتّى لو سُلّم أنّه أوّل من أسلم من الشيوخ أو الرجال، فإنّ الأُمور بخواتيمها، وأن لا يلبس الإنسان إيمانه بظلم، ونحن نعتقد أنّ قبوله لتسنّم منصب الخلافة مع وجود النصّ من الله تعالى ورسوله(صلّى الله عليه وآله) على عليّ(عليه السلام) ظلم لنفسه، وللدين وللمسلمين.
ودمتم في رعاية الله
(1) تاريخ الطبري 2: 60 ذكر من قال أنّه أسلم قبل أبي بكر جماعة.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » سابقته وفضيلته لا أصل لها


عقبة / الجزائر
السؤال: سابقته وفضيلته لا أصل لها
ألا تعتبر سابقة أبي بكر في الإسلام، وهجرته مع النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، ونزول آية على ذلك، دليلاً على إيمانه؟
الجواب:
الأخ عقبة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: لم يثبت تقدّم إسلام أبي بكر على غيره كما يزعم ذلك أتباعه من أهل السُنّة! فالثابت عندنا وعند كثير من المخالفين أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو أوّل الصحابة إسلاماً(1).
ففي الحديث الصحيح أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة(عليها السلام): (أو ما ترضين أنّي زوّجتك أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً)(2).
ونقل عنه(عليه السلام) أقوال كثيرة في أنّه(عليه السلام) أوّل من أسلم، وأوّل من صلّى؛ منها: قوله(عليه السلام): (أنا الصدّيق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم)(3).
وقد ورد عن سعد بن أبي وقّاص: أنّ أبا بكر أسلم بعد أكثر من خمسين(4)، ومنه يعرف أنّه لم يكن من السابقين.

ثانياً: أمّا نزول آية الغار، فإنّ المعنيّ بها رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، لأنّ الضمائر كلّها تعود عليه، حتّى عندما يأتي ذكر (صاحبه) فيها، فإنّ ذكره - لو كان المقصود أبو بكر - كان مبهماً، وإنّما عرّفه بالإضافة إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كونه معه في الغار، والمداليل المفهومة من الآية لا تدلّ على إثبات إيمان الصاحب، أو فضله، أو تفضيله، بل التأمّل فيها لا يثبت أكثر من أنّ أبا بكر كان مجرّد صاحب طريق للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وأنّه كان خائفاً على نفسه.
ونزول السكينة كان على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) دونه، ونهي النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له عن الحزن دليل على أنّ حزنه لم يكن لأجل النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وإلاّ لما نهاه (صلّى الله عليه وآله).
إذ أنّ الحزن على النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو على أمر الدين أمر راجح شرعاً، فالنهي عنه نهي عن الراجح المستحبّ، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى عن الخير أو الطاعة، فثبت أنّ حزنه لم يكن لأمر الدين، فلم يبق إلاّ حزنه على نفسه.

ولقد أجاد الشيخ المفيد (رحمه الله) في جواب استدلالهم بهذه الآية، والذي أوردناه مع تفصيل منّا ضمن الأجوبة التي حملت العناوين التالية: (أبو بكر/ هل تعدّ المعية فضيلة، وصحبته للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم تكن بطلب منه، الصحبة لا تعدّ فضيلة له، وعلّة اصطحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له في الهجرة، والسكينة لم تنزل عليه)، وغيرها.
ودمتم في رعاية الله
(1) الإصابة 4: 464 (5704).
(2) مسند أحمد بن حنبل 5: 26 حديث معقل بن يسار، المصنّف لعبد الرزّاق 5: 490 الحديث (9783) تزويج فاطمة، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 505 الحديث (68) فضائل عليّ بن أبي طالب، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1: 108 الحديث (122)، تاريخ مدينة دمشق 42: 132 ترجمة الإمام عليّ.
(3) الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم الضحّاك 1: 151 الحديث (186)، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 122 (56) فصل فيما قيل من سبق عليّ إلى الإسلام، و 13: 200 (238) ذكر ما كان من صلة عليّ برسول الله في صغره، أنساب الأشراف 2: 146 الحديث (146) ترجمة أمير المؤمنين(عليه السلام)، المعارف: 169 أخبار أبي بكر الصدّيق، الرياض النضرة 3: 110 الباب الرابع في مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
(4) تاريخ الطبري 2: 60 ذكر من قال أنّه أسلم قبل أبي بكر جماعة.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » إنفاق أبي بكر


عبد الله / المغرب
السؤال: إنفاق أبي بكر
كيف نوفّق بين كون الأوّل كان من أوائل الذين دخلوا الإسلام، أي: لم يكن هناك ما يطمع به سوى إسلامه، بل يقال: إنّه أنفق على شراء بعض المسلمين لإنقاذهم من عذاب أسيادهم، وبين ما نعتقده فيه؟
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ مسألة شراء العبيد وإطلاقهم وإنقاذهم من العذاب من قبل أبي بكر بعيدة عن الواقع! فلم يثبت بأنّ أبا بكر كان من الأثرياء، أو المنفقين، كما ثبت ذلك لخديجة(رضي الله عنها)(1)، وإنّما كان أبو بكر معلّماً للصبيان في الجاهلية، كما ذكر ذلك الشيخ المفيد والسيّد المرتضى(قدّس سرّهما)(2)، وكان خيّاطاً، أو بزّازاً على أفضل التقادير في الإسلام، كما يروى عند أهل السُنّة(3).

نعم، روى عروة بن الزبير شراؤه لبلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهما(4)، وعروة لا يصدّق في هذا، فهو يجرّ النار إلى قرصه. وروي في مقابله أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هو الذي اشتراهما(5)! وروي عن مجاهد: أنّ المشركين ملّوا بلالاً فتركوه(6).
وكذلك روي - إنّ صحّة الرواية - تحكّمه في بلال إلى ما بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ومنعه من الخروج من المدينة، لأنّ بلالاً لم يستطع العيش فيها وهي خالية من رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فقال له بلال: ((إن كنت إنّما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنّما اشتريتني لله فدعني وعمل الله))، كما رواه البخاري وغيره(7). وفيه نكتة تبيّن عدم عتقه لبلال حتّى وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! فأين عتقه للعبيد؟!!

وأمّا البقية الذين يدّعون أنّ أبا بكر أعتقهم فلم يثبت لهم وجود خارجي خاصّة زنّيرة(8).
وأمّا سبقه للإسلام، فقد أجاب عنه أئمّتنا(عليهم السلام) بأنّه لم يدخل مختاراً ولا مكرهاً، وإنّما دخل طمعاً لما سمعه من الكهنة عن ملك رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وتسلّطه على العرب، كما ذكرنا ذلك سابقاً؛ فراجع.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: سيرة ابن إسحاق 2: 59 (58)، السيرة النبوية، لابن هشام 1: 121 حديث تزويج رسول الله(صلّّى الله عليه وآله) خديجة(رضي الله عنها).
(2) الإفصاح: 176 مسألة أُخرى: ردّ ادّعاء نزول آية: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ...)، و214 مسألة: الكلام حول إنفاق أبي بكر ومواساته لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) بماله، الشافي في الإمامة 4: 25 فصل في اعتراض كلامّه في أنّ أبا بكر يصحّ للإمامة، وانظر: التعجّب من أغلاط العامّة: 126 الفصل الخامس عشر.
(3) انظر: تاريخ مدينة دمشق 30: 321 ترجمة أبي بكر، كنز العمّال 4: 33 الحديث (9360)، طبقات ابن سعد 3: 184 ذكر بيعة الصديق، الأعلاق النفيسة: 215 ذكر صناعات الأشراف وأديان العرب في الجاهلية وأصحاب المذاهب في الإسلام، المعارف، لابن قتيبة: 575 صناعات الأشراف، البصائر والذخائر، لأبي جبّان التوحيدي 5: 42 (145)، مفيد العلوم ومبيد الهموم: 481 كتاب في التواريخ، الباب الرابع عشر في صناعة الأشراف.
(4) سيرة ابن إسحاق 3: 171 الحديث (236)، سيرة ابن هشام 1: 210 ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممّن أسلم بالأذى والفتنة، تاريخ مدينة دمشق 30: 67 ترجمة أبي بكر.
(5) رواه الإسكافي كما في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 13: 273 خطبة (238) القول في إسلام أبي بكر وعليّ وخصائص كلّ منهما.
(6) الدرر في اختصار المغازي والسير، لابن عبد البرّ: 42، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 10: 181 سورة النحل الآية (106).
(7) صحيح البخاري 4: 217، المعجم الكبير، للطبراني 1: 337 الحديث (1010)، الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 238.
(8) انظر: الروض الأنف 2: 78 بحث الإكراه على الكفر وعلى المعصية.

خالد منصر / اليمن
تعليق على الجواب (2)
إذا كان ما تقولون من عدم إعتاق الصدّيق للعبيد من المسلمين، ففي من نزل قوله تعالى: (( وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعمَةٍ تُجزَى * إِلاَّ ابتِغَاءَ وَجهِ رَبِّهِ الأَعلَى * وَلَسَوفَ يَرضَى )) (الليل:19-21)؟ ثمّ من أعتق بلال(رضي الله عنه)؟
أين الأمانة العلمية! أنتم كمن ينكر الشمس.. أنا وصلت إلى قناعة أنّه لو قدر بأنّ الإمام عليّ تولّى الخلافة بعد الرسول، لكنتم شيعة لأبي بكر، تبحثون عن مبرّر لطعن الإسلام فقط..
الجواب:
الأخ محمد المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ خبر إعتاقه العبيد ونزول الآيات فيه يرجع إلى كذبه كذبها عبد الله بن الزبير على المنبر! ثمّ رواها عنه الكذّابون والضعفاء، ثمّ أخذها المفسّرون وصدّقوا بها، لمّا وافقت هواهم في أبي بكر.
وقبل الولوج في البحث الروائي، لا بدّ أن يعلم: أنّ عبد الله بن الزبير ولد بالمدينة عام الهجرة(1)، بالتالي أنّه لم يكن حاضراً في الواقعة التي يذكرها، بل ولا مولود بعد!!

والخبر رواه كلّ من البزّار في مسنده(2)، والطبري في (جامع البيان)(3)، والآجري في (الشريعة)(4)، وابن عساكر في تاريخه(5)، وابن عدي في (الكامل)(6)، بطرقهم عن بشر بن السري، عن مصعب بن ثابت، عن عمّه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير.
ورواه كلّ من ابن إسحاق(7)، والحاكم النيسابوري(8)، والطبري(9)، والواحدي(10)، وابن عساكر(11)، بطرقهم عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير كما عند الحاكم، وعن بعض أهلي عند الآخرين.
ورواه الثعلبي في تفسيره بطريقه، عن سفيان، عن عتبة، عن من سمع ابن الزبير(12). ونقله مرسلاً الواحدي في (أسباب النزول)(13).
ورواه الثعلبي أيضاً بطريقين عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن عروة(14).
وذكره السيوطي في (الدرّ المنثور) عن ابن أبي حاتم، عن عروة(15)؛ ولكنّه ذكر في رسالته (الحبل الوثيق) سنداً عند ابن أبي حاتم في تفسيره إلى عروة، قال: ((وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: ثنا أبي، ثنا محمّد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه... الخ))(16).. ومن الراجح أنّ عروة أخذه من أخيه عبد الله بن الزبير، فهو أيضاً غير معاصر للواقعة! إذا لم يكن الاثنان أخذاه عن خالتهما عائشة.
ولا يخرج عن هذا ما رواه الطبري عن قتادة مرسلاً(17)، وأخرجه السيوطي عن عبد بن حميد، وابن منذر أيضاً(18)، وفي سنده سعيد بن بشر روى عن قتادة المناكير، قاله ابن نمير والساجي(19)، وقتادة نفسه مدلّساً(20)، إذا لم يكن أخذه من سعيد بن المسيّب، وهو ما رواه الثعلبي والبغوي عن سعيد بن المسيّب مرسلاً(21).

وأمّا ما نسبوه إلى عبد الله بن مسعود، كما رواه السمرقندي بطريقه إلى منصور بن مزاحم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود(22)؛ ورواه الواحدي، وابن عساكر، بطريقهما عن منصور بن مزاحم، عن ابن أبي وضّاح، عن يونس، عن ابن إسحاق، عن عبد الله(23)، ففيه أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وهو لم يسمع من ابن مسعود، فابن مسعود توفّي سنة (32هـ)(24)، وأبو إسحاق ولد فيها أو قبلها ببضع سنين(25)، وقد كان مدلّساً(26). فهو دلّسه بلا ريب عن ابن مسعود، وإنّما رواه عن عبد الله، كما في سند الواحدي، وابن عساكر، وهو عبد الله بن الزبير كما عرفت سابقاً.
وبقي ما رووه مرسلاً عن عطاء والضحّاك عن ابن عبّاس، فقد رواه الثعلبي(27)، والواحدي(28)، وابن الجوزي(29)، وغيرهم عن عطاء، ورواه القرطبي عن عطاء والضحّاك(30)، وفيه إضافة إلى إرساله أنّ الضحّاك لم يلق ابن عبّاس، وأنّ عطاء روى عن ابن عبّاس سبب نزول آخر سيأتي، وما في متنها من أنّ مالك بلال هو عبد الله بن جدعان، وهو خلاف المشهور من أنّ مالكه كان أُميّة بن خلف.
وأيضاً ما رواه ابن عساكر بطرقه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس(31)، ونقله السيوطي عن عبد بن حميد وابن مردويه عن الكلبي أيضاً(32)، ولكنّه - مع ضعفه بالكلبي - فيه أنّها نزلت في أبي بكر وأبو سفيان بن حرب! وهو خلاف المعروف المشهور من أنّه أُميّة بن خلف، وقد روي عن عكرمة عن ابن عبّاس سبب نزول آخر، وسيأتي.
فانحصر مخرج الرواية بآل الزبير، وبالأصحّ بعبد الله بن الزبير، ادّعى ذلك على المنبر، ولكنّه! لم يدّع ذلك مباشرة أوّل الأمر، بل ترقّى على مرور الزمان إلى أن قالها على المنبر..

ففي رواية الحاكم عن طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: أنّه لمّا عاتب أبو قحافة أبا بكر على عتقه للضعاف، قال أبو بكر: ((يا أبت! إنّي إنّما أريد ما أُريد لمّا نزلت هذه الآيات فيه: (( فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى... )) (الليل:5) الخ))، وهي صريحة في أنّ أبا بكر يريد أن يكون من مصاديق الآيات، لا أنّ الآيات نزلت فيه. ولكن في رواية البزّار عن طريق عامر، عن أبيه أيضاً، ذكر صريحاً أنّ الآيات نزلت في أبي بكر. وفي الثعلبي عن طريق سفيان، عن عتبة، قال: حدّثني من سمع ابن الزبير على المنبر وهو يقول...الخ، وفيها أنّه كان يدّعي أنّ الآيات نزلت في أبي بكر، وظاهرها أنّ دعواه كانت في آخر حياته، لأنّه كان يصعد المنبر وقت ادّعاءه للخلافة في مكّة.
وأراد عامر بن عبد الله بن الزبير أن يستر على كذبة أبيه، فنسب القول بنزولها في أبي بكر إلى من حدّثه من أهله، ولم يذكر أبيه(33).
وفي قبال ما ادّعاه ابن الزبير، هناك روايات تشير إلى شأن نزول آخر:

فقد روى الثعلبي بسنده عن عطاء: أنّها نزلت بحقّ أبو الدحداح لمّا اشترى العذق الذي بخل به صاحبه بعذق في الجنّة(34)؛ ونقله ابن عطية الأندلسي عن السدّي مرسلاً(35).
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّها نزلت في رجل اشترى العذق(36)؛ وعند الواحدي بنفس السند: إنّ الرجل هو أبو الدحداح(37).

ولهذا نرى الشهيد نور الله التستري يقول في (الصوارم المهرقة):
((إنّا لا نسلّم صحّة الرواية في شأن أبي بكر، فضلاً عن الإجماع عليه، والسند ما ذكره بعضهم أنّها نزلت في حقّ أبي الدحداح، وقد روى هذا أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الموسوم بـ(أسباب النزول)، بإسناده المرفوع إلى عكرمة، وابن عبّاس: أنّ رجلاً في عهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير، وصاحب النخلة يصعد ليأخذ منها التمر، فربّما سقطت تمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتّى يأخذ التمر من أيديهم، فإن وجدها في فيّ أحدهم أدخل إصبعه في فيه.
فشكا الفقير إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ممّا يلقى من صاحب النخلة.
فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (اذهب)، ولقي النبيّ(صلّى الله عليه وآله) صاحب النخلة، وقال: (أعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنّة).
فقال الرجل للنبيّ(صلّى الله عليه وآله): إنّ لي نخلاً كثيراً، وما فيها نخلة أعجب إليَّ تمرة منها، فكيف أعطيك! ثمّ ذهب الرجل في شغله.
فقال رجل كان يسمع كلام النبيّ(صلّى الله عليه وآله): أتعطيني ما أعطيت، أعني النخلة التي في الجنّة إن أنا أخذتها؟
فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (نعم).
فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه، فقال: تعرف أنّ محمّداً أعطاني نخلة في الجنّة، فقلت له: يعجبني تمرها، وأنّ لي نخلاً كثيراً، وما فيه كلّه نخلة أعجب إليَّ تمراً منها؟
فقال الرجل لصاحب النخلة: أتريد بيعها؟ قال: لا، إلاّ أن أعطى ما لا أظنّه أعطى، قال: فما مُناك؟ قال: أربعون نخلة؟
فقال الرجل لصاحب النخلة: لقد جئت بعظيم؟ تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة؟! ثمّ قال الرجل: أنا أعطيك أربعين نخلة.
فقال صاحب النخلة: اشهد لي إن كنت صادقاً، فمرّ الرجل على أُناس ودعاهم وأشهد لصاحب النخلة.
ثمّ ذهب إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وقال: يا رسول الله! إنّ النخلة صارت في ملكي فهي لك، فذهب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إلى الفقير، وقال له: (النخلة لك ولعيالك)، فأنزل الله تعالى: (( وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى... )) (الليل:1) السورة.

وعن عطاء، أنّه قال اسم الرجل أبو الدحداح، (( فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى )): هو أبو الدحداح، (( وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى )) (الليل:8): صاحب النخلة، وهو سمرة بن جندب، وقوله: (( لاَ يَصلاَهَا إِلاَّ الأَشقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى )) (الليل:15-16) ، المراد به صاحب النخلة، وقوله: (( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتقَى )) (الليل:17)، هو: أبو الدحداح.
ولا يخفى أنّ مع وجود هذه الرواية [يكون] ادّعاء نزوله في أبي بكر، ثمّ حصر نزوله فيه يكون باطلاً، مع ما لا يخفى من شدّة ارتباط هذه الرواية بمتن الآية بخلاف ما روي أنّه نزل في شأن أبي بكر حين اشترى جماعة يؤذيهم المشركون فأعتقهم في الله تعالى، إذ لا يقال لمن يؤذي عبده أنّه بخيل، ولا أنّه كذّب وتولّى؛ فتدبّر!))(38).
وقد ورد عندنا خبر صحيح: أنّه نزلت في أبي الدحداح، روى ذلك الحميري عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) في (قرب الإسناد)(39)، ونقله مرسلاً علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره(40).
ودمتم برعاية الله
(1) انظر: الإصابة، لابن حجر 4: 78 (4700) عبد الله بن الزبير.
(2) مسند البزّار 6: 168 الحديث (2209).
(3) جامع البيان 30: 287 الحديث (29033).
(4) الشريعة 4: 1826 الحديث (1289).
(5) تاريخ مدينة دمشق 30: 69 - 71 ترجمة أبي بكر.
(6) الكامل 6: 361 (1842) ترجمة مصعب بن ثابت.
(7) السيرة النبوية، لابن هشام 1: 211 قصّة تعذيب بلال.
(8) المستدرك على الصحيحين 2: 525 تفسير سورة الليل.
(9) جامع البيان 30: 279 الحديث (29011).
(10) أسباب النزول: 300 سورة الليل.
(11) تاريخ مدينة دمشق 30: 69 ترجمة أبي بكر.
(12) الكشف والبيان 10: 219 سورة الليل.
(13) أسباب النزول: 301 سورة الليل.
(14) الكشف والبيان 10: 219 سورة الليل.
(15) الدرّ المنثور 6: 358 سورة الليل.
(16) الحبل الوثيق: الفصل الأوّل، وانظر: نقض رسالة الحبل الوثيق: 9.
(17) جامع البيان 30: 287 الحديث (29034).
(18) الدرّ المنثور 6: 360 سورة الليل.
(19) تهذيب التهذيب 4: 9 (11).
(20) تذكرة الحفّاظ 1: 123 (107).
(21) الكشف والبيان 10: 218 سورة الليل، معالم التنزيل 4: 497 سورة الليل.
(22) تفسير السمرقندي 3: 564 سورة الليل.
(23) أسباب النزول: 300 سورة الليل، تاريخ مدينة دمشق 30: 68 ترجمة أبي بكر.
(24) الطبقات الكبرى 3: 159 الطبقة الأولى عبد الله بن مسعود.
(25) التاريخ الكبير 6: 347 (2594)، الثقات، لابن حبّان 5: 177 ممّن روى عن الصحابة، باب العين.
(26) تهذيب التهذيب 8: 59 (100).
(27) الكشف والبيان 10: 220 سورة الليل.
(28) أسباب النزول: 301 سورة الليل.
(29) زاد المسير 8: 265 سورة الليل.
(30) الجامع لأحكام القرآن 20: 88 سورة الليل.
(31) تاريخ مدينة دمشق 30: 69 - 70 ترجمة أبي بكر.
(32) الدرّ المنثور 6: 358 سورة الليل.
(33) انظر: تفسير ابن جرير الطبري 30: 279 الحديث (29011).
(34) الكشف والبيان 10: 220 سورة الليل.
(35) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 5: 491 سورة الليل.
(36) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 4: 555 تفسير سورة الليل.
(37) أسباب النزول: 299 سورة الليل.
(38) الصوارم المهرقة: 302 - 303 الجواب على ما ادّعاه ابن حجر من نزول آيات في أبي بكر.
(39) قرب الإسناد: 356 الحديث (1273).
(40) تفسير القمّي 2: 425 سورة الليل.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لم يكن ثرياً


محمد علي الشحي / الامارات
السؤال: لم يكن ثرياً
فيمن نزلت الآية: (( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتقَى * الَّذِي يُؤتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى )) (الليل:4)؟
الجواب:
الأخ محمّد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الآيتين في مجال بيان أن نتيجة التقوى ومزاولتها اجتناب النار وعذابها، فهي مطلقة بمنطوقها، وإن اختلفت الآراء في تأويلها وتطبيقها.

أمّا السُنّة فعلى رأيين في شأن نزولها, إذ أكثر مفسّريهم يرى أنّها نزلت في أبي بكر, وبعضهم يذكر بأنّ مورد نزولها كان أبا الدحداح(1). والقولين يرجعان إلى روايتين: الأُولى: عن عبد الله بن الزبير، والثانية: عن ابن عبّاس، وقد فصّلنا القول فيهما في سؤال إنفاق أبي بكر؛ فراجع!

وأمّا الشيعة فلا ترى صحّة نزولها في حقّ أبي بكر لما يلي:
أوّلاً: إنّ الروايات المزعومة - رواية ابن الزبير ومراسيل غيره في أبي بكر - متعارضة مع الأحاديث الواردة التي تفيد أنّها نزلت في معنى عام، وخاصّة ما روي عن عليّ(عليه السلام) بخبر صحيح عندهم(2), أو التي تشير بأنّ شأن النزول كان في أبي الدحداح.

ثانياً: إنّ القول بثروة أبي بكر قول بلا دليل! بل تردّه القرائن والأدلّة الحافّة بالموضوع، فمثلاً أنّ أباه - أبا قحافة - كان شديد الفقر، حتّى كان يؤجّر نفسه للناس في أُمور خسيسة ليشبع بطنه(3), فهل يعقل وجود هذه الحالة مع ثراء الابن؟! أليس الأُولى للولد أن يكون بارّاً بأبيه قبل الآخرين؟!

وأيضاً فإنّ التقوّل بإغناء رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بماله, زخرف وباطل! لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد استغنى بماله، ومال كفيله وعمّه أبي طالب، ومال خديجة(عليها السلام) في مكّة, ولمّا هاجر إلى المدينة فتحت عليه الفتوح والغنائم, ففي أيّ مقطع من الزمن كان(صلّى الله عليه وآله) يحتاج إلى ثروة أبي بكر؟!
ودمتم في رعاية الله
(1) أسباب النزول، للواحدي: 299 سورة الليل، وانظر: تفسير الثعلبي 10: 220 سورة الليل، تفسير البغوي 4: 495، تفسير ابن كثير 4: 555.
(2) صحيح البخاري 6: 84 كتاب تفسير القرآن، سورة الليل.
(3) انظر: المنمّق في أخبار قريش: 372 أجواد قريش، شرح نهج البلاغة 13: 275 (238) القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كلّ منهما، الكنى والأسماء، للدولابي 2: 627 الحديث (1120)، الطرائف في معرفة المذاهب: 604 في أنّ قولهم أنّ أبا بكر أغنى من النبيّ(ص) بماله مكابرة، الإفصاح، للمفيد: 239 ردّ استدلالهم على فضل الشيخين من تقدّمهما في الإمامة.

محمد عبد العزيز / الكويت
تعليق على الجواب (3)
السلام عليكم
اود ان أستفسر عن قولكم تنقل المصادر الحديثيّة المعتبرة عندهم بأنّه هو قد خرج ذات يوم مع عمر من البيت جوعاً طلباً للأكل (صحيح مسلم 3/1609 كتاب الاشربة ح 3799 ـ إعلام النبوة للماوردي / 220 ب 20) الا يمكن ان يكون هذا الكلام بعد ان صرفوا اموالهم في الدعوه حيث صرفوا كل مايملكون عليها وبالنسبه لأبو ابي بكر
هل من مصادر اخرى تقول انه كان فقير لان احد السنه قال لي كتب ضعيفه التي ذكرتموها
وشكرا
الجواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يمكن أن يكون صحيح مسلم ضعيف على مبناهم, فهم يقولون بصحته .
نعم يمكن رفض ما ذكرناه من القرينة على فقرهم من خلال جوعهم, لكن هذه احدى القرائن فكيف ترد غيرها؟
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » بعض ما ورد بخصوص صحبته في الغار في مصادر الإمامية


شوان سوران / العراق
السؤال: بعض ما ورد بخصوص صحبته في الغار في مصادر الإمامية
إنّي أسأل رأيكم بخصوص المصادر الواردة أدناه بأنّها صرّحت بأنّ أبا بكر كان مع الرسول في الغار، حيث أنّني شاهدت هذا الادّعاء في أحد المواقع الأكترونية:
1- الكافي، للكليني: ج8 ص262.
2- الأمالي، للطوسي: ص447
3- الفصول المختارة، للمفيد: ص43
4- المسترشد، للطبري: ص361
5- كنز الفوائد، للكراجكي: ص306.
6- حلية الأبرار، للبحراني: ج1 ص104 - وج2 ص414.
7- الوسائل، للحرّ العاملي: ج20 ص276.
8- الغدير، للأميني: ج1 ص480.
الجواب:

الأخ شوان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- ما ورد في (الكافي)، في طريقه مجاهيل(1).
2- وما ورد في (أمالي) الطوسي(2)، في طريقيه ضعفاء، وهما طريقان عامّيان.
3- وما ورد في (الفصول المختارة)(3)، فهو من باب التنزّل مع قول الخيّاط.
4- وما جاء في كلام الطبري صاحب (المسترشد)(4)، فهو نقل كلام أهل السُنّة في ادّعائهم وجود أبي بكر في الغار، وأجابهم من باب اشتهار القصّة.
5- وما ما ذكره الكراجكي في (كنز الفوائد)(5)، فهو تقرير لجواب الشيخ المفيد، لِما ادّعاه عمر من فضل صاحبه أبي بكر على ما ذكره المفيد من رؤياه المعروفة.
6- وما ذكره البحراني في (حلية الأبرار)(6)، فهي نفس الروايات التي ذكرها الطوسي في (الأمالي)، وقد ذكرنا أنّها طرق عامّية، وفي سندها ضعفاء ومجاهيل.
7- وأمّا ما ورد في هامش (الوسائل)(7)، فهو منقول عن (رجال الكشّي)(8)، وهو مردود قطعاً، إضافة لطريقه الضعيف.
8- وأمّا ما ورد ذكره في (الغدير) من قصّة الغار، فهو على كونه من طرق العامّة، فقد أجاب عنها الأميني بما فيه الكفاية.
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي 8: 262 الحديث (377)، وانظر: مرآة العقول 26: 254 الحديث (377).
(2) أمالي الطوسي: 446 - 447، المجلس 16 الحديث (998، 999).
(3) الفصول المختارة: 42 فصل: جواب الشيخ على ما أورده أبو الحسن الخيّاط.
(4) المسترشد: 431 - 440 الحديث (143) الباب السادس: حول قصّة الغار.
(5) كنز الفوائد: 202 - 206 ذكر منام الشيخ المفيد.
(6) حلية الأبرار 1: 136 - 153 الباب (15) الحديث (4، 5، 7)، الباب (16) الحديث (2، 7).
(7) وسائل الشيعة 20: 275 هامش (842)، بتحقيق عبد الرحيم الرباني الشيرازي، طبعة المكتبة الإسلامية طهران.
(8) اختيار معرفة الرجال 1: 129 الحديث (58).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » هل ننفي وجوده في الغار؟


أبو الوفا سميح / فلسطين
السؤال: هل ننفي وجوده في الغار؟
كيف تفنّد، أو تشكّك، أو حتّى تقبل أن تناقش فكرة: أنّ أبا بكر هل كان مع صاحبه محمّد(صلّى الله عليه وآله)، وقد ذكرت في القرآن نصّاً وفصّلها الرسول.. في أكثر من واقعة، وهذا شيء مثبّت؟!
وهذا ما وجد في القرآن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (فما بالك باثنين الله ثالثهما)!
أو تقبل التشكيك؟!
الجواب:

الأخ أبا الوفا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ التمسّك بآية الغار لوحدها لا ينفع في إثبات وجود أبي بكر في الغار؛ لأنّ الآية لا تصرّح بوجود شخص أبي بكر في الغار، فهي مبهمة من هذه الجهة، وإذا أردت إثبات ذلك، كان عليك إيراد الأدلّة المثبتة والمبيّنة.
وما أوردته آخر سؤالك، فهو ليس بآية! وإنّما قول منسوب لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ورد من طرق أهل السُنّة، لم يثبت عندنا!

ثمّ لا بدّ أن تعلم أنّ الذي طرح فكرة عدم وجود أبي بكر في الغار هو أحد الكتّاب في تأليف له، وكلّ ما نريد أن نقوله نحن: إنّ ذلك نظرية تقبل التصدّيق والردّ؛ بينما أنت تريد جعله من المسلّمات التاريخية المقطوعة التي لا تقبل النقاش، وبنيت رأيك على ما رويتموه أنتم في كتبكم ومقالة علمائكم، أمّا لو راجعتها وراجعت غيرها بنظرة التدقيق والتحقيق، لعرفت أنّ هذا الرأي، وهو: عدم وجود أبي بكر في الغار، رأي يملك درجة من الاحتمال مقابل الآراء والأقوال الأُخرى، وبذلك يسقط القطع بوجوده في الغار وإن كان مشهوراً.
ودمتم في رعاية الله


م / عماد / فلسطين
تعليق على الجواب (4)
دليل واضح من القرآن والسُنّة أنّ أبو بكر كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وقت وجوده في غار حراء؟
الجواب:
الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يوجد دليل واضح من القرآن يشير إلى وجود أبي بكر في الغار..
نعم، الآية تشير إلى وجود شخصين في الغار، فالمثبتون يقولون: أنّ الآخر هو أبو بكر؛ تبعاً لروايات مشهورة يذكرونها هم، ولكن تلك الروايات معارضة بروايات تشير إلى وجود أبي بكر في المدينة في مسجد قباء يصلّي خلف سالم مولى أبي حذيفة ليلة هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله).
ودمتم برعاية الله

المغيرة / السعودية
تعليق على الجواب (5)
ما تفسير الحديث الوارد عن الرسول(صلّى الله عليه وسلّم): (إنّ آمن الناس علَيَّ في صحبته أبو بكر)؟ لا تقل أنّها تقيّة، وإلاّ فما سببها؟
الجواب:

الأخ المغيرة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه الرواية من موضوعات عمر الكردي؛ قال الدارقطني: ((كذّاب خبيث)), وقال الخطيب: ((غير ثقة؛ يروي مناكير من الأثبات))(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: الغدير 7: 307 أحاديث الغلوّّ أو قصص الخرافة، الحديث (25).

ابوجعفر / العراق
تعليق على الجواب (6)
دعا سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) الله تعالى ليساعده في هذا الأمر الجليل وهو في تلك الجبال الوعرة، فاستجاب ربّ العزّة لطلب عبده ورسوله فأرسل إليه راعياً أميناً عارفاً بطرق مكّة والمدينة ومضحّياً في سبيل الله تعالى ورسوله.
إذ التقى النبي (صلى الله عليه وآله) بعبدالله بن أريقط بن بكر في جبل ثور فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله):يا ابن أريقط أأتمنك على دمي؟
فقال ابن بكر: إذاً والله أحرسك وأحفظك ولا أدلّ عليك فأين تريد يا محمد؟
قال محمد (صلى الله عليه وآله): يثرب.
قال ابن بكر: لأسلكنّ بك مسلكاً لا يهتدي فيها أحد..
فكان عبدالله بن أريقط بن بكر مسلما مخلصاً ومضحّياً في سبيل الإسلام فادياً روحه في هذا المشروع الإلهي وهو من الصحابة المؤمنين كما قال العلماء ومنهم الذهبي في كتابه التجريد، ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني وابن كثير .
وازداد ايمان هذا الرجل بالدين مع حديث النبي (صلى الله عليه وآله) معه في ذلك الجبل فأصبح من المتّقين الموقنين بالدّين بعد أن كان من الجاهلين. فأصبح عثور النبي (صلى الله عليه وآله)على عبدالله بن أريقط بن بكر من المعاجز الربانية التي وهبها الرحمن تعالى لرسوله.
وهذه المعجزة أعظم من معجزة العنكبوت وأكبر من معجزة الحمامة الوحشية التي قالوا: إنّها باضت في باب الغار، وليس لذلك من صحّة.
لقد كان ابن أُريقط بن بكر أعظم آية إلهيّة أوجدها الله تعالى في ذلك الحين وفي ذلك الموضوع لرسوله (صلى الله عليه وآله) فقد هداه عزّ وجل للإسلام مثلما قال سبحانه:
(( إنّكَ لاَ تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنّ اللهَ يَهدِي مَن يَشاء وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِين ))
والروايات الذاكرة لابن أريقط تشير الى معرفة النبي به قبل هجرته الى جبل ثور وعلى هذا المنحى يكون النبي (صلى الله عليه وآله) عارفاً برفيق سفره وهجرته الى المدينة أثناء حضوره في مكة .
ولقد كانت قريش تعرف عبدالله بن أريقط بن بكر بصفة رجل دليل ماهر في الطرق والشعاب الموصلة إلى مكّة والمدينة، ومن الملتزمين بعبادة الأوثان.
وعليه لا توجد شكوك قرشية في ولاء هذا الرجل للأصنام وفي ابتعاده عن الإسلام، وهذا ما مكّنه من أن يكون خير دليل وخير واسطة للنبي (صلى الله عليه وآله) في طعامه وشرابه ورسائله واحتياجاته الأخرى.
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار وحده ويتردّد عليه دليله وصاحبه عبدالله بن أريقط بن بكر فجاءهما الكفّار وهما في الغار. فكان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار ودليله والمضحّي في سبيل الإسلام بروحه ودمه.
والمؤكّد أنّه قام برحلتين للهجرة بين مكّة والمدينة ونجح في العملين نجاحاً باهراً أثبت فيه وفاءه العظيم للدين، وبقي مغمورا بأمر قيادة الحزب القرشي السارقة فضائله لصالح أبي بكر.
الجواب:
الأخ أبا جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا ممكن وهو أحد الإحتمالات والتفسيرات لقوله تعالى (( ثاني اثنين )) .
لكن الأمر لا يحتاج إلى أدلة وشواهد أكثر، وقد وردنا ما هو قريب من قولكم من عزيز آخر فراجع كلامه وتعليقنا عليه في ( الأسئلة العقائدية / ألف/ أبو بكر/ هل هاجر أبو بكر مع النبي؟).
وهناك إحتمال آخر من كون الرجل الآخر مع النبي (صلى الله عليه وآله) هو الصحابي الجليل عامر بن فهيرة (رض)، وقد أوضحنا ذلك في إحدى إجابتنا حول وجود أو عدم وجود أبي بكر في الغار مع النبي (صلى الله عليه وآله) .
وعلى كل فهذه وجهات نظر يمكن أن تطرح، ولكن وإن جرينا مع القوم بأن أبا بكر كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار، ولكن الأمر كل الأمر في كون ذلك فضيلة له، وهو ما لم يثبت، فراجع .
ودمتم في رعاية الله

عمار / العراق
تعليق على الجواب (7)
ما تفسير الحديت الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم (ان اامن الناس علي في صحبته ابوبكر) لا تقل انها تقيه والا فما سببها
الجواب:
الأخ عمار المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه الرواية من موضوعات عمر الكردي, قال الدارقطني: كذاب خبيث, وقال الخطيب: غير ثقة يروي مناكير من الأثبات . أنظر الغدير ج7/ص307.
ودمتم في رعاية الله

السيد هاني الموسوي / العراق
تعقيب على الجواب (1)

السلام عليكم
للافادة جزيتم خيرا
قال تعالى: (( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ))
كلنا يعلم قصة الغار, وأن رسول الله (ص) أخرجه المشركون مع أبو بكر من مكة ليختبئا في الغار الذي نسجت عليه العنكبوت خيوطها والحمام وضعت بيوضها, هذا ما تعلمناه في المدارس وفي التلفزيونات وغيره.
نسأل هاهنا, هل هذه القصة صحيحة؟ أم أن هناك أحداث قد تم التعتيم عليها؟
ما نعرفه أن الذين خرجوا هم ثلاثة أشخاص:
- الرسول الأعظم (ص).
- الخليفة الثاني أبو بكر.
- الدليل الذي دلهم على طريق الغار وهو عبدالله بن أريقط بن بكر.

السؤال الأول: الآية تقول: (( إذ أخرجه الذين كفروا )), أي أن الذي أخرج من مكة وكان مطاردا من قبل الكفار هو شخص واحد بلحاظ الآية حيث لم تقل (إذ أخرجهما), وطبيعي ذلك الشخص هو رسول الله (ص), ويثبت لدينا أن أبا بكر لم يكن ملاحقا أو مطاردا من قبل المشركين ولم يخرج مع الرسول (ص), إذن فكيف يكون القول بأن أبو بكر لحق بالنبي (ص)؟

السؤال الثاني: الآية ذكرت اثنان (ثاني اثنين), أين الشخص الثالث؟

السؤال الثالث: إذا كان أبو بكر هو الذي خرج مع الرسول (ص) فأين الدليل (عبدالله بن أريقط بن بكر)؟ وكيف استدلوا على الغار بدون دليل؟

السؤال الرابع: إذا كان الدليل (عبدالله بن أريقط بن بكر) هو الذي كان مع الرسول (ص), فأين أبو بكر؟

السؤال الخامس: يقولون أن أسماء بنت أبي بكر هي التي كانت تأخذ للرسول (ص) وأبوها الطعام في الغار, فكيف تستطيع أن تكون في مكانين يبعدان آلاف الأميال, حيث كانت مع زوجها الزبير بن العوام في الحبشة في ذلك الوقت, والغار كان في أطراف مكة؟ (المرجع: الثقات لابن حبان, ج3 ص23)

السؤال السادس: فكيف لم يقتفي دليل المشركين (كرز بن علقمة الخزاعي) آثارها؟ وكيف لا يعلم أخوها الكافر عبدالعزى بخروجها أما ناظريه؟

السؤال السابع: يقولون أن الرسول (ص) قد خرج من بيت أبو بكر نهارا وأما مرأى المسلمين كلهم, فأين أسلوب السرية في خروج النبي (ص) الذي اعتمده؟ حيث لم يكن عالما بخروجه سوى المقربين من بيته علي وفاطمة وأم هانئ بنت أبي طالب عليهم السلام؟

السؤال الثامن: كيف يخرج الرسول (ص) من بيت أبي بكر نهارا؟ ألن يكون ذلك هدما لمشروع الدولة الإسلامية التي ينظرها رسول الله في يثرب؟ ألا يعني الخروج نهارا والكفار يلاحقونه انتحارا؟

السؤال التاسع: يقولون أن أبا بكر ذهب إلى بيت النبي (ص) يبحث عنه فلم يجده, فسأل علي (ع) فأخبره أنه في طريقه لخارج مكة, فلحق أبو بكر به, فكيف علم أبو بكر بالطريق الذي سلكه الرسول (ص)؟ وكيف شخّص أبو بكر الرسول (ص) في ذلك الظلام الدامس؟

السؤال العاشر: كيف يدخل أبو بكر بيت الرسول (ص) وهو محاصر من قبل المشركين؟

السؤال الحادي عشر: كيف يسأل أبو بكر علي (ع) وهو نائم في فراش الرسول (ص)؟ ألن يكشف ذلك المخطط أمام المشركين المحاصرين بأن النائم هو الإمام (ع) وليس الرسول (ص)؟

السؤال الثاني عشر: يقولون أن الله جعل شسع نعل الرسول (ص) ينقطع ويضرب إبهام رجله في حجر ليسيل منه الدم ويتوقف, وذلك ليلحق به أبو بكر, فهل الدم اليسير من الإبهام يؤدي بالرسول (ص) من إيقاف مسيرته وتهديد مشروع الإسلام؟

السؤال الثالث عشر: تضاربت الآراء والروايات, فأيهما الصحيح, أن الرسول (ص) خرج من منزل أبي بكر نهارا؟ أم لحق به أبو بكر؟

السؤال الرابع عشر: يقولون توجه الرسول (ص) إلى بيت أبي بكر, وهذا البيت كان يضم كفارا منهم أم رومان وأبي قحافة وعبدالعزى بن أبي بكر حيث كان هذا الأخير كافرا عنيدا محاربا للإسلام وجندته قريش لملاحقة الرسول (ص), انظر (تاريخ ابن عساكر ج13 ص280), فكيف يتوجه الرسول (ص) مباشرة إلى المشركين وهو هارب منهم؟

السؤال الخامس عشر: هل يعقل أن يتكلم الرسول (ص) عن هجرته في هذا البيت المشحون بالكفار؟

السؤال السادس عشر: أجمعت الروايات أن الرسول (ص) توجه إلى الغار وحيدا فريدا (مسند أحمد: ج 1 ص 331, المستدرك: ج 3 ص 133, فتح الباري: ج 7 ص 8, سنن النسائي: ج 5ص 113, شواهد التنزيل: ج 1 ص 135), من أين أتت فرية لحوق أبو بكر به أو ذهابه لبيت أبي بكر؟

السؤال السابع عشر: يقولون أن دليل المشركين (كرز بن علقمة الخزاعي) عندما رأى آثار رسول الله (ص) عرفها بحجة أنها مشابهة لآثار إبراهيم (ع), فلماذا لم يذكر مشاهدته لآثار أبي بكر؟

السؤال الثامن عشر: كان من بين المشركين عبدالعزى بن أبي بكر, فكيف لم يتعرف على آثار أقدام أبيه أبي بكر؟

السؤال التاسع عشر: لماذا لم نسمع من الرسول (ص) قول أو أثر أو نص يمدح فيه أبو بكر وأنه كان صاحبه في الغار؟

السؤال العشرون: معظم الروايات الواردة عن صحبة أبو بكر للرسول (ص) في الغار جاءت عن طريق عائشة وأبو هريرة وأنس بن مالك وعبدالله بن عمر, وهؤلاء محسوبين على أبوبكر نفسه.

السؤال الحادي والعشرين: لماذا لا يوجد أحد من معارضي أبي بكر يقر بحضوره في الغار, من أمثال سعد بن عبادة والزبير بن العوام والحباب بن المنذر ومالك بن نويرة وغيرهم؟ إذا كانوا يقولون بصحبته لرسول الله (ص) فكيف يعارضونه أثناء خلافته في السقيفة؟ ألا يعتبر حضوره في الغار فضيله له تعزز موقعه من الخلافة أمام الصحابة؟

السؤال الثاني والعشرون: عائشة تقول بلسانها (أنه لم تنزل آية واحدة في القرآن تمدح أبا بكر أو أهله) أنظر (صحيح البخاري: ج 6 ص 42, تاريخ ابن الأثير: ج 3 ص 199, الأغاني: ج 16 ص 90, البدايةوالنهاية: ج 8 ص 96), فكيف تكون آية الغار نازلة في أبي بكر؟

السؤال الثالث والعشرون: عائشة روت روايتها بأنه (لم ينزل فينا قرآن) أمام جميع الصحابة والمسلمين الآوائل, فلماذا لم يعترض واحدا منهم على ذلك ويشير إلى آية الغار؟

السؤال الرابع والعشرون: لماذا لا توجد أي إشارات على لسان أبي بكر نفسه بأنه كان في الغار؟

السؤال الخامس والعشرون: هل يوجد في رورايات وأحاديث الغار مدلسين وكذابين في الأسانيد؟

السؤال السادس والعشرون: غار ثور صغير ولا تتعدى مساحته مترين مربعين, والذي يقف أمامه يرى كل شيء بداخله بوضوح, فكيف لم يتمكن الكفار من رؤية الرسول (ص) بداخله؟ هل بسبب خيوط العنكبوت والحمام؟

السؤال السابع والعشرون: توجد فتحة صغيرة بجانب الغار تدخل الضوء إلى الداخل, فكيف لم يتمكن الكفار من رؤية الرسول (ص)؟ هل بسبب بيت العنكبوت والحمام؟

الجواب الوحيد على تلك الأسئلة هو:
أن الذي كان مع الرسول (ص) في الغار هو الدليل (عبدالله بن أريقط بن بكر).

1- إن قالوا أن عبدالله بن أريقط بن بكر كان مشركا, نقول وكيف للمشرك أن يساعد رسول الله (ص)؟
2- ابن بكر كان يمارس التقية وكان يخفي إسلامه, وكان من أشهر الأدلاء على الطريق.
3- لم يثبت تاريخيا أن ابن بكر استلم مكافأة من رسول الله (ص) حتى يقال أن عمله كان من أجل دنيا.
4- قد يكون هناك تدليس في التسميات, حيث تم تغيير اسم أبي بكر الحقيقي (عتيق) إلى عبدالله ليوافق بذلك عبدالله ابن بكر, ليكون الفرق بين المسميين (أبي بكر) و (ابن بكر) بسيط وسهل, حيث لم تكن في السابق لم تكون الحروف تنقط فتصبح (ابي مثل ابن) بدون نقط.
هذا وللقارئ الحكم


سرمد / العراق
تعليق على الجواب (8)
في سؤالكم السادس والعشرين وال السابع والعشرين تقولون فيه أن الغار صغير وبإمكان أي أحد رؤية من موجود فيه إذن كيف اختفى الرسول وصاحبه عن أنظار الكفار .
الجواب:
الأخ سرمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصغر والكبر نسبيان فلا مانع من اجتماع كون الغار صغيرا وفي نفس الوقت يخفى او يصعب رؤية داخله بشكل جيد فهو عبارة عن صخور بعضها فوق بعض وأرضية الغار ليست مستوية وانما وعرة ايضا وهو ليس مكشوفا بصورة كاملة ولا في اتجاه واحد ولذلك اختاره الله عز وجل لحماية رسوله (صلى الله عليه وآله) وأخفاه عن المشركين بأمر طبيعي ( وهو الغار ) بمعية الإعجاز واللطف الإلهي فيمكن الجمع وعدم المنافاة، والله العالم .
ودمتم في رعاية الله

نور / العراق
تعليق على الجواب (9)
هناك من يقول ان عبد الله بن اريقط شخصيه مختلقة لاوجود لها ولم يرد ذكرها الا في حادثة الغار وانه كان على دين الشرك فمالذي دفعه الى مساعدة النبي وترك المكافأة التي عرضها كفار قريش
وايضاً هناك حديث للامام علي يقول انا اعلم بطرق السماوات والارض والامام علي هو باب مدينة العلم فلابد ان يكون النبي اعلم منه بهذه الطرق اضافة لذلك فالنبي قد مارس التجارة وكان اخواله في المدينة فهناك رحلات متكرره يقوم بها النبي بين مكه ويثرب الا يعلم الطرق الاخرى المؤدية الى يثرب فهو ليس بحاجة الى دليل
كيف نرد على من يقول ان النبي لم يكن بحاجة للسكينة وان الذي كان يحتاجها الذي كان معه فهو مطمئن ان الله معه وسينجيه
ما هو السبب الحقيقي لمبيت الامام علي في فراش النبي فالنبي عندما قرأ الآية في سورة يسين اصبحت غشاوة على المشركين فلماذا تركه في فراشه هناك من يقول لتهيئته للخلافه واداء الامانات واحضار النساء الامام علي والنبي لم يكونا على علم بنجاة الامام علي والا ما باهى الله بهما الملائكه فإذا قتل الامام علي فموضوع الخلافه والامانات والنساء سينتهي وهناك رأي يقول لايهام المسلمين فاذا علموا بهجرة النبي ستصبح لديهم حالة من الارباك وسيفتضح مشروع الهجرة
الجواب:
الأخت نور المحترمة 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: عبد الله بن اريقط ذكر كثيرا في كتب المخالفين وكذلك ذكر في بعض كتبنا لذا القول بانه شخصية مختلقة يحتاج الى دليل فهو بخلاف الاخبار المستفيضة التي تذكره في هذه الحادثة.
ولا يلزم من عدم ذكره في حوادث اخرى عدم وجوده فربما بقي في مكة او مات بعد ذلك بوقت قليل بحيث لم يكن له دور يذكر بعد ذلك ولا يلزم من كونه كافرا او مشركا ان ينخدع بالاموال فكم هناك من الكفار من يلتزم بالمواثيق والعهود التي يقطعها لاشخاص على الرغم من اختلافه العقائدي معه حيث ورد في بعض الاخبار ان النبي (صلى الله عليه وآله) سأله: ( يابن اريقط أئتمنك على دمي ؟ فقال اذاً والله احرسك واحفظك ولا ادل عليك فاين تريد ؟... ) اعلام الورى للطبرسي 1/148.

ثانياً: لاشك ان النبي (صلى الله عليه وآله) يعلم بالطريق لكن وجود شخص مع النبي يعينه امر ضروري فاول ما استعان به في الاتيان بالزاد وبالراحلة من الامام علي (عليه السلام) وكذلك ربما يحتاجون في الطريق الى الطعام والماء فيستعينون ببعض من يسكن البادية وهذا يحتاج الى شخص يهيء هذه الامور لئلا يطلعوا على امر النبي فيكونون سببا في العثور عليه من قبل المشركين، وعلى كل حال وجود رفيق في الطريق امر ضروري.

ثالثاً: ارجع الى الموقع / الاسئلة والاجوبة / ابو بكر / السكينة لم تنزل عليه.

رابعاً: في بعض الروايات يبين الامام علي (عليه السلام) ان ما جرى في يوم المبيت كان واحدة من الامتحانات التي يمتحن بها اوصياءه حيث قال  (عليه السلام) كما في الخصال للشيخ الصدوق ص 365:
إن الله عز وجل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم ويصير طاعة الأوصياء في أعناق الأمم ممن يقول بطاعة الأنبياء، ثم يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء (عليهم السلام) في سبعة مواطن ليبلو صبرهم، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالأنبياء، وقد أكمل لهم السعادة.
وكان واحدة من تلك الامتحانات في حياة النبي هو هذا الامتحان وهو المبيت على فراشه حيث قال عنه الامام كما في الخصال للشيخ الصدوق ص 366: وأما الثانية يا أخا اليهود فإن قريشا لم تزل تخيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبي (صلى الله عليه وآله) حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار - دار الندوة - وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف، فلم تزل تضرب أمرها ظهر البطن حتى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كل فخذ من قريش رجل، ثم يأخذ كل رجل منهم سيفه ثم يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، وإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمها فيمضي دمه هدرا، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه، فمضى (عليه السلام) لوجهه واضطجعت في مضجعه وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي (صلى الله عليه وآله) فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس.
ويظهر من كلام الامام ان المبيت كان وقاية للنبي (صلى الله عليه واله) بنفسه.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » هل هاجر أبو بكر مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟


حارث فهمي الساكني / العراق
السؤال: هل هاجر أبو بكر مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟

أوّل ما يجب أن نعلمه أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد اعتمد أُسلوب السرّية التامّة في أمر هجرته تلك الليلة، خاصّة بعدما أمر بهجرة جميع المسلمين إلى المدينة، وأبقى عليّاً(عليه السلام)؛ لأنّه وصيّه، والقائم مقامه في تأدية حقوق وأمانات الناس المودعة عنده، لذا فإنّ أحداً لم يكن عالماً بخروج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في تلك الليلة سوى أهل بيته المقرّبين، عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وأُمّ هاني بنت أبي طالب(عليه السلام).
إنّ هذه السرّية تتناقض مع الرواية المنقولة، والتي تقول: بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد خرج من بيت أبي بكر نهاراً! (تاريخ الطبري ج2 ص100).

وهناك سؤال منطقي آخر، هو: كيف يتوجّه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إلى بيت أبي بكر الذي كان يحوي المشركين؟! ألا يفترض به أن لا يتوجّه إلى ذلك البيت بالذات، حتّى لا يكشفه أحد من هؤلاء المشركين؟
جاء في كتاب (البداية والنهاية)، لابن كثير الأُموي، عن ابن جرير الطبري ما يؤيّد هجرة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إلى غار ثور وحده، فخاف ابن كثير من هذه الرواية الصحيحة الدالّة على بطلان صحبة أبي بكر، فارتجف قائلاً: ((وهذا غريب جدّاً، وخلاف المشهور من أنّهما خرجا معاً))! (البداية والنهاية ج3 ص219، السيرة النبوية، لابن كثير أيضاً ج2 ص236).

الظاهر أنّ الماكرين قد قاموا بتصحيف وتزوير كبيرين، ليوافق اسم (أبي بكر) اسم (ابن بكر)؛ فقد غيّروا اسم أبي بكر الحقيقي(عتيق)، وجعلوه (عبد الله) ليوافق اسم (عبد الله) بن أُريقط بن بكر. (مختصر تاريخ دمشق، لابن عساكر ج13 ص35)، وبهذا بقي التغيير بين (ابن بكر)، و(أبي بكر)، وهو سهل وبسيط؛ لأنّ الكتابة في السابق لم تكن منقوطة، لذا فإنّ اسم أبي بكر وكذلك ابن بكر يكتبان بالطريقة نفسها.
إنّ الروايات التي تذكر هجرة أبي بكر مع خاتم الأنبياء(صلّى الله عليه وآله) هي روايات إسرائيلية؛ لأنّها تشتمل على بعض التفاصيل الواضح اتّصالها باليهود وتراثهم!

من تلك القضايا: أنّ حمامة قد جاءت وباضت بيضة أمام الغار، وأنّ عنكبوتاً قد جاء ونسج خيوطه على فتحة الغار، الأمر الذي جعل المشركين يتوهّمون عدم وجود أحد فيه.
وهذا الأمر مناقض للعقل وللصحيح من الروايات؛ لأنّ غار ثور مثلما تشاهدونه هو غار صغير لا تتعدّى مساحته مترين مربعين فقط، فمن غير الممكن أن يحجب أي شيء الرؤية إلى داخله، فلو وقف أي شخص أمام فتحة الغار لشاهد كلّ ما فيه بشكل واضح جدّاً؛ لأنّه غار صغير.

ويضاف إلى ذلك: أنّ هناك فتحة أُخرى جانبية في الغار، الأمر الذي يجعل الضوء ينفذ ويضيء الغار بأكمله ممّا يسهل الرؤية. لذا فلا معنى لخيوط عنكبوت ولبيضة حمامة، فالرؤية واضحة تماماً.
والحقيقة أنّهم قد جاؤوا برواية العنكبوت من سيرة النبيّ داود(عليه السلام) في كتب اليهود، حيث نسج العنكبوت خيوطه على غار داود(عليه السلام) عندما لاحقه جالوت بغرض قتله. (تفسير القرطبي ج13 ص346).
فكيف تفسّرون لنا هذا الكلام مع العلم أنّنا نسمع أنّ أبا بكر كان معه في الغار...

الجواب:

الأخ حارث المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نشكركم على المتابعة والبحث والتدقيق والتحقيق؛ إذ أنّ مدرسة الخلفاء والحكّام فيها كثير من المتناقضات والمتهافتات والعجائب والغرائب، ومنها ما موجود في قصّة الغار والهجرة؛ ففيها تناقضات عديدة، حاولت أنت الإشارة إلى بعضها، وإن كان ما ذكرته يحتاج إلى تدقيق وتصحيح.
ومع ذلك، فمن تناقضاتهم: ما ورد في البخاري من أنّ أبا بكر كان يصلّي في المدينة في قباء خلف سالم مولى أبي حذيفة، هو وعمر وآخرون، ولم يكن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد هاجر بعد..

فقد روى البخاري: عن ابن عمر، قال: لمّا قدم المهاجرون الأوّلون العصبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً(1).. ثمّ روى البخاري نفسه: عن ابن عمر أيضاً، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في مسجد قباء، فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة(2).
فلا ندري كيف كان أبو بكر في الغار، وفي نفس الوقت في قباء في المدينة على بعد (400كم) يصلّي خلف سالم؟!!
كما أنّه قد ثبت من روايتهم: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد هاجر وحده ليلاً دون علم أبي بكر، بحيث أنّ أبا بكر ذهب إلى بيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، بعد أن خرج إلى هجرته، وهو يقول: يا نبيّ الله! وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) قد نام في فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ولم يعلم بذلك أبو بكر، فأجابه عليّ(عليه السلام): أنا عليّ ولست رسول الله، إن شئت أن تطلب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فالحقه عند بئر ميمون..
كما روى ذلك الحاكم في مستدركه وصحّحه(3)، ووافقه الذهبي(4)، وقال الألباني: ((وهو كما قالا))(5). وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة وفيه لين(6).
والرواية عن ابن عبّاس في حديث طويل جامع في مناقبه(عليه السلام)، كما قال الهيثمي...(وفيه): ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله)، فقال: يا نبيّ الله!
فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه.
فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل عليّ يُرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وهو يتضوّر، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف رأسه، فقالوا: إنّك للئيم، كان صاحبك نرميه لا يتضوّر، وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.
وهذا الحديث رواه أحمد في (مسنده)(7)، والنسائي في (السنن الكبرى)(8)، وفي (الخصائص)(9).

فلو كان خروجه في النهار، لما نام في فراشه أمير المؤمنين(عليه السلام)! ولو كان أبو بكر يعلم بالهجرة، أو أنّه(صلّى الله عليه وآله) هاجر من بيته، لما جاء إلى بيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله)!
وكيف نكذّب رواية صحيحة وحادثة متواترة، وهي نوم أمير المؤمنين(عليه السلام) في فراشه(صلّى الله عليه وآله)، وخروجه(صلّى الله عليه وآله) ليلاً وحده بعد أن رمى التراب في وجوههم ووضعه على رؤوسهم، ثمّ لحقه أبو بكر، فلا ندري ما هو وجه الغرابة عند ابن كثير(10)؟!

ثمّ ما هو التعارض أصلاً بين الروايتين حتّى يشتط ابن كثير هكذا ويدّعي الغرابة وخلاف المشهور، مع إمكان الجمع بينهما؟ من أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هاجر لوحده في المرحلة الأُولى، ثمّ جاء أبو بكر يطلبه في داره، فوجد عليّاً(عليه السلام) نائماً مكانه ليوهم الكفّار بوجود رسول الله(صلّى الله عليه وآله) نائماً في بيته ليشغلهم حتّى يبتعد، ثمّ حينما يزوره أبو بكر يؤكّد وجود النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في البيت، فيبقى مشركو قريش حينئذٍ في انتظار الوقت المناسب للانقضاض على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كما كانوا يريدون فعل ذلك في ذلك اليوم..

ولمّا دخل أبو بكر يطلب رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، أخبره أمير المؤمنين بأنّ رسول الله قد غادر بعيداً، فالتحق به عند بئر ميمون، ولمّا التحق أبو بكر بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) غيّر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) مكانه، فانتقل إلى الغار في تلك الليلة من دون أن يشعر بهما أحد..
ولولا ذكاء رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ووحي الله وتسديده له في كيفية التعامل مع الأحداث والأشخاص، لانكشف أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله).
فيمكن بحسب رواياتهم هذه أن يجمعوا بينها دون أدنى تعارض، فلا ندري لماذا استغرب ابن كثير رواية سبق النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر بالهجرة دون إعلامه، وادّعى مخالفتها للمشهور؟! إلاّ لأنّه تلميذ ابن تيمية، ولأنّ هذه الرواية تخدش في أبي بكر، وتقلّل من أهميته المتوقّعة والمزعومة!

ويرد أيضاً على بعض رواياتهم التي تدّعي فضلاً لآل أبي بكر، من أنّ ابنه عبد الله بن أبي بكر كان يأتيهم بالأخبار والأنباء، وأنّ أسماء صنعت لهم الطعام، وسُمّيت عند ذلك بـ(ذات النطاقين)(11)، أنّه: أين كان عنهم ابنه الآخر الكافر عبد الرحمن، الذي كان اسمه عبد العزّى(12)، والذي خرج مع المشركين في بدر وأُحد وطلب البراز، فأراد أبو بكر أن يخرج له، فمنعه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وقال له: (متّعنا بنفسك)(13).
وقد رووا عن أسماء، أنّها قالت: ((مكثنا ثلاث ليال لا ندري أين توجّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، حتّى أقبل رجل من الجنّ من أسفل مكّة يغنّي بأبيات من الشعر غناء العرب...))(14).

وأمّا ما ذكرته في مسألة العنكبوت، فإنّها مذكورة كثيراً في كلمات أصحابنا، ولم نر بحسب اطّلاعنا من أنكر ذلك، أو شكّك فيه. ونتمنّى من جنابكم أن تبحثوا هذه المسألة وتحقّوا الحقّ فيها إن أمكنكم، فهو أفضل من الحكم على مثل هذه الأُمور بسرعة، أو تسرّع، فيتورّط الإنسان، أو يندم، أو يُحرج على الأقل، وهو في غنىً عن ذلك كلّه.
ودمتم في رعاية الله

(1) صحيح البخاري 1: 170 كتاب الآذان، باب إمامة العبد والمولى.
(2) صحيح البخاري 8: 115 كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 133.
(4) المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي 3: 344 الحديث (4710).
(5) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 264 الحديث (2223).
(6) مجمع الزوائد 9: 119 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام)، باب جامع في مناقبه.
(7) مسند أحمد بن حنبل 1: 331 مسند عبد الله بن عبّاس.
(8) السنن الكبرى 5: 113 الحديث (8409) كتاب الخصائص، ذكر خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
(9) خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): 63 قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنّ الله جلّ ثناؤه لا يخزيه أبداً.
(10) البداية والنهاية 3: 219 باب هجرة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بنفسه الكريمة من مكّة إلى المدينة.
(11) صحيح البخاري 4: 254 باب هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه إلى المدينة.
(12) المستدرك على الصحيحين 3: 474 كتاب معرفة الصحابة، مناقب عبد الرحمن بن أبي بكر.
(13) تاريخ مدينة دمشق 35: 28 (3855).
(14) تاريخ الطبري 2: 104 هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك 3: 53 ذكر إقامتهما في الغار وما جرى لهما فيه، السيرة النبوية، لابن هشام 2: 337 هجرة رسول اللهّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

م / عبد الله
تعليق على الجواب (10)
((كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في مسجد قباء...))، هذا لا يدلّ على أنّ المهاجرين الآخرين لم يأتوا بعد أو لم يهاجروا بعد.
أن يكون جميع المهاجرين موجودون في المدينة، لا يعني بالضرورة أنّه يجب أن يكونوا جميعاً في وقت واحد وفي مكان واحد. والحديث لا يشرحه (أعداء أهل السُنّة)، ولا شرحه شخص معادي للصحابة, الحديث مشروح في شروح الحديث السُنّيّة كـ(كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري), ومن يبحث عن التفسير والشرح الصحيح للحديث يتبيّن له مدى افتراءكم على أهل السُنّة والصحابة، وبغضكم لهم، وحقدكم عليهم..
ولا تنسوا أنّكم امتنعتم عن الإجابة عن أسئلتي، أو عجزتم عن ذلك, وأنّ عدم نشر تعليقاتي السابقة يدلّ على افترائكم على أهل السُنّة، وعلى الصحابة، وأزواج النبيّ (أُمّهات المؤمنين).
لكن شدّة الافتراء على الصحابة جعلتني أكثر تسنّناً بعد تركي للتشيع والحمد لله.
الحمد لله، إنّي عرفت الحقيقة وتبت من (تشيّع بغض الصحابة وبغض أُمّهات المؤمنين). وأدعو كلّ شيعي معاد للصحابة إلى التوبة من بغض الصحابة، وبغض أُمّهات المؤمنين والقدح فيهم، قبل فوات الأوان.
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
معنى كلامك: أنّ أبا بكر هاجر أكثر من مرّة، مرّة قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، حيث صلّى خلف سالم, ومرّة أُخرى مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وهذا ما لا يقول به أحد!
أو أن تقصد بكلامك: أنّ المهاجرين لم يأتوا دفعة واحدة، بل دفعات.
ونحن نقول: كيف تفسّر صلاة أبي بكر خلف سالم قبل قدوم النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، كما ذكرناه في الخبر؟

وأمّا قولك: ((أنّك تركت التشيّع)).
فنقول: إنّك لم تفصح عن اسمك، ولم تذكر بلدك، لنعرف صدق مدّعاك!
ثمّ إنّ هذا لا يضرّ المذهب أن يتحوّل شخص مثلك ويضلّ عن طريق الهداية، وأنت لو كنت عالماً بالمذاهب واختلافاتها، وبعد ذلك انتقلت، فيكون لانتقالك شأن، كما يحصل من انتقال باحثين ومحقّقين وعلماء سُنّة إلى مذهب التشيّع، أمّا أن ينتقل شخص من أي مذهب إلى آخر، فهذا لا يضرّ ذلك المذهب.
ودمتم في رعاية الله


الصارم المسلول / ألمانيا
تعليق على الجواب (11)
يا من تتشدّق وتكذب على البخاري! وتقول: بأنّ أبي بكر كان في المدينة حين هاجر النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)!!
أنت بهذا العمل تنسب هذا الكلام للبخاري، وأنا أطالبك بأن تجلب لي مصدرك، فالبخاري لم يقل بقولك هذا، وأنت أتيت بشيء جديد ونسبته إلى البخاري، وأنا الآن أطالبك بالمصداقية في النقل، وأن لا تكون ببغاء تردّد فقط كلام علماءك.
الجواب:

الأخ الصارم
السلام على من اتبع الهدى
إنّ هذا الأُسلوب نستطيع سلوكه، وهذا الجهل نستطيع علاجه!
ولكن انتظر قليلاً لنريك من الكاذب، ومن الجاهل، ومن الذي يعرف ما في كتبكم أكثر منكم!!
أولاً: إليك نص حديث البخاري، الذي روي في موضعين، أحدهما يكملّ ويبيّن الآخر، وكليهما عن نافع.
الرواية الأُولى: عن ابن عمر، قال: ((لمّا قدم المهاجرون الأوّلون العصبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً))(1).
والرواية الثانية: عن نافع، عن ابن عمر أيضاً، قال: ((كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في مسجد قباء، فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة))(2).

ثانياً: هذا هو النص الذي ذكر بأنّ أبا بكر كان في المدينة قبل هجرة رسول الله(صلّى الله عليه وآله). وبقي الكلام في الدلالة، ونكتفي بذكر شرح ابن حجر في (فتح الباري) لهذا الحديث:
قال: ((قوله: (وكان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة) زاد في الأحكام: من رواية ابن جريج عن نافع: (وفيهم أبو بكر وعمر...)، واستشكل ذكر أبي بكر فيهم! إذ في الحديث أنّ ذلك كان قبل مقدم النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، وأبو بكر كان رفيقه! ووجَّهه البيهقي باحتمال أن يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم، فيصحّ ذكر أبي بكر، ولا يخفى ما فيه...))(3) اهـ، ولم يعقّب بشيء!!!

وأمّا أُسلوبك هذا، فقد رأيت أنّنا نستطيع الردّ بمثله، ولكن نريد أن نذكّرك ونقول: لا تنسَ نفسك وتظنّ أنّك على غرفة من غرف البالتوك!!
ودمتم

(1) صحيح البخاري 1: 170 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة.
(2) صحيح البخاري 8: 115 كتاب الأحكام.
(3) فتح الباري 2: 156 كتاب أبواب الأذان، باب إمامة العبد والمولى.

م / احمد / لبنان
تعليق على الجواب (12)
نحن نستطيع الرد بمثل ما تفترون....
الم يكفكم فضيحة عند موت امامكم العسكري ولم يوصي لاحد من بعده فاخترعتم الامام المهدي لحصد الاموال من الناس باسمه واسم الدين....
تالله إن علي كرم الله وجهه بريئ منكم... فانتم عظمتموه كما عظم المسيحيين عيسى فجعلوه الها... وها انتم هؤلاء تكادون تعبدون علياً رضي الله عنه.... فرقتم بين الآل والاصحاب وهما كروح واحدة لجسدين...
وهنا يظهر مدى حقدكم الدفين للصحابة وامهات المؤمنين رضوان الله عليهم اجمعين....
نقول وبالله التوفيق..
الرواية الأولى مذكور فيها: (( قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: ارجع الى الموقع / الاسئلة والاجوبة / الامام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) / الادلة على ولادته. وراجع كتبك الطافحة بروايات الائمة الاثنى عشر الذين بشر بهم الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) وانظر الحيرة والاضطراب والجهل الذين وقعتم فيه مع هذا الحديث وتفسيره ومصاديقه، فلو كان لديك شيء من العلم لما رددت كالببغاء ما يردده النواصب واتهام الشيعة وانكار وجود المهدي.

ثانياً: نحن لم نعظم عليا (عليه السلام) بما يستحقه من تعظيم ولم نعطه حقه ابدا لاننا نجهل عظمته الحقيقية التي لا يعلمها الا الله ورسوله

ثالثاً: بخصوص الشبهة الثالثة وهي اننا فرقنا بين روح واحدة بجسدين فهذا من عجائب الادعاءات والاكاذيب فلا ندري مدى اطلاعك على تعامل الصحابة مع اهل البيت حتى تدعي مثل هذا الادعاء العريض خذ مثلا:
أ- من الذي اراد اغتيال النبي (صلى الله عليه وآله) كما في صحيح مسلم وجعل حذيفة بن اليمان حافظا وحيدا لسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هؤلاء القتله المنافقين!!
ب- من الذي قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): دعوه انه يهجر !!
ج- من الذي تخلف عن جيش اسامة وقد حذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك التخلف وامرهم بالانفاذ معه فعصوا الرسول وتامروا في السقيفة.
د- من الذي اعتدى على الزهراء (عليها السلام) وكشف بيتها وامر بكل ذلك ومن الذي نفذ هذا الاعتداء وفعل ما فعل مع سيدة النساء ؟!
ه- من الذي اغتصب فدك و ارث الزهراء وادعى ان الرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يورث حتى غضبت منه الزهراء (عليها السلام) ولم تكلمه حتى ماتت وامرت بدفنها ليلا وسرا وعدم صلاة ابي بكر عليها !؟ كما في صحيح البخاري حتى قالت لابي بكر مكذبة له (انت وما سمعت )
و- من الذي قال فيه الثاني: أرأيتهماه (لعلي والعباس) كاذبا آثما غادرا خائنا ثم قال: أرأيتماني كاذبا اثما غادرا ظالما.....؟!
ز- من الذي كان يلعنه معاوية ويأمر بلعنه وسبه وكما في صحيح مسلم (7/120) حيث قال: امر معاوية بن ابي سفيان سعدا قال: ما منعك ان تسب ابا تراب ؟!....
ح- بل روى الطبري في تاريخه (4/52) وغيره ان امير المؤمنين ( عليه السلام) كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة وابو الاعور السلمي وابو موسى الاشعري وكان معاوية يفعل العكس فيلعن عليا عليه السلام وابن عباس والحسنين والاشتر.
واكد ذلك واقره ابن حزم الاندلسي حيث قال في المحلى (4/145):
كان علي يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاويه يقنت ايضا،يدعو كل واحد منهما على صاحبه.اه
ط- روى مسلم في صحيحه ايضا (7/124)عن سهل بن سعد الساعدي قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمره ان يشتم عليا قال: فأبى سهل فقال له: أما اذ أبيت فقل لعن الله ابا التراب فقال سهل: ماكان لعلي اسم احب اليه من ابي التراب.
ي- وروى احمد في مسنده (6/232) والحاكم في مستدركه (3 /121)والهيثمي في مجمع فوائده (9 /130)ووثق رجال طرقه الثلاثة كلها عن ام مسلمة قالت لابي عبد لله الجدلي: أيسب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكم، قلت: معاذ الله او سبحان الله او كلمه نحوها قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: من سب عليا فقد سبني. وفي لفظ: أيسب رسول الله فيكم ؟!قلت: أنى يسب رسول الله (ص)، قالت: أليس يسب علي ومن يحبه وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبه.
هذه علاقة الصحابة بأهل البيت (عليهم السلام) وبالعكس وهذا غيض من فيض وبالادلة الثابتة ناهيك عن غيرها الكثير الكثير

رابعاً: اما كلامك المكرر كالببغاء دون تعقل ولا تأمل ولا تدبر بأن الروايتين ليستا تحكي حادثة واحدة فقد ذكرنا بأن شيخ اسلامكم وحافظكم الذي فتح البخاري الى يوم القيامة فلا هجرة بعد فتحه فقد قال في فتح الباري (2/156) وليس انا من يقول: واستشكل ذكر ابي بكر فيهم أذ في الحديث ان ذلك كان قبل مقدم النبي (صلى الله عليه وآله) وابو بكر كان رفيقه ووجهه البيهقي باحتمال ان يكون سالم المذكور إستمر على الصلاة بهم فيصح ذكر ابي بكر، ولا يخفى ما فيه.انتهى كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني فتأمل واتبع الحق ولا تعاند.

خامساً: نحن لا ننكر وجود روايات في كتبنا تشير الى وجوده وكذلك هناك اقوال لعلماءنا تشير الى قبولهم بوجوده لكن في قبال هذه الروايات والاقوال هناك رأي وقول بعدم وجوده وهذا ما وضعناه في الاجابة السابقة وهو مأخوذ من كتبكم ويلزمكم منه القول بعدم وجوده وعلى كل حال تبقى المسألة محل تردد بين القولين ولا يمكن الجزم بأحدهما نريد الوصول اليه.
ودمتم في رعاية الله


ايمن الريان / سوريا
تعليق على الجواب (13)
أعلم لماذا يريد طارح الشبهة أن يوهم القاريء ان الروايتين التين رواهما البخاري وقعتا في وقت واحد ومكان واحد بالرغم انهما في زمانيين مختلقيين 
الرواية الأولى: تخبرنا أن سالم مولى أبو حذيفة صلى بالمهجرين الأولين قبل مقدم رسول الله وأبي بكر في منطقة اسمها العصبة وذلك قبل بناء مسجد قباء والمعلوم أن مسجد قباء هو أول مسجد بني بالاسلام وكان قد بناه رسول الله عند وصوله لقباء 
الرواية الثانية: التي تذكر ان سالما كان إماما على ابي بكر وغيره ممن ذكرتم اسماؤهم الرواية تقول ان سالما ائتم بصنفين الصنف الأول هم المهاجرين الأولين والصنف الثاني هم أصحاب النبي وهنا الرواي فصل بينهما لان سالما ائتم بالاضافة للمهاجرين بغيرهم من اصحاب النبي كالأنصار وممن أسلم بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وكان ذلك في مسجد قباء أي بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وبناءه لمسجد قباء لأن رسول الله هو من بنى مسجد قباء
الجواب:
الأخ ايمن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ العزيز: هي حقيقة مرة وليست شبهة ولا ايهام لا تريدون ان تصدقوا ان ابا بكر وعمر من عوام الناس وليسوا من ساداتهم؟!
لماذا لا تصدق بانهما لم يحفظا شيئا من كتاب الله؟!
لماذا لا تصدق بأنهما ليسا بالصورة الملمعة والاهمية المزمعة التي ترونهما بها؟!
لماذا لا تصدقون بأنهما لا يجيدان شيئا؟!
لماذا لا تريدون أن تصدقوا انهما قد هربا في اكثر الحروب ولم يقتلا احد الكفار والمشركين؟!
لماذا لا تريدون ان تصدقوا انهما لا يطيعان الله ورسوله بل يصران على معصيته والاجتهاد في مقابل نصه؟!
لماذا لا تريدون ان تصدقوا ان رسول الله جعلهما تحت إمرة عمرو بن العاص الطليق ومن ثم تحت امرة أسامة بن زيد وانهما كانا يصليان بإمامة سالم مولى ابي حذيفة؟!
وختاما: يمكنك الاعتراض على حافظكم وشيخ اسلامكم ابن حجر العسقلاني الذي جعلهما حديثا واحدا
ودمتم في رعاية الله

ايمن الريان / سوريا
تعليق على الجواب (14)
- لا نصدق انهم من عوام الناس! بل من ساداتهم لانهما وزيرا رسول الله وكان رسول الله يستشيرهم في كثير من الامور وصاهرهم رسول الله وكان صحابة رسول الله ومن بينهم علي والحسن والحسين وابن عباس كانوا يجلونهم ايما اجلال ولهم في قلوبهم مهابة عظيمة. 
- لماذا لا تصدق بانهما لم يحفظا شيئا من كتاب الله! لان هذا كذب واحد اسانيد القران ينتهي لعمر ولعثمان. 
- لماذا لا تصدق بأنهما ليسا بالصورة الملمعة والاهمية المزمعة التي ترونهما بها! لانكم لاتستطيعون ان تنفوا ذلك بالروايات الصحيحة الثابتة التي يرويها الحفاظ الثقات الاثبات، بل مايرويه الحفاظ الثقات الاثبات بالروايات الصحيحة تخبرنا بالاجلال والسؤدد الذان كان لهذين الصحابيين. 
- لماذا لا تصدقون بأنهما لا يجيدان شيئا! لان هذا كذب وقد بايعهما الصحابة وقبلوا خلافتهم برضا واطمئنان ونشرا الاسلام ايما نشر لم يأت احد بعدهما في نشر الاسلام كما فعلا واخص بذلك ابو حفص عمر بن الخطاب الذي لم يستطع اي حاكم بعده ان يوسع رقعة الاسلام مثلما وسعت في خلافته حتى سليمان القانوني الذي حكم 50 عام وكان له من الجنود والاسلحة المتطورة مالم يكن لعمر لكنه لم يستطع توسيع رقعة الدولة الاسلامية كما كان في خلافة عمر
- لماذا لا تريدون أن تصدقوا انهما قد هربا في اكثر الحروب ولم يقتلا احد الكفار والمشركين! لانه لم يثبت بالروايت الصحيحة انهما فرا من معركة واحدة ههههه ولم يقتلا احد من الكفار والمشركين شو كانوا يعملو بالمعارك التي خاضوها مع رسول الله كانوا عم ياخذوا صور سيلفي من جثث الكفار يعني ياسفي ان يخرج هذا الكلام المضحك من صاحب علم لو كان هذا الكلام يخرج من العوام لقلنا انهم يرددون مالايفقهون ولكن للاسف من اصحاب علم. 
- لماذا لا تريدون ان تصدقوا انهما لا يطيعان الله ورسوله بل يصران على معصيته والاجتهاد في مقابل نصه! لان هذا لم يحدث ولم يقل به احد من المسلمين وانما تفرد به فقط الروافض وقبلهم عبدالله بن سبأ. 
- لماذا لا تريدون ان تصدقوا ان رسول الله جعلهما تحت إمرة عمرو بن العاص الطليق ومن ثم تحت امرة أسامة بن زيد وانهما كانا يصليان بإمامة سالم مولى ابي حذيفة! ههههههه عمرو بن العاص اسلم قبل الفتح هو وسيف الله المسلول خالد بن الوليد والطليق هو عقيل بن ابي طالب اخ علي بن ابي طالب وما الاشكال ان يجعلهما تحت امرة من ذكرت اين كان علي في هذه السرايا وفي بعض السرايا امرهم رسول الله على بقية الصحابة وامر في اخر حياته ان يصلي ابو بكر بالناس وجعل امرة الحج له فنحن لاننظر بعين واحدة كما تنظرون ولاننظر للقسم الفارغ من الكأس كما هو حالكم بل ننظر للقسم الممتليء من الكاس. 
- اين كان شيخ اسلامنا ابن حجر العسقلاني انهما حديث واحد 
الجواب:
الأخ أيمن المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نبدا من حيث انتهت ونقول وبالله التوفيق: 
أولاً: ذكرنا مرارا وتكرارا كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/156) الذي قال فيه: 
((قوله (وفيهم ابو بكر وعمر... ) واستشكل ذكر ابي بكر فيهم! إذ في الحديث ان ذلك كان قبل مقدم النبي (صلى الله عليه وآله) وابو بكر كان رفيقه!
ووجهه البيهقي باحتمال ان يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم فيصح ذكر أبي بكر ولا يخفى مافيه... ))
فاعترض ابن حجر على تأويل وتخريج البيهقي لهذه المعضلة والفضيحة للتأريخ المكذوب والاحاديث المكذوبة التي تذكر هجرة أبي بكر برفقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتجعله ثاني اثنين دون غيره من رفقاء درب وهجرة ومحنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كون ابن حجر افضل شارح للبخاري بإجماعكم!! 
فتأويلكم وجعلكم الحديث حديثين هو تأويل البيهقي ولم تأتوا بالجديد وفهمنا وجعلنا الحديثين حديثا وحادثا وحكاية واحدة إنما هو رأي إبن حجر أفضل شراح البخاري عندكم!! فالرجاء الرجاء إفهم الكلام جيدا ولا تقل بعد ذلك اين قال ابن حجر ذلك!!

ثانياً: وأما مسألة صلاة ابي بكر بالناس وكذا حجه فارجع الى الاسئلة والاجوبة أ/ابو بكر/ صلاة جماعته المزعومة 1 و 2 ودعوى حج ابي بكر بالناس 

ثالثاً: واما مسألة معارضتك لإشكالنا على ابي بكر وعمر من كونهما يقاتلان تحت امرة عمرو بن العاص واسامة بن زيد ومقابلتك ذلك عن جهل وجاهلية وعصبية بأن عليا ايضا كان يؤمر عليه واين كان في هذه السرايا وغيرها فقولك وتعريضك بعلي من الافك المبين ومما يثير العجب والشفقة عليك من الوقوع في محاذير شرعية منها انتقاص أمير المؤمنين ونصب العداء له يا مسلم!!!
 فقد كان امير المؤمنين حامل راية ولواء رسول الله (صل الله عليه وآله) في حروبه وغزواته كلها واذا خرج للحرب فهوالقائد ابدا. 

رابعاً: اما تهكمكم لعقيل (رض) وتهجمك عليه كونه اخا علي (عليه السلام) فعقيل صحابي حسب اصطلاحكم ومن اهل البيت (عليهم السلام) حسب اصطلاحكم ايضا فكيف تتهجم عليه بهذه الجرأه والفرية وقد قال ابن عبد البر المتخصص في الصحابة في استيعابه (3/1078) وكذا ابن الاثير في أسد الغابه (3/422) وقال العدوي: كان عقيل قد اخرج الى بدر مكرها ففداه عمه العباس (رض) ثم اتى مسلما قبل الحديبية وشهد غزوة مؤتة. فكيف تجزم وتهزأ بعقيل وتجعله طليقا يا اتباع الطلقاء!!؟ وكيف تتهجم على عقيل وقد رويتم ان رسول (صل الله عليه وآله) قال له: اني احبك حبين حبا لقرابتك وحبا لما كنت اعلم من حب عمي اياك. (اخرجه ابن اسعد والحاكم والهيثمي في مجمعه ونسبه الى الطبراني مرسلا وقال: ورجاله ثقات). 
وذكر الذهبي في ترجمته رضوان الله عليه في سير اعلام النبلاء (3/99) انه: شهد بدرا مع قومه مكرها... وقد مرض مدة فلم نسمع له بذكر في المغازي بعد مؤتة، واطعمه النبي (صلى الله عليه وآله) بخيبر كل عام مائة واربعين وسقا. اما ابن حجر العسقلاني فقال في ترجمته في الاصابة (4/438): تاخر اسلامه الى عام الفتح (كذبا وزورا) وقيل: اسلم بعد الحديبية وهاجر في اول سنه ثمان وكان اسر يوم بدر ففداه عمه العباس ووقع ذكره في الصحيح في مواضع (وشهد غزوه مؤتة) ولم يسمع له بذكر في الفتح وحنين كأنه كان مريضا اشار الى ذلك ابن سعد لكن روى الزبير بن بكار بسنده الى الحسن بن علي ان عقيلا كان ممن ثبت يوم حنين فاتق الله يا مسلم 

خامساً: واما ادعاؤك العصمة لهما وعدم معصيتهما فهذا امر غريب ولم يقل به احد. وان كان قصدك انهما لم يجتهدا في مقابل النص وعدم قول احد بذلك الا الرافضة وابن سبأ فأسأل ابن تيمية في كم مسألة قام بتخطئة ابي بكر وعمر وبين مخالفتهما لله ورسوله!!؟
وسنقوم بذكر بعض ماثبت عندكم (وليس ماروي عندكم) لا ثبات معصيتهما واجتهادهما في مقابل النص فاسمع ذلك من كتبك وصحاحك وليس من الرافضة وابن سبأ: 
أ‌- حروب الردة المزعومة: أنفرد أبو بكر في اجتهاده في مقابل النص وقال بردة من فرق بين الصلاة والزكاة أما عمر والجمهور فأنهم لا يرون ردة مانعي الزكاة وقال عمر لابي بكر مستنكرا فعله: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله (صل الله عليه وآله) : (أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله الا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله)؟ قال ابي بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة... ) رواه البخاري في صحيحه (9/19) ومسلم (51:1). وكما ترى ان مانعي الزكاة عند ابي بكر كانوا مؤمنين صائمين مصلين وجريمتهم الوحيدة هي عدم تسليم الاموال الى ابي بكر!!! فاصبحوا بذلك مرتدين كفارا!!!
قال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد (256: 1): ماذا حكم من منع الزكاة ومن لم يجحد وجوبها(فذهب ابوبكر الى ان حكمه حكم المرتد وبذلك حكم في مانع الزكاة من العرب، وذلك انه قاتلهم وسبى ذريتهم، وخالفه في ذلك عمر واطلق من كان استرق منهم وبقول عمر قال الجمهور). 
فهذه مخالفة صارخة لابي بكر لسنة الرسول الاعظم (صل الله عليه وآله) واحاديثه الواضحة والكثيرة التي تدل على حصانة من قال (لا اله الا الله) كما تعلمون ذلك جيدا. 

ب‌- تحريم عمر وعثمان حج التمتع: رويت عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد دخل عليها وهو غضبان قالت: من اغضبك يا رسول الله؟ ادخله الله النار! فقال (صلى الله عليه وآله) او ما شعرت اني امرت الناس بامر فاذا هم يترددون!! صحيح مسلم 2/879. ورى عمران بن حصين قائلا: نزلت آية المتعة في كتاب الله وامرنا بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم لم تنزل اية تنسخ اية متعة الحج ولم ينه عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. صحيح مسلم 2/900 وصحيح البخاري 2/176 و5/205 والرجل هو عمر باجماع الرواة والشراح للحديث. 
اما تحريم عثمان لحج التمتع فقد ورد في الصحيحين من رواية مروان بن الحكم قال (شهدت عثمان وعليا ، وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما، فلما رأى علي (عليه السلام) اهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال: ما كنت لادع سنة النبي (صلى الله عليه وآله) لقول احد) وعن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان فكان عثمان ينهى عن المتعة او العمرة فقال علي (عليه السلام) : اني لا استطيع ان ادعك فلما ان رأى عليّ ذلك اهل بهما جميعا. البخاري 2/176 ومسلم 2/897. 
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق وفيه: فقال عثمان لعلي كلمة!! والكلمة هي (تراني انهى الناس عن شيئ وانت تفعله!)

ج- تحريم عمر متعة النساء: قال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) انا انهى عنهما واعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج. اخرجه سعيد بن منصور في سننه 1/218 والامام احمد في مسنده 1/52 والبيهقي في سننه الكبرى 7/206 والطحاوي في شرح معاني الاثار 2/144. 
وعن جابر بن عبد الله الانصاري قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنهانا عنهما عمر فانتهينا) اخرجه احمد في مسنده 3/325. وعن جابر في لفظ اخر: متعتان فعلناهما على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهانا عنهما عمر فلم نعد اليهما. صحيح مسلم 4/131 و4/59 وهذا اللفظ اخرجه الطحاوي 2/144. 
وفي صحيح مسلم 4/131 عن جابر يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابي بكر حتى نهى عنه عمر في شان عمرو بن حريث

د- منع ابي بكر وعمر فاطمة من ميراثها: روى البخاري 4/44 و5/24 ومسلم 5/152 واللفظ لمسلم: ... قال: فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر انا ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نورث ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى أبو بكر وانا ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وولى أبى بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا والله يعلم انى لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما ادفعها الينا... )
وهذا الموقف من امير المؤمنين (عليه السلام) صريح وصارخ بانه كان مصرا على المطالبة مكذبا ابابكر وعمر في دعواهم والا لما اصر على المطالبة عدة مرات حتى بعد وفاة فاطمة!

هـ- موقف عمر من صلح الحديبية: فقد اعترض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلحه هذا وشك في نبوته وشكك ولم يقتنع بما قاله له واجابه عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذهب بعد ذلك الى ابي بكر واعترض بمثل ما اعترض به على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تواتر كفر عمر وردته بذلك حيث روى البخاري عن نافع قال(ان الناس يتحدثون ان ابن عمر اسلم قبل عمر) قال: وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية ارسل عبد الله الى فرس له عند رجل من الانصار يأتي به (ليقاتل عليه!!) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يبايع تحت الشجرة وعمر لا يدري بذلك(لانه انسحب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعيدا وارسل ابنه ليأخذ فرسه من الانصاري المجاهد الذي استعار او استأجر فرسا من عمر!) فبايعه عبد الله (ابن عمر) ثم ذهب الى الفرس فجاء به الى عمر(وعمر يستلئم للقتال!!) فاخبره ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبايع تحت الشجرة قال فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهي التي يتحدث الناس ان ابن عمر اسلم قبل عمر. ومما يشهد على قبح ما فعله عمر وانه حبط عمله وارتد في الحديبية انه قال: مازلت اصوم واتصدق واصلي واعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به. راجع: مسند الامام احمد 4/325 وفي البخاري: قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك اعمالا. وقال ابن حجر: المراد به الاعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى عن التوقف في الامتثال ابتداء وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله: اعمالا... 
ومما يؤيد ما قلناه ما رواه البخاري 5/67 و6/43 و6/10 ان عمر قال: فسأل عمر بن الخطاب رسول الله (صل الله عليه وآله) عن شيء فلم يجبه رسول الله
ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه وقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر(فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين) وخشيت أن ينزل في قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي قال فقلت لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن وجئت رسول الله فسلمت عليه فقال لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ إنا فتحنا لك فتحا مبينا). 
والذي يشكك بان الفتح نزلت بعد ان عاند عمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجادله ثلاث مرات بان صلح الحديبية هو اذلال للمؤمنين خلاف وعده بالفتح نقول له: (فجاءر عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله السنا على الحق وهم على الباطل فقال بلى فقال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى قال فعلى ما نعطى الدنية في ديننا... . فقال (صل الله عليه وآله) يا ابن الخطاب انى رسول الله ولن يضيعني الله ابدا فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه رسول الله ولن يضيعه الله ابدا فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها فقال عمر يا رسول الله أو فتح هو؟!! قال نعم!) رواه البخاري 4/70 و6/46. 
فنرى تصريح عمر في سؤال رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاعتراض عليه وعدم جواب رسول الله (صلى الله عليه وآله) له ثلاث مرات وتصريح عمر بانه حرك بعيره وتقدم امام المسلمين!! أي انه اعتزلهم والرواية الاخرى تصرح باعتزال عمر وابنه وارساله ابنه ليأتيه بفرس عند احد المقاتلين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن هذا وذاك يتضح بان عمر اعتزلهم وتركهم ولم يكن مستعدا للقتال كما يزعمون لعدم وجود قتال اصلا وكون اعتراضه على عدم قتال الكفار وقبول رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلح وليس العكس!!

و- اما موقف عمر من كتابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيته التي لا تضل الصحابة ولا الامة من بعده ان كتبت: فقد اعترض اشد الاعتراض حتى لجأ الى التجاسر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورميه بالهجر والهذيان وبعد تعديل العبارة اصبح قول عمر (غلب عليه الوجع) وهي نفس معنى الهجر والهذيان فمن يغلب عليه الوجع يهذي ويهجر حتى اختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر ولذلك كان ابن عباس يقول: ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم وفي رواية: فلما اكثروا اللغوا والاختلاف عند النبي قال لهم: قوموا عني. 

ز- مخالفات عمر في مسائل عدة منها: تحديد المهور والتجسس على المسلمين والمخالفة في حد الخمر ورجم المجنونة الزانية وتعطيل حد الزنا عن المغيرة ووو... وشرب النبيذ والتفريق في العطاء ومنع بيع امهات الاولاد ووو... 

ح- تخلفهما عن جيش اسامة: 
قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 8/115: بدأ برسول الله (صل الله عليه وآله) وجعه يوم الأربعاء فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة فقال: أغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك، فقد وليتك هذا الجيش... . : لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر ولما جهزه ابو بكر بعد ان استخلف سأله ابو بكر ان يأذن لعمر بالاقامة فاذن. ذكر ذلك كله ابن الجوزي في المنتظم جازما به وذكره الواقدي واخرجه ابن عساكر من طريقه مع ابي بكر وعمر وسعدا وسعيدا وابي عبيدة وسلمة بن اسلم وقتادة بن النعمان. أ. هـ

ط- معصيتهما امر رسول الله (صل الله عليه وآله) بقتل الخارجي: 
روى احمد بسنده عن ابي بكرة قال: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم مر برجل ساجد وهو ينطلق إلى الصلاة فقضى الصلاة ورجع عليه وهو ساجد فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يقتل هذا فقام رجل (وفي باقي طرق الحديث: ابو بكر) فحسر عن يديه فاخترط سيفه وهزه ثم قال يا نبي الله بابي أنت وأمي كيف أقتل رجلا ساجدا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم قال من يقتل هذا فقام رجل(وفي سائر الروايات والطرق الاخرى انه عمر) فقال أنا فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزه حتى أرعدت يده فقال يا نبي الله كيف اقتل رجلا ساجدا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها. اخرجه الشيخ الالباني في سلسلة الاحاديث الصحيحة (ح2495) وقال: وهذا اسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي(6/225) رواه احمد والطبراني من غير بيان شاف، ورجال احمد رجال الصحيح. ثم ذكر الالباني رواية اخرى عن احمد 3/15 وفيها تصريح بمعصية ابي بكر وعمر ثم قال: قلت: واسناده حسن، رجاله ثقات معروفون غير ابي روبة هذا وقد وثقه ابن حبان... وقال الهيثمي 6/225: رواه احمد ورجاله ثقات. ثم صرح في الصفحة التالية انه صح وهو حديث ابي بكرة المتقدم. أ هـ. 
وها هو شيخكم ومحدث العصر عندكم وكبير الوهابية الالباني يصحح هذه الرواية ويثبت انها صحيحة ثابتة وان ابا بكر وعمر عصيا امر رسول الله (صل الله عليه وآله) بكل وضوح فيها فهل شيخكم الالباني رافضي او سبأي؟!!

ي- ابتداع عمر لصلاة التراويح: 
وقد قال عمر باعترافه كما في صحيح البخاري 2/252: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. 
وقد ذهب الصحابة لاخراج النبي (صل الله عليه وآله) لهذه الصلاة ولكنه (صل الله عليه وآله) رفض ذلك واعتذر لهم مع عدم تأدبهم في الطلب حيث روى البخاري في كتاب الادب ح 5762: عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله (صل الله عليه وآله) حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يصلَّي فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاؤا يصلَّون بصلاته، قال: ثمّ جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم مغضبا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت انّه سيكتب عليكم، (فعليكم بالصلاة في بيوتكم)، فان خير صلاة المرء في بيته إلَّا الصلاة المكتوبة. 
فكما ترى اصرار هؤلاء الصحابة على خروج رسول الله (صل الله عليه وآله) وصلاته بهم جماعة في ليالي رمضان ولكنه رفض رفضا قاطعا وامرهم بالصلاة في بيوتهم ثم جاء عمر وجمعهم على امام واحد جماعة فخالف هذا الامر النبوي الصريح وقال: نعمت البدعة هذه. . فكأنه اعلم واحرص من محمد بن عبد الله واعرف بالمصالح الشرعية الالهية والعياذ بالله. 
وهذا غيض من فيض من مخالفاتهما ونكتفي بهذا القدر لنثبت لك بان اجتهادهما في مقابل النص امر ثابت وقطعي لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد. 

ك- جهل عمر بحكم التيمم: روى البخاري ومسلم ان النبي(صلى الله عليه واله) قال: (جعلت لي ولأمتي الارض مسجدا وطهورا) وروى البخاري وكذلك مسلم واللفظ له 1/193: ان رجلا اتى عمر فقال إني أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار اما تذكر يا أمير المؤمنين أذانا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل واما انا فتمعكت في التراب وصليت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك ان تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار قال إن شئت لم احدث به! وفي لفظ قال عمر لعمار: نوليك ما توليت!! وهذا الحكم من الوضوح بمكان حيث انعقد عليه الاجماع ومستنده من القرآن الكريم باوضح الكلام حيث قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُم سُكَارَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَرضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الغَائِطِ أَو لَامَستُمُ النِّسَاءَ فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا )) (النساء:43) وكذا (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلَاةِ فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَرضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الغَائِطِ أَو لَامَستُمُ النِّسَاءَ فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وَأَيدِيكُم مِنهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجعَلَ عَلَيكُم مِن حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم وَلِيُتِمَّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ )) (المائدة:6) فلا ندري أي جهل بعد هذا الجهل!! مع تذكير عمار بن ياسر له بذلك الحكم وانكاره له بل تهديده له بالتحديث له ونشره بين الناس حيث بقي مصرا على عدم جواز التيمم لعقدته الحاصلة من هذه الاشياء كما اصر على تحريمه لحج التمتع وقطعه لشجرة الرضوان ووو... 

سادساً: واما انكارك لفرارهما من الزحف ومن القتال مع كونه امرا ثابتا مقطوعا به ولا يحتاج الى دليل ولكن نذكر بعض الادلة تذكيرا وفضحا للمقدسين المزيفين قربة الى الله تعالى ونصرة للحق المبين فنقول: 
أ‌- قال ابو بكر: كنت اول من فاء الى رسول الله (صل الله عليه وآله) يوم احد. رواه احمد في الفضائل ح 242 ومسند الطيالسي والحاكم في المستدرك وصححه ح4371 و5663 وابن كثير في السيرة النبوية والبداية والنهاية وتفسير القرآن العظيم ولفظه في السيرة النبوية عند ابن كثير عن البيهقي في الدلائل: انهزم الناس عن رسول الله (صل الله عليه وآله) يوم احد وبقي معه احد عشر رجلا من الانصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل... 
وفي رواية البيهقي في الدلائل ح 1129: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى ثم قال كان ذاك يوما كان كله يوم طلحة ثم أنشأ يحدث قالت قال كنت أول من فاء يوم أحد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه... 
ونقل ابن ابي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة 13/ح 293 رد ابي جعفر الاسكافي على الجاحظ حيث قال الجاحظ: وقد ثبت أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد، كما ثبت علي فلا فخر لأحدهما على صاحبه في ذلك اليوم 
قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله اما ثباته يوم أحد فأكثر المؤرخين وأرباب السير ينكرونه، وجمهورهم يروى انه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله الا على وطلحة والزبير، وأبو دجانة، . 
وقد روى الحاكم في المستدرك 3/111 عن ابن عباس قال: لعلي أربع خصال ليست لاحد هو أول عربي وأعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف والذي صبر معه يوم المهراس وهو الذي غسله وادخله قبره. 
ويوم المهراس: هو يوم احد وقد جاء فيه علي بماء من المهراس وهو ماء في احد(معجم البلدان). 

ب‌- اما يوم الخندق فقد جبن الصحابة كلهم حاشا علي (عليه السلام) فقد روى البيهقي في سننه الكبرى 9/132 وكذا في دلائل نبوته 3/438 وابن كثير في البداية والنهاية 4/121 وابن عساكر في تاريخ دمشق 42/78 وابن سيد الناس في سيرته عيون الاثر 2/41: أن عمرا لما نادى بطلب من يبارزه قام علي رضي الله عنه وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبي الله فقال له اجلس انه عمرو ثم كرر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون لي رجلا فقام على فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس انه عمرو ثم نادى الثالثة وقال: 

ولقد بححت من النداء ***** بجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع ***** وقفة الرجل المناجز
وكذاك أنى لم أزل ***** متسرعا قبل الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى ***** والجود من خير الغرائز

فقام علي رضي الله عنه فقال أنا له يا رسول الله فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمرا فأذن له رسول الله عليه الصلاة والسلام فمشى إليه على وهو يقول: 

لا تعجلن فقد أتاك ***** مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة ***** والصدق منجى كل فائز
انى لأرجو أن أقيم ***** عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء ***** يبقى ذكرها عند الهزاهز

فقال عمرو من أنت قال أنا على قال ابن عبد مناف؟ قال أنا علي بن أبي طالب فقال غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فانى أكره ان أهرق دمك فقال علي لكني والله ما أكره ان أهرق دمك فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار... . فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله على بدرقته فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه فضربه على على حبل العاتق فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله عليه الصلاة والسلام التكبير فعرف أن عليا قد قتله. 
كما ترى لم يبرز ابو بكركم ولا عمركم اللذين تزعمون انهما افضل واشجع من امير المؤمنين (عليه السلام) ولا اعتقد ان علمائك الذين نقلوا هذه الرواية رافضة او سبأية!!

ج- اما خيبر وما ادراك ما خيبر فحدث ولا حرج: فقد روى احمد 1/99 و133 قال النبي (صل الله عليه وآله) : لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار فتشرف لها اصحاب النبي (صل الله عليه وآله) فاعطانيها. اخرجه ايضا ابن ماجه في سننه 1/43 وذكره ابن حجر في فتح الباري بطريق اخر عن ابن اسحاق عن عروة ورواه النسائي في السنن الكبرى 5/144 وكذا في خصائصه 116. ومن الواضح جدا ان قوله (صل الله عليه وآله) (ليس بفرار) وفي المستدرك 3/38: (لا يولي الدبر) تعريض بالفرارين الذين سبقوه في قيادة الجيش وغزو خيبر حيث فروا وهربوا وهما ابو بكر وعمر. 
حيث روى الحاكم في مستدركه 3/27 وصححه عن ابي ليلى عن علي انه قال: 
يا أبا ليلى اما كنت معنا بخيبر قال بلى والله كنت معكم قال فان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر إلى خيبر فسار بالناس وانهزم حتى رجع ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. 

اما هروب عمر وفراره فقد روى الحاكم ايضا 3/37 وصححه ووافقه الذهبي بسنده عن علي (عليه السلام) قال: سار النبي صلى الله عليه وآله إلى خيبر فلما اتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم فقاتلوهم فلم يلبثوا ان هزموا عمر وأصحابه فجاؤوا يجبنونه ويجبنهم فسار النبي صلى الله عليه وآله. 
وروى له طريق اخر من حديث جابر قال: ان النبي صلى الله عليه وآله دفع الراية يوم خيبر إلى عمر رضي الله عنه فانطلق فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه. اخرجه الحاكم ايضا وصححه على شرط مسلم. 
وقال الذهبي في تلخيصه القاسم (بن ابي شبية) واه (وذلك واضح حيث انه يروي فضائل امير المؤمنين وفضائح القوم فلا يروق لهم مثل هذا الراوي مع كون اخويه حجج اثبات وهما الحافظان ابو بكر وعثمان وكذلك ابن اخيه محمد بن عثمان الذي يروي عنه ويوثقه ويجله)!! ويروي عنه كبار الحفاظ كابي زرعة وابي حاتم ثم تركا حديثه ولكن كانوا يكتبونه دون الرواية عنه وكذلك ممن يروي عنه من الحفاظ الكبار صالح جزرة وابو يعلى الموصلي صاحب المسند. 

د- وكذلك في حنين كما هو معلوم في القرآن الكريم والسنة والسيرة فقد قال تعالى(لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين اذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) وقد اخرج ابن ابي شبية في مصنفه 8/552 بسنده عن الحكم بن عيينة قال: لما فر الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله) يوم حنين جعل النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: 

أنا النبي لا كذب ***** أنا ابن عبد المطلب

قال الحكم: فلم يبق معه إلا أربعة: ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم: علي بن أبي طالب والعباس وهما بين يديه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالعنان وابن مسعود من جانبة الأيسر قال: فليس يقبل نحوه أحد إلا قتل والمشركون حوله صرعى. واخرجه ابن حجر في فتح الباري 8/23. 
ثم انهم اختلفوا واضطربوا وتناقضوا تناقضا كبيرا في امر واضح جدا للتغطية على الصحابة وخصوصا ابو بكر وعمر حيث حشروهم في بعض الروايات بين الاسماء مع ورود الكثير منها تصرح باسماء وعدد من بقي وثبت مثل: ما رفعه الحافظ ابن حجر بقوله في فتح الباري 8/23 وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحرث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن بن أم أيمن (ومن المهاجرين أبو بكر وعمر) فهؤلاء تسعة وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة ثم قال: ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط وذلك قوله

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ***** وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
وعاشرنا وافى الحمام بنفسه ***** لما مسه في الله لا يتوجع 

نقول: من الواضح جدا ان العباس يقول ان من ثبت مع رسول الله (صل الله عليه وآله) كانوا من اهل بيت النبي (صل الله عليه وآله) وليس فيهم من المهاجرين والانصار احد بدليل قول ابن حجر بعد ذلك وذكره لرواية الزبير بن بكار التي ذكر فيها اسماء اخرين لا وجود لابي بكر وعمر بينهم فقال: وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين أيضا جعفر بن أبي سفيان بن الحرث وقثم بن العباس وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وشيبة بن عثمان الحجي فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي صلى الله
عليه وسلم ليقتله فأقبل عليه فضربه في صدره وقال له قاتل الكفار فقاتلهم حتى انهزموا. 
نقول: فتبين من مجموع الروايات انه لا وجود لابي بكر وعمر وانما اقحموا في احدى الروايات اقحاما كعادتهم في كل المعارك التي يفرون فيها تجدهم يجعلونهم من الثابتين كذبا وتزويرا فالله حسبيهم. 
فلو استقصينا هذه الروايات واخرجنا ما صرح به العباس في شعره وجعله من اهل بيت النبي هم من ثبتوا مع النبي (صل الله عليه وآله) وافتخر على الناس بذلك وجعل عليا (عليه السلام) عاشرهم الذي وافى الحمام بنفسه دون وجع لاخلاصه لله تعالى وتعوده على ذلك فهذا واحد والعباس وابو سفيان بن الحرث وخادم النبي (صل الله عليه وآله) عبد الله بن مسعود والفضل وقثم ابنا العباس وربيعة اخو ابي سفيان ابنا الحرث بن عبد المطلب فاصبحوا سبعة وعتبة ومعتب ابنا ابي لهب وعقيل بن ابي طالب فهؤلاء عشرة كاملة واذا صحت رواية الاثني عشر فنضيف اليهم ممن ذكروهم عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب. وبقي شخص كان كافرا يريد اغتيال النبي (صل الله عليه وآله) وبمعجزة من رسول الله (صل الله عليه وآله) قاتل مع النبي (صل الله عليه وآله) ضد ثقيف عصبية وجاهلية وتعصبا لقريش بعد ان وضع رسول الله (صل الله عليه وآله) يده الشريفة على صدره فانتقل من ارادته قتل النبي (صل الله عليه وآله) واغتياله الى القتال معه ونصره ضد ثقيف تكبرا على ثقيف لكونه قرشيا كما قال وصرح هو وهو شبية بن عثمان والسلام. 

سابعاً: أما مسألة نشرهما للاسلام وتوسيع رقعة الدوله الاسلامية فنقول: 
أ- قد بينا مواقفهما في جميع المعارك مع الرسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذلك الحال عن القتال ففي زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانا من اوائل الهاربين عنه والفارين عن القتال فأية شجاعة وأية بطولة تذكرلهما وحينما وليا الامارة في خيبر انهزما وفرا من الزحف والقتال. وكذلك الحال بالنسبة لبعثهما في سرية أسامة فانهما تخلفا عن الجيش أسامة ولم ينفذا امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) واصراره على خروج الجيش من المدينة قبل انتقاله الى الرفيق الاعلى. واما بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) فقام ابو بكر بقتال المسلمين ومن ثم دفع الدية لهم لقتلهم بالخطأ الذي تعود على ارتكابه السيف المسلول!!!على المؤمنين خالد بن الوليد!! بحجة انهم مانعوا الزكاة. ولم يفتح ابو بكر الفتوحات ولم يوسع الرقعة ولم يقاتل بنفسه أصلا. 

ب- واما عمر فبالاضافة الى ما تقدم فانه لم يشارك أيضا في تلك الحروب والغزوات والفتوحات وقد كان المسلمون مخلصين ومتقين وقياداتهم اكثرها من الشيعة سواء كانوا صحابة او تابعين كحذيفة بن اليمان وسليمان الفارسي وعمار بن ياسر وحجر بن عدي وهاشم المرقال والمثنى بن حارثة الشيباني وهؤلاء كلهم من الشيعة أما فتوحات ايران فقد بدأ فتحها العلاء بن الحضرمي وقبائل عبد القيس من الجنوب بدون أذن عمر بن الخطاب فغضب عليهم!ثم واصلوا فتوحاتهم ففتحوا شيراز وكرمان وسيستان الى حدود الهند وادخلوها وكان قادة الجيوش والفرسان الذين فتحوا ايران النعمان بن مقرن وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعبدلله بن بديل بن ورقاء والاحنف بن قيس وعبدلله بن جعدة بن هبيرة ووو من فرسان الشيعة. 
اما بلاد الشام والاردن وفلسطين وقتال الروم فقد قاد الخيل في معركة اجنادين وهي اهم المعارك التي هزم فيها الروم واضطر هرقل الى الانسحاب كان قائد الخيل فيها خالد بن سعيد بن العاص وصاحبه شرحبيل بن حسنة قائد الجيش وزميله هاشم المرقال قائد المسيرة وهؤلاء من اصحاب علي (عليه السلام) ومن شيعته وقد نسبت هذه الفتوحات الى مثل خالد بن الوليد!!
اما معركة مرج الصفر في الاردن فقد اعترف الرواة بأن عبيد وخالد وعمرو بن العاص ووشرحبيل قد أعطوا القيادة فيها لخالد بن سعيد بن العاص وهاشم المرقال فانتصروا فيها وليس أولئك. 
ثم وقعت اليرموك مع الروم في اهم المعارك والتجمع للروم فكان بطلها مالك الاشتر كان قد ارسله امير المؤمنين مع عمرو بن معدي كرب ومجموعة فرسان نخعيين واعترفوا بأن الاشتر قتل ثلاثة عشر من بطارقتهم وثلاثة منهم مبارزة. 
أما مصر فلم تفتح عنوة بل مصالحة دون قتال فلم يفتحها عمرو بن العاص وأما اهم المعارك في مصر ضد الروم فهي معركة ذات الصواري تصدى فيها المسلمون بعد فتح مصر مصالحة بعدة سنوات جيش الروم الغازي وكان بطلا هذه المعركة شيعيين هما محمد بن ابي بكر ومحمد بن ابي حذيفة اللذان ذهبا الى مصر ليحرضا على عثمان!!
فانك ترى ان المثنى بن حارثة قاد تلك المعارك حتى معركة ذي قار ودور سلمان الفارسي واضح في فتح ايران وكان في معركة القادسية في منصب داعية المسلمين ورائدهم وفي فتح المدائن مفاوض المسلمين مع الفرس وقد اقنع حامية القصر بالاسلام والقاء السلاح وكذا تجده في فتح ارمينيا وشرق آسيا، وتجد دور مالك الاشتر تلميذ علي (عليه السلام) ومبعوثه بطل اليرموك الذي برز الى فارس الروم الاكبر ماهان حين اخفى رأسه خالد وابو عبيدة وتجد حجر بن عدي الذي قتله معاوية لولائه لعلي (عليه السلام) قائدا في القادسية وفي فتح المدائن وجلولاء وارمينية ودمشق وبيروت بل ذكروا في قتله في مرج عذراء انه كان هو من فتحها وتجد عمار بن ياسر بطلا في معركة اليمامة وفتح العراق وفارس وتجد هاشم المرقال الزهري الشيعي قائدا في معركة اجنادين بفلسطين ومعركة مرج الصفر واليرموك ومعركة القادسية بالعراق ثم قائد معركة المدائن وجلولاء وحلوان ونهاوند الكبرى التي سميت فتح الفتوح. وتجد اباذر عمل عشرين سنة في فتح الشام وقبرص ومصر وتجد حذيفة قائدا في القادسية والقائد العام في معركة نهاوند وكذلك ارمينية وغيرها. وتجد خالد بن سعيد بن العاص الاموي الذي كان اول المعترضين في المسجد النبوي على اهل السقيفة بطل فتح فلسطين وبطلا في فتح الشام وكذا اخويه ابان وعمرو وبريدة الاسلمي وعبادة بن الصامت وابو ايوب الانصاري وعثمان بن حنيف واخوته وعبد الرحمن بن سهل الانصاري والمقداد بن عمرو وواثلة بن الاسقع الكناني والبراء بن عازب وقيس بن ثابت وبلال بن رباح وعبد الله بن خليفة البجلي وعدي بن حاتم الطائي وابو عبيدة الثقفي واخوه مالك الاشتر وعددا من القادة النخعيين وصعصعة بن صوحان العبدي واخوته والاحنف بن قيس وعمرو بن الحمق الخزاعي وابو الهيثم بن التيهان وجعدة بن هبيرة ابن اخت امير المؤمنين (عليه السلام) والنعمان بن مقرن واخوته وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي والمسيب بن نجية ومسلم بن عوسجة ومحمد بن ابي حذيفة بن عتبة وابو رافع واولاده. ومن التابعين: جارية بن قدامة السعدي وابو الاسود الدؤلي ومحمد بن ابي بكر والمهاجر بن خالد بن الوليد... وعدد اخر من القادة الميدانيين فهؤلاء الفاتحون الحقيقيون يا هذا وليس ابا بكر وعمر!!

ثامناً: اما تآمرهما على رسول الله (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام) فواضح وقد تقدم الكثير من الشواهد كالاستئثار وغصب الخلافة على المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغصب ارث الزهراء كفدك وغيرها وتخلفهما عن بعث اسامة وقوله عن رسول الله انه يهجر ومنعه من كتابة وصيته التي لا يضل المسلمون بسببها من بعده وكشفهما بيت فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) وترويعها والاهم من هذا وذاك هو تأمرهما على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومحاولة اغتياله في غزوة تبوك عند العقبة كما سنذكر ذلك بعد قليل بالتفصيل. 
واما ادعاؤك ان الصحابة بايعاهما وقبلوا خلافتهما برضا واطمئنان فاين انت ممن قالوا عند البيعة عنه لعمر: قتلتم سعدا!! فاجاب: قتله الله ،رواه البخاري 4/194 و8/27 ونقل ابن حجر في فتح الباري 7/25: ما رواه موسى بن عقبة عن ابن شهاب: فقال قائل من الانصار ابقوا سعد بن عبادة لاتطؤه! فقال عمر: اقتلوه قتله الله!! ثم اتبعه بقوله: وفي حديث مالك: فقلت وانا مغضب: قتل الله سعدا فانه صاحب شر وفتنة فهذا سعد بن عبادة لم ولن يبايع الاول والثاني حتى مات. 
فقد قال العلامة العيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 16/184: وسعد بن عبادة بن دلهم ابن حارثة الأنصاري الساعدي، وكان نقيب بني ساعدة عند جميعهم وشهد بدراً عند البعض ولم يبايع أبا بكر ولا عمر، وسار إلى الشام فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة، ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً على مغتسله، قيل: إن قبره بالمنيحة، قرية من غوطة دمشق، وهو مشهور يزار إلى اليوم. ا. هـ 
وقال ابن الاثير في اسد الغابة 3/223: وكان عمر ابن الخطاب أول من بايعه وكانت بيعته في السقيفة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كانت بيعة العامة من الغد وتخلف عن بيعته على وبنو هاشم والزبير ابن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الأنصاري ثم إن الجميع بايعوا بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الا سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أحدا إلى أن مات وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر على القول الصحيح. ا. هـ 
وروى ابن سعد في طبقاته 7/390: ... فقال عمر لأبي بكر ابسط يدك فبايعه وبايعه المهاجرون والأنصار ولم يبايعه سعد بن عبادة فتركه فلم يعرض له حتى توفي أبو بكر وولي عمر فلم يبايع له أيضا فلقيه عمر ذات يوم في طريق من طرق المدينة فقال له عمر إيه يا سعد إيه يا سعد فقال سعد إيه يا عمر فقال عمر أنت صاحب ما أنت عليه فقال سعد نعم أنا ذلك وقد أفضى الله إليك هذا الامر وكان واليه صاحبك أحب إلينا منك وقد والله أصبحت كارها لجوارك فقال عمر رضي الله تعالى عنه إن من كره جارا جاوره تحول عنه فقال سعد أما إني غير مستسر بذلك وأنا متحول إلى جوار من هو خير من جوارك قال فلم يلبث إلا قليلا حتى خرج مهاجرا إلى الشام في أول خلافة عمر. 
وقد روى ما يؤيد عدم قبول الناس بخلافة عمر وعدم رضاهم وعدم اطمئنانهم كما تزعم عكس ذلك وقد تخوف الناس وانكروا على ابي بكر توليه عمر وجعله من بعده عليهم. 
فقد روى ابن ابي شبية في مصنفه 7/485 بسنده قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة أرسل إلى عمر ليستخلفه، قال: فقال الناس: أتستخلف علينا فظا غليظا، فلو ملكنا كان أفظ وأغلظ، ماذا تقول لربك إذا أتيته وقد استخلفته علينا، قال: تخوفوني بربي! أقول: اللهم أمرت عليهم خير أهلك. 
واخرج ابن سعد في طبقاته الكبرى 3/274 بسنده عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة استخلف عمر فدخل عليه علي وطلحة فقالا من استخلفت
قال عمر قالا فماذا أنت قائل لربك قال أبالله تفرقاني لأنا أعلم بالله وبعمر منكما أقول استخلفت عليهم خير أهلك. صححه الالباني في ارواء الغليل 6/81. 
ويؤيده ما رواه البخاري في صحيحه 5/82 ومسلم 5/154 عن عائشة قالت: ... فأبى أبو بكر ان يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت فاطمة على ابن بكر في ذلك قال فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة اشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها علي وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبى بكر ان ائتنا ولا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر. 
نقول: فاين هذا الاحترام لهما واين التقديس المزعوم فاقرأوا وعوا جيدا!!؟. 

تاسعاً: واما زعمك بان الثقات الاثبات قد رووا بالاسانيد الصحيحة ان لهما سؤددا واجلالا واحتراما منقطع النظير فقد بينا نقضه وكشفنا كذبه اذ يطلق عليهما امير المؤمنين وصف الكاذبين والاثمين والغادرين والظالمين وقول فاطمة (عليه السلام) له: انت وما سمعت! تكذيبا له! وقول امير المؤمنين (عليه السلام) لابي بكر حينما استنكر وجوه الناس فالتمس مبايعته: ان ائتنا ولاياتنا معك احد كراهية لمحضر عمر. وقول الناس لابي بكر ومنهم علي (عليه السلام) وطلحة ووو: اتستخلف علينا فظا غليظا؟!! وموقف ابن عباس من عمر في قوله ووصفه لموقفه يوم الخميس وقوله الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وكتابة الوصية. وما فعله سعد بن عبادة من عدم مبايعته لهما وما قاله لعمر بانه كره جواره فهاجر الى الشام وجعل معاوية خيرا منه اذ قال له: وانا متحول الى جوار من هو خير منك فلا ادري اين هذا الاحترام والاجلال والسؤدد!؟

عاشراً: واما ادعاؤك ان احد اسانيد القرآن ينتهي لعمر ولعثمان فيا للعجب من الكذب المفضوح وانكم تفترون على الله كذبا!! فذلك اثم مبين: 
أ‌- اما عمر فباعترافه انه لم يحفظ القرآن ولم يحفظ سورة البقرة الا في اثني عشر سنة فلما ختمها نحر جزورا!! تنوير الحوالك للسيوطي ص216 قال واخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر قال: (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشر سنة فلما ختمها نحر جزورا). 
وكان يقول: كل الناس افقه منك ياعمر حتى العذراء في خدرها. 
وكان يقول: الهانا الصفق في الاسواق حين خفي عليه ابسط واوضح الاحكام وهو الاستذان ثلاثا حتى استهزء به الصحابة حين اشهدهم عمر فارسلوا له اصغر صحابي ليشهد بذلك. 
وقد ذكر العلامة العيني في عمدة القارئ والحفاظ من الصحابة فقال 5/203: وفي النهاية: استقل بحفظ القرآن ستة: ابو بكر وعثمان وعلي وزيد وابيّ وابن مسعود. ثم قال المسكين: وعمر كان اعلم وافقه من عثمان ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن. بل حتى حكم التيمم الثابت في آيتين وسورتين في القرآن قد جهله وخالفه وهو ثابت واضح في سورة النساء والمائدة!! فكيف يكون قد حفظ القرآن!! وقد رويتم عن انس انه قال: اختلف الحيّان(الاوس والخزرج): ... فقال الخزرج: منا الاربعة الذين جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم: زيد وابو زيد ومعاذ وابيّ. 
وقال الشعبي: لم يجمع القرآن في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير ستة كلهم من الانصار: زيد بن ثابت وابو زيد الانصاري ومعاذ بن جبل وابيّ بن كعب وابو الدرداء ونسي السادس وفي رواية سموا السادس وهو سعد بن عبيد وفي رواية انه: مجمع بن جارية. 
عموما: لم يعرف عمر في اسانيد القرآن ولا قراءات القرآن وقد ذكر عثمان كذبا وتزويرا ايضا حيث ان المصحف الذي نقل لنا سمي مصحف عثمان او المصحف العثماني وليس هو قراءة عثمان ولا يقع هو في سنده اصلا وقد قال الزركشي في البرهان 1/338: (قيل) قراءة ابن كثير ونافع وابي عمرو راجعه الى ابيّ وقراءة ابن عامر الى عثمان بن عفان، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي الى عثمان وعلي وابن مسعود. 
ونقول: ذكروا اهم القراءات وهي قراءة عاصم ومن يرويها عن عاصم اثنين فما رواه حفص بن سليمان عنه كان عن ابي عبد الرحمن السلمي عن علي (عليه السلام) وما رواه ابو بكر بن عياش عنه كان عن زر بن جيش عن عبد الله بن مسعود. راجع سير اعلام النبلاء للذهبي 5/259 وغيره
بل صرح بان قراءته عن علي (عليه السلام) فقط حيث قال: ما اقرأني احد حرفا الا ابو عبد الرحمن وكان قد قرأ على علي (عليه السلام) وكنت ارجع من عنده فاعرض على زر بن جيش وكان زر قد قرأ على ابن مسعود فقال ابو بكر لعاصم: لقد استوثقت. سير اعلام النبلاء للذهبي 5/258. 
واما مصحف المدينة المنورة في مطبعة ال سعود فقد ذكروا اسناد القرآن والقراءة فذكروا(ص 605/ا): رواية هذا المصحف: كتب هذا المصحف الكريم وضبط على ما يوافق رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الاسدي الكوفي لقراءة عاصم بن ابي النجود الكوفي التابعي عن ابي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب وزيد بن ثابت وابيّ بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله). وقد وجدنا ذلك حرفيا في المصحف الصادر عن الازهر الشريف ايضا. 
ونقول: قد صرح العلماء ان ابي عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان شيئا: قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 9/67: وقد قال احمد حدثنا حجاج بن محمد عن شعبة قال: لم يسمع ابو عبد الرحمن السلمي من عثمان وكذا نقله ابو عوانة في صحيحه عن شعبة ثم قال: اختلف اهل التمييز في سماع ابي عبد الرحمن من عثمان ونقل ابن ابي داود عن يحيى بن معين مثل ما قال شعبة. ا. هـ
فهؤلاء الفحول كاحمد الذي اخذه عن شعبة وابو عوانة نقله ايضا عن شعبة وابن ابي داود اخذه ونقله عن يحيى بن معين فهؤلاء اكابر رجال الجرح والتعديل اعلمهم باخبارهم وقد اثبتوا عدم سماع ابي عبد الرحمن من عثمان فتسقط كذبة رواية عثمان للقرآن ايضا فثبت كذبكم بان سند القرآن يعود الى عمر وعثمان فكفاكم كذبا وتدليسا!!

الحادي عشر: اما النقطة الاخيرة وهي انهما وزيرا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانه (صلى الله عليه وآله) كان يستشيرهما في كثير من الامور وانه (صلى الله عليه وآله) صاهرهما وان اهل البيت (عليهم السلام) كانوا يجلونهم ايما اجلال ولهم في قلوبهم مهابة عظيمة فيالله وللشيخين!! قدمنا آنفا كيف كان الصحابة يجلونهما وكذلك الامام علي (عليه السلام) والزهراء(عليها السلام) التي لم تقبل ان يشهدا جنازتها او الصلاة عليها او حتى معرفة قبرها وقد كذبته حينما قالت له حين روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الانبياء لا يورثون قالت له: (انت وما سمعت) وقدمنا ان الامام عليا (عليه السلام) كان قد اتهمهما هو والعباس بانهما كانا ظالمين كاذبين آثمين غادرين حيث منعاهما من ارث فاطمة والعباس من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ان حدثهم وزعم ابو بكر ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا نورث!! اذن اهل البيت يكذبون ابا بكر وعمر ويتهمونهما بالظلم والاثم والكذب والغدر!!
فلا ندري اين هذا الاحترام والاجلال والمهابة!!؟ ثم ان امير المؤمنين يمتنع هو والزهراء واصحابه واهل بيته من مبايعة ابي بكر لستة اشهر ثم يضطر امير المؤمنين (عليه السلام) وبعد وفاة الزهراء (عليها السلام) للمبايعة لمصلحة الاسلام والمسلمين بعد ان استنكر وجوه الناس بعد وفاة فاطمة(عليها السلام) وهذا ما يرويه البخاري ومسلم على لسان عائشة!!
واما مسألة المصاهرة فاين هذا الفضل الذي لهما فان النبي (صلى الله عليه وآله) قد تزوج برملة(ام حبيبة) ابنة ابي سفيان وهند الهنود آكلة الكبود فهل كان ذلك لفضل ابي سفيان وهند الهنود او لان ابا سفيان كان رجلا عظيما مع كون ابي سفيان كافرا حينها. وتزوج الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) يهودية صفية جويرية كانتا من السبي من خيبر ومن بني المصطلق وملك قبطية وانجب منها وتزوج امراة من بني عمر بن كلاب فدخل عليها فرأى بها بياضا فطلقها ولم يدخل بها وتزوج باخرى علمتها عائشة مخادعة لها ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما يدخل عليك قولي له: اعوذ بالرحمن منك فانه يحب هذه الكلمة فلما دخل عليها (صلى الله عليه وآله) قالتها فقال لها: لقد عذت بعظيم الحقي باهلك!
وتزوج ابنة عمته زينب بنت جحش بن رئاب من بني اسد بن خزيمة واسماء بنت عميس الخثعمية وزينب بنت خزيمة وهي من بني عبد مناف بن مالك بن عامر بن صعصعة وتزوج (صلى الله عليه وآله) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود... بن عامر فاي فضل لاهلهن فتبين بطلان ما تدندنون به ليلا ونهارا انه (صلى الله عليه وآله) قد تزوج ابنتا ابي بكر وعمر لفضلهما ولقربهما منه! بل انه تاذى كثيرا من عائشة وحفصة ما لم يتاذاه من اية امرأة اخرى حتى طلق حفصة لاكثر من مرة!! واما عائشة فكان لها ولمؤمراتها واذاها له بالمرصاد!!

واما وزارتهما له (صلى الله عليه وآله) واستشارته (صلى الله عليه وآله) لهما فهذا من الكذب المحض المبين: فرواية (... وزيراي في الارض ابو بكر وعمر) ساقطة وقد ضعفها الالباني وغيره ومن الواضح انها موضوعة في مقابل فضائل اهل البيت (عليهم السلام) كما وضعوا حديث (ابو بكر وعمر سيدا كهول اهل الجنة في مقابل: الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة) واما استشارة النبي (صلى الله عليه وآله) لهما فقد قال تعالى لنبيه(وشاورهم في الامر) فقد كانت من صفاته (صلى الله عليه وآله) وخلاله وشيمه انه كع كونه(ان هو الا وحي يوحى) ولكنه ليس مستبدا بالحكم وبرأيه وليس فظا غليظا فشخصيته (صلى الله عليه وآله) هينة لينة محبوبة ولم يخصهما بذلك وانما هما كانا يتصيدان ويتحينان هذه الفرص فيتجرئان على رسول الله باعترافهما كما روي: 
أ‌- ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يخرج على اصحابه من المهاجرين والانصار وهم جلوس فيهم ابو بكر وعمر ولا يرفع اليه احد منهم بصره الا ابو بكر وعمر فانهما كانا ينظران اليه وينظر اليهما ويبتسمان اليه ويبتسم اليهما. رواه الترمذي وهذا كاشف عن جرأتهما على رسول الله (صلى الله عليه وآله)

ب‌- عند اعتراض عمر على صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ابن ابي سلول حين موته ودفنه قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقال على قبره حتى فرغ منه قال (عمر): فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله ورسوله اعلم. رواه البخاري 2/100 و5/207. 

ج‌- اعتراضاته على رسول الله (صلى الله عليه وآله) تجد كثيرا منها في الائسلة والاجوبة على موقعنا فراجع ارجع الى الموقع/ الاسئلة والاجوبة/ عمر. 

د‌- وكل الروايات في الاستشارة او اكثرها تنص على ان رسول الله يستشير اصحابه ولكن من يتصدى ويتكلم ويبدي رأيه غالبا اول الناس هما ابا بكر وعمر وهذا ليس استشارة لهما بل هما من يبديان رأييهما ويتبرعان في الكلام الكثير ويجعلان انفسيهما من اهل الاستشارة بخلاف واقعهما الذي كانا عليه من الاختلاف فيما بينهما الذي يصل الى حد العراك والخصومة ورفع الاصوات ووو كما هو معلوم للجميع. 
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » علّة اصطحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له في الهجرة


عبد الخالق
السؤال: علّة اصطحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له في الهجرة
تذكر بعض مصادر الشيعة أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) اصطحب أبا بكر في الهجرة إلى المدينة خشية من أن تتسرب من خلاله معلومات حول طريق الهجرة. هل ترون هذا مقنعاً؟
الجواب:

الأخ عبد الخالق المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ كيفية اصطحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر في هجرته - حسب أخبار أهل السُنّة - مختلفة، وذلك لاختلاف الأحاديث فيها، والترجيح فيها صعب، لوجود روايات متضاربة عندهم!
فإحداها فيها: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هو الذي ذهب إلى بيت أبي بكر ظهراً وأخبره بهجرته، وأخذه معه(1). وأُخرى: إنّ أبا بكر اتّبع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ودخل معه الغار من دون ذكر لكيفية معرفته بخروج النبيّ(صلّى الله عليه وآله)(2). وأُخرى: أنّه ذهب إلى بيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فوجد عليّاً(عليه السلام)، فأخبره عليّ(عليه السلام) بوجود النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عند بئر ميمونة، وقال له: أدركه(3).
والأُولى وردت عن عائشة، وهي مردودة؛ لمخالفتها المقطوع من خروجه ليلاً من منزله إلى الغار بعد أن بيّتته قريش.

وأمّا عندنا، ففي بعض الروايات: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) استتبع أبا بكر وهند بن أبي هالة وأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره في طريقه إلى الغار، فلمّا وصل إليهما أخذهما معه إلى الغار، ثمّ أرجع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) هند إلى بعض أمره وبقي أبو بكر معه في الغار(4).
وفي بعضها: أنّه لا قاه في طريق الغار فأخذه معه حذراً من انكشاف أمره(5).
فالاحتمال في علّة أخذه وارد على كلّ الوجوه، ولا مرجّح إلاّ بقرينة، فمن أحسن به ظنّاً وقدّسه نفى التهمة عنه.. ومن قال: إنّه رجل عادي وليس موثوقاً عند النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بدرجة كبيرة، ولا ذو إيمان قويّ بحيث أنّه لو عذّب سوف يصبر حتّى الموت ولا يخبر بمكان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أو طريقه، قال: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) صحبه خوفاً من انكشاف أمره.. ولا رواية تصرّح بعلّة أخذه، وهو أمر يقع على وجوه وعلل شتّى، فالله أعلم.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 6: 212 حديث السيّدة عائشة، تاريخ الطبري 2: 101، في هجرة النبيّ، وغيرها.
(2) دلائل النبوة، للبيهقي 2: 477 باب خروج النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع صاحبه أبي بكر إلى الغار، إمتاع الأسماع 5: 271 فصل جامع معجزات رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حادي وثمانون، الدرّ المنثور 3: 240 سورة التوبة، تاريخ مدينة دمشق 30: 80 ترجمة أبي بكر.
(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 331 مسند عبد الله بن العبّاس، المعجم الكبير، للطبراني 12: 77 عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 42: 100 ترجمة الإمام عليّ، المستدرك على الصحيحين 3: 133 فضائل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وغيرها.
(4) أمالي الطوسي: 466 الحديث (1031) المجلس السادس عشر، مناقب آل أبي طالب 1: 158 باب ذكر سيّدنا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فصل في هجرته.
(5) الخرائج والجرائج 1: 144 الحديث (231) الباب الأوّل، فصل من روايات الخاصة في معجزاته، تفسير علي بن إبراهيم القمّي 1: 276 سورة التوبة، مبيت عليّ(عليه السلام) على فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إعلام الورى بأعلام الهدى 1: 147 الباب الثالث، الفصل الثامن، قصص الأنبياء، للراوندي: 334 الباب العشرون.

باحث عن الحقيقة / امريكا
تعليق على الجواب (15)
إذا كان رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قد أخذه خشية الوشاية به، فكان من الأجدر بفرض صحّة الرواية أن يقوم أبو بكر بالوشاية بالرسول(عليه أفضل الصلاة والسلام) وهما في الغار!
ولما لا! والمشركين موجودين والرسول(عليه الصلاة والسلام) بمفرده.
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن لم نقل: أنّ أبا بكر كان مبيّتاً لنيّة الوشاية برسول الله(صلّى الله عليه وآله) ابتداءً، أو حين تحين له الفرصة! وإنّما قلنا: أنّ أحد الاحتمالات في علّة أخذ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) له معه إلى الغار هو خوفه(صلّى الله عليه وآله) من افتضاح أمره، إذا وجد المشركون أبا بكر وقرّروه عن مكان رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، أو طريقه الذي سلكه، فإنّه لا يعرف لأبي بكر تلك الجلادة أو الاستعداد للتضحية بالنفس من أجل سلامة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، كما كان الحال في عليّ(عليه السلام)، فخافه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) على نفسه..
والمؤيّد لما قلنا به هو: خزن أبي بكر في الغار، ومبيت عليّ(عليه السلام) على فراش رسول الله(صلّى الله عليه وآله).

وسكوته في الغار لا يثبت لنا عكس ذلك من حاله، وأنّه كان قويّ الجنان، صلب الإيمان، مستعد للتضحية بنفسه من أجل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّه لم يقع بعد في أيدي مشركي قريش فتُعرف صلابته وتضحيته، بل إنّ سكوته كان بسبب خوفه على نفسه، الذي جعله لا يستقرّ له قرار رغم ما شاهده من معجزات في الغار، فأخبرنا القرآن بخبره، فلعلّ الرجل كان طامعاً فهو يزن أمره بين الربح والخسارة في كلّ حين وموقف، فإذا وجد الخسارة في نفسه كبيرة إذا مسكه المشركون، فلا مانع من إنقاذها ولو بالتضحية بغيره، وإن وجد الربح مرجواً فيه ما دام في الغار، فلا بأس من الصبر وانتظار ما ينجلي عنه الحال.

ولقائل يقول: إنّ عدم قيام أبو بكر بالوشاية على الرسول(صلّى الله عليه وآله) في الغار لا يعني أنّه(صلّى الله عليه وآله) لم يأخذ أبا بكر خشية الوشاية به، وذلك لاختلاف الظرف بين الموقفين؛ فوجوده في الغار مع الرسول(صلّى الله عليه وآله) يجعله متلبّساً بالهجرة، التي تكفي لوحدها مع إسلامه الظاهري لأن يكون عرضة للقتل، كما يريد المشركون ذلك لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وواحدة من الأسباب التي تدعوهم للقتل هو إخفاء معالم الجريمة التي يبغون إيقاعها..
ولعلّ تصوّر هذا الأمر في نفس أبي بكر هو أحد الأُمور التي أوجبت حزنه، فجاء القرآن ناهياً له عن هذا الحزن بقوله: (( لاَ تَحزَن ))، وهو سبب كافٍ لردع أبي بكر عن الوشاية برسول الله(صلّى الله عليه وآله).

ثمّ إنّ من أخلاق النبيّ(صلّى الله عليه وآله) العالية أنّه يتعامل مع الآخرين بالمودّة والاحترام، واللّطف والكرامة، فمن الصعب جدّاً على أي شخص أن يقابل هذا السلوك الأخلاقي العالي بسلوك معادٍ, وأمام أنظار ذلك الشخص، فشخصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله) العظيمة وأخلاقه العالية كانت مهيمنة على سلوك أبي بكر، ورادعة لأيّ فعل معادٍ، مثل: الوشاية به.

نعم، يمكن أن يصدر ذلك الفعل - وهو الوشاية - لو كان بعيداً عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ويتصوّر أنّه لا يعلم به, أمّا أن يفعل ذلك أمام أنظاره، فهذا ما لا يطيقه لا أبا بكر ولا غيره، وهو الذي يدّعي أنّه جاء مصدّقاً بالإسلام, فافتضاح أمره بهذه الطريقة أمر لا يصدر من شخص أخفى طمعه - على الفرض - لسنوات..
ولو فرض ونجا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من أيدي المشركين على الرغم من وشاية أبي بكر، فماذا سيكون مصير أبي بكر وهو يعلم أنّه إن استطاع أن يفلت من يد الرسول(صلّى الله عليه وآله)، فكيف يفلت من يد حمزة وعليّ(عليه السلام)؟!
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » صحبته للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم تكن بطلب منه


م/ سالم / سوريا
السؤال: صحبته للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم تكن بطلب منه
أرجو الإجابة على سؤالي التالي، والذي يقول: لماذا كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار أبا بكر ولم يكن أحد سواه؟
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: بعد التسليم بأنّ أبا بكر كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الهجرة أو الغار كما هو المشهور - فإنّ هناك من يشكّك في ذلك ويقول: إنّ الذي كان في الغار غيره - يجب أن نشير إلى أنّه لم ينفرد في الهجرة مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وحده, كما في مفروض السؤال, بل كان سواه معهما، كما سيأتي!

ثانياً: لا بدّ من ملاحظة ظروف الواقعة المفروض فيها التكتّم وقلّة المصاحب, والاحتياج إلى معرفة الطريق, وغير ذلك، فمن أوّل لحظات هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إلى آخرها لم تقع فرصة لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) ليختار بينه وبين غيره من الصحابة، ليقال: لماذا لم يكن هناك غيره؟ فلم يكن إلاّ عليّ(عليه السلام)، وهو اختار المبيت في الفراش والتضحية

ثالثاً: إمكان دراسة الموضوع وملاحظته بأشكال متعدّدة.

فقد يقال: إنّه صاحبه خوفاً منه لا عليه, أو: كان يخشى منه البوح, ولعلّه يشير إليه قوله تعالى: (( لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، أو: تؤخذ الواقعة كنوع امتحان وفتنة من الله سبحانه لعباده.
والمقبول من روايات الخاصّة والعامّة أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم يطلب من أبي بكر مصاحبته, أو كان القرار على ذلك, وهذه نكتة مهمة! بل كلّ ما هناك هو أنّه التقى به وهو في حال خروجه من مكّة، فصحبه معه, ولم يكن له خيار آخر، وهذا قد فسّر بخوفه من أن يفشي عليه ويخبر عنه.
ولا شكّ أنّه(صلّى الله عليه وآله) طلب من أبي بكر في الغار أن يسكن، وقد أخذته الرعدة وأخبره (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))، وهذه نكتة أهم!

ثمّ إنّه قد صحبه(صلّى الله عليه وآله) في هجرته: عامر بن فهر (فهيرة) مولى أبي بكر، وعبد الله بن أريقط، كما عن عائشة وغيرها(1).
وفي أمالي الشيخ الطوسي: ((واستتبع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أبا بكر بن أبي قحافة، وهند بن أبي هالة، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار))(2)؛ وفي بعض الروايات - على ما في مسند أحمد وغيره - أنّه لحق به بعد أن أخبره أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) انطلق إلى بئر ميمون(3)؛ بل في (الخرائج) أنّه(صلّى الله عليه وآله) رأى أبا بكر: قد خرج في الليل يتجسّس عن خبره, وكان وقف على تدبير قريش من جهتهم, فأخرجه معه إلى الغار(4).
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: المعجم الكبير، للطبراني 7: 105سليط أبو سليمان الأنصاري، الاستيعاب، لابن عبد البرّ 4: 1876 الحديث (4023)، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري 3: 8، 9 ذكر مقامات مرور النبيّ عند الهجرة، مناقب آل أبي طالب 1: 142 باب ذكر سيّدنا رسول الله، فصل في أقاربه وخدّامه، وغيرها.
(2) الأمالي: 466 المجلس السادس عشر الحديث (1031) مبيت عليّ(عليه السلام) على فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 331 مسند عبد الله بن العبّاس، المعجم الكبير، للطبراني 12: 77 عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، المستدرك على الصحيحين 3: 133فضائل عليّ بن أبي طالب، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 42: 98، 100 ترجمة الإمام عليّ، وغيرها.
(4) انظر: الخرائج والجرائح، للراوندي 1: 144 الحديث (231) فصل من روايات الخاصّة في معجزاته(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

مروة / مصر
تعليق على الجواب (16)
أو كان الله غير قادر أن يعيق أبا بكر لو كانت الفكرة من صحبته خشية أن يُخبر عن الرسول؟!
الجواب:

الاخت مروة المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الله قادر على أنّ يعيق؛ لكنّه لا يعيق، لأنّ ذلك يستلزم الإلجاء والجبر، كما لم يعق يوم كسرت رباعية الرسول(صلّى الله عليه وآله)(1)، ويوم ضرب بالحجارة في بداية بعثته(2)، وغير ذلك كثير، بل لو كان الأمر بالمنع من الله لمنع قريش وأعجزهم عن قتله أو اللحاق به إلى الغار، ولكن الله لا ينفذ تدبيره بإعجاز خلقه، لأنّه سلب الاختيار، وهي سُنّة الله في خلقه، لتمييز من يفعل الخير والشرّ وإظهارهما بالفعل وإتمام الحجّة على العباد، (( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُم عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ... )) (آل عمران:179).

وهناك فرق بين أن يجبر الله أبا بكر على عدم الإخبار، وبين تصرّف الرسول(صلّى الله عليه وآله) بحكمة وتدبير في ذلك الموقف.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 206 مسند أنس بن مالك، سنن ابن ماجة 2: 1336 الحديث (4027)، المصنّف، لعبد الرزّاق 5: 291 الحديث (9649)، و 5: 365 الحديث (9735)، المصنّف، لابن أبي شيبة 8: 494 الحديث (52) ما جاء في أحد.
(2) انظر: السيرة الحلبية 2: 52، دلائل النبوّة، للبيهقي 2: 415 جماع أبواب المبعث، باب عرض النبيّ نفسه على القبائل، عيون الأثر، لابن سيّد الناس 1: 175 ذكر خروج النبيّ(ص) إلى الطائف، سبل الهدى والرشاد 2: 438 جماع أبواب بعض الأُمور الكائنة بعد بعثته، الباب (31)، البداية والنهاية 3: 167 فصل في ذهابه إلى الطائف.

محمد بن محمد / اليمن
تعليق على الجواب (17)
ساعة تنكرون صحبة أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وساعة تقولون: إنّ النبيّ صاحبه خوفاً منه.. (حاشا لله)!!
النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم يخف من فجّار مكّة ويخاف أبا بكر.. عجب عجاب!!
الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: نحن ذكرنا أنّ هناك من يشكّك بوجود أبو بكر في الغار، مقابل المشهور الذين قالوا بوجوده، وجوابنا مبنيّ على مقالة المشهور.

ثانياً: إنّ خوف الوشاية برسول الله(صلّى الله عليه وآله) لا يقل خطراً عن خوف القتل الذي تعرّض له صلوات الله عليه وآله, فلو علم المشركون بمكان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) سيرجع خطر القتل من جديد, وقد عالج رسول الله(صلّى الله عليه وآله) هذا الموقف بشكل طبيعي بعيداً عن المعاجز، كما حصل عند تعرّضه للقتل، وذلك بأخذه لأبي بكر معه، وهذه هي حال رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام)، فهم لا يلجأون إلى المعاجز إلاّ بعد سدّ باب الأسباب الطبيعية، وبما لا يسلب اختيار المكلّفين؛ لأنّه من الإلجاء والجبر.
ودمتم في رعاية الله


علي / امريكا
تعليق على الجواب (18)
كيف للرسول أن يصاحب أبا بكر وهو عندنا من الظالمين؟! وحتّى إن خاف اطّلاع الكفّار على مكانه؛ لأنّه محمي من الله..
وثانياً: هناك تناقضات بشأن هذه الواقعة، وهي: إنّ بعض الكتّاب يدّعي أنّ أبا بكر لم يصاحب الرسول(صلّى الله عليه وآله) في الغار أصلاً! فأيّ الادّعاءات صحيحة؟! صاحبه أو لم يصاحبه؟
وهناك أقوال أُخر ادّعت أنّ شخصاً آخر صاحب الرسول(صلّى الله عليه وآله).
الجواب:

الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما دام هناك تناقض في نقل واقعة معينة، فإنّه سيؤدّي إلى الشكّ في ثبوت تفاصيل هذه الواقعة، وهذا ممّا يدعم عقيدة الشيعة لا أن يزلزل الاعتقاد بها، فالمخالفون يدّعون تفاصيل معينة لقصّة الهجرة تثبت فضيلة لأبي بكر بمصاحبته للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) في هجرته، ونحن نقول: إنّ هذا لم يثبت عندنا لتضارب الأقوال في ذلك.

والذي يريد أن يثبت هذه الفضيلة المدّعاة لا بدّ:
أوّلاً: من إثباتها بشكل صحيح، وإزالة كلّ الأقوال المعارضة لها، وإنّ ما يأتي به على ذلك من دليل لا بدّ وأن يكون واضح الدلالة، فالآية القرآنية تقول إنّ هناك اثنين في الغار، ولم تسمّ الثاني! فهذا يعني أنّ الآية القرآنية لوحدها لا تكفي دليلاً.

وثانياً: لأجل إثبات الفضيلة لا بدّ من تأسيس القول بأنّ الصحبة في هذا الموقف تعدّ فضيلة، ثمّ بعد ذلك استبعاد كافّة المعارضات، ومنها: أنّه(صلّى الله عليه وآله) قد أخذ أبا بكر خوفاً أو اضطراراً، وكلّ هذه المقدّمات غير تامّة في دعواهم؛ فلا أصل الصحبة سالم من المعارض واحتمال الخلاف، ولا ثبوت كونها فضيلة مسلّم عند الكلّ وقام الدليل عليه، إن لم يثبت العكس!
وإذا قيل: إذا كان هناك مجال للشكّ والاحتمال في تفاصيل وجود أبي بكر مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار، فكيف أورد بعض أصحابنا في كتبهم روايات تشير إلى وجوده؟!
نقول: إنّ من ينقل الروايات، وخصوصاً التاريخية منها، لا يلتزم بصحّة كلّ ما ينقل، فهو يسمع من الآخرين تلك الدعوى، وهو بدوره ينقلها، وإذا احتمل وقوعها، فلا مانع من وصولها إلى كتب الشيعة مع شهرتها، ونقلها لا يلغي احتمال عدم صحّتها.

ثمّ إنّ قولك أنّه: كيف يصاحبه وهو من الظالمين؟ يردّه: أنّ الظلم لم يظهر منه حينذاك، وإنّما ظهر منه بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأوّل البعثة وحين الهجرة لم يكن يجاهر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بشيء من غرضه، ورسول الله(صلّى الله عليه وآله) وإن كان يعرف منقلبه، ولكنّه(صلّى الله عليه وآله) كان هو من يشخّص المصلحة في صحبته من عدمها.
وكونه(صلّى الله عليه وآله) محمي من الله لا يعني أن لا يتوسل بالأسباب الطبيعية لإنجاح غرضه والوصول إلى هدفه، والله يحمي عباده الصالحين ويدفع عنهم من خلال هذه الوسائل والأسباب، والمعجزة لا تسلب اختيار المكلّفين، وإلاّ كان من البداية لا يخرج من بيته إلى الغار خائفاً من المشركين اعتماداً على حماية الله سبحانه وتعالى، وأنّه سبحانه سيمنع المشركين ويعجزهم عن الوصول إليه، وهكذا يبقى في مكّة ولا يحتاج إلى الهجرة، بل يبقى إلى أن يقضي الله على المشركين فيها وينصر الإسلام، وهذا خلاف السُنّة الإلهية؛ فالاعتماد على حماية الله لا يعني الاتكال وعدم فعل شيء انتظاراً لوقوع النصر الإلهي بالمعجز دون التوسّل بالأسباب الطبيعية، والسعي وبذل الجهد في سبيل اعلاء كلمته سبحانه وتعالى.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » الصحبة لا تعدّ فضيلة له


شعيب / الجزائر
السؤال: الصحبة لا تعدّ فضيلة له
إذا كان أبو بكر منافقاً، فهل يعقل أن يصاحبه الرسول(صلّى الله عليه وآله) ويبشّره بالجنّة؟!
الجواب:

الأخ شعيب المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ مجرّد المصاحبة لوحدها لا تنفع إذا لم يقترن معها ورع وتقوى واعتقادات حقّة، والرسول(صلّى الله عليه وآله) كان مصاحباً لكلّ من دخل في الإسلام ونطق بالشهادتين، ولم يكن حال أبي بكر بأحسن من حال سائر الصحابة الباقين، ففيهم الفاسق والفاجر والمنافق، ومع ذلك كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يتعامل معهم على الظاهر كونهم يظهرون الإسلام ويخفون غير ذلك.
ثمّ إنّه لم يثبت عندنا حديثاً واحداً يثبت فيه بشارة لأبي بكر بالجنّة.

وأمّا لو كنت تقصد من الصحبة مصاحبة أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار، فإنّ هذه الصحبة لم يثبت أنّها كانت بطلب من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) حتّى تكون فضيلة له! بل هناك أراء متعدّدة في حقيقة الصحبة، منها: أنّه كان خائفاً من الوشاية به، وأُخرى لكري دابته، وأُخرى أنّه فرض نفسه عليه، وهذه كلّها لا تعطي أي منقبة لأبي بكر.
ودمتم في رعاية الله


ابو در الجزائري / الجزائر
تعليق على الجواب (19)
كيف أستطيع أن أصدّقكم والقرآن الذي بين أيدينا جمعه أبو بكر وعثمان وعمر!
اتّقوا الله! كيف يختار الله لنبيّه أصحاباً سيكفرون بعد موته؟! إنّما أنتم تنتقمون منه بسبب قصمه لظهر الفرس.
الجواب:

الأخ أبا در المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- الكلام عن الصحبة، لا عن جمع القرآن، فلا ملازمة بين الاثنين، ولو كان كلامنا بنفي الصحبة ونفي جمعه للقرآن لصحّ منك الربط والملازمة!
2- نحن نصرّ على أنّ الصحبة بما هي صحبة لا فضيلة فيها، فكثيرون صحبوا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وانقلبوا على دينه وخالفوا أوامره ونواهيه فيما بعد.
ونرجو أن لا نثير حفيظتك إذا قلنا: إنّ الذين قتلوا الخليفة الثالث هم الصحابة بالواقع، والذين يقول أهل السُنّة بعدالتهم جميعاَ!!
3- ثمّ من القائل أنّ الخلفاء الثلاثة هم الذين جمعوا القرآن؟! فقد ورد الكثير في كيفية جمع القرآن ذكرناه مفصلاً ضمن عنوان: (القرآن وعلومه/كيفية جمع القرآن، وجمع الإمام عليّ(عليه السلام) له)، وسيأتي؛ فليراجع.

ثمّ من قال أيّها الأخ العزيز: أنّ الله اختار الصحابة للرسول(صلّى الله عليه وآله)؟! فهذا أوّل الكلام!
وعلى فرض صحّة هذا الاختيار، فإنّه تعالى اختار له الصلحاء الميامين الأبرار الأخيار، لا المنافقين الذين مردوا على النفاق، ولا الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا الذين إذا قيل لهم: قاتلوا في سبيل الله اثّاقلوا، ولا الذين ينقلبون على الأعقاب، ويفرّون من الزحف، ويغدرون بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)، ظلماً وعدواناً باسم الإسلام والصحبة لنبيّ المسلمين(صلّى الله عليه وآله).
ومتى كان في كلامنا عن أبي بكر شيء اسمه أنّه: قصم ظهر الفرس! فإنّ بلاد الفرس لم تفتح إلاّ في خلافة عمر بن الخطّاب، فنرجو تصحيح معلوماتك التاريخية!

أضف إلى ذلك: كان في الجيش الذي قصم ظهر الفرس كثير من الصحابة المخلصين والموالين لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فكيف نسخط على جيش فيه مثل هؤلاء، الذين علّمونا معنى التشيّع والموالاة لأهل البيت(عليهم السلام)؟! بل كيف نسخط على جيش المسلمين الفاتح والناشر للتوحيد على أهل الشرك وعبادة النار؟!
إنّ ذوقك السقيم واعتقادك الفاسد يجرّك إلى مثل هذه التهم العديمة القيمة.

وهل الفرس قبل إسلامهم أولاد عمّنا، أم أعداءنا وأعداء ديننا ونبيّنا وأئمّتنا؟! نعم، صاروا بعد إسلامهم إخوة لنا ولجميع المسلمين باعتبار: (( إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ )) (الحجرات:10)، والذي يبدو من مزاجك أنّك ترفض هذا الشعار القرآني، وأصبحوا بعد إيمانهم لا فرق بينهم وبيننا باعتبار: (( إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم )) (الحجرات:13)، وباعتبار: (لا فضل لعربي على أعجمي... إلاّ بالتقوى)(1)، الذي يرفضه كما يبدو مزاجك القومي وميلك العروبي؛ توهّماً منك أنّنا فرساً ولسنا عرباً!

أيّها الأخ الكريم، إنّ شعارنا في الحبّ والبغض هو الله تعالى، ومعيارنا قول المعصومين، وسيّدهم وسيّدنا محمّد(صلّى الله عليه وآله)، حيث قالوا: (لا يبلغ إيمان أحدكم حقيقة الإيمان، حتّى يحبّ أبعد الخلق منه في الله، ويبغض أقرب الخلق منه في الله)(2)، هذا هو المعيار، الذي نرجو أن تصحّح به منهجك في معرفة الأُمور وتميّزها.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 5: 411 حديث رجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، المعجم الأوسط، للطبراني 5: 86.
(2) تحف العقول، للحرّاّني: 369 ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)، في قصار كلماته (عليه السلام).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » هل تعدّ المعيّة فضيلة؟


علي طاهر عبد اللطيف / السعودية
السؤال: هل تعدّ المعيّة فضيلة؟
ما المقصود في آية الغار: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)؟ هل المقصود رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والإمام عليّ(عليه السلام)، أو رسول(صلّى الله عليه وآله) وأبو بكر؟
وإذا كان أبو بكر، هل تعدّ له فضيلة، أم ضدّه، حيث لم يثق بالرسول وبحماية الله لهما؟
الجواب:

الأخ علي طاهر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نذكر لك مناظرة الشيخ المفيد(قدّس سرّه)(1) مع عمر بن الخطّابفي المنام، ومن خلالها يتّضح الجواب على أسئلتك:
عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد النعمان(رضي الله عنه)، أنّه قال: ((رأيت في المنام سنة من السنين، كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها أناس كثير, فقلت: ما هذا؟
قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.
فقلت: ومن هو؟
قالوا: عمر بن الخطّاب.
ففرّقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله، فقطعت عليه الكلام، وقلت: أيّها الشيخ! أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40) ؟
فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر في هذه الآية في ستّة مواضع:
الأوّل: أنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وذكر أبا بكر وجعله ثانيه, فقال: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )).
والثاني: أنّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما، فقال: (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ )).
والثالث: أنّه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ )).
والرابع: أنّه أخبر عن شفقة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليه ورفقه به لموضعه عنده، فقال: (( لاَ تَحزَن )).
والخامس: أنّه أخبر أنّ الله معهما على حدّ سواء, ناصراً لهما ودافعاً عنهما، فقال: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )).
والسادس: أنّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم تفارقه سكينته قطّ, فقال: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) (التوبة:40).
فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار, لا يمكنك ولا غيرك الطعن فيها.
فقلت له: حبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك عنه، وإنّي بعون الله سأجعل ما أتيت به كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.

أمّا قولك: إنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وجعل أبا بكر معه ثانيه, فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! فنحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً، أو كافراً وكافراً، اثنان فما أرى لك في ذلك العدد طائلاً تعتمده.

وأمّا قولك: إنّه وصفهما بالاجتماع في المكان, فإنّه كالأوّل؛ لأنّ المكان يجمع الكافر والمؤمن، كما يجمع العدد المؤمنين والكفّار, وأيضاً: فإنّ مسجد النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أشرف من الغار, وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار, وفي ذلك قوله عزّ وجلّ: (( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهطِعِينَ * عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ )) (المعارج:36-37)، وأيضاً: فإنّ سفينة نوح قد جمعت النبيّ، والشيطان، والبهيمة والكلب، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان!

وأمّا قولك: إنّه أضافه إليه بذكر الصحبة, فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين؛ لأنّ اسم الصحبة يجمع المؤمن والكافر, والدليل على ذلك قوله تعالى: (( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً )) (الكهف:37)، وأيضاً: فإنّ اسم الصحبة يطلق بين العاقل والبهيمة, والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عزّ وجلّ: (( وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَومِهِ )) (إبراهيم:4)، أنّهم قد سمّوا الحمار صاحباً، فقالوا:

إنّ الحمار مع الحمير مطية ***** فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً: قد سمّوا الجماد مع الحي صاحباً, قالوا ذلك في السيف، فقالوا شعراً:

زرت هنداً وذاك غير اختيان ***** ومعي صاحب كتوم اللّسان

يعني: السيف, فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه؟!

وأمّا قولك: إنّه قال: (( لاَ تَحزَن ))، فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه؛ لأنّ قوله: (( لاَ تَحزَن ))، نهي، وصورة النهي قول القائل: ((لا تفعل))، فلا يخلو أن يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية, فإن كان طاعة فإنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها, وإن كان معصية فقد نهاه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه، بدليل أنّه نهاه.

وأمّا قولك: إنّه قال: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))، فإنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أخبر أنّ الله معه، وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله تعالى: (( إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر:9)، وقد قيل أيضاً في هذا: إن أبا بكر, قال: ((يا رسول الله! حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه)), فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (( لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) أي: معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).

وأمّا قولك: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر, فإنّه ترك للظاهر؛ لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) من النبوّة..

على أنّ هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيراً له! لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها, فقال في أحد الموضعين: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَى )) (الفتح:26) وقال في الموضع الآخر: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26)، ولما كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة, فقال: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ ))، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين, فدلّ إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان.
فلم يحر جواباً، وتفرّق الناس، واستيقظت من نومي))(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) هو: محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي، يعرف بـ(ابن المعلّم)، من أعاظم علماء الإمامية وأكبر شخصية شيعية ظهرت في القرن الرابع، انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة في عصره، كان كثير التقشّف والتخشّع والإكباب على العلم، وكان فقيهاً متقدّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، ونعم ما قاله فيه الخطيب البغدادي: إنّه لو أراد أن يبرهن للخصم أنّ الاسطوانة من ذهب وهي من خشب لاستطاع، وله قريب من مائتي مصنّف، ولد سنة 338هـ، وتوفّي سنة 413هـ، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف والموافق، وقيل: شيّعه ثمانون ألفاً من الناس، وصلّى عليه الشريف المرتضى، ودفن بجوار الإمامين الكاظم والجواد(عليهما السلام)، وحكي أنّه وجد مكتوباً على قبره بخطّ القائم (عجل الله فرجه الشريف):
لا صوّت الناعي بفقدك إنّه ***** يوم على آل الرسول عظيمُ
إن كنت غُيّبت في جدث الثرى ***** فالعدل والتوحيد فيك مقيمُ
والقائم المهدي يفرح كلّما ***** تُليت عليك من الدروس علومُ
تجد ترجمته في: سير أعلام النبلاء، للذهبي 17: 344 (213)، بحار الأنوار 53: 255.
(2) الاحتجاج، للطبرسي 2: 325 - 329 احتجاج الشيخ المفيد.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » آية: (( ثَانِيَ اثنَينِ )) لا فضل فيها لأبي بكر، كما قال المفيد(رحمه الله)


علي اسيري / الكويت
السؤال: آية: (( ثَانِيَ اثنَينِ )) لا فضل فيها لأبي بكر، كما قال المفيد(رحمه الله)

سادتي الكرام، تعرفون مناظرة الشيخ المفيد(قدّس سرّه) في حلمه الشهير.
وللوهابية ردّ على هذه المناظرة، أرجو الردّ عليه..

*************************

يقول المفيد: ((أمّا قولك: إنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وجعل أبا بكر معه ثانيه, فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! فنحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً، أو كافراً وكافراً، اثنان فما أرى لك في ذلك العدد طائلاً تعتمده)).

قد علمنا أنّ الله سبحانه وصف الكثرة ونسبها إلى الكفر، أو اتّباع الهوى، وقد علمنا أنّه وصف القلّة ونسبها إلى الإيمان، والشواهد كثيرة, ولكن قوله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ )) ليس إخبار عن العدد كما يقول المفيد, بل لبيان انفصال الكفر والإيمان؛ لقوله تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ))، ثمّ: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40)، الكفر في كفّة، والإيمان في كفّة أُخرى, وقول رسول الله: (حدّثنا عفان، قال: حدّثنا همام، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس: أنّ أبا بكر حدّثه، قال: قلت للنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) ونحن في الغار: لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه, فقال: (يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما)).
فإن كان الله سبحانه ثالثهما (الله، ثمّ رسول الله، وأبو بكر الصدّيق)، ولم يكن هذا فضل، فلعمري ما عساه يكون؟!

يقول المفيد: ((إنّه وصفهما بالاجتماع في المكان, فإنّه كالأوّل؛ لأنّ المكان يجمع الكافر والمؤمن كما يجمع العدد المؤمنين والكفّار, وأيضاً: فإنّ مسجد النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أشرف من الغار, وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار, وفي ذلك يقول الله عزّ وجلّ: (( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهطِعِينَ * عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ )) (المعارج:36-37)، وأيضاً: فإنّ سفينة نوح قد جمعت النبيّ، والشيطان، والبهيمة والكلب، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان)).

فليخبرني المفيد بعد أن علمنا معاني الاجتماع: هل اجتمع رسول الله مع أبي بكر الصدّيق في الغار بصفة مؤمن مع كافر، أم مؤمن مع مؤمن، أم مؤمن مع منافق، أم رسول مع بهيمة؟
وهل يطبّق كلامه هذا في اجتماع رسول الله مع عليّ، أو مع فاطمة، أو مع الحسن، أو الحسين؟

قال تعالى: (( يَومَ يَجمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبتُم قَالُوا لاَ عِلمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ )) (المائدة:109)، فهل تقوى على القول أنّ اجتماع الله سبحانه برسله لا فضل فيه؟ وهل اجتماع رسول الله مع أبي بكر الصدّيق في الغار في الهجرة اجتماع للدنيا، أم للآخرة؟
إن قلت: للدنيا، خرجت بعارها وشنارها, وإن قلت: للآخرة، فكيف لا يكون اجتماعاً مرحوماً؟!

يقول المفيد: ((وأمّا قولك: إنّه أضافه إليه بذكر الصحبة, فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين؛ لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر, والدليل على ذلك: قوله تعالى: (( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً )) (الكهف:35)، وأيضاً: فإنّ اسم الصحبة يطلق على العاقل والبهيمة, والدليل على ذلك: من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عزّ وجلّ: (( وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَومِهِ )) (إبراهيم:4)، أنّهم قد سمّوا الحمار: صاحباً، فقالوا:

إنّ الحمار مع الحمير مطية ***** فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً: قد سمّوا الجماد مع الحيّ: صاحباً, قالوا ذلك في السيف، فقالوا شعراً:

زرت هنداً وكان غير اختيان ***** ومعي صاحب كتوم اللّسان

يعني: السيف, فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه؟!)).

وهذه مثل السابقة... فأيّ معاني الصحبة يصدق على صحبة رسول الله وأبي بكر؟ صحبة مؤمن لكافر، أم مؤمن لمنافق، أم مؤمن لمؤمن، أم مؤمن مع بهيمة؟ وهل تطبّق ما قاله شيخكم المفيد في نزع فضيلة الصحبة على أصحاب الحسين يوم عاشوراء؟
ألا تقولون في زيارتكم للحسين: (السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين)، فما فضل صحبة الحسين؟! وهل صحب الحسين معه بهائم، أم منافقين، أم كفّار؟

وماذا عن صحبة موسى والخضر(عليهما السلام) في قوله تعالى: (( قَالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلاَ تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذراً )) (الكهف:76)، هل تنكر فضيلة الصحبة هنا وتقول: ((خير يا طير!!))، وماذا عن قوله تعالى: (( وَمِن آيَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزوَاجاً لِتَسكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً )) (الروم:21)، المودّة والرحمة التي جعلت من الزوجة تستحقّ اسم (صاحبة)، يا المفيد! هل هي فضيلة، أم منقصة؟!

يقول المفيد: (( (( لاَ تَحزَن ))، فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه؛ لأنّ قوله: (( لاَ تَحزَن ))، نهي، وصورة النهي قول القائل: ((لا تفعل))، فلا يخلو أن يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية, فإن كان طاعة فالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها, وإن كانت معصية فقد نهاه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه، بدليل أنّه نهاه)).

أحمل هذا على قوله تعالى: (( وَتُخفِي فِي نَفسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيهِ وَتَخشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ )) (الأحزاب:37), وقوله تعالى: (( استَغفِر لَهُم أَو لاَ تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم )) (التوبة:80)، وهذا نهي. وقد وقع استغفار رسول الله للمنافقين؛ قال ابن عمر: ((لمّا توفّي عبد الله بن أبي بن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ليصلّي عليه, فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال: يا رسول الله, أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (إنّما خيّرني الله تعالى فقال: (( استَغفِر لَهُم أَو لاَ تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً ))، وسأزيد على سبعين)، قال: إنّه منافق. فصلّى عليه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): فأنزل الله عزّ وجلّ: (( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُم عَلَى قَبرِهِ )) (التوبة:84)، فترك الصلاة عليهم.
وبحسب زعم شيخكم المفيد تكون هذه الآية شاهد على معصية رسول الله... والخيار لك.

يقول المفيد: ((وأمّا قولك: إنّه قال: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))، فإنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أخبر أنّ الله معه، وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله تعالى: (( إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر:9)، وقد قيل أيضاً في هذا: إن أبا بكر, قال: ((يا رسول الله! حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه)), فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (( لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40) أي: معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) )).

قوله: (( مَعَنَا )) يدلّ على معيّة الله سبحانه لرسوله وأبي بكر الصدّيق, وإلاّ كان قوله: (( ثَانِيَ اثنَينِ )) غثاء ولا معنى له، ولقول الرسول: (ما ظنّك باثنين الله ثالثهما)، والحديث الذي جاء به المفيد (موضوع) لا أصل له.. ثمّ إنّك بجعلك كلمة معنا تنصرف لمفرد، هو ترك للظاهر بلا دليل.

يقول المفيد: ((وأمّا قولك: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر, فإنّه ترك للظاهر؛ لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده الله بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) من النبوّة..

على أنّ هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيراً؛ لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في موضعين كان معه قوم مؤمنون، فشركهم فيها, فقال في أحد الموضعين: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَى )) (الفتح:26)، وقال في الموضع الآخر: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26)، ولما كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة, فقال: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ ))، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين, فدلّ إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان))، وهذا بيت القصيد.

إن قلنا: أنّ الله أنزل سكينته على رسوله، كان في هذا أقوى دليل على أنّ أبا بكر الصدّيق في مقام النفس عند رسول الله، قال تعالى: (( قَالَ اهبِطَا مِنهَا جَمِيعاً بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ )) (طه:123)، (أهبطا) للمثنى، والمراد ثلاثة، فكانت حواء وآدم نفساً واحدة لمعيّتها مع آدم.

وتخصّص رسول الله بالسكينة لا يلزم منها خروج أبو بكر الصدّيق، وإلاّ أخرجنا جميع المؤمنين، مستدلّين بهذه الآية بعدم وجود مؤمن واحد في حادثة الهجرة، ولا حتّى عليّ بن أبي طالب نفسه... لأنّ كلمة السكينة جاءت وفيها إقران بين رسول الله والمؤمنين باستثناء هذه الآية.. وبحسب كلام مفيدكم نستنتج أنّه لا يوجد مؤمن واحد سوى رسول الله.

*************************

انتهى بلفظه.
أرجو الجواب حفظكم الله، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: استفادة جعل أبي بكر في كفّة الإيمان قبال كفّة الكفر، استناداً إلى قوله تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ))، لا يمكن التعويل عليه بعد ورود الضمير العائد بصيغة المفرد دون التثنية صراحة في حقّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؛ فقد قال تعالى: (( تَنصُرُوهُ ))، و(( نَصَرَهُ ))، ولم يقل: (تنصروهما)، أو: (نصرهما)، وقال: (( أَخرَجَهُ ))، ولم يقل: (أخرجهما)، أي: إنّ الكفّار أخرجوا النبيّ(صلّى الله عليه وآله) فقط، ولم يخرجوا أبا بكر.
ويبقى قوله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ )) دالاً على بيان العدد لا أكثر.. وإن أبيت إلاّ ما تدّعي من الآية، فما هو قولك في عليّ(عليه السلام) الذي بقى في مكّة نائماً في فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟ وما قولك في المهاجرين والمسلمين في المدينة؟
فالآية لا تدلّ على ما ادّعيت أصلاً!! بل هو تحذلق لم يقل به أحد من المفسّرين، خاصّة أنّها ذكرت الذين كفروا صراحة، ولم تذكر بأنّ الاثنين مؤمنين، وخرج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بالإيمان قطعاً، فما الدلالة على إيمان أبي بكر؟ إذ الآية ناظرة إلى موقف الكفّار من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) فقط، وأنّه هو المُخرَج، ولم يقصدوا أبا بكر بالإخراج، فما ذكر من العدد هو وصف للحال فقط!!

وكذلك هو حال الحديث الذي ذكره السائل - بغضّ النظر عن سنده وصحّته؛ فإنّا لا نقبله - إذ لا دلالة فيه على إيمان أبي بكر صراحة سوى الإشارة إلى العدد من أنّهما اثنان.. وأمّا أن الله ثالثهما؛ فهو نظير قوله تعالى: (( مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلاَ خَمسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُم )) (المجادلة:7)، إذا كان المراد: المعيّة العامّة، وهي بمعنى: أنّ الله عالم بحالنا، وأمّا إذا كان المراد من الحديث معنى ما جاء في الآية: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40) المحمول على المعية الخاصّة - على قول - وهي بمعنى: النصرة أو الحفظ، فإنّها لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالأصالة، وما شملت أبا بكر إلاّ لأنّه كان في ذلك الظرف مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّ النصرة كانت خاصّة برسول الله(صلّى الله عليه وآله) بنص الآية: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ... ))، وأمّا الحفظ، فإنّ حفظ أبي بكر لازم لحفظ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الذي هو الغرض الأساس من الهجرة والاختفاء في الغار، فما هي فضيلة أبي بكر هنا؟
وإن أبيت، فإنّ الحديث المدّعى لا يدلّ إلاّ على إسلام أبي بكر الظاهري؛ لأنّ الله مع من أسلم مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) مقابل الكفّار.

أمّا ((إنّ الله سبحانه وصف الكثرة ونسبها إلى الكفر، أو اتّباع الهوى، وقد علمنا أنّه وصف القلّة ونسبها إلى الإيمان)).. فهذا الكلام أجنبيّ عن المقام؛ إذ ليس في الآية ذكر للقلّة أو الكثرة، وإنّما ذكر للعدد.
ثمّ إنّه لا يمكن اعتبار مطلق القلّة أو الكثرة مناطاً للإيمان أو الكفر، بل ورد في القرآن الكريم أنّ الذم اللاحق بالكثرة إنّما هو من جهة الصفات التي اتّصفوا بها، ككراهة الحقّ، أو عدم العلم، كما في قوله تعالى: (( وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ )) (المؤمنون:70)، وقوله تعالى: (( وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَعلَمُونَ )) (الأنعام:37)، ومدح القلّة من جهة الصفات كذلك، كالاتّصاف بالشكر والإيمان بالأنبياء، كما في قوله تعالى: (( وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ )) (سبأ:13)، و(( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ )) (هود:40)..
فالمدار في الواقع هو على الصفات لا على العدد بمجرّده؛ إذ ليس كلّ قلّة من الناس هي مؤمنة جزماً، أو كلّ كثرة كافرة، فهذا ما لا يقول به عقل أو نقل.. فلو رجعت إلى الآية فإنّها تذكر العدد فقط ولم تلحقه بصفة، مع أنّ انفراد الضمير بخصوص النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قرينة على حال أبي بكر!!

ثانياً: بعد أن أوضح المفيد أنّ الاجتماع بحدّ ذاته لا يدلّ على حقيقة الشخص من الإيمان وعدمه، بل يكون المرجع في معرفة ذلك إن لم يكن نص فيه إلى مواقف الشخص المعني من الشريعة الإلهية, وهذه المواقف من الشخص المعني خاصّة بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) تدلّ على النفاق.

ويمكن الاطّلاع بشكل تام على حال أبي بكر وبيان صفته وما آلت إليه أُموره من مخالفة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في:
أ - تخلّيه عن سرية أُسامة، وقد قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة)(1).
ب - غصبه إرث الزهراء(عليها السلام)، في حادثة معروفة يتغافل عن التحقيق فيها أهل الحديث والتأريخ؛ لأنّها تكشف عن مثالب القوم بشكل جلي، إذ يمكن أن يوجّه في هذه الحادثة سؤالاً واحداً فقط، هو: متى كان الخبر الواحد المفيد للظنّ ناسخاً للقرآن القطعي السند والظاهر الدلالة، حتّى يستدلّ بحديث: (إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث)، ليعارض به آيات المواريث العامّة، ومواريث الأنبياء خاصّة، الواردة في القرآن؟!
ج - تصدّيه للخلافة وهو ليس أهلاً لها، بصريح قوله: ((ولّيت عليكم ولست بخيركم))(2)، وقد كان يطلب الهداية من المسلمين وهو زعيمهم بقوله: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني... فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني))(3) مع إنّ الله سبحانه وتعالى يقول بآية واضحة: (( هَل أُنَبِّئُكُم عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ )) (الشعراء:221-222).
وليس بعد حادثة اغتصاب الخلافة من أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) شيء، والتي كشف النقاب عن بعض تفاصيلها المؤلمة ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسية)(4)، فليرجع إليها من شاء.

وأمّا إجتماع أهل البيت(عليهم السلام) مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ووصف وجودهم تحت الكساء - إن كان السائل يعني ذلك - فهو بيان للمراد أهل البيت في آية التطهير، ويشهد لهذا: حديث عائشة الوارد في صحيح مسلم بشأن الحادثة(5)، وفيه تنصيص بفضلهم.. وأين هذا ممّا تدّعي؟!

ثالثاً: لا نعرف وجه الإتيان بآية: (( يَومَ يَجمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ))، والاستدلال بها على فضيلة اجتماع أبي بكر مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار!! ثمّ التساؤل عن صفة هذا الاجتماع.. هل هو للدنيا أم للآخرة؟! إذ شتّان ما بين الاثنين، فالآية الأُولى توضّح بأنّ الله سبحانه يجمع الرسل، ولا يجتمع مع الرسل، وهو يجمعهم للحساب، كما أنّه لا يوجد إشكال مطلقاً في اتّصاف الله سبحانه ورسله بالحقّ، كما هو الإشكال الدائر في حقّ أبي بكر واجتماعه في الغار مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّنا نجزم بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هو نبيّ الحقّ، وقد صرّح الحقّ سبحانه بنصرته بقوله تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ )) (التوبة:40).

ولكن الإشكال في شخصية أبي بكر ومواقفه - التي ذكرنا جزءاً يسيراً منها قبل أسطر - ومدى الاستفادة من وجوده في تلك الواقعة (واقعة الغار) للدلالة على إيمانه، أو حسن طاعته لله ولرسوله(صلّى الله عليه وآله)، وأنّه هل يمكن أن نصف اجتماع أبي بكر في الغار مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أنّه للدنيا أو للآخرة؟ فهذا ما لا يمكن تحصيله من ظاهر الآية فقط، فلا بدّ من العودة إلى حال الرجل ومواقفه في الإسلام، للوصول بعد البحث الموضوعي في مفردات حياته إلى قول يبرئ الذمّة في حقّه.
ويمكن القول: أنّ الاجتماع في الغار كان من جهة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) اضطراراً بعد أن لاقى أبا بكر في الطريق فأخذه معه، ومن جهة أبي بكر كان طمعاً في الدنيا، ولا يلزم من اجتماع شخصين في مكان أن تكون نيتهما وأغراضهما واحدة.

رابعاً: هناك فرق بين أصحاب الحسين(عليه السلام) وصحبة أبي بكر للرسول(صلّى الله عليه وآله) في الغار، لأنّ أصحاب الحسين(عليه السلام) أثبتوا موقفهم مع الحسين(عليه السلام) في نهضته حتّى النهاية، وقد شهدت لهم دماؤهم بفضل صحبتهم، وصحبة أبي بكر ما زالت موضع أخذ ورد، ممّا يكشف عن وجود كلام في مصداقيتها وعدم وضوح هذه المصداقية، وما جرى بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كشف الكثير من ضعف المصداقية لهذه الصحبة.

وأمّا الاستدلال بصحبة موسى والخضر(عليهما السلام)، فقد جاءت الآيات واضحة في ثناء الله سبحانه وتعالى عليهما، ولا يقدح في شأنهما أو في شأن موسى(عليه السلام) ما بدر منه في تلك الحادثة بعد ثناء الله عليه في أكثر من موضع وموضع، فهنا الأدلّة واضحة في تقييم الأشخاص، ولا تقع المقارنة بين هذه الحوادث وحادثة صحبة أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار.

وملخّص الكلام: أن لا دلالة للصحبة بحدّ ذاتها في كلّ الموارد المذكورة من: أصحاب الحسين(عليه السلام)، وصحبة موسى للخضر(عليهما السلام)، وصحبة أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)! وإنّما الدلالة لحقيقة الصاحب؛ فإنّ فضل أصحاب الحسين(عليه السلام) في استشهادهم وصدقهم للصحبة, وفضل صحبة موسى للخضر هي في صحبة نبيّ لولي من أولياء الله علّمه الله الغيب, أمّا صحبة أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فإنّ قيمتها تظهر من غصبه حقّ فاطمة(عليها السلام) مثلاً، فهل حفظ حقّ الصحبة؟!!

خامساً: إنّ الآية التي أردت النقض بها على كلام المفيد، وهي: (( وَتُخفِي فِي نَفسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيهِ وَتَخشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ ))، لو عرفت تفسيرها الصحيح، تجدها بعيدة عن موضوع النهي؛ فإنّ الله كان قد أخبر رسوله(صلّى الله عليه وآله) سابقاً بعدد نسائه وأسمائهنّ، وكان من بينهنّ زينب بنت جحش، وهي لا زالت على ذمّة زيد، فأخفى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) علمه بأنّ زينب ستكون زوجته في المستقبل خشية من كلام المنافقين، فنزلت الآية إشفاقاً على النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وأنّه لا خوف من المنافقين، فأين هذا من النهي؟!
نعم، على ما فسّرها أهل السُنّة قد يرد ما ذكرته، ولكنّا لا نلتزم بما فسّروه، ونلتزم بعصمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) المطلقة.

وكذلك الآية الثانية التي ذكرتها وهي: (( استَغفِر لَهُم أَو لاَ تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم ))، فهي أيضاً لا يتم بها النقض على تفسيرها الصحيح عندنا، وبيان ذلك بنقاط.. وسيأتي لاحقاً ما يلزم تفسيرها عندكم.
أ - فإنّ سياق الآيات يدلّ على أنّها نزلت في غزوة تبوك وهي كانت في سنة ثمان، أي: قبل موت عبد الله بن أُبي بن سلول سنة تسع، فليس للآية ربط بمسألة موت ابن سلول.

ب - ثمّ إنّ الآية تبيّن عدم فائدة استغفار النبيّ(صلّى الله عليه وآله) للمنافقين في حصول المغفرة لهم من الله سبحانه، وأنّه لا يغفر لهم أبداً، حتّى لو استغفر لهم الرسول(صلّى الله عليه وآله)، أمّا نفي فائدة أُخرى اجتماعية دنيوية تترتّب على فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الخارجي، وهو الاستغفار لو حدث، فهذا شيء آخر، وكذا على ما فسّرها أهل السُنّة من خلال الرواية التي ذكرتها بخصوص فعل عمر؛ فإنّه سيكون في الآية تخيير وليس نهي، وسيأتي الكلام عن الرواية لاحقاً.

ج - إنّ النهي ورد في الآية (84) من التوبة: (( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُم عَلَى قَبرِهِ إِنَّهُم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ))، وهي أيضاً كما يظهر من سياق الآيات نازلة في غزوة تبوك سنة ثمان، ولا علاقة لها بموت ابن سلول، وإنّا نفهم - والله العالم - من سياق الآيات: أنّ آية الاستغفار (80 التوبة)، والآيات التي بعدها، إلى آية النهي عن الصلاة (التوبة 84)، نازلة في الذين تخلّفوا عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في غزوة تبوك، وأنّ الله يخبره أنّ الله لا يغفر لهم أبداً حتّى لو استغفر لهم الرسول، وأنّه إذا مات أحدهم لا تصلّ عليه ولا تقم على قبره، ثمّ إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أعلم بمواقع مصاديق الآيات، فإن فعل في واقعة معيّنة (فرضاً) ولمصلحة هو يعرفها، يكون فعله(صلّى الله عليه وآله) تخصيصاً لعمومها، نلتزم به ولا نعترض عليه؛ لأنّه هو المشرّع، و(( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى )) (النجم:3)، وهذا تنزّلاً على أنّ النهي في الآية يشمل عبد الله بن أُبي بن سلول، وهو أوّل الكلام.. فلاحظ!

د - إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم يستغفر لابن سلول؛ فعن الصادق(عليه السلام)، قال: (لمّا مات عبد الله بن أُبي بن سلول، حضر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) جنازته، فقال عمر: يا رسول الله! ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فسكت، فقال: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فقال له: ويلك، وما يدريك ما قلت؟! إنّي قلت: اللّهمّ أُحش جوفه ناراً، واملأ قبره ناراً، واصله ناراً. قال أبو عبد الله الصادق(عليه السلام): فأبدى من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ما كان يكره)(6)!!

هـ - فظهر أنّ ما أوردته من الرواية عن ابن عمر باطلة؛ فإنّ فيها: أنّ عمر قال لرسول الله(صلّى الله عليه وآله): ((أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه...))، ثمّ لمّا صلّى عليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) نزلت: (( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَداً... ))، فمن أين جاء عمر بالنهي وهو بعد لم ينزل على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، حيث أنّه نزل بعد قول عمر حسب الرواية المزعومة؟!!
ثمّ إنّ فيها إثبات المعصية لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) - والعياذ بالله - وهو على تفسيركم لهذه الآيات ثابت - أستغفر الله -.
مع ملاحظة ما في هذه الرواية من فظاظة عمر، وعدم احترامه لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، واعتراضه عليه، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهو مذكور أيضاً في الرواية من طريقنا التي مضت.

و - نقول: نحن نعجب من هواك وعصبيتك بعدما كشفا عن جهلك!! فإنّك أثبت المعصية لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) في سبيل دفاعك عن أبي بكر، ولم تذكر تفسيراً مقنعاً للآية والرواية التي أوردتها تنزّه فيها النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عن المعصية!! بل إنّك أكّدتها - نعوذ بالله -.
ومع ذلك فما قلته مؤيّد لنا؛ لأنّك تقرّ أنّ النهي الوارد في الآية نهي عن معصية، ونختلف نعك في زعمك أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فعلها - نعوذ بالله -.
ونحن نقول أيضاً: أنّ النهي في: (( لاَ تَحزَن )) أيضاً نهي عن معصية، فما الفرق؟

نعم، الفرق بيننا: أنّا لا نثبت ذلك لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، كما عرفت من تفسيرنا للآية، ولأنّا نلتزم بعصمة الرسول المطلقة بأدلّة يقينية، فنأوّل كلّ ما خالف دليل العقل.
وإن اعترضت وقلت: إنّي لا أثبت أنّ النهي في (( لاَ تُصَلِّ )) نهي عن معصية؛ لأنّ له لازم باطل، وهو إثبات المعصية لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأنّك لم تفهم كلامي، وقلبته.. ولعلّ هذا مرادك فعلاً.
فنقول:
1- إنّ قولك هذا خلاف ما فسّره العامّة من الآية، وما استدلّوا به أيضاً بهذه الآية.
2- ثمّ إنّ قولك هذا يردّه قول عمر نفسه حسب روايتكم! وإلاّ لماذا نهى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إذا لم يكن المراد بالنهي النهي عن معصية، وإذا لم يفهم العرب منه ذلك، وعمر عربي كما هو مشهور!!

ز - قد ذكر المؤرخون أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إنّما صلّى على هذا الرجل لغرض سياسي؛ لأنّه كان رئيس قومه وزعيمهم، وأراد النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بفعله هذا أن يستميلهم للإسلام، وقد تحقّق ما أراده رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّه بفعله الظاهري، وهو قيامه عليه، استمال قومه, وما قاله حقيقة هو الدعاء عليه بالنار. ولكن أنّى لهذا أن يدركه عمر، فكان يرى لنفسه حقّ الاعتراض!! والله المستعان على ذلك.
وعليه، يظهر أنّ هذه الآية الثانية لا تصلح للمعارضة، بل ربّما تصلح للتأييد بأنّ النهي يرد على المعصية حسب ما فسّرتموه أنتم.

ثمّ إنّك تعترض علينا بتفسيركم أنتم للقرآن، وبما تروونه أيضاً، وتريد أن تجعله نقضاً علينا.. ومن الواضح أنّ من قواعد المناظرة أن تأتي بنقض يكون من المتّفق عليه، أو يقبله ويسلّمه المنقوض عليه، فأنت بهذه المعارضة دلّلت على جهلك بقواعد المناظرة والجدل.

وأخيراً لا بدّ هنا من أن نضيف شيئاً للفائدة والتوضيح:
قال العلاّمة السيّد جعفر مرتضى العاملي: ((ويقول المفيد وغيره: إنّ حزن أبي بكر إن كان طاعة لله، فالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى عن الطاعة، فلم يبق إلاّ أنّه معصية(7).

وأجاب الحلبي وغيره: بأنّ الله خاطب نبيّه بقوله: (( وَلا يَحزُنكَ قَولُهُم )) (يونس:65)، فنهي الله لنبيّه لم يكن إلاّ تأنيساً وتبشيراً له، وكذلك نهي النبيّ لأبي بكر(8).
ونحن نرى أنّ جواب الحلبي هذا في غير محلّه! وذلك: لأنّ حزن أبي بكر، وشكّه في نصر الله، الذي يشير إليه قوله(صلّى الله عليه وآله) له: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40) كان ممّا لا يجمل ولا يحسن؛ إذ كان عليه أن يثق بنصر الله سبحانه وتعالى لنبيّه(صلّى الله عليه وآله)، بعدما رأى المعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، الدالّة على أنّ الله تعالى سوف ينجي نبيّه من كيد المشركين.
وعليه، فلا يمكن أن تكون الآية واردة في مقام مدحه وتقريظه، ولا بدّ من حمل النهي على ما هو ظاهر فيه، ولا يصرف عن ظاهره إلاّ بقرينة. بل ما ذكرناه يكون قرينة على تعيّن هذا الظاهر.
ولا يقاس حزن أبي بكر بحزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، والمشار إليه بقوله تعالى: (( وَلا يَحزُنكَ قَولُهُم ))، وغيرها؛ لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إنّما كان يحزن من أجل ما يراه من العوائق أمام دعوته، والموانع التي تعترض طريق انتشار وانتصار دينه، لما يراه من استكبار قومه، ومقامهم على الكفر والطغيان. فالنهي له(صلّى الله عليه وآله) في الآية المتقدّمة، ولموسى(عليه السلام) في آية أُخرى، ليس نهي تحريم، وإنّما هو تأنيس وتبشير بالنصر السريع لدينه، وللتنبيه على عدم الاعتناء بقولهم، وعدم استحقاقهم للحزن والأسف.
فحزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هنا يدلّ على عمق إيمانه، وفنائه في ذات الله تعالى، وهو لا يقاس بحزن من يحزن من أجل نفسه، ومن أجل نفسه فقط.

والآيات صريحة فيما نقول: فنجد آية تقول: إنّه(صلّى الله عليه وآله) كان يحزن لمسارعة قومه في الكفر: (( وَلاَ يَحزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفرِ )) (آل عمران:176)، و (( وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحزُنكَ كُفرُهُ )) (لقمان:23) )، وأُخرى تقول: إنّه يحزن لما بدا له من تكذيبهم إياه: (( قَد نَعلَمُ إِنَّهُ لَيَحزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لاَ يُكَذِّبُونَكَ )) (الأنعام:33) )، وثالثة تقول: إنّه كان يحزن لاتّخاذهم آلهة من دون الله: (( فَلاَ يَحزُنكَ قَولُهُم إِنَّا نَعلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعلِنُونَ )) (يس:76).
وهكذا سائر الآيات، كما لا يخفى على من لاحظها. فالآيات على حدّ قوله تعالى: (( فَلاَ تَذهَب نَفسُكَ عَلَيهِم حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصنَعُونَ )) (فاطر:8)، فهو حزن حسن منه(صلّى الله عليه وآله)، وهو يدلّ على كمال صفاته، وسجاحة أخلاقه. صلوات الله عليه وآله الطاهرين.
أضف إلى كلّ ما تقدّم: إنّنا لو لم نعرف واقع حزن أبي بكر، فإنّنا لا يمكن أن نقيسه على حزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) المعصوم، بل علينا أن نأخذ بظاهر النهي، وهو التحريم، ولا يعدل عن ظاهره إلاّ بدليل))(9).

سادساً: وأمّا قوله تعالى حكاية عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))، فإنّنا نجزم بأنّ الله سبحانه مع نبيّه(صلّى الله عليه وآله) مؤيّداً ومسدّداً وحافظاً، وحفظ الله لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) فيه مصالح كثيرة يتوقّف عليها أمر البلاد والعباد، ولا نرى وجهاً ليكون الله سبحانه مع أبي بكر بالمستوى الذي يكون فيه مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لوجود الفارق بين المنزلتين. فالمعية هي للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) بالأصالة، ومجيئها بصيغة الجمع وجه بلاغي تكرّر في موارد كثيرة من القرآن الكريم.

ثمّ إنّ القول بأنّ الله سبحانه كان مع أبي بكر بالمستوى الذي كان فيه مع نبيّه(صلّى الله عليه وآله) مؤيّداً وحافظاً ومسدّداً لا يمكن المصير إليه؛ لموانع خارجية! ولعلّ الشهادة التي شهد بها البخاري بأنّ فاطمة(عليها السلام) ماتت وهي واجدة - أي غاضبة - على أبي بكر(10)، وما رواه الحاكم في (المستدرك) وصحّحه عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله): بأنّ الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها(11)، يمنعنا من أن نقول: إنّ الله سبحانه - وهو المحيط بعباده ابتداءً وانتهاءً - كان مع أبي بكر.
إذ كيف يكون الله سبحانه مع شخص سيكون في علمه محلاًّ لغضبه وعدم رضاه؟!
اللّهمّ إلاّ أن نقول - إن أردنا المعية للاثنين معاً -: أنّها معية علمية لا معية تأييد وتسديد.. لكن هذا مخالف لسياق الآية؛ فالمعية معية حفظ وتأييد وتسديد، وهي مختصة بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وإن وردت بلسان الجمع. أو على أكثر التقادير: أنّها جاءت من أجل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وإنّما شملت أبي بكر لوجوده مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فهي مثل قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم )) (الأنفال:33)؛ فقد جاءت: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) على سبيل التعريف والتنبيه لأبي بكر ليذهب حزنه وخوفه ويذكّره بأنّ الله سوف يحفظهم وينجّيهم، وأنّه لا داعي لخوفه، وأنّ أبا بكر سوف ينجو مقدّمة لنجاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه لازم للواقع الخارجي، فهو كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله).

وأمّا أنّه وردت رواية بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أراد بلفظ (معنا): هو والإمام عليّ(عليه السلام) البائت على فراشه، فلا ضير ولا إشكال في ذلك من حيث المضمون؛ لموقع عليّ(عليه السلام) من الحقّ، وورود الحديث الصحيح: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ)(12).

سابعاً: قوله تعالى: (( قَالَ اهبِطَا مِنهَا جَمِيعاً بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ )) (طه:123)، يراد منه الاثنينية، أي: آدم وحواء(13)، بقرينة الآيات السابقة لها، أو - كما ذهب إليه بعض المفسّرين -: جنس بني آدم المتمثّل بآدم وحواء، قبال جنس بني الجانّ المتمثل بالشيطان(لعنه الله)(14)، بقرينة قوله تعالى بعده: (( فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى )) (البقرة:38).. وإلاّ فقد وردت الآيات الكريمة بصيغة الجمع لبيان حادثة الهبوط هذه إلى الأرض كما في قوله تعالى: (( وَقُلنَا اهبِطُوا بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ )) (البقرة:36), و(( قُلنَا اهبِطُوا مِنهَا جَمِيعاً )) (البقرة:38).

وأمّا القول بأنّ المراد بالمثنّى: آدم وإبليس، فهو ضعيف، ولم يقبله أكثر المفسّرين وإن قاله مقاتل(15).. ولو سلّمنا، فلا دلالة على دخول حوّاء فيه بالمساواة لآدم حتّى تكون كنفسه، وإنّما على أقصى الاحتمال دخولها بالتبعية، كما يدخل فيه ذرّية آدم وأعوان إبليس؛ لدليل خارج وليس من دلالة اللفظ.

أمّا جعل أبي بكر بمثابة نفس رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ليكون مشمولاً بالسكينة الواردة في الآية، فهو خلاف الظاهر؛ فالضمير للمفرد لا للمثنى، ولا توجد قرينة من الداخل - أي: داخل الآية - أو خارجها، للمصير إلى هذا المعنى، كما هو الحال الذي ذهب إليه كثير من المفسّرين عند عدّهم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بمنزلة نفس النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في آية المباهلة، للاقتصار في خروج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) للمباهلة على فاطمة والحسنين الذين كانوا يمثّلون موقع نسائه وأبنائه، ولم يكن لعليّ(عليه السلام) - وقد خرج معه - إلاّ موقع نفسه المقدّسة، فالقرينة الداخلية: (( نَدعُ.. وَأَنفُسَنَا )) (آل عمران:61) تشير إلى دعوة شخص بمنزلة النفس، لا دعوة الإنسان لنفسه ذاتها؛ إذ لا معنى له، والقرينة الخارجية هي: خروج الإمام عليّ(عليه السلام) في المباهلة مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، الدالّ بكلّ وضوح على أنّ منزلته هي منزلة نفس النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، لعدم صلاحية الموقعين الآخرين له في الآية.
هذا إضافة إلى أنّ الضمير للجمع في (( أَنفُسَنَا )) يصحّ فيه دخول عليّ(عليه السلام)، عكس ما جاء في: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ ))، فالضمير في (عليه) للمفرد، وهو بقرينة الضمائر المتقدّمة والمتأخّرة عليه عائد إلى الرسول(صلّى الله عليه وآله).

ثمّ إنّا لم نفهم كلامك الأخير من أنّ تخصيص رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالسكينة يلزم منه إخراج جميع المؤمنين؛ لأنّه:
1- هذا نص في اختصاص السكينة بالرسول(صلّى الله عليه وآله)؛ لمقام ضمير المفرد، وليس عام حتّى يرد عليه التخصيص، فالنص خاص برسول الله(صلّى الله عليه وآله) ابتداءً، وليس عام وخصص برسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأبو بكر لم يكن داخلاً حتّى يخرج بالتخصيص.

2- نعم، نحن نخصّص السكينة هنا بالرسول(صلّى الله عليه وآله) فقط، ولا تشمل جميع المؤمنين؛ إذ ليس شرطاً أن تنزل السكينة دائماً على جميع المؤمنين، وفي كلّ المواقع.

3- إنّ صريح القرآن ورد بأنّ السكينة نزلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين معه في ظروف زمانية ومكانية محدّدة، وأنّها هنا نزلت في هذا الظرف الزماني والمكاني على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وحده فقط وفقط، فصريح الآية أخرج أبا بكر، ومن هنا يأتي السؤال بلماذا؟!

4- ثمّ لا نعلم ما هي الملازمة بين نزول السكينة والإيمان، أو عدم نزول السكينة وعدم الإيمان؟! إذ لا يوجد أحد من المسلمين، من علمائهم وعوامّهم، اشترط لا بدّية نزول السكينة على المؤمنين، أو أنّها يجب أن تنزل عليهم في كلّ وقت وإلاّ فهم ليسوا مؤمنين، مع العلم أنّ السكينة هي تأييد إضافي من الله تعالى ينزل على الرسول(صلّى الله عليه وآله)، أو على غيره من المؤمنين معه.

نعم، هناك ملازمة بين عدم الإيمان وعدم نزول السكينة من جهة عدم الإيمان؛ فغير المؤمن لا تنزل عليه السكينة ولا عكس.
والمفيد يستدلّ بهذا الشكل:
كلّما ذكر القرآن نزول السكينة في موضع على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وكان المؤمنون معه، نزلت عليهم أيضاً، إلاّ في هذا الموضع؛ فقد ذكر القرآن نزولها على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وحده مع وجود أبو بكر معه، فدلّ على خروج أبو بكر من تلك الكلّية، ولا دلالة فيها على خروج علي بن أبي طالب؛ لأنّه في هذا الموضع والظرف - أي في الغار - لم يكن مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، بل كان أبا بكر هو الموجود معه؛ فلاحظ!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: الطبقات الكبرى 2: 190 سرية أُسامة بن زيد، و 4: 66 - 68 أُسامة الحبّ بن زيد، أنساب الأشراف 1: 474 الحديث (955) موالي رسول الله، تاريخ اليعقوبي 2: 77 الأُمراء على السرايا والجيوش، و 2: 113، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 532 الحديث (3) كتاب الفضائل، ما جاء في أُسامة وأبيه، تاريخ مدينة دمشق 8: 46، 60، 64 (596) أُسامة بن زيد، الملل والنحل، للشهرستاني 1: 23 المقدّمة الرابعة، الخلاف الثاني، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6: 52 ذيل خطبة (66)، شرح المواقف، للجرجاني 3: 650 الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد السابع، تذييل، عن الآمدي.
(2) المصنّف لعبد الرزّاق 11: 336 الحديث (20702) باب لا طاعة في معصية، السيرة النبوية، لابن هشام 4: 1075 خطبة أبي بكر بعد أن ولي الخلافة، الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 182 ذكر بيعة أبي بكر، أنساب الأشراف، للبلاذري 1: 590 الحديث (1195، 1196)، تاريخ اليعقوبي 2: 127 أيّام أبي بكر، تاريخ الطبري 2: 450 حديث السقيفة، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 30: 302، 304 ترجمة أبي بكر، وغيرها.
(3) المصنّف لعبد الرزّاق 11: 336 الحديث (20701) باب لا طاعة في معصية، الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 212 ذكر وصية أبي بكر، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 22 خطبة أبي بكر، تاريخ الطبري 2: 460 ذكر الخبر عمّا جرى بين المهاجرين والأنصار، ذم الكلام وأهله، للهروي 2: 101 الحديث (257)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 30: 303 - 304 ترجمة أبي بكر، المعجم الأوسط، للطبراني 8: 267 وغيرها.
(4) الإمامة والسياسة: الجزء الأوّل، استخلاف أبي بكر... كيف كانت بيعة عليّ؟
(5) صحيح مسلم 7: 130 باب فضائل أهل بيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(6) الكافي، للكليني 3: 188 الحديث (1) باب الصلاة على الناصب.
(7) الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين عليّّ(عليه السلام): 191 مسألة أخرى: بيان بطلان ما زعموه من فضائل لأبي بكر في آية (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ ))، وكنز الفوائد، للكراجكي: 203 منام الشيخ المفيد.
(8) السيرة الحلبية 2: 210 باب عرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسه على القبائل.
(9) الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) 4: 209 - 211 الباب الرابع، الفصل الثاني.
(10) صحيح البخاري 5: 82 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.
(11) المستدرك على الصحيحين 3: 154.
(12) تاريخ بغداد 14: 322 ترجمة يوسف بن محمّد بن علي (7643)، تاريخ مدينة دمشق 42: 449 ترجمة الإمام عليّ(عليه السلام)، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 73 التحام الحرب، مجمع الزوائد 7: 336 كتاب الفتن، باب في يوم الجرعة، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 297 ذيل خطبة 37، و 18: 72 (77).
(13) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 16: 278 سورة طه، مدارك التنزيل وحقائق التأويل 3: 70 سورة طه، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 1: 274 سورة البقرة، زاد المسير في علم التفسير 5: 225 سورة طه، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1: 73 سورة البقرة، تفسير البحر المحيط 1: 315 سورة البقرة، تفسير أبي السعود 1: 91 سورة البقرة، و6: 47 سورة طه، تفسير مجمع البيان 7: 63 سورة طه.
(14) انظر: تفسير الرازي 22: 129 سورة طه، تفسير الآلوسي 16: 276 سورة طه.
(15) تفسير مقاتل بن سليمان 2: 344 سورة طه، الجامع لآحكام القرآن، للقرطبي 11: 257 سورة طه، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 4: 41 سورة طه، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 2: 215 سورة المائدة، تفسير الآلوسي 1: 236 سورة البقرة.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » من هو (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ ))؟


البحتري / العراق
السؤال: من هو (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ ))؟
في آية الغار، لمن يعود الضمير في قوله عزّ وجلّ: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40)؟
الجواب:

الأخ البحتري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن كنت تريد بعود الضمير، الضمير المنفصل (هما)، فمن الواضح أنّه يعود إلى شخص النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وإلى رجل آخر كان معه في الغار، حيث كانا اثنان، وقد أبهم القرآن الكريم اسم الرجل الثاني، ولم يصرّح به، وإن اشتهر عند المخالفين حتّى قطعوا به أنّه: أبو بكر، ولكن لم يثبت عندنا القطع بالتواتر في ذلك الزمان.

وإن كنت تريد: من هو المقصود بـ(ثاني) في قوله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ ))، فمن الواضح أنّ المراد بالثاني هنا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ الضمائر من أوّل الآية تعود عليه(صلّى الله عليه وآله) خاصّة الضمير في قوله تعالى: (( أخرَجَهُ ))، و(( ثَانِيَ اثنَينِ )) حال من الضمير المنصوب في (( أخرَجَهُ )).

ومن هنا قالت الشيعة: أن لا فضل في الاثنينية هنا، وإلاّ لكانت رتبة أبي بكر أعلى من رتبة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) - نعوذ بالله - لأنّ أبا بكر هو الأوّل والثاني رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في الآية.
وأنت لو راجعت تفاسير القوم، تجد أن أغلبهم قد تغافل عن ذكر هذا المعنى؛ ليلبسوا على الناس من أنّ المراد بـ(( ثَانِيَ اثنَينِ )) هو: أبو بكر، وهذا غير صحيح البتة!

قال الرازي في تفسيره عند تعداد فضائل أبي بكر من هذه الآية: ((الرابع: أنّه تعالى سمّاه (( ثَانِيَ اثنَينِ )) فجعل ثاني محمّد(عليه السلام) حال كونهما في الغار...)) إلى آخر ما رتبه على هذه الكذبة من فضائل(1).

وقال القرطبي في تفسيره: ((ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ ))، ما يدلّ على أنّ الخليفة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أبو بكر الصديق(رضي الله عنه)، لأنّ الخليفة لا يكون أبداً إلاّ ثانياً))(2).

نقول: لو أخذنا بقوله وطبّقناه على الآية، لكان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) خليفة لأبي بكر - نعوذ بالله - لأنّه الثاني في الآية، وهو كفر والعياذ بالله؛ فاقرأ وتدبّر!
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير الرازي 16: 64 سورة التوبة.
(2) الجامع لأحكام القرآن 7: 147 سورة براءة.

ابو الصبر / الامارات
تعليق على الجواب (20)

لماذا تنكرون دور سيّدنا أبي بكر؟ يعني أكثر من كون القرآن ذكره؟ ماذا تريدون أكثر من ذلك؟!
طيّب، ألا تخافون إن كنتم تفترون عليه من عذاب يوم عظيم، وهو صاحب الرسول(صلّى الله عليه وسلّم)، وأقرب الناس إليه؟
هل سيسامحكم الرسول؟ هل سيشفع لكم يوم القيامة؟

الآية الكريمة واضحة ولا تحتاج لكلّ هذا التفسير المضلّ.. (( إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40)، من الواضح هنا أنّ الرسول الأعظم اختار سيّدنا أبو بكر ليكون صاحباً له في الهجرة، ومن المعروف أنّ المرء لا يختار في مثل هذه المواقف إلاّ أقرب النّاس إليه.. ولا يجبر على ذلك كرهاً..
(( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، كلمة (صاحبه) تدلّ على مدى قرب أبو بكر للنبيّ... وكيف يقول النبيّ: (إنّ الله معنا)، ويشمل بها أبو بكر فيما لو كان سيّدي أبو بكر من الأعداء؟
اتّقوا الله يا جماعة... وما الفائدة من المكابرة؟

الجواب:

الأخ ابا الصبر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لكي تصل إلى الحقيقة، إن كنت تبتغيها، لا بدّ أن تتجرّد عن عواطفك وقناعاتك المسبقة، والأُمور التي تعدّها مسلّمة عندك، وأنّ هذا التقديس لهذه الشخصية التي غرقت فيها يحجبك عن نور الحقيقة، ومجرّد ذكر القرآن لشخص لا يعني دائماً أنّه مدح له؛ فقد ذكر القرآن الكافرين والمنافقين..

وكذلك فإنّ الصحبة لا تعدّ فضيلة خصوصاً إذا كانت من الذين غيّروا وبدّلوا بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله).. وكونه أقرب الناس إليه، كلام غير صحيح! ولا نسلّم به، وإنّ الدافع لصحبة أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) يحتمل وجوهاً متعدّدة، منها ما لا يثبت أيّة فضيلة له؛ فلإثبات كون صحبته فضيلة يحتاج إلى دليل، كأن يكون مدح المعصوم لهذه الصحبة، وهذا ما لم يثبت.

وقولك: ((من الواضح هنا أنّ الرسول الأعظم اختار سيّدنا أبو بكر ليكون صاحباً له في الهجرة))، غير صحيح! فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أخذه معه إلى الغار بعد أن صادفه في الطريق، ورسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم يخبر بهجرته إلاّ عليّاً(عليه السلام).

والعقيدة المطلوبة من المسلم يجب أن تكون عن أدلّة قاطعة للحجّة، لا عن هوى وعصبية، واعتقادك بشخص؛ لأنّك تهواه، أو نشأت على هواه، لا يغنيك يوم القيامة إلاّ إذا كان بحجّة مرضيّة عند الله، فلا تغفل، وراجع نفسك كثيراً، واطلب العلم من أهله.
ودمتم في رعاية الله


عبد الله / الجزائر
تعليق على الجواب (21)
أصحاب النبيّ هم خير أصحاب الأنبياء، كما أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) خير الأنبياء قاطبة، والصدّيق(رضي الله عنه) وابنته أُمّنا عائشة بنصّ القرآن هي زوج النبيّ في الدنيا والآخرة، ومن اتّهمها فقد اتّهم رسول الله، ومن افترى عليها فقد برأها ربّنا في كتابه.
قال الله تعالى: (( محمّد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً... )) (الفتح:29).
الجواب:

الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لإثبات هذه الدعوة, أي: دعوى خيرية الأصحاب جميعاً، عليك دفع الأُمور التالية:
أولاً: دلالة حديث الحوض الذي رواه البخاري ومسلم والكثير من محدّثي أهل السُنّة غيرهما(1)، بأنّه لا ينجو من الصحابة في الآخرة إلاّ مثل همل النعم.. أي: القليل جدّاً, وتفسير هذا الحديث بالمرتدّين بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، هو تفسير بارد لا ينهض بوجه العموم الظاهر المستفاد من كلمة (أصحابي)؛ وأيضاً لقرينة: (أعرفهم ويعرفونني) الدالّة على العشرة والمصاحبة, وكذلك غيرها من القرائن الواردة في هذا الحديث التي لا تنطبق إلاّ على من عاشره(صلّى الله عليه وآله) وعرفه, ويحال بينه وبينهم يوم القيامة, فهذا الحديث المتواتر الواضح الدلالة يخصّص أيّ عموم مفترض للآيات الواردة في هذا الشأن, لو سلّمنا بشمولها لكلّ صحابي.
إلاّ أن يدّعى الإجمال في كلا الدليلين, أي: دليل عموم الكتاب, ودليل عموم الحديث, ويكون التوقّف هو اللازم آنذاك، فيكون البحث عن أدلّة أُخرى خاصّة بكلّ شخص شخص لإثبات خيريته..

ثانياً: لقد وردت الآيات الأُولى في سورة التحريم بحقّ من آذى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وفيها تعريض شديد وغليظ.. فهل ترى أنّ دعوى الخيرية هذه تستقيم مع هذا التعريض الشديد الغليظ والتمثيل بالنساء الكافرات؟!! راجع ثمّ أجب!
وعلى سبيل المثال يمكنك النظر في تفسير الرازي والآلوسي (من علماء أهل السُنّة)(2).

ثالثاً: جاء في حديث صحيح, صحّحه الحاكم في مستدركه(3), وحسّنه ابن حجر في (فتح الباري)(4): أنّ أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) سألوه وقالوا: يا رسول الله! أحد خير منّا؛ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: (نعم، قوم يكونون بعدكم, يؤمنون بي ولم يروني).
وفي مضمون هذا الحديث وردت جملة أحاديث أُخر يمكن مراجعتها في ما رواه: أحمد في (مسنده)(5), والشوكاني في (فتح القدير)(6), وكذلك رواها القرطبي في تفسيره(7), والبيهقي في (الدلائل)(8), وقوام السُنّة الأصبهاني في (الترغيب)(9), والطبراني في (الأوسط)، و(الكبير)(10), وابن عساكر(11), والدارمي في سننه(12), والبخاري في تاريخه(13) بأسانيدهم؛ فراجع ثمّة.
ودمتم في رعاية الله

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 235، 253 عن عبد الله بن العبّاس، وكذا أورده عن عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، صحيح البخاري 5: 192، 240 كتاب التفسير، وكذا أورده في كتاب الرقاق وكتاب الفتن، صحيح مسلم 1: 150 كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرّة والتحجيل، وكذا أورده في كتاب الفضائل وكتاب الجنّة، باب فناء الدنيا.
(2) تفسير الرازي 30: 41، تفسير الآلوسي 28: 146.
(3) المستدرك على الصحيحين 4: 85 ذكر فضائل الأُمّة بعد الصحابة والتابعين.
(4) فتح الباري 7: 5 باب فضائل أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(5) مسند أحمد بن حنبل 3: 71 مسند أبي سعيد الخدري، وكذا في مسند أنس بن مالك، ومسند أبي جمعة حبيب بن سباع، ومسند أبي أمامة الباهلي.
(6) فتح القدير 1: 34، 35 سورة الفاتحة، و 3: 82 سورة يوسف.
(7) الجامع لأحكام القرآن 4: 172 تفسير ذيل آية (110) من سورة آل عمران.
(8) دلائل النبوّة ومعرفة أقوال صاحب الشريعة 6: 537 جامع أخبار النبيّ، ما جاء في إخباره بقوم لم يروه فيؤمنون به.
(9) الترغيب والترهيب، لقوام السُنّة 1: 88 الحديث (48) باب في الترغيب في الإيمان وفضله.
(10) المعجم الأوسط 5: 341 من اسمه محمّد، محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، المعجم الكبير 4: 22 حبيب بن سباع.
(11) تاريخ مدينة دمشق 8: 419 (734)، و9: 100، 101 (769)، و23: 318 (2803)، و30: 137ــ 139 ترجمة أبي بكر.
(12) سنن الدارمي 2: 308 كتاب الرقاق، باب في فضل آخر هذه الأُمّة.
(13) التاريخ الكبير 2: 310 (2585).

ماهر / العراق
تعليق على الجواب (22)

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد وأله وصحبه اجمعين.
أمّا بعد.. يقول أحدهم في ردّه: يا أخي لا تجعل العاطفة تحكم في مثل هذه الأُمور، فهذه الأُمور تحتاج دليلاً قطعياً.. أسألك بالله وهل قصّة مهديكم فيها دليلاً قطعياً؟ أتريدون إقناعنا بأنّ أفضلية أبا بكر(رض) غير موجودة؟
وإنّنا إنّما لكثرة محبّتنا لهذه الشخصية العظيمة أصبحنا لا نفرق بين الأُمور العقلية والعاطفية؟
والله ثمّ والله، إنّ أفضليته موجودة رغماً عمّا في نفوسكم، فيكفيه فخراً أن اختاره رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ليكون صاحبه، وخير من يرافقه في مثل هذه الشدّة..أمّا عواطفكم أنتم فأين هي من مهديكم الخرافة؟
أعطني آية في مهديكم الأكذوبة الذي حيكت قصّته برواية مفبركة عن حكيمة، اذهب واقرأ جيّداً، فإنّ أحقادكم الصفوية قد عمت قلوبكم وأبصاركم في التبصر بدين الله. وسيبرأ رسول الله وآل بيته وكلّ صحابته منكم لأنّكم خالفتم دين الله.. والسلام.

الجواب:

الأخ ماهر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد ثبت بالدليل عندنا من خلال التواتر ولادة الإمام المهدي(عجّل الله فرجه)، وليس الأمر متعلّق بحكيمة فقط، بل نستطيع إثبات ولادة الإمام(عجّل الله فرجه) من خلال التواتر المعنوي، والتواتر دليل قطعي، فلا يعّد ما ذكر دليلاً نقضياً على ما ذكرنا.

وأمّا القول: بأنّ أفضلية أبي بكر موجودة، فهذا ثابت عندكم عاطفياً كما نشأتم عليه، ولم يثبت عندنا، وإلاّ فهات الدليل.
وأمّا القول أنّ رسول الله اختاره ليكون صاحبه, فهذا من أوضح الكذب على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! ولك أن تراجع رواياتكم قبل روايات الآخرين، لترى تناقضها الواضح في ذلك!
وقد أجبنا على ذلك هنا ضمن عنوان (صحبته للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم يكن بطلب منه)؛ فراجع ثمّة.
ودمتم في رعاية الله


ابو فاطمة الجبوري / العراق
تعليق على الجواب (23)
هل أحد يجبر ربّ العزّة على الإخبار بأنّ أحداً كان مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟! فلو شاء الله ما ذكر القصّة كلّها، ولو لم يكن الصاحب معلوم بالضرورة لذكره الله بالاسم، كما ذكر زيد، وأبو لهب، ولكن عدم الذكر هنا أبلغ.. فاتقوا الله في كتاب الله.
الجواب:
الأخ أبا فاطمة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ ذكر الذين كانوا بالغار بالعدد دون جعل أي علامة مميّزة للآخر، دليل على عدم وجود أهمّية كبيرة في هذه الرفقة، والآيات القرآنية كانت تتحدّث عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولم تجعل أهمّية لوجود الآخرين، فقال تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ ))، و(( وَأَيَّدَهُ ))، و(( نَصَرَهُ )) (التوبة:40).
ودمتم في رعاية الله

ابو عبد الرحمن / مصر
تعليق على الجواب (24)
أنتم تقولون بردّة أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) جميعهم بعد وفاته إلاّ قليل منهم، وذلك بدلالة حديث الحوض الذي فيه لفظ: (أصحابي)، وأنتم فسّرتموها على أنّهم أصحاب النبيّ كافّة إلاّ قليل.
وقلتم أيضاً: إنّ لفظ (لصاحبه) في آية الهجرة لم يقصد بها أبو بكر(رضي الله عنه)، فكيف نفيتم المعنى عن أبي بكر في الصحبة للنبيّ، وأثبتم معنى الردّة في أصحابه الأطهار(رضوان الله عليهم)؟ ما هذا التناقض في الحكم؟
الجواب:

الأخ أبا عبد الرحمن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليس هناك تناقض في إجابتنا، فحديث الحوض أشار إلى أصحابه بكلمة الجمع، التي تشير إلى مجموعة من أصحابه وتكرار الزمر التي تمرّ عليه، وقوله بعد ذلك: (فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم)، يشير إلى أنّ المراد بأصحابه جميعهم.
بينما الآية قد ذكرت أنّ مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) صاحباً، ولم تصرّح به، فلا بدّ من الرجوع إلى الأخبار لتشخيص المراد منه.

وقد قلنا سابقاً أنّ المشهور في هذا الصاحب هو: أبو بكر، ولكن هناك من يشكّك في ذلك. نعم، نحن أنكرنا وجود فضيلة خاصّة في هذه الصحبة، كما مرّ من كلام المفيد، فنسبتك لنا أنّنا نفينا صحبة أبي بكر في الغار غير صحيح.
ودمتم برعاية الله 


هناء الأسدي / العراق
تعليق على الجواب (25)
لو سُئلنا ما هو تفسير الشيعة لهذه الآية, ما المقصود بـ(صاحبه)؟ ومن هو (ثاني اثنين)؟
فجوابكم مبهم وصعب لذوي العقول البسيطة! بصراحة أنا نفسي وجدت صعوبة في تقبل هذا التحليل الذي طرحتموه. نريد جواب قطعي من كان مع النبيّ في الغار؟ هل كان لوحده أم معه شخص ثانٍ؟
أمّا قول أنّ الضمائر كما حاولت أن أفهم تعود إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فهذا محال تصديقه!! إذاً كيف يخاطبه النبيّ.. وكلّ ما في الآية يشير إلى شخص ثانٍ؟!
الجواب:

الأخت هناء المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن لا ننكر الاثنينية وأنّ مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) شخصاً آخر في الغار عندما نقول بعود الضمائر إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بل نريد القول بأنّ إنزال السكينة كان على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لا على الشخص الآخر، بقرينة أنّ المقصود بالضمائر في (تنصروه, ونصره, وأخرجه، وصاحبه، وأيده) تعود إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فكذلك في (سكينته).

نعم، نقول: إنّ الآية القرآنية أبهمت الشخص الآخر، والمشهور من المنقول أنّه أبا بكر، ومن شكّك في كونه أبا بكر فمن منطلق وجود شخص غيره كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وهو الدليل الذي دلّه على الطريق واسمه (ابن أريقط) من بني الديل بن بكر.
ودمتم في رعاية الله


ابن الحريري / سوريا
تعليق على الجواب (26)
في بعض الإجابات كان هناك تلميح من خلال الأحاديث التي أوردتموها على أنّ أبا بكر ارتدّ بعد وفاة الرسول(صلّى الله عليه وسلّم)، كقولكم: (أعرفهم ويعرفوني), فكيف ذلك؟ وهو خلال مدّة خلافته وهو يقاتل الردّة، وقد قال فيهم: ((ولو منعوني عقال بعير كانوا يؤدّونه لرسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لقاتلتهم عليه))، فهل هذا من المنطق والعقل؟!
الجواب:

الأخ ابن الحريري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله
اختلف في المرتدّين هل أنّهم حقّاً مرتدّون، أم أنّهم رفضوا الانقياد لأبي بكر، وقالوا: لا ندفع زكاتنا إلاّ لمن أُمرنا بالانقياد إليه وولايته.

وعلى فرض التسليم بحصول الردّة من البعض، فهذا لا يمنع الردّة بمعنى آخر من آخرين منهم صحابة، والحديث المعني بتخصصهم بـ(أصحابي)، و(أعرفهم ولا يعرفوني)، وقتال أبي بكر لمن منع الزكاة لا يدلّ على غيرته على الدين، بل يمكن أن يكون الدافع سلطوي، فالمتسلطون من الخليقة ولحدّ الآن يقاتلون ويقتلون لتثبيت سلطتهم، أو اقتصادي، فقوام الدولة التي يترأسها أبو بكر تحتاج إلى الأموال فلا بدّ من القتال لأجله، وهذا هو حال أغلب الحكّام اليوم وقبل اليوم، فأوّل ما يقاتلون عليه هو المال لأنّه عماد السلطة.
ودمتم في رعاية الله


أبو كمال الشرماني / الاردن
تعليق على الجواب (27)

طبعاً القرآن ليس كتاب سير وتاريخ، لذلك لم يرد أي اسم لصحابي باستثناء زيد، فمن أنكر أنّ أبا بكر كان صاحباً لرسول الله في الغار، عليه أن يثبت أنّ هناك شخصاً كان اسمه عليّ!

وأمّا اتهام أبو بكر بالردّة، فأقول: لماذا لا يتّهم عليّ مثلاً بالردّة، والتغيير بعد رسول الله؟! (طبعاً نحن المسلمون لا نقر بأيّ ردّة لأيّ صحابي صاحب رسول الله وسمعه وصدّقه حتّى وفاته، خصوصاً الكبار منهم، أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ).

وأمّا آية الصحبة، أقول: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر ولم تنزل على رسول الله، لأنّ رسول الله لم يكن حزيناً ولا خائفاً، فهو يعرف أنّ الله معه باستمرار (( وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )) (المائدة:67)، وأمّا أبو بكر فكان خائفاً على رسول الله من الأذى، وحزيناً على مصير الإسلام إن تعرّض رسول الله للأذى في حال القبض عليه من الكفّار، فطمأنه رسول الله، وأنزل الله عليه سكينته، إذاً السكينة نزلت على أبي بكر.

من الملاحظ جدّاً أنّ خطّة الشيعة هو تدمير كلّ ما هو مقدّس في الإسلام تحت التستر بمحبّة أقرباء رسول الله، لكنّهم في الحقيقة ذئاب خاطفة حاقدة على الإسلام! فأيّ دين يطعن بالكتاب الذي أُنزل عليهم؟! وأيّ دين يسبّ زوجات نبيّهم؟! وأيّ دين يسبّون تلاميذ نبيّهم؟! وأيّ دين يرفعون البشر إلى ما فوق النبوّة، بل إلى درجة الإلوهية؟!
فإذا طعن بالكتاب الذي أُنزله الله وسبّ تلاميذ النبيّ ونساءه، فماذا بقي من الدين؟

نصيحتي للشيعة قبل أن يفوتهم القطار: أن لا يصدّقوا كذب المعمّمين، ولا يصدّقوا الروايات المنسوبة إلى عليّ وذرّيته، فهي كذب، وهم بريئون منها.
عليكم مراجعة مروياتكم والتأكّد من نسبتها إلى قائليها وعرضها على كتاب الله، فالقرآن هو الفصل وهو أصل الدين والشريعة.
ألا تلاحظون أنّ دينكم لا يؤخذ من القرآن، بل من المرويات المكذوبة، بل ومن أُناس ليسوا بأنبياء، ولا صحابه، ولا تابعين!
إنّ الدين لا يؤخذ إلاّ من القرآن، ففيه تبيان كلّ شيء، والسُنّة تطبّق ما ورد فيه. من هنا يؤخذ الدين فقط، وأمّا قول الصحابي فهو ليس وحياً بحدّ ذاته، فإن أصاب أخذنا به، وإن أخطأ دون قصد تركناه واستغفرنا له من أجل خطأه الغير مقصود وترضيّنا عنه، لأنّ الصحابة (المهاجرين والأنصار) وعدهم الله بجنّات النعيم، والله لا يخلف وعده.
فلن تربحوا شيئاً بسبّ صحابة رسول الله وأُمّهات المؤمنين أزواجه، بل هو الخسران المبين.

الجواب:

الأخ أبا كمال المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: لا أحد يستطيع التشكيك بوجود الشخصيات المشهورة من الصحابة كعليّ(عليه السلام)، وكذلك أبي بكر وعمر، وغيرهم من الصحابة، لكن كون أبي بكر في الغار يمكن التشكيك فيه، لوجود التناقض في أقوالكم! بوجود آخر مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وهو الدليل، في حين أنّ الآية تتحدّث عن اثنين!

ثانياً: نحن وأنتم متّفقون بأنّ عليّاً(عليه السلام) لم يرتدّ، فهو عندكم من العشرة المبشّرة بالجنّة، والأحاديث عندنا في فضله كثيرة.
ونحن لا نقول بارتداد بعض الصحابة جزافاً من دون دليل، وارتداد عليّ(عليه السلام) محال، ولكن فرض المحال ليس بمحال، فلو كان هناك أدنى شبة بارتداده - نعوذ بالله - لذكرها ابن تيمية مثلاً.

ثالثاً: صريح البخاري أنّ الصحابة سترتدّ ولا يبقى منهم إلاّ مثل همل النعم! فلا يعبأ بقولك في قبال قول البخاري.

رابعاً: أنت تنفي نزول السكينة على النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بدليل أنّه معصوم من قبل الله سبحانه وتعالى، في حين يصرّح القرآن بنزول السكينة على النبيّ، بقوله تعالى: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ... )) (التوبة:26)! كما أنّ الضمائر السابقة على قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) (التوبة:40) في آية الغار والضمائر اللاحقة ترجع إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فلا يمكن فرض رجوع الضمير في (عليه) على أبي بكر. وللمزيد راجع عنوان (السكينة لم تنزل عليه) هنا.
ثمّ إنّ العصمة عن الناس غير السكينة، ومع ذلك فإنّ آية العصمة متأخّرة النزول في آخر حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعد ان رجع من حجّة الوداع وأراد إبلاغ ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام).

خامساً: لسنا نحن الذين فرضنا محبّة الأقارب، بل القرآن فرض مودّة القربى، حيث قال تعالى: (( قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23)، فتمسّكنا بالمودّة للقربى معناه تمسّكنا بالقرآن.

سادساً: نحن لا نقول بتحريف القرآن، ولا نسبّ أُمّهات المؤمنين، ولا الصحابة.
نعم، نبيّن سوء حال بعضهم، والهدف هو إظهار الحقّ لا النيل من رموز الآخرين، وأمّا تفضيلنا للأئمّة(عليهم السلام)، فهو في حدود القرآن والسُنّة الصحيحة التي وردتنا عن المعصومين(عليها السلام).

سابعاً: لا يمكن أن نعد الروايات الواردة عن المعصومين(عليهم السلام) كذباً، لأنّها وردت إلينا عن طريق الثقات، ولا يمكن تكذيب الثقات، لثبوت الحجّية لما ينقلونه شرعاً.

ثامناً: من ضمن منهجنا عرض الروايات على الكتاب، فالروايات التي لا توافق الكتاب فهي زخرف، على حدّ تعبير أئمّتنا(عليه السلام)(1).

تاسعاً: نحن نأخذ من الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، لأنّه ثبت عندنا بالدليل القطعي حجّية قولهم، وأنّهم مسدّدون من السماء معصومون.

عاشراً: نحن لا نقبل مقولة: ((حسبنا كتاب الله)) التي ابتدعها عمر بن الخطّاب، بل القول الصحيح الذي نتمسّك به، هو: التمسك بالكتاب والعترة، كما أمرنا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في حديث الثقلين.

الحادي عشر: لا يمكن قبول أنّ جميع الصحابة موعودون بالجنّة، ومرضي عنهم! بل الآية تشير إلى بعضهم، فقالت: (( مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ )) (التوبة:100)، ولا شكّ في نفاق البعض وكفره، كما لا شكّ في ارتداد البعض بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: المحاسن، للبرقي 1: 220 الحديث (128 - 130) كتاب مصابيح الظلم باب (11)، الكافي 1: 69 كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسُنّة، مسند أحمد بن حنبل 6: 206.

مرتضى حسين / العراق
تعقيب على الجواب (2)
مصادر أهل السنة متفقة على أن أبابكر لم يكن عالماًًً بخروج النبي في تلك الليلة، بل فوجئ بمسألة الهجرة صباحاًً فطلب منه أن صحبه، فقبل النبي (ص). (تفسير القرطبي: ج 3 ص 21، تاريخ الطبري: ج 2 ص 102، البحر المحيط لأبي حيان: ج 2 ص 118)
( 2 ) - إن الرواية تتقاطع مع روايات أخرى، قد تبدو مضحكة بعض الشيء، حيث يُذكر أن النبي (ص) خرج من بيته متوجهاً مباشرة إلى غار ثور، وفي تلك الأثناء ذهب أبوبكر إلى بيته فلم يجده، فسأل علياً ((ع)) فأخبره الإمام بأن النبي في طريقه إلى خارج مكة، فإنطلق أبوبكر ليلحق بالنبي وقد كان يحمل جرساً معه، فعندما أدركه ظن النبي أن أبابكر من المشركين فأسرع في المشي حتى يبتعد عنه، ولكن الله جعل شسع نعله ينقطع فإنطلق إبهام رسول الله (ص) بالحجر وسالت منه الدماء، الأمر الذي أدى إلى توقف الرسول، عن المسير اضطراراً، وعندئذ وصل أبوبكر إليه فإجتمع معاًً وسارا خارج مكة! (تاريخ الطبري: ج2 ص 102).
أجمعت الروايات على أن النبي (ص)خرج وحيداً إلى الغار، وهناك سأل الله تعالى : إن يبعث إليه من يدله على الطريق، فكان أن التقى النبي بالدليل عبد الله بن أريقط بن بكر حيث تذكر الروايات أن النبي قال له: (يا إبن أريقط.. أأتمنك على دمي؟، فقال إبن بكر: إذا والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك. فأين تريد يا محمد؟، فقال (ص) : يثربقال إبن بكر: لأسلكن بك مسلكاً لا يهتدي فيها أحد).
فما دام هذا هو الثابت، أي أن النبي خرج مع إبن بكر - وليس أبابكر - من الغار متوجهاً إلى يثرب (المدينة المنورة)، ومادامت جميع الروايات تذكر أن أهل المدينة وكذلك الذين يسكنون ما بين المدينة ومكة، لم يشاهدوا سوى شخصين إثنين فقط (الطبقات الكبرى لإبن سعد: ج 1 ص 230، سيرة إبن هاشم: ج 2 ص 100، عيون الأثر: ج 1 ص 248).
وشكرا لكم ووفقم الله

فرقان / العراق
تعليق على الجواب (28)
في القرآن الكريم ذكر بأنهم ثاني اثنين في الغار فالسؤال هل كان قبلهم احد في الغار واذا كان الجواب كلا لماذا قال ثاني اثنين
الجواب:
الأخ فرقان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد بينا في الاجابة بان ضمير (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40) يرجع الى النبي (صلى الله عليه واله) والى رجل آخر فان ثبت بالدليل بانه ابو بكر فهو وان لم يثبت فليس بلازم علينا ان نلتزم بكون الرجل الثاني هو ابو بكر لان القرآن ابهم اسم الرجل الثاني الذي كان مع النبي (صلى الله عليه واله) في الغار ولم يصرح به والمخالفون ينقلون عن ابن عباس قوله : ابهموا ما ابهم الله عز وجل . ( بدايع الصنائع لابي بكر الكاشاني 2/258 )
فعلى هذا يكون ( ثاني اثنين) هو الرجل الثاني سواء كان ابو بكر ام ابن اريقط الذي كان مع النبي (صلى الله عليه واله) بعنوان الدليل على الطريق ولم يكن رجلا ثالثا غيرهما .
ودمتم في رعاية الله

احمد / العراق
تعقيب على الجواب (3)
لايفوت على المحقق وبالأخص في عصرنا لسهولة التوصل الى المصادر ومقارنتها واذاكنا نبحث عن الحقيقة فعلا فسنجدها حتما اما اذا كنا نبحث عن شيء يرضينا فقط فمن الافضل ان لا نبحث .لأن الحقيقة مرة وهي من مصادر اخواننا السنة 
لنقرأ ما ذكر البخاري :
(( عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم رسول الله كان يؤمهم سالم مولى أبى حذيفة وكان أكثرهم قرآنا )) ( كتاب صحيح البخاري ج 1 ص 170، كتاب الاذان، باب اهل العلم والفضل احق بالامامة ).

في موضع آخر يُعرف البخاري بعض الرجال الذين كانوا يصلون خلف سالم مولى أبي حذيفة آنذاك فيروي:
(( حدثنا عثمان بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني ابن جريج ان نافعا أخبره ان ابن عمر رضي الله عنهما أخبره قال كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة )) (صحيح البخاري ج 8 ص 115 كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم).

التأمل في الحديثين أعلاه يُرينا أن الرواي واحد وهو عبد الله بن عمر والحادثة واحدة وهي إمامة الصلاة قبل هجرة النبي الكريم (ص) الى المدينة، ونرى أن المسلمين الذين هاجروا قبل النبي كان يؤمهم في الصلاة شاب اسمه سالم مولى أبي حذيفة وهو رجل مجهول الأب سُمي على اسم مولاه أبي حذيفة، و كان أبوبكر أحد الذين يقتدون بصلاة سالم مولى أبي حذيفة في المدينة قبل وصول النبي الى المدينة . إن ذلك يبرهن أن أبابكر هاجر إلى المدينة قبل الرسول محمد (ص), ويعني ذلك أنه لم يكن في الغار مع النبي (ص) وإذن فضيلة الصحبة في الغار ليست له!أحتار الفقهاء والمؤرخون في هذا النص وقال بعضهم ربما أن صلاة أبي بكر خلف سالم مولى حذيفة كانت بعد وصول النبي الى المدينة ويرد على ذلك بالقول: لماذا يؤم الناس سالم مولى أبي حذيفة والنبي حاضر في المدينة؟ ثم أن الرواية الاولى للبخاري هي نفسها الرواية الثانية على لسان نفس الناقل وعين الرواي وبينت أن المهاجرين كانوا يقتدون بسالم مولى أبي حذيفة قبل مقدم رسول الله، ثم تكمل الرواية في الشطر الثاني وتبين أن فيهم أبوبكر وعمر، فتأمل ! وقد أورد المحقق المعاصر نجاح الطائي قصة الهجرة والصحبة في الغار وقال أن الذي كان مع النبي في الغار لم يكن أبابكر بل هو رجل آخر مشهور بتقصي الآثر وعارف بطرق الصحراء إسمه ( بكر بن أريقط)، وبين المحقق الطائي أن تشابه الاسمين ( بكر، أبوبكر) ألبس الأمر على كتبة التاريخ فخلطوا بينهما وربما عن عمد لأضافة فضيلة الصحبة لأبي بكر ( راجع كتاب صاحب الغار أبوبكر أم رجل آخر, للدكتور المحقق نجاح الطائي).

ومن باب اخر قالو انهم ثلاثة 1- النبي 2- ابوبكر 3- دليلهما ابن اريقط فأين ذهب دليلهما عن الغار ايعقل انهم لم يدخلوه معهم الغار وتركوه عرضة لرجال قريش ام انهم ارجعوه واصبح الدليل ابو بكر فالاية واضحة وصريحة ((إذا أخرجه الذين كفرو ثاني اثنين إذ هما في الغار)) حيث تتحدث عن اثنين فقط فلهذا تكون الحقيقة واضحة ان ابو بكر لم يكن في الغار اساسا ولم يهاجر مع النبي بل كان كما ورد في صحيح البخاري (كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة) 

أبا عامر / اليمن
تعليق على الجواب (29)
أما عن قولك أن أبا بكر ليس من هاجر مع النبي (صلى الله عليه سلم) فهذا شرح الحديث:
قوله (فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة) أي ابن عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين قبل النبي صلى الله عليه وسلم وزيد أي ابن حارثة وعامر بن ربيعة أي العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي وهو مولى عمر، وقد تقدم في " كتاب الصلاة " في أبواب الإمامة من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا، فأفاد سبب تقديمه للإمامة. وقد تقدم شرحه مستوفى هناك في " باب إمامة المولى " والجواب عن استشكال عد أبي بكر الصديق فيهم لأنه إنما هاجر صحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في حديث ابن عمر أن ذلك كان قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت جواب البيهقي بأنه يحتمل أن يكون سالم استمر يؤمهم بعد أن تحول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها، فيحتمل أن يقال فكان أبو بكر يصلي خلفه إذا جاء إلى قباء. وقد تقدم في " باب الهجرة إلى المدينة " من حديث البراء بن عازب " أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، ثم قدم بلال وسعد وعمار، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين " وذكرت هناك أن ابن إسحاق سمى منهم ثلاثة عشر نفسا وأن البقية يحتمل أن يكونوا من الذين ذكرهم ابن جريج، وذكرت هناك الاختلاف فيمن قدم مهاجرا من المسلمين وأن الراجح أنه أبو سلمة بن عبد الأسد، فعلى هذا لا يدخل أبو بكر ولا أبو سلمة في العشرين المذكورين

وهو صاحب النبي صلى الله عليه و سلم شئتم أم أبيتم
ولا تتدخل عواطفنا في ذلك 
بل إن حقدكم على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه هي مايجعلكم تقدحون في شخصيته العظيمة رضي الله عنه وأرضاه
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه :"لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته"
ومن مصادركم : البحار 10/344، 47/354، 49/192، الصراط المستقيم 3/152، الصوارم المهرقة 323، 292، 277، رجال الكشي 393، عيون أخبار الرضا 2/187، الفصول المختارة 167، كفاية الأثر 312، معجم الخوئي 8/153-326
فهل سيقول أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه هذا الكلام تقية !! أم كذباً
وحاشا أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه أن يكون جبانا أو كاذبا
الجواب:
الأخ ابا عامر المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: الجواب الذي اتيت به فرحا وذكره ابن حجر هنا ناقلا اياه عن البيهقي ذكره هناك في الموضع الذي عزى له هنا ولكنه علق عليه بقوله : (فيصح ذكر ابي بكر ولا يخفى ما فيه). وهذا يدل على عدم ارتضاءه لهذا الجواب ورده له بل وضوح عدم صحته للجميع باشارته بعدم خفاء اشكال وضعف هذا القول وهذا التبرير دون ان يأتي ببدل له ومن ذلك يتبين عدم اقتناع ابن حجر بأي عذر في ذكر ابي بكر ولكن المشكلة انهم جعلوا من المسلمات هجرة ابي بكر مع النبي (صلى الله عليه وآله) وقطعوا بها ولذلك حاولوا التخلص من ذكر ابي بكر فيمن كان يصلي خلف سالم دون حل الاشكال!!

ثانياً: اما نقلك عن امير المؤمنين (عليه السلام) بانه قال : (( لا اوتى برجل يفضلني على ابي بكر وعمر الا جلدته )).
فنقول: كل هذه المصادر التي ذكروها لك وخدعوك بانها ترويها فانما رواها اصحابها فيها عن اهل السنة للرد عليها وتكذيبها والتعجب منها فكيف تنسبها للشيعة؟!! ولو سلمنا بانها قد قالها امير المؤمنين (عليه السلام) فعلا فانه لا يصح معناها الا على مسلكنا ايضا وهو ان من يفضل امير المؤمنين عليهما فانه سوف يقر بوجود فضل لهما ويقارن أمير المؤمنين بهما وهذا ما يستحق عليه العقوبة والتأديب فان قاله - ولم يقله - فانه لا كذب ولا تقية وانما هو بعكس ما تريدون اثباته من معنى.
ودمتم في رعاية الله 

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لا معارضة بين نهي أبي بكر عن الحزن ونهي الله لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) عن الحزن


مرتضى / بلجيكا
السؤال: لا معارضة بين نهي أبي بكر عن الحزن ونهي الله لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) عن الحزن
لماذا يكون الحزن المشار إليه في آية الغار الشريفة, الواقع أو الصادر من أبي بكر, حزن معصية, مستدلّين بنهي النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله), لأبي بكر عن الحزن, لأنّ النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى إلاّ عن المعاصي والموبقات, مع أنّا نجد في القرآن الكريم إنّ الحزن صدر أو وقع من كثير من الأولياء، وأيضاً هنالك بعض الآيات التي ظاهرها أنّ الله عزّ وجلّ نهى أو ينهى نبيّه الأكرم(صلّى الله عليه وآله) عن الحزن, مثل: (( وَاصبِر وَمَا صَبرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحزَن عَلَيهِم وَلاَ تَكُ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمكُرُونَ )) (النحل:127)، أو (( وَأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ )) (التوبة:92), إذا كان الصدور أو وقوع الحزن معصية, فعندئذٍ ألا يعارض هذا ما نعتقده من عصمة الأنبياء؟ وإذا لم تكن معصية، فلماذا قلنا: أنّ حزن أبي بكر كان حزن معصية؟
أرجو الجواب بإسهاب, لأنّ هذه المسألة محلّ إشكال وابتلاء عقائدي.
الجواب:

الأخ مرتضى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ مطلق الحزن ليس محرّماً، أو مكروهاً، بل من الحزن ما هو ممدوحاً.
روي عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (ما عبد الله عزّ وجلّ على مثل طول الحزن)(1).
وروي عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام): (إنَّ من أحبّ عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه, فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف, فزهر مصباح الهدى في قلبه)(2).
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: (يصبح المؤمن حزيناً ويمسي حزيناً, ولا يصلحه إلاّ ذاك)(3).
فالمنهيّ عنه في الآية - آية الغار - هو خصوص الحزن المذموم لا الممدوح.

أمّا المعارضة بحزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو حزن الأنبياء(عليهم السلام)، فهي ساقطة، لأنّه ثبت عندنا عصمته(صلّى الله عليه وآله) وعصمتهم(عليهم السلام) من الزلاّت وجميع المعاصي, فوجب أن يحمل قوله تعالى له(صلّى الله عليه وآله): (( وَلاَ تَحزَن عَلَيهِم ))، على أجمل الوجوه والأقسام، وأحسن المعاني في الكلام من تخفيف الهمّ عنه وتسهيل صعوبة الأمر عليه رفقاً به وإكراماً وإجلالاً وإعظاماً له, ولم يكن أبو بكر عندنا وعند خصومنا معصوماً فيؤمن منه وقوع الخطأ, ولا إمارة أيضاً تدعو إلى أن يكون الظنّ به حسناً, بل الدلالة حاصلة على عكس ذلك، إذ أنّه مع تواجده مع النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله) الذي كان يخبر من يسلم على يده بأنّ الله سينصره على عدوّه ومعانده، وأنّه سبحانه وتعالى وعده بإعلاء كلمته وإظهار شريعته, الأمر الذي يوجب الثقة وعدم الحزن والمخافة.

ثمّ مع ما ظهر من الآيات الموجبة لسكون النفس وإزالة الخوف، من نسج العنكبوت على باب الغار، وتبييض الطائر هناك في الحال، وغيرها من الأُمور التي توجب الثقة بالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) وعدم الخوف والحزن من غلبة الأعداء, نرى ظهور الحزن من أبي بكر والقلق الذي أوجب نهي النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له عن ذلك, وقد كشف لنا هذا النهي عن قبح هذا الحزن, وأنّ أبا بكر عاص في حزنه، لأنّه ثمرة شكّه في كلّ ما سمع وشاهد من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من الآيات والبيّنات في نصر الله سبحانه لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) وتأييده له, فإن سلّمنا بذلك، وإلاّ فلا أقلّ من ورود هذا الاحتمال في حقّ أبي بكر في هذا المقام لعدم عصمته, وهو بخلافه في مقامات نهي النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو الأنبياء(عليهم السلام) عن الحزن, إذ لا يمكن أن يتطرّق احتمال النهي عن المعصية في حقّهم، وذلك لثبوت عصمتهم بالدليلين العقلي والنقلي، فلا تقع المعارضة.

ثمّ إنّه وإن ورد النهي عن الحزن في الآيات التي ذكرتها، ولكنّه لم يردّ مطلقاً، بل ذكر فيها سببه، وهو حزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على عدم إيمان قومه وكفرهم، كما في الآية الأُولى، وعدم وجدانهم ما ينفقون في الآية الثانية، ولكنّهما سببان غير مذمومان، فلا يكون الحزن المتعلّق بهما مذموماً، فيحمل على أحسن الوجوه من التسلية وتخفيف الهمّ والرفق، وأمّا حزن أبي بكر في آية الغار فقد ذكر مطلقاً، ولم يذكر سببه مع ورود النهي عنه، ولذا يكون الظاهر منه النهي عن المرجوح، ويفهم منه الذمّ؛ فتأمّل!
ودمتم في رعاية الله

(1) مكارم الأخلاق 2: 462 الباب الثاني، الفصل الخامس.
(2) نهج البلاغة 1: 151 الخطبة 87.
(3) الدعوات، للراوندي: 287 في المستدركات الحديث (18)، وانظر: شعب الإيمان، للبيهقي 1: 225 الحديث (219).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » السكينة لم تنزل عليه


علي المؤمن / السعودية
السؤال: السكينة لم تنزل عليه
لماذا تبغضون أبا بكر، وهو الذي أنزل الله السكينة عليه؟!
الجواب:

الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليس لأيّ شيعي عداوة شخصية مع أبي بكر، وإنّما الحبّ والبغض يكون بالتعرّف على حقائق الأشخاص ومواقفهم، وذلك بالرجوع إلى الكتاب والسُنّة والعقل والتاريخ.

هذا، وإنّ السكينة وردت في القرآن الكريم عدّة مرّات:
1- (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، وهذه الآية هي المعروفة بآية الغار، والدليل اللغوي أثبت أنّ السكينة هنا نزلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لا غير؛ لأنّ الضمائر جميعها السابقة واللاحقة في الآية ترجع إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله).

2- (( لَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَومَ حُنَينٍ... ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ... )) (التوبة:25-26)، والسكينة هنا نزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وعلى المؤمنين، فلا تشمل إلاّ من صدق عليه أنّه مؤمن.
وهنا نقول: لا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ الآية تشمل فلان وفلان إلاّ بعد إثبات إيمانهما من دليل آخر.
ثمّ نسأل: لماذا في الآية الأُولى اختصّت السكينة برسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟ وفي الثانية نزلت على الرسول(صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين؟! أليس هذا لوحده يثبت أنّ أبا بكر لو كان من المؤمنين لنزلت عليه السكينة أيضاً في الغار؟!

3- (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ... )) (الفتح:4).

4- (( لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِم... )) (الفتح:18).

5- (( إِذ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ... )) (الفتح:26).

وكما ترى، فان الآيات ناظرة إلى نزول السكينة على المؤمنين لا غيرهم.
وكلّنا أمل في أن تواصلوا البحث والتحقيق بشكل موضوعي في أمثال هذه المسائل المهمّة التي تعتمد على الأدلّة القطعية.
ودمتم في رعاية الله


احمد ابراهيم / الاردن
تعليق على الجواب (30)
(( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، الله معهما أوّلاً، ثمّ إنّ الرسول(صلّى الله عليه وسلّم) كان مطمئناً لعلمه أنّهم لن يروه.. أليس يعلم الغيب؟!
فمن هو بحاجة إلى السكينة إذاً: الرسول(صلّى الله عليه وسلّم)، أم أبا بكر(رضي الله عنه)؟
الجواب طبعاً: أبو بكر، إذاً فالسكينة نزلت على أبي بكر.
الجواب:

الأخ أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: إنّك لم تبيّن كيفية استدلالك بقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))؟!
ونحن نقول: إن كان المراد المعيّة العامّة، فإنّ الله مع الكلّ، لقوله تعالى: (( مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلاَ خَمسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُم )) (المجادلة:7)، فلو كانا منافقين فالله ثالثهما، وإن كانا مؤمنين فالله ثالثهما, وإن كان أحدهما مؤمناً ونبيّاً والآخر منافقاً وشقيّاً فالله ثالثهما، فلا فضل لأبي بكر بهذه المعيّة.
وإن كان المراد المعيّة الخاصّة - أي: معيّة النصرة أو الحفظ - فقد نصت الآية أنّ الله نصر نبيّه وحده؛ إذ جاء الضمير فيها مفرداً؛ قال تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا... )) (التوبة:40).

وأمّا الحفظ، فإنّ حفظ أبا بكر لازم لحفظ النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فهو محفوظ بحفظه(صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه كان معه في الغار.
وما كانت الهجرة ودخول الغار إلاّ لحفظ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من الكفّار؛ فقال تعالى: (( إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ))، ولو كان(صلّى الله عليه وآله) وحده لاستمر حفظ الله له، وكان معه حافظاً بما نسجت العنكبوت على فم الغار، وباضت الحمامتان على بابه، فلا فضل لأبي بكر في هذا.

وقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، تعريف بما جهله أبو بكر وغفل عنه من نصرة الله وحفظه لأوليائه، فأخبره رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بما جهله بعد أن بان جهله بما ظهر من حزنه وخوفه مع ما رأى من دلائل الله وآياته في الغار، فدّل على عدم توكلّه على الله وعدم وثوقه بما وعد الله رسوله(صلّى الله عليه وآله)، وهذا بالذمّ والمنقصة أحرى وأولى.

ثانياً: قولك: إنّ رسول الله لا يحتاج إلى السكينة - على أيّ معنى حملت السكينة؛ لأنّهم ذكروا لها معانٍ عدّة - خلاف ما في القرآن الكريم؛ فإنّه يقول: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ... )) (التوبة:26), ويقول أيضاً: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ... )) (الفتح:26)، والآية الأُولى نزلت في حُنين، والثانية تشير إلى قصّة الحديبية، وهما بعد حادثة الغار بسنين، فإذا كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لا يحتاج إلى سكينة كما قلت، فهاتين الآيتين تصرّحان بنزولها عليه، وإذا كانت سكينته معه وهو في الغار، كما قال بعضكم، فأين ذهبت حتّى احتاجها في حُنين والحديبية؟!
وإن قلت: لا مانع من نزول سكينة على سكينة؟
قلنا: فلا مانع من نزولها عليه في الغار، كما هو نصّ القرآن بعود الضمير المفرد إليه في الآية، وإن كانت سكينته معه حين ذاك.
وإن قلت: أنّه(صلّى الله عليه وآله) احتاج السكينة في حُنين والحديبية؛ لأنّه أصابه بعض اضطراب وخوف، ولم يكن عنده شيء منهما في الغار، وإنّما كانا عند أبي بكر، المعبّر عنه في الآية بالحزن.
قلنا: من أين لك أنّه(صلّى الله عليه وآله) أصابه شيء من الخوف والاضطراب في حُنين والحديبية؟! ولا آية ولا رواية تثبت ذلك! فالآيتين في حُنين والحديبية خاليتان من الإشارة إلى ذلك، كما هي آية الغار.
فلتكن السكينة التي نزلت عليه في حُنين والحديبية قد نزلت عليه في الغار، كما هو ظاهر القرآن، ولكن مع فرق جدير بالتأمّل، وهو: أنّها نزلت عليه هناك مع المؤمنين، ونزلت عليه هنا وحده!

قال السيّد الطباطبائي في (الميزان): ((والدليل على رجوع الضمير في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله):
1- رجوع الضمائر التي قبله وبعده إليه(صلّى الله عليه وآله)، كقوله: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ ))، و(( نَصَرَهُ ))، و(( أَخرَجَهُ ))، و(( يَقُولُ ))، و(( لصَاحِبِهِ ))، و(( وَأَيَّدَهُ ))، فلا سبيل إلى رجوع ضمير (( عَلَيهِ )) من بينها وحده إلى غيره من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.

2- إنّ الكلام في الآية مسوق لبيان نصر الله تعالى نبيّه(صلّى الله عليه وآله)، حيث لم يكن معه أحد ممّن يتمكّن من نصرته؛ إذ يقول تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ... )) الآية، وإنزال السكينة والتقوية بالجنود من النصر، فذاك له(صلّى الله عليه وآله) خاصّة. ويدلّ على ذلك تكرار (إذ) وذكرها في الآية ثلاث مرّات، كلّ منها بيان لما قبله بوجه، فقوله: (( إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ))، بيان لوقت قوله: (( فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ ))، وقوله: (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ ))، بيان لتشخيص الحال الذي هو قوله: (( ثَانِيَ اثنَينِ ))، وقوله: (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ))، بيان لتشخيص الوقت الذي يدلّ عليه قوله: (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40).

3- إنّ الآية تجرى في سياق واحد حتّى يقول: (( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا ))، ولا ريب أنّه بيان لما قبله, وأنّ المراد بـ(( كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا )) هي: ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله(صلّى الله عليه وآله) وإطفاء نور الله, وبـ(( كَلِمَةُ اللَّهِ )) هي: ما وعده من نصره وإتمام نوره, وكيف يجوز أن يفرّق بين البيان والمبيّن، وجعل البيان راجعاً إلى نصره تعالى إياه(صلّى الله عليه وآله), والمبيّن راجعاً إلى نصرة غيره؟!))(1).

وأخيراً نقول: كيف يكون الضمير في (( عَلَيهِ )) راجعاً إلى أبي بكر، مع أنّ ما تفرّع وعطف عليه راجعاً إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قطعاً وبإجماع المفسّرين، وهو قوله تعالى: (( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، والضمير في (( أَيَّدَهُ ))، و(( عَلَيهِ ))، يعود إلى مدلول واحد؟ فتأمّل جيدّاً!
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير الميزان 9: 279 - 280.

صالح / الكويت
تعليق على الجواب (31)
هناك إشكال يطرحه المخالفون بخصوص آية الغار على ما نقوله من أنّ الآية تدلّ على خروج الخليفة الأوّل من دائرة الإيمان بدليل قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا... )) (التوبة:40).
إذ هناك آيات تتحدّث عن نزول السكينة على الرسول(صلّى الله عليه وآله) وعلى المؤمنين، وتارة على المؤمنين (راجع سورة الفتح). ولكن هذه الآية تتحدّث عن نزول السكينة على الرسول(صلّى الله عليه وآله) فقط لا غير، ولو كان هناك مؤمن معه في الغار لنزلت السكينة على كليهما.
والإشكال.. هم يشبّهون آية الغار بالآيات التي تتحدّث عن قصّة سيّدنا آدم(عليه السلام) وحواء عندما أكلا من الشجرة، وأُخرجا من الجنّة... فهذه الآيات تتحدّث عن فعل شخصين: (( فَأَكَلاَ مِنهَا )) (طه:121)، أو (( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنهَا )) (البقرة:36)، إلاّ أنّ التوبة أتت بصيغة المفرد لآدم فقط (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ )) (البقرة:37)، (( ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى )) (طه:122)، فهل يدلّ ذلك على أنّ الله سبحانه لم يتب على حواء؟
الجواب:

الأخ صالح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لو أخذنا القول بأنّ المعنى في الآيات هو نبيّ الله آدم(عليه السلام) وزوجته حواء، لا أنّ سياقها سياق المثل والرمز، فإنّ الجواب يكون من جهتين:
الأُولى: أن قوله تعالى: (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )), ظاهره مختصّ بآدم(عليه السلام)، ولا دلالة على دخول حواء فيه, فنحن وظاهر الآية ومن دون القرائن الخارجية لا شمول لها لحواء, ولولا ما ثبت من القرآن وما نقل من الديانات السابقة، بحيث أصبح عندنا القطع في دين الإسلام بتوبة حواء أيضاً, لم يكن لنا دلالة من الآية بمجرّدها على ذلك..

إذ من الواضح أنّ تلقّي الكلمات في آية سورة البقرة، والاجتباء في قوله تعالى من سورة طه: (( ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى )), مختص بآدم(عليه السلام)، بل إنّ سياق آيات سورة البقرة، وسورة طه، وسورة الأعراف، كلّها مختصّ بآدم(عليه السلام) بالأصل, إنّما ذكرت زوجه بالتبع.
قال ابن الجوزي: ((وإنّما لم تذكر حواء في التوبة؛ لأنّه لم يجرِ لها ذكر، لا أنّ توبتها ما قبلت))(1).
وقال القرطبي: ((الرابعة: إن قيل: لـِمَ قال: (عليه)، ولم يقل: عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال: (( وَلاَ تَقرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ )) (البقرة:35), و(( قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا )) (الأعراف:23)؟
فالجواب: إنّ آدم(عليه السلام) لمّا خوطب في أوّل القصّة بقوله: (( اسكُن )) (البقرة:35), خصّه بالذكر في التلقّي، فلذلك كملت القصّة بذكره وحده))(2).
وقال الثعالبي: ((وإنّما خصّ الله تعالى آدم بالذكر في التلقّي، والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع؛ لأنّه المخاطب في أوّل القصّة، فكملت القصّة بذكره وحده))(3).
وكلامهم واضح باختصاص الخطاب بآدم(عليه السلام) وعدم دخول حواء فيه، وإن كنّا نخالف الثعالبي والقرطبي في مشاركة حواء لآدم(عليه السلام) في التلقّي, بل إنّ التلقّي والاجتباء كان مختصّاً بآدم(عليه السلام)، نعم هي شاركته في التوبة, ولكن بعد أن علّمها آدم(عليه السلام) الكلمات.
فإذا وضح ذلك، يتّضح أنّ النقض الذي حاوله المستشكل لا موضع له بعد أن كانت الآية مختصّة بآدم(عليه السلام) ولا تشمل حواء, إذ لا يتم له ما أراد إلاّ إذا كان ظاهر الآية يشملهما معاً.

وأمّا قول بعض المفسّرين بدخول حواء في الآية للتغليب، فليس هو من ظاهر الآية! بل لِما ثبت من الخارج من قوله تعالى: (( قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لَنَا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ )) (الأعراف:23), ولِما ثبت بالقطع من دين الإسلام بأنّ التوبة شملت حواء أيضاً, فلا دلالة للآية بما هي على التغليب ودخول حواء فيها, بل ثبت من خارج.
ونحن نطالب بالدليل على دخول أبي بكر في آية سورة التوبة؛ فالكلام نفس الكلام في قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) (التوبة:40)، فإنّها بما هي وحسب دلالة ظاهرها مختصّة برسول الله(صلّى الله عليه وآله)، لإفراد الضمائر هنا من أوّل الآية، ولا تشمل شخصاً آخر, والادّعاء بأنّها تشمل أبا بكر بالتغليب يحتاج إلى قرائن خارجية، نقلية أو عقلية، تثبت شموله بالسكينة وتأييد الجنود، ودون ذلك خرط القتاد!
بل قام الدليل على عكس ذلك بعدم شموله بالسكينة وتأييد الجنود في الآية بعد المقايسة مع الآيات الأُخر التي ورد فيها ذكر لنزول السكينة على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين معه، كما في قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَى )) (الفتح:26), وقال تعالى: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26).
فلو كان أبو بكر موضعاً لنزول السكينة كما كان المؤمنون مع النبيّ موضعاً لها، لورد ذكره في الخطاب صريحاً, وهذا الموضع هو معقد استدلال الشيعة بعدم نزول السكينة على أبي بكر مع وجوده في الغار.

وبعبارة أُخرى: أنّنا نستدلّ بقياس استثنائي، وهو: كلّما نزلت السكينة على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وعلى المؤمنين معه، ذكرهم القرآن صريحاً, فإذا ورد مورد نزلت فيه السكينة ومع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) آخرين ولم يذكرهم القرآن، دلّ ذلك على أنّ الموجودين معه ليسوا مؤمنين، وإلاّ لذُكروا.
فكان على المستشكل أن يأتي بآيات فيها وقوع التوبة لآدم مع آخرين معه حتّى تتم المقايسة مع الآية المعنية، المنفردة ظاهراً بالتوبة عليه(عليه السلام), ثمّ الاستدلال بثبوت توبة حواء معه وإن لم تُذكر، ليتم له ما أراد من إثبات التغليب بنزول السكينة على أبي بكر.

الثانية: وممّا مضى يظهر أنّ آدم وحواء(عليهما السلام) وإن اشتركا في النتيجة، وهي قبول التوبة والهبوط إلى الأرض، وذلك لعدم الانفكاك في الخارج؛ لأنّهما خُلقا ليعيشا معاً، ولكن آدم(عليه السلام) اختصّ بنزول الكلمات والاجتباء بنص القرآن, وكذا اختصّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بنزول السكينة وتأييد الجنود، وإن اشترك معه صاحبه في الغار بالنجاة من كفّار قريش، وذلك لعدم الانفكاك في الخارج وملازمة نجاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مع نجاة صاحبه.
فإنّا وإن قطعنا بالتوبة على حواء، وسلّمنا أنّ التوبة تشملها ولو بالتغليب، ولكنّه اشتراك في النتيجة لا أكثر, كما أنّنا نعلم بنجاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وصاحبه في الغار, ولكن أين الاشتراك في النتيجة من الاختصاص بالسكينة وتأييد الجنود؟!
ودمتم في رعاية الله

(1) زاد المسير 1: 58 تفسير سورة البقرة.
(2) تفسير القرطبي 1: 325 تفسير سورة البقرة.
(3) تفسير الثعالبي 1: 223 تفسير سورة البقرة.

محمد المقداد / امريكا
تعليق على الجواب (32)

هناك إشكال يطرحه المخالفون بخصوص فضيلة آية الغار للخليفة الأوّل، وهو:

*************************

هدانا الله وإياك.. انظر إلى كيف يفسّر القرآن بعضه بعضاً، جاء في سورة الفتح قوله تعالى مخاطباً نبيّه محمّداً(صلّى الله عليه وسلّم): (( إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً )) (الفتح:8)، وبعد هذه الآية نقرأ قوله تعالى: (( لِتُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً )) (الفتح:9).
أرأيت أنّ في نفس الآية عاد الضمير إلى الرسول في: (( تُعَزِّرُوهُ )) و(( تُوَقِّرُوهُ ))، ثمّ عاد الضمير إلى الله في: (( وَتُسَبِّحُوهُ )). وهكذا في آية الغار، الحزين كان أبا بكر فأنزل الله سكينته عليه، والمنصور هو المصطفى(صلّى الله عليه وآله) فأيّده بجنود.

*************************

هل يصحّ هذا الاستدلال؟ وكيف يردّ علمياً؟ وهل هناك أحد من علماء أهل السُنّة استدلّ بذلك؟

الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الإشكال ذكره ابن الجوزي في (زاد المسير)(1)، وأبو حيّان الأندلسي في (تفسير المحيط)(2).
وهو في الحقيقة ليس إشكالاً، وإنّما جواب على إشكال!
فقد ردّ الشيعة على جمع من أهل السُنّة إرجاعهم الضمير في قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) (التوبة:40) إلى أبي بكر، بأنّ ذلك لا يتسق مع عود الضمير في الجملة المعطوفة بعده، وهي قوله تعالى: (( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40) إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ومفاد الضميرين متّحد.

ومن هنا أجاب بعض متحذلقي السُنّة بأنّ التأييد بالجنود كان لأبي بكر أيضاً، وهو ما لا يمكن الالتزام به، ولم يحصل خارجاً، وخلاف الإجماع، فهو باطل قطعاً.. ولوضوح بطلانه التجأ ابن الجوزي وأبو حيّان إلى هذا الجواب، وهو: إنّ اختلاف مفاد الضميرين له نظير في آيات القرآن أيضاً، وهو قوله تعالى: (( لِتُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً )) (الفتح:9)، فعاد الضميران في (( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) إلى الأقرب وهو رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وعاد الضمير في (( وَتُسَبِّحُوهُ )) إلى الأبعد وهو (( اللَّهُ ))؛ لأنّه لا يليق إلاّ به تعالى ولا يصحّ عوده إلى غيره.

ولكن هذا أيضاً لا يفيد ولا يصحّح حمل الضمير في (( عَلَيهِ )) على أبي بكر:
فأوّلاً: إن شطراً من المفسّرين قالوا: إنّ الضمائر الثلاثة في قوله تعالى: (( لِتُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً )) تعود على الله سبحانه، ومعنى (( وَتُعَزِّرُوهُ )): تنصروا دينه، ومعنى (( وَتُوَقِّرُوهُ )): تعظموه.
فالآية على هذا لا تصلح شاهداً لهم، بل هي على خلاف قولهم أدلّ؛ إذ لم يقع فيها اختلاف في عود الضمائر المتعاطفة(3).

وثانياً: سلّمنا أنّ الضمائر في (( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) تعود إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) تمسكاً بدعوى ظهورها في المعنى، والعدول في ضمير (( وَتُسَبِّحُوهُ )) بعوده إلى الله لامتناع عوده إلى غيره حسب المعنى أيضاً، ولكن هذا لا يتمّ في آية الغار؛ لأنّ الظهور فيها على خلاف حمل الضمير في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) على أبي بكر، كيف؟! والضمائر من أوّل الآية إلى آخرها تعود إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فكيف ينتقل في ضمير وحيد في وسطها إلى غيره؟

وقد ذكرنا سابقاً من قول العلاّمة الطباطبائي: أنّه لا سبيل إلى رجوع الضمير في (( عَلَيهِ )) من بينها وحده إلى أبي بكر، بعد أن أُرجعت الضمائر المتقدّمة والمتأخّرة إلى غيره، من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.
فدعواهم كانت تحتمل الصحّة لو كان الظهور مع حمل الضمير على أبي بكر، أمّا والظهور على خلاف ذلك، لوحدة السياق، وعدم القرينة الصالحة لم يبق إلاّ التمحّل وخلاف العربية.. والتمسّك بقرينية حزن أبي بكر، كما ذكروه، غير كافية لعدم المانع من حمل الضمير على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) معنى، وأنّ السكينة نزلت عليه(صلّى الله عليه وآله)، فلا قرينة قاطعة مدّعاة..
وهذا على خلاف الأمر في آية سورة الفتح؛ فإنّه لو قيل هناك بعود ضمير (( وَتُسَبِّحُوهُ )) إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) سيكون خطأً فاحشاً؛ لأنّ التسبيح لا يليق إلاّ لله وحده. وهذه قرينة قاطعة دلّت على صرف الضمير من القريب إلى البعيد.

وثالثاً: يظهر من آية الغار أنّ نزول السكينة من نصر الله، فهي إمّا من الجنود، أو تتنزّل مع الجنود، أو لازمة للتأييد بالجنود، حسب ما يظهر من آيات القرآن الكريم..
قال تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِم وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً )) (الفتح:4)، وقال تعالى: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26)، وفي الآية محل البحث قال تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40). فإنّ الآية من أوّلها إلى آخرها مختصة لبيان نصرة الله لرسوله(صلّى الله عليه وآله) لا لنصرة غيره، ودعوى نزول السكينة على غيره يكون خلاف الغرض من نزول الآية وإشارة إلى نصرة غيره، وتفرقة بين نزول السكينة والتأييد بالجنود؛ فتأمّل!
ودمتم في رعاية الله

(1) زاد المسير 3: 299 سورة التوبة.
(2) تفسير البحر المحيط 5: 46 سورة التوبة.
(3) انظر: مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفي) 4: 153 سورة الفتح، تفسير الكشّاف، للزمخشري 3: 542 سورة الفتح، تفسير الرازي 28: 86 سورة الفتح، تفسير جامع الجوامع 3: 382 سورة الفتح، تفسير الميزان 18: 274 سورة الفتح.

احمد حسن / العراق
تعليق على الجواب (33)
قال لي أحدهم: لو فرضنا أنّ الذي حزن في الآية هو أبو بكر، فالسكينة تنزل على الذي حزن!
ولو فرضنا أنّ الذي حزن هو النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله)، فكيف يمكن أن يكون النبيّ حزن وأبو بكر لم يحزن؟ فهل أبو بكر أفضل من النبيّ لأنّه لم يحزن؟!
ولو فرضنا أنّ الذي حزن هو أبو بكر، فكيف يمكن أنّ السكينة تنزل على الرسول الذي لم يحزن؟ أليست السكينة تنزل على الذي حزن؟!
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(السكينة) في روايات أهل البيت تُعرّف بالإيمان؛ ففي (الكافي): ((عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (( أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ )) (الفتح:4)؟ قال: (هو الإيمان) ))(1).

ولا يلزم لنزول الإيمان في قلب أحد أن يكون حزيناً، أو خالياً من الإيمان، حتّى تنزل عليه السكينة؛ يقول تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِم... )) (الفتح:4)، وقد صرّح القرآن بنزول السكينة على رسول الله في حُنين ولم يكن حزيناً، فلا يقال بعدم حاجة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لنزول السكينة بعد تصريح القرآن بذلك.
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي، للكليني 2: 15 الحديث (1) كتاب الإيمان والكفر، باب في أنّ السكينة هي الإيمان.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » هل هو الصدّيق الأكبر؟


كميل / الكويت
السؤال: هل هو الصدّيق الأكبر؟
أحببت أن أعرف: ما أصل تسمية أبو بكر بالصدّيق؟ هل كان ذلك في زمن الرسول(صلّى الله عليه وآله)، أم بعده؟ وهل كما يقول أهل السُنّة: سمّي بذلك لتصديقه الرسول؟
الجواب:

الأخ كميل المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وردت عدّة روايات عند الخاصّة والعامّة - أوردها المجلسي في (بحار الأنوار)(1) - تذكر أنّ الصدّيق هو الإمام عليّ(عليه السلام)، منها:
عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (الصدّيقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين, وخربيل [خرتيل] مؤمن آل فرعون, وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم)(2).
وعنه(صلّى الله عليه وآله): (صدّيق هذه الأمّة عليّ بن أبي طالب, وهو الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم)(3).
وعن عليّ(عليه السلام): (أنا الصدّيق الأكبر, لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب)(4).

وهكذا وردت عدّة روايات في كتب الفريقين في تفسير قوله تعالى: (( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ )) (الزمر:33), أنّ الذي جاء بالصدق هو رسول الله(صلّى الله عليه وآله), والذي صدّق به هو عليّ(عليه السلام)(5).
وقوله تعالى: (( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )) (التوبة:119), أنّ (مع الصادقين) هو: عليّ(عليه السلام)(6).
وقوله تعالى: (( أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )) (النساء:69), إنّ من الصدّيقين: عليّ(عليه السلام)(7).
وعليه، ثبت أنّ عليّاً(عليه السلام) هو الصادق والمصدّق والصدّيق.

ولكن أعداءه(عليه السلام) - وبالخصوص اتّباع بني أُميّة - لم يتحمّلوا هذه المنقبة لعليّ(عليه السلام)، فأخذوا يفترون أحاديث على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كذباً وزوراً، ويثبتون هذه المنقبة لأبي بكر، ذكر السيوطي مجموعة منها في (اللآلئ المصنوعة)(8)، وبعض منها في (ذيل اللآلئ)، والتي منها: (يا أبا أُمامة! إنّ الله شرف أبا بكر فجعله في السماء صادقاً وفي الأرض صدّيقاً، فهو لهذه الأُمّة من بعدي)(9)، وذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة)(10).

وممّا تقدّم يظهر أنّ تسمية أبي بكر بالصدّيق لم تكن في زمن النبيّ(صلّى الله عليه وآله), بل ولا حتّى في زمانه وخلافته, وإلاّ لاستفاد من هذه المنقبة في إثبات خلافته بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله), أو في دفاعه عن نفسه لمّا كذّبته فاطمة(عليها السلام) في قضيّة فدك!
وإنّما جاءته بعد وفاته.. ربّما من قبل عائشة، أو من هو على هواها.
ودمتم في رعاية الله

(1) بحار الأنوار 35: 410 الباب (21) إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدّق والصدّيق في القرآن.
(2) بحار الأنوار 35: 410 الباب (21) إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدّق والصدّيق في القرآن، وانظر: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 240 الحديث (1074) فضائل عليّ(عليه السلام)، و251 الحديث (1119)، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 172 (154)، الرياض النضرة 3: 104 الباب الرابع مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الجامع الصغير، للسيوطي 3: 115 الحديث (5148، 5149)، شواهد التنزيل، للحسكاني 2: 304 الحديث (938)، تاريخ مدينة دمشق 42: 43، 313، وغيرها.
(3) بحار الأنوار 35: 412 الباب (21) إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدق والصدّيق في القرآن، وانظر: مناقب آل أبي طالب 2: 286 فصل في أنّه الصدّيق والفاروق والصدّيق والصادق، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: 94 الحديث (132).
(4) بحار الأنوار 35: 412 الباب (21) إنّه صلوات الله عليه: الصادق والمصدّق والصدّيق في القرآن، وانظر: سنن ابن ماجة 1: 44 الحديث (120) باب (11)، المستدرك على الصحيحين 3: 111 - 113، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 498 الحديث (21) كتاب الفضائل باب (18)، السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 584 الحديث (1324)، السنن الكبرى، للنسائي 5: 107 الحديث (8395)، وغيرها.
(5) انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 2: 359، 360، شواهد التنزيل، للحسكاني 2: 178 الحديث (810 - 815)، معاني القرآن، للنحّاس 6: 175، تفسير العزّ بن عبد السلام 3: 99، تفسير القرطبي 15: 256 عن مجاهد، تفسير البحر المحيط 7: 412، طبقات الحنابلة 2: 125.
(6) انظر: شواهد التنزيل 1: 341 - 345 الحديث (350 - 357)، الدرّ المنثور، للسيوطي 3: 290، فتح القدير، للشوكاني 2: 414.
(7) شواهد التنزيل 1: 196 - 199 الحديث (206 - 209).
(8) اللآلئ المصنوعة 1: 262 مناقب الخلفاء الأربعة، وانظر ص 265 وما بعدها.
(9) ذيل اللآلئ: 53 كتاب المناقب، وانظر مسند الفردوس، للديلمي 5: 354 الحديث (8417، 8418).
(10) تنزيه الشريعة 1: 389 الحديث (125) باب مناقب الخلفاء الأربعة، الفصل الثالث.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لا يثبت لقب الصدّيق برواية غير صحيحة


مسلم / مصر
السؤال: لا يثبت لقب الصدّيق برواية غير صحيحة
حول فضيلة لأبي بكر, ممكن تفسير هذا الحديث:
((عن محمّد بن علي بن الحسين الباقر، عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن علي(عليه السلام)، عن حلّية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه, قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم الصدّيق, فمن لم يقل الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة))(كشف الغمّة، للإربلي).
الجواب:

الأخ مسلم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه الرواية التي ذكرها الإربلي (ت693هـ) في (كشف الغمّة)(1)، نقلها من (صفة الصفوة)(2) لابن الجوزي (ت597هـ)، مصرّحاً بذلك، وقد نقلها عن كتاب ابن الجوزي أيضاً ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)(3).
وإن أبيت ورفضت تصريح الإربلي بنقلها من كتاب ابن الجوزي، فائتنا بسند من كتبنا متّصل بين عروة والإربلي، فإنّ بينهما مئات السنين، بل إنّ بين ابن الجوزي وعروة مئات السنين أيضاً.

إذاً هذه الرواية وفق مقاييس علم الرجال مرسلة، هذا بالإضافة إلى أنّ عروة بن عبد الله المذكور بالرواية مهمل رجالياً، فضلاً عن كون ابن الجوزي، الناقل للرواية، كان ناصبياً، ردّ في كتبه كثير من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلا يصحّ الاحتجاج بهذه الرواية علينا!
على أنّنا لو سلّمنا بصحّة الرواية، فلا تقف هذه الرواية في قبال العشرات من الروايات المعارضة لها! فلا بدّ إذاً من أجل الجمع بين الروايات من حمل هذه الرواية على التقيّة.

على أنّ مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من الإمام(عليه السلام)؛ لأنّ ذنب عدم قول الصدّيق لا يستحقّ مثل هكذا عقوبة، وهي عدم قبول قوله في الدنيا والآخرة، وإلاّ لدخل أبو بكر نفسه في ذلك؛ فهو يقول: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني))(4), كما أنّ هناك كثير من أهل السُنّة عندما يذكر أبا بكر لا يذكر لقب الصدّيق، فهل يستحقّ هؤلاء جميعاً تلك العقوبة الإلهيّة؟!
ودمتم في رعاية الله

(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: 359 - 360 ذكر الإمام الخامس: أبي جعفر محمّد بن علي الباقر.
(2) صفة الصفوة 2: 459 ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة (171).
(3) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة 2: 895.
(4) الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 212، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 22، تاريخ مدينة دمشق 30: 303، 304، تاريخ الطبري 2: 460، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6: 20، و17: 156، المصنّف، للصنعاني 11: 336 الحديث (20701).

المغيرة / السعودية
تعليق على الجواب (34)
ممّا يدعم صفة الصدّيق، ولقبه أيضاً، ليس قول أحد أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولكن قول الرسول(صلّى الله عليه وسلّم): (اثبت أحد فإنّ فوقك نبيّ وصدّيق وشهيدان).
إن قلتم أنّ الرواية باطلة، فإنّكم تنفون صفة الشهيد والشهادة عن رابع الخلفاء عليّ(رضي الله عنه)؟
الجواب:

الأخ المغيرة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نبيّن الجواب بعدّة نقاط:
أوّلاً: هذا المتن في الرواية ليس صحيحاً عندنا، فلم يرد من طرقنا، ولا هو من المتّفق عليه بين الفريقين، فلا يحتجّ به علينا ولا يثبت مدّعاه عندنا..
والرواية تذكر أبا بكر وعمر وعثمان على النسق الواقع في الخلافة، ولا تذكر عليّاً(عليه السلام)! وهو منهج معروف لبني أُميّة وأتباعهم، رفضه أحمد بن حنبل فربع بعليّ(عليه السلام)، وهو دافع آخر يدفعنا للبحث في صحّة الرواية.

ثانياً: الرواية مضطربة المتن بمختلف طرقها الصحيحة عند أهل السُنّة، فمرّة كانت الواقعة على جبل أُحد، وأُخرى على حراء، وثالثة على ثبير.. ومرّة كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الثلاثة، وأُخرى كان عليّ(عليه السلام) مع الثلاثة، وثالثة كان هناك أيضاً طلحة والزبير وسعد، ورابعة وجود العشرة المبشّرة على زعمهم كلّهم.. ومرة قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (فإنّما عليك إلاّ نبيّ، وصدّيق، وشهيدان)، وأُخرى قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد).

فقد روى البخاري بسنده: ((عن يحيى(1)، عن سعيد(2)، عن قتادة: أنّ أنس بن مالك حدّثهم: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: (اثبت أُحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان) ))(3)، وعن يحيى أيضاً بالسند نفسه، ولكن بعبارة: (وقال: اسكن أُحد، أظنّه ضربه برجله، فليس عليك إلاّ نبيّ، وصديق، وشهيدان) ))(4).. ورواه أحمد بسنده عن يحيى، عن سعيد بن شعبة بدل سعيد الذي في البخاري(5).

بينما رواه مسلم: ((عن أبي هريرة: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (اهدأ، فما عليك إلاّ نبيّ، أو صديق، أو شهيد) ))(6)، وبعده مباشرة رواه بسند عن أبي هريرة أيضاً بإضافة سعد بن أبي وقّاص إليهم(7).

وقال الترمذي بعد رواية أبي هريرة الأُولى التي فيها ذكر حراء: ((وفي الباب: عن عثمان، وسعيد بن زيد، وابن عبّاس، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي. هذا حديث صحيح))(8).
ثمّ روى الترمذي بسنده عن عثمان في حديث طويل، أنّه قال: ((أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كان على ثبير مكّة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتّى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله، فقال: (اسكن ثبير، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)؟ قالوا: اللّهمّ نعم...))، ثمّ قال الترمذي بعده: ((هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان))(9).
وقد عرفت من رواية البخاري وغيره أنّ الصاعدين على الجبل مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ثلاثة!

ولكن، روى ابن أبي عاصم بسنده: ((عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: صعد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أُحداً واتبعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، فقال له رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (أثبت أُحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان) ))(10).
وروى أحمد بسنده عن أبي هريرة: أنّهم كانوا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير(11).
ورواه مسلم عن أبي هريرة أيضاً، ثمّ أضاف سعداً في الحديث الذي بعده مباشرة(12).
وروى أحمد والترمذي عن سعيد بن زيد: أنّ الذين كانوا فوق الجبل عشرة مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بإضافة عبد الرحمن وسعيد بن زيد(13).
وروى ابن أبي عاصم بسنده عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أنّه كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عشرة من أصحابه(14).
وروى ابن عبد البرّ بسنده عن سعيد بن زيد: أنّ الأصحاب كانوا عشرة، بإضافة عبد الله بن مسعود(15).

ثمّ إنّك عرفت ممّا مضى الاختلاف في متن الحديث، من قوله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ وصدّيق وشهيدان)، أو قوله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد)، أو قوله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ وصدّيق وشهيد)، والجمع بين الأحاديث؛ هروباً من الاضطراب، بالحمل على تعدّد الواقعة جمع تبرّعي، كما حاول بعضهم، كابن حجر العسقلاني (ت852هـ)(16)، والعيني(17)، وابن حجر الهيتمي المكّي(18).
ويردّه استبعاد تعدّد الواقعة بتفاصيلها على ثلاثة أجبل، بل يبعده استشهاد عثمان بما وقع على ثبير، أو حراء، على اختلاف النقل، لا بما وقع على أُحد الذي هو أقرب لأهل المدينة وأوقع في الشهادة عليهم وأوضح، وهو في موقف محتاج إلى وضوح الشهادة ومعروفيتها.

ثالثاً: وأمّا ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس، ففي سنده عدّة علل، فإنّه روي بعدّة طرق:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.. وسعيد بن أبي عروبة اختلط في آخر خمس سنين من عمره في أقلّ الأقوال، وثلاثة عشر سنة في أكثرها، بل قال بعضهم: بدأ به الاختلاط في سنة (133هـ)، ومات سنة (157هـ)، وقال الأزدي: اختلط اختلاطاً قبيحاً(19).
فالقول بأنّ ما رواه البخاري عنه قبل الاختلاط تحكّم! خاصّة إذا عرفنا تردّده في اسم الجبل، فمرّة يروى عنه أًحد، وأُخرى حراء، بل يردّد بينهما بـ(أو) في رواية روح بن عبادة عنه(20).

وقد روى غيره عن قتادة أنّه حراء(21)؛ ولكن قتادة نفسه مدلّس معروف بالتدليس(22).
وقد روي هذا الحديث بعينه عن يونس بن جبير عن رجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أورد ذلك ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)؛ قال: ((حدّثنا عاصم الأحول، أبو عمر، نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن رجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا على حراء فتحرك بهم، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (أثبت حراء، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان) ))(23)، ورواه أيضاً بالسند نفسه ابن أبي عاصم في (السُنّة)، ولكنّه ذكر يونس بكنيته (أبو غلاب)(24).
وأنت ترى أنّه لم يصرّح هنا بذكر اسم الصحابي وأنّه أنس، ورواه عن الصحابي بواسطة واحدة، وهو يونس بن جبير.

والسؤال الوارد هنا: هل أنّ قتادة دلّس الحديث على أنس، أو أنّ الخلط قد وقع من سعيد بن أبي عروبة فحذف الصحابي والواسطة في حديث قتادة، وجعله عن أنس مباشرة؟
وإن كان الحديث عن صحابي لم يذكر اسمه، فمن هو هذا الصحابي؟ هل هو عثمان، كما في بعض الروايات عند مناشدته للصحابة يوم الدار، وهي لا تخلو من الضعف؟ أو هو أبو هريرة على ما في روايات أُخر؟
مع أنّهم لم يذكروا أنّ يونس بن جبير أبو غلاب البصري الباهلي روى عن أنس.. نعم، روى عن ابن عمر(25)، فلعلّ الصحابي الذي لم يذكر اسمه هو: ابن عمر!

رابعاً: قال ابن حجر في (فتح الباري): (( (قوله: (صعد أُحداً)، هو الجبل المعروف بالمدينة.. ووقع في رواية لمسلم، ولأبي يعلى من وجه آخر، عن سعيد: (حراء)، والأوّل أصحّ))(26).
نقول: (قوله: والأوّل أصحّ)، أي: إنّهم كانوا على (أُحد) هو الصحيح، غير صحيح؛ لما ورد في غيره من الطرق عن بريدة، وأبو هريرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وابن عبّاس، وعثمان، وسعيد بن زيد، ورجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وأنس(27) في رواية أُخرى، من أنّ الجبل كان (حراء).
وفي بعضها: عن عثمان: ((أنّ الجبل تحرك حتّى تساقطت حجارته بالحضيض))(28)، ومن يرى (أُحد) يعرف أنّه أشبه بالتل المعزول عن غيره من الجبال ولا حضيض له.

ثمّ إنّهم متى كانوا على أُحد، أقبل المعركة؟ ولم يرد أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) صعد عليه، بل أرسل الرماة فوقه.. أو بعد المعركة؟ وقد انهزموا إلى الجبال خلفه ولم يصعدوا على أُحد، حتّى توارى أبو بكر وعمر في ثنيات الجبل، وعثمان هرب ورجع بعد ثلاثة أيام!(29)
فما في رواية أنس أنّه: (أُحد)، جاء من تخليط سعيد بن أبي عروبة.. وأمّا رواية سهل بن سعد، التي فيها أنّه (أُحد)، فهي رواية مناشدة عثمان يوم الدار نفسها، كما أخرجها عبد الرزّاق والطبراني(30)، وقد ورد عن عثمان في المناشدة أنّه (حراء) أو (ثبير)، كما أوردناها آنفاً.
وابن حجر والعيني لمّا لم يستطيعا ردّ رواية أنس من أنّ الجبل (أُحد)، قالا بتعدّد القصّة(31)! وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذا الرأي تمحّل لا شاهد له.
هذا، ولكن يرد على رواية بريدة وأبو هريرة التي فيهما أنّ الجبل (حراء)، أنّهما لم يحضرا الواقعة.. فبريدة أسلم حين مرّ به النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مهاجراً بالغميم(32)، وأبو هريرة أسلم سنة سبعة للهجرة في غزوة خيبر، فكيف عرفا تفاصيلها ومن شهدها؟!!

ومن المعلوم أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كان يتعبّد في (حراء) عدّة أشهر في السنة قبل البعثة، ولم يكن معه من هؤلاء المذكورين في هذه الأخبار على اختلافها إلاّ عليّ(عليه السلام)، أضف إلى ذلك أنّ بعض المذكورين تأخّر إسلامه بعد البعثة عدّة سنين، ولم يرد في الأخبار صعود الرسول(صلّى الله عليه وآله) إلى حراء في سنيّ البعثة أو بعد فتح مكّة، فمتى اجتمع من ذكر معه على (حراء)؟!

قال ابن تيمية: ((وهو - أي: رسول الله(صلّى الله عليه وآله) - من حيث نبّأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون. وقد أقام صلوات الله عليه بمكّة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكّة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريباً من عشرين ليلة، وأتاها في حجّة الوداع وأقام بها أربع ليال، وغار حراء قريب منه ولم يقصده))(33).

وقال أيضاً: ((وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكّة يصعدون إليه للتعبّد فيه، ويقال: إنّ عبد المطلّب سنَّ لهم ذلك، وكان النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) قبل النبوّة يتحنّث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أوّلاً؛ لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكّة بعد النبوّة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه وكذلك المؤمنون معه بمكّة؛ وبعد الهجرة أتى مكّة مراراً، في عمرة الحديبية وعام الفتح، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً، وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء ولا زاره))(34).

خامساً: جاء في رواية أنس عند البخاري: (أبو بكر، وعمر، وعثمان)، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير)، وأضاف في رواية بعدها: (سعد بن أبي وقّاص)، وفي خبر سعيد بن زيد عند الترمذي - الذي قال عنه: حديث حسن صحيح ــ: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وسعيد بن زيد)..
فإذا كان كلّ هؤلاء يشملهم قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (فإنّه ليس عليك إلاّ نبيّ، أو صديق، أو شهيد)، فما هو اختصاص أبي بكر بالصدّيقية؟!
ولنا أن نقول: كيف يكون عثمان شهيداً وقد أجمعت الأُمّة من الصحابة يوم ذاك وغيرهم على قتله؟!
وكيف يكون طلحة والزبير شهيدين وقد قتلا بعد أن خرجا على إمام زمانهما؟!
وسعد قد مات مطعوناً؟!
وعبد الرحمن وسعيد ماتا حتف أنفهما فأنّى لهما بالشهادة؟!

ثمّ لو سلّمنا لكم تنزلاً أنّ من قتل منهم يدخل تحت جنس الشهيد، لكن من لم يُقتل لا بدّ وأن يدخل تحت جنس الصدّيق، فكيف اختصّ أبو بكر بالصدّيقية؟!
وإن قلتم، كما عن بعضكم: إنّ الصدّيقية أخصّ ألقابه؛ لذا ذكرها النبيّ(صلّى الله عليه وآله)(35).
قلنا: ألم يختص عمر عندكم بلقب (الفاروق)، وعثمان بلقب (ذو النورين)، والزبير بلقب (الحواري)، فمن الذي نقلهم عن ألقابهم واختصهم بلقب (الشهادة)؟!

ثمّ، ألم تقولوا أن أبا بكر قتل بخزبرة مسمومة(36)، فلماذا لا يدخل في الشهادة؟!
ولا يتوهّم متوهّم من ترتّب ذكر الأسماء، والابتداء بأبي بكر فعمر فعثمان ثم عليّ ومن بعده، قرينة على اختصاصهم بهذه الألقاب؛ فإنّ هذا الترتيب جاء من قبل الراوي لا من كلام النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وهو يعزّز ما نعتقده من تحريف هذا الحديث ليطابق ما وقع في الخارج من ترتّب للمستولين على السلطة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله)!

سادساً: من مجمل ما مضى يظهر عدم صحّة وقوع القصّة على جبل (أُحد)، وإنّما - لو اعتقدنا بوجود أصل لها - قد وقعت على جبل (حراء)، ولكن من نقل القصّة لم يكن معاصراً لها - بحسب السياق الطبيعي للأحداث، الموافق للحوادث التاريخية المنقولة لما قبل البعثة وبعدها إلى زمان الهجرة، والمنطبق على شخوص من أسلم في تلك الفترة وزمان إسلامهم وطبيعة تأثيرهم ومكانتهم - حتّى يذكر لنا شخوص المشاركين فيها..

نعم، باستثناء شخص واحد يمكن أن تلتقي فيه خيوط القصّة من دون تناقض، من المعاصرة والتأثير وطبيعة التحرك والقرب من الرسول(صلّى الله عليه وآله)، وهو عليّ(عليه السلام)، فلم يكن هناك قبل البعثة وأوّلها من يرافق للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) غيره حين كان يصعد على حراء للتعبّد.. وأمّا ما ذكر من وجود أشخاص غيره فلا يتّسق مع السياق الطبيعي للأحداث، كما قلنا؛ لتباعد زمان إسلام بعضهم إلى سنين بعد البعثة، حيث لم يكن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) حينها يصعد على حراء.

ومن هنا ورد في التراث الحديثي لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ما يبيّن أصل القصّة وحقيقتها، وملابسات النقل المضطرب، والتناقض الواقع في طرق أهل السُنّة، ومن ثمّ يكشف الغاية لمثل هكذا نقل..
فقد جاء في (كتاب سُليم)، عن طريق أبان راوي الكتاب عند لقائه أبو جعفر الباقر(عليه السلام)، في حديث طويل أنّه(عليه السلام) قال له: (وربّما رأيت الرجل الذي يُذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد مضى من الولاة، لم يخلق الله منها شيئاً قطّ، وهو يحسب أنّها حقّ، لكثرة من قد سمعها منه ممّن لا يُعرف بكذب ولا بقلّة ورع. ويروون عن عليّ(عليه السلام) أشياء قبيحة، وعن الحسن والحسين(عليهما السلام) ما يعلم الله أنّهم قد رووا في ذلك الباطل والكذب والزور).
قال: قلت له: أصلحك الله، سمّ لي من ذلك شيئاً؟
قال: (رووا (أنّ سيّدي كهول أهل الجنّة أبو بكر وعمر)، و(أنّ عمر محدّث)، و(أنّ الملك يلقّنه)، و(أنّ السكينة تنطق على لسانه)، و(أنّ عثمان، الملائكة تستحي منه)، و(أنّ لي وزيراً من أهل السماء ووزيراً من أهل الأرض)، و(أن اقتدوا بالذين من بعدي)، و(اثبت حراء، فما عليك إلاّ نبيّ وصدّيق وشهيد)).. حتّى عدد أبو جعفر(عليه السلام) أكثر من مائة رواية يحسبون أنّها حقّ، فقال(عليه السلام): (هي والله كلّها كذب وزور).
قلت: أصلحك الله لم يكن منها شيء؟
قال(عليه السلام): (منها موضوع، ومنها محرّف.. فأمّا المحرّف، فإنّما عنى: (إنّ عليك نبيّ الله وصدّيقاً وشهيداً)، يعني: عليّاً(عليه السلام)، فقبلها. ومثله: (كيف لا يبارك لك وقد علاك نبيّ وصدّيق وشهيد)، يعني: عليّاً(عليه السلام). وعامّها كذب وزور وباطل)(37).

فهذه الرواية عن الباقر(عليه السلام) تبيّن أنّ هذا الحديث الذي تتمسّك به مدرسة الخلفاء لإثبات الصدّيقية لأبي بكر من الأحاديث المقلوبة؛ لأنّ المعنيّ به: عليّاً(عليه السلام)، فقلب وجعل من فضائل أبي بكر، بعد أن أضيف إليه أسماء من تخلّف بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وغيرهم من العشرة المبشّرة عندهم، بترتيبها المعهود الذي استقر اعتقادهم عليه، تدعيماً وبناءً لهذا الاعتقاد، وصرفاً لإحدى فضائل عليّ(عليه السلام) من كونه الصدّيق الأكبر إلى أوّل خلفائهم وأفضلهم عندهم وهو أبو بكر، كما صرفوا غيرها من الفضائل بأحاديث مقلوبة أُخر، وهي كثيرة.
ودمتم في رعاية الله

(1) وهو: ابن سعيد القطّان.
(2) وهو: ابن أبي عروبة.
(3) صحيح البخاري 4: 197 مناقب المهاجرين وفضلهم.
(4) صحيح البخاري 4: 204 مناقب المهاجرين وفضلهم.
(5) مسند أحمد بن حنبل 3: 12 مسند أنس بن مالك.
(6) صحيح مسلم 7: 128 باب من فضائل طلحة والزبير.
(7) المصدر نفسه.
(8) سنن الترمذي 5: 287 الحديث (3781) مناقب عثمان بن عفّان.
(9) سنن الترمذي 5: 291 الحديث (3787) مناقب عثمان بن عفّان.
(10) السُنّة، بتعليق الألباني: 607 الحديث (1438).
(11) مسند أحمد بن حنبل 2: 419 مسند أبي هريرة.
(12) صحيح مسلم 7: 128 باب من فضائل طلحة والزبير.
(13) مسند أحمد بن حنبل 1: 187، 188 مسند سعيد بن زيد، سنن الترمذي 5: 315 الحديث (3841) مناقب أبي الأعور واسمه سعيد بن زيد.
(14) الآحاد والمثاني 2: 117 الحديث (819).
(15) الاستيعاب 3: 988 (1659).
(16) انظر: فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(17) انظر: عمدة القاري 16: 190 الحديث (5763).
(18) انظر: الصواعق المحرقة: 80 الباب الثالث، الفصل الثالث.
(19) انظر: تهذيب التهذيب 4: 57 (110).
(20) انظر: فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(21) السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 607 الحديث (1439)، المعجم الأوسط 6: 338 من اسمه أحمد.
(22) انظر: تهذيب التهذيب 8: 318 (637).
(23) الآحاد والمثاني 5: 341 الحديث (2902).
(24) السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 607 الحديث (1440).
(25) تهذيب الكمال 32: 498 (7172).
(26) فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(27) انظر: السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 607 - 608 الحديث (1439 - 1447)، الرياض النضرة في مناقب العشرة 1: 37 الباب الثالث: في ذكر ما دون العشرة من العشرة.
(28) سنن الترمذي 5: 291 الحديث (3787) مناقب عثمان بن عفّان.
(29) انظر: السيرة النبوية، لابن كثير 3: 58 فصل فيما لقي النبيّ من المشركين، و3: 55 غزوة أُحد، الدرّ المنثور 2: 88 سورة آل عمران.
(30) المصنّف 11: 229 الحديث (20401)، المعجم الكبير 1: 91 الحديث (146).
(31) فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم، عمدة القاري 16: 190 الحديث (5763).
(32) الإصابة 1: 418 (632).
(33) مجموعة الرسائل والمسائل 5: 85 الرسالة الثالثة: العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعة، مجموعة الفتاوى 10: 394 فصل في العبادات والفرق بين شرعيتها.
(34) مجموعة الفتاوى 27: 251 فصل مسائل في زيارة قبر الرسول.
(35) انظر: الصواعق المحرقة: 88 الباب الرابع، الفصل الثاني في استخلاف أبي بكر.
(36) انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 198 أبو بكر الصدّيق.
(37) كتاب سليم بن قيس: 189 (10) علّة الفرق بين أحاديث الشيعة وأحاديث مخالفيهم.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » الفضل بالتقوى لا بالمصاهرة


سلمان المحمدي / البحرين
السؤال: الفضل بالتقوى لا بالمصاهرة
كيف حصل أبو بكر على تلك المنزلة ليكون والد زوجة الرسول؟
الجواب:
الأخ سلمان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إذا كان لا يمكن أن نحكم بالإيمان والنجاة لمثل أبناء الأنبياء، كما في ابني نبيّ الله آدم(عليه السلام)، ونبيّ الله نوح(عليه السلام).. ولا لمثل أعمام الأنبياء، كآزر عمّ نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام)، وأبو لهب عمّ نبيّنا(صلّى الله عليه وآله).. وإذا قال الله تعالى في كتابه: (( ضَرَبَ اللَّه مَثَلاً لّلَّذينَ كَفروا امرَأَةَ نوح وَامرَأَةَ لوط كَانَتَا تَحتَ عَبدَين من عبَادنَا صَالحَين َخَانَتَاهمَا فَلَم يغنيَا عَنهمَا منَ اللَّه شَيئاً وَقيلَ ادخلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخلينَ )) (التحريم:10)، وقال تعالى: (( فأَنجَينَاه وَأَهلَه إلاَّ امرَأَتَه كَانَت منَ الغَابرينَ )) (الأعراف:83)، وكان من الممكن أن تكون زوجتا نوح ولوط(عليهما السلام) من الكفّار وهما زوجتا نبيّان.. وعلمنا أنّه لا يمكن أن نحكم بفضل لامرأة لمجرّد كونها زوجة نبيّ، ولا للولد بمجرّد كونه ولده، ولا لأقربائه كذلك، وكان الفضل بالتقوى والقرب من الله والإخلاص له، فكيف نحكم بالنجاة والفضل لآباء أزواج الأنبياء؟!!
فلا منزلة من هذه الجهة ولا هم يفترون.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » دعوى كثرة فضائله


العلقم / اليمن
السؤال: دعوى كثرة فضائله
إنّ ما ورد في فضل أبي بكر من الآيات والأحاديث الكثير والكثير، وما يجادل في هذا إلاّ متّبع هوى، وصاحب زيغ.
فقد جاء كثير من الأحاديث في فضله ومناقبه، فقد قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (لو وضع إيمان أبي بكر في كفّة وإيمان الأُمّة في كفه لرجحت كفّة أبي بكر)، ومن هذا الكثير والكثير، فأين ذهبتم بكلّ هذه الأحاديث؟! وارجعوا إن شئتم إلى كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) تجدون الكثير والكثير من مناقبه وفضائله.
الجواب:

الاخ العلقم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ البحث العلمي لا يتم هكذا بالادّعاءات والأحكام الكلّية، وفرض المسلّمات والمشهورات دونما دليل.

فقولك: ((وما يجادل في هذا إلاّ متّبع هوى، وصاحب زيغ، فقد جاء كثير من الأحاديث في فضله...)) الخ، يدلّ على أنّك مدفوع بالعاطفة لا التحقيق والتنقيح، وإلاّ فليس هذا طريق الاستدلال والإثبات المتّبع لدى من ينشد الحقّ, فهل لك أن تبدأ بهذا الكثير الذي تدّعيه من أوّله، فتورد آية آية، أو حديث حديث، ثمّ فضيلة بعد فضيلة حتّى نبيّن لك عوارها.
وعلى العموم فإنّا نرجعك إلى بعض كلام علمائك في فضائل أبو بكر.

قال الفيروزآبادي في (سفر السعادة) عند إيراده لأحاديث لم يثبت منها شيء صحيح عند جهابذة علماء الحديث في خاتمة كتابه: ((وباب فضائل أبي بكر الصديق أشهر المشهورات من الموضوعات: (إنّ الله يتجلّى للناس عامّة ولأبي بكر خاصّة), وحديث: (ما صبّ الله في صدري شيئاً إلاّ وصبّه في صدر أبي بكر), وحديث: (كان(صلّى الله عليه وآله) إذا اشتاق الجنّة قبّل شيبة أبي بكر), وحديث: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان), وحديث: (إنّ الله لمّا اختار الأرواح اختار روح أبي بكر).. وأمثال هذا من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل))(1).
ونقل العلجوني في في خاتمة كتابه (كشف الخفاء) كلام الفيروزآبادي السابق(2).
وذكر السيوطي في (اللآلئ المصنوعة) ثلاثين حديثاً من أشهر فضائل أبي بكر(3)، ممّا اتّخذه المؤلفون في القرون الأخيرة من المتسالم عليه، وأرسلوه إرسال المسلّم بلا أي سند، أو أي مبالاة.
ومن هذه الأحاديث المدّعاة التي ليس لها سند، هذا الحديث الذي ذكرت: (لو وضع إيمان أبي بكر في كفّة وإيمان الأُمّة في كفّة لرجحت كفّة أبي بكر)، فإنّا لم نجد له سند في كتبكم، ولعلّ بحثنا كان ناقصاً، فتفضّل علينا بسنده.

نعم، جاء ما يقاربه في المعنى بأسانيد، ولكن كلّها مكذوبة مدخولة, كحديث الرؤيا التي رآها رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، الذي رواه أحمد عن أبي أُمامة(4)، تسلسل فيه الضعاف المناكير المتروكين، كـ: مطرح بن زيد الكوفي، وعبيد الله بن زحر الأفريقي، وعلي بن زيد الألهاني، والقاسم بن عبد الرحمن الشامي، قال ابن حبّان: عبيد الله يروي الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن علي بن زيد أتى بالطامّات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن زيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الحديث إلاّ ما عملته أيديهم(5).

أو الذي رواه أحمد عن ابن عمر(6)، وفيه: عبيد الله بن مروان؛ لا يعرف إلاّ من رواية بدر بن عثمان عنه في هذا السند، وبدر بن عثمان مولى عثمان بن عفّان. وفيه: أبو عائشة، غير معروف؛ قاله علي بن المديني(7). ورواه بدر مرّة أُخرى عن عمّه(8)؛ وفي السند سيف بن عمر الوضّاع، والظاهر أنّ بدر وضع له الأسانيد.
أو ما رواه الطبراني عن معاذ بن جبل(9)، وفيه: عمرو بن واقد الكذّاب، قال الذهبي في ذكر أحاديثه، وهذا منها: وهذه الأحاديث لا تعرف إلا من رواية عمرو بن واقد، وهو هالك(10).
أو ما رواه الطبراني أيضاً عن عرفجة مرّة(11)، وعن أُسامة بن شريك مرّة أخرى(12)، وفيه: عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك(13).
أو مارواه ابن عدي عن ابن عبّاس(14)، وفيه: معروف بن أبي معروف البلخي، وهو ليس بمعروف؛ قاله ابن عدي، وقال عن الحديث: غير محفوظ.

وكحديث الرؤيا المنسوبة إلى رجل حكاها إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، المروية في السنن، رواه أحمد(15)، وأبو داود السجستاني(16)، وأبو داود الطيالسي(17)، وابن أبي شيبة(18)، وغيرهم: عن أبي بكرة، وفيه: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف لا يحتجّ به(19)..
ورواه بسند آخر: أبو داود السجستاني(20)، والترمذي(21)، والحاكم(22)، والنسائي(23) عن أبي بكرة أيضاً، وفيه: الحسن البصري، وهو مدلّس، ولم يصرّح بالتحديث فيه عن أبي بكرة.
وأصل الحديث من أبي بكرة الثقفي، وكان منحرفاً عن عليّ(عليه السلام)، بل روى ابن عساكر عن طريق قتادة عن الحسن عن أبي بكرة، أن صاحب الرؤيا هو أبو بكرة نفسه(24)، وبذلك وضحت الفرية!
وروي أيضاً: عن سفينة مولى أمّ سلمة؛ رواه الحاكم في المستدرك(25)، وفيه: المؤمّل بن إسماعيل، لا يحتجّ به، يروي المناكير عن شيوخه الأثبات.

أمّا ما جاء بلفظ: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر)(26)، فهو موقوف على عمر. وبلفظ: (لو وضع إيمان...)، عن ابن عمر مرفوعاً بسند ضعيف(27)، وادّعاء المتابعة بالحديث الذي أخرجه ابن عدي عن عبد الله بن عبد العزيز لا يجدي بعد أن حكم عليه ابن عدي نفسه بعدم المتابعة(28)، ومن هنا يظهر أن هذه القولة من عمر وأتباع عمر، نسبت إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعد أن وضعت لها الأسانيد؛ فلاحظ!
ودمتم في رعاية الله

(1) سفر السعادة: 143 خاتمة الكتاب.
(2) كشف الخفاء 2: 419 خاتمة يختم بها الكتاب في أقوال وأحاديث موضوعة مختلفة.
(3) اللآلئ المصنوعة 1: 262 مناقب الخلفاء الأربعة.
(4) مسند أحمد بن حنبل 5: 259 حديث أبي أُمامة الباهلي.
(5) الموضوعات، لابن الجوزي 2: 14، 15 حديث في ذكر عبد الرحمن بن عوف.
(6) مسند أحمد بن حنبل 2: 76 مسند عبد الله بن عمر.
(7) تاريخ مدينة دمشق 38: 116 (4492).
(8) تاريخ مدينة دمشق 39: 170 ترجمة عثمان بن عفّان.
(9) المعجم الكبير 20: 87 أبو إدريس الخولاني وعائذ الله بن عبد الله عن معاذ بن جبل.
(10) ميزان الاعتدال 3: 291 (6465).
(11) المعجم الأوسط 1: 248 من اسمه أحمد.
(12) المعجم الكبير 1: 186 الحديث (490).
(13) مجمع الزوائد 9: 59 كتاب المناقب، باب في ما ورد من الفضل لأبي بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء.
(14) الكامل 6: 326 (1806).
(15) مسند أحمد بن حنبل 5: 44، 50 حديث أبي بكرة.
(16) سنن أبي داود 2: 398 الحديث (4635).
(17) مسند أبي داود: 116 مسند أبي بكره.
(18) مصنّف ابن أبي شيبة 7: 235 الحديث (2) كتاب الإيمان والرؤيا، باب ما قالوا فيما يخبره النبيّ(ص) من الرؤيا.
(19) تهذيب التهذيب 7: 283 (545).
(20) سنن أبي داود 2: 398 الحديث (4634).
(21) سنن الترمذي 3: 369 الحديث (2389).
(22) المستدرك على الصحيحين 3: 71 كتاب معرفة الصحابة، خلافة النبوة ثلاثون عاماً ثمّ تكون ملك.
(23) السنن الكبرى، للنسائي 5: 43 الحديث (8136) فضائل أبي بكر وعمر وعثمان.
(24) تاريخ مدينة دمشق 44: 134 ترجمة عمر بن الخطاّب.
(25) المستدرك على الصحيحين 3: 71 كتاب معرفة الصحابة، خلافة النبوة ثلاثون عاماً ثمّ تكون ملك.
(26) مسند ابن راهويه 3: 671 الحديث (1266)، شعب الإيمان، للبيهقي 1: 69 الحديث (36) باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه، فضائل الصحابة، لابن حنبل: 150 الحديث (655).
(27) الكامل، لابن عدي 5: 260 (1404)، تخريج الأحاديث، للزيعلي 1: 248 الحديث (262).
(28) تذكرة الموضوعات: 93 باب فضل صحابته وأهل بيته وأويس..، كشف الخفاء 2: 165 الحديث (2130)، الكامل، لابن عدي 4: 201 (1012)، لسان الميزان 2: 455 (4426).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » فضائل مزعومة (1)


نور الاسلام / الجزائر
السؤال: فضائل مزعومة (1)
كنت أتساءل فقط بيني وبين نفسي: هل يعقل أن يتحوّل ناصر الرسول(صلّى الله عليه وسلّم وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين)، وأوّل رجل أسلم في التاريخ - ولو عددت مناقبه على قلّة اطّلاعي ما انتهيت - إلى رجل يسلب حقّاً من حقوق آل البيت.
أنا والله لا أظنّ أنّ الأُمور تسير بعبثيه مطلقة... أن يسخّر الله رجلاً لنصرة الإسلام حتّى بشره حبيبنا بالجنّة، ثمّ يتنافس على الدنيا ومتاعها؟!
هذه بعض من تساؤلاتي.. أرجو أن تؤخذ بعين الاعتبار.
الجواب:

الاخت نور المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم تتحقّق عندنا موارد النصرة التي تذكرينها عن أبي بكر، فلم نشهد لأبي بكر موقفاً أو مواقف في حروب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يمكن ذكرها أو الإشارة إليها، وكذلك لم تثبت دعوى أنّه أوّل رجل أسلم في الإسلام.
ولا ندري أيّ بشارة بالجنّة تعنيها.. فإن كنت تقصدين هنا: حديث العشرة المبشّرة، فإسناد هذا الحديث حسب (سنن الترمذي)(1) لا يتم؛ نظراً إلى وفاة حميد بن عبد الرحمن سنة (105هـ) وعمره (73) عاماً، فتكون ولادته سنة (32هـ)! أيّ: عام وفاة الراوي الذي يروي عنه هذا الحديث، وهو أبوه الصحابي عبد الرحمن بن عوف، ولذلك كان ابن حجر يرى أنّ رواية حميد الزهري عن عمر وعثمان وأبيه منقطعة قطعاً(2). هذا حال ما روي عن عبد الرحمن بن عوف.

ويبقى ما روي عن سعيد بن زيد، وهو الأصل في حديث العشرة المبشّرة، والمتّهم فيه هو: راويه سعيد بن زيد؛ فإنّه يجرّ النار إلى قرصه في هذا الحديث، وإلاّ فأين ذهب الصحابة الكثر الأفضل منه قطعاً من المهاجرين والأنصار، فما بالهم لا يدخلون في العشرة، وما بال الحديث اقتصر على الأصحاب المهاجرين من قريش بما يوحي بأنّ واضعه كان من حزب قريش أصحاب السلطة، أو لعلّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كان من حزب قريش السياسي - نعوذ بالله - ولا نعلم؟!

ثمّ ما باله جمع بين من تقاتلوا وسفكت بينهم الدماء، بل بين القاتل والمقتول، فبشّرهم بالجنّة، أي: عليّ(عليه السلام) وطلحة والزبير؟!!
ويتّضح لنا الحال في حديث سعيد بن زيد، عندما نعلم أنّه لم يكن لهذا الحديث خبر قبل أن يرويه سعيد في الكوفة أيّام إمارة معاوية، فأي حديث هذا الذي لا يعلمه المبشّرين بالجنّة أنفسهم؟!

هذا.. وقد ثبت عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أنّه حذّر أصحابه التنافس في الدنيا من بعده، كما جاء في (صحيح البخاري): (والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)(3)، الذي يدلّ مع مجموع أحاديث الحوض الواردة في موضوع الصحابة أنّ هناك أحداثاً سيحدثها أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ستؤثّر على موقفهم الشرعي أمام الله سبحانه وتعالى، لذا يلزم البحث والتفحّص الدقيق عن مواقف الأصحاب بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ليصحّ تبنّي موقف شرعي كامل منهم.
ودمتم في رعاية الله

(1) سنن الترمذي 5: 311 الحديث (3830 - 3832) أبواب المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عون.
(2) راجع تهذيب التهذيب 3: 40 (77).
(3) صحيح البخاري 5: 40 كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، و 7: 173 كتاب الرقاق.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » فضائل مزعومة (2)


علي / ايران
السؤال: فضائل مزعومة (2)

باسمه تعالى.

بعد التحية والتقدير..
إنّني معتقد بأحقّية المذهب الشيعي الجعفري، وملتزم بتلقي المعرفة الصحيحة، ومن أجل توسيع آفاق رؤيتي المعرفية والدينية، واكتساب قدرة الإجابة على الشبهات المطروحة, أطلب منكم الإجابة المنطقية على الشبهات الفقهية والكلامية الموجودة في هذه الروايات.. أرجو منكم المساعدة:

*************************

أولاً: حدّثني زهَير بن حَرب، وعَبد بن حمَيد، وعَبد اللّه بن عَبد الرّحمَن الدّارمي، (قَالَ عَبد اللّه: أَخبَرَنَا. وَقَالَ الاَخَرَان: حَدّثَنَا) حَبّان بن هلاَل، حَدّثَنَا هَمّامٌ، حَدّثَنَا ثَابتٌ، حَدّثَنَا أَنَس بن مَالك: أَنّ أَبَا بَكر الصدّيقَ حَدّثَه، قَالَ: نَظَرت إلى أَقدَام المشركينَ عَلَىَ رؤوسنَا وَنَحن في الغَار. فقلت: يا رَسولَ اللّه! لَو أَنّ أَحَدَهم نَظَرَ إلى قَدَمَيه أَبصَرَنَا تَحتَ قَدَمَيه. فَقَالَ: (يا أَبَا بَكر مَا ظَنّكَ باثنَين اللّه ثَالثهمَا؟!).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

ثانياً: حدّثنا عَبد الله بن جعفر بن يحيىَ بن خَالد، حَدّثَنَا مَعنٌ، حَدّثَنَا مَالكٌ، عَن أَبي النّضر، عَن عبَيد بن حنَين، عَن أبي سَعيد: أَنّ رَسولَ(صلّى الله عليه وسلّم) جَلَسَ عَلَىَ المنبَر، فَقَالَ: (عَبدٌ خَيّرَه بَينَ أَن يؤتيه زَهرَةَ الدّنيا وَبَينَ مَا عندَه. فَاختَارَ مَا عندَه)، فَبَكَىَ أبو بكر. وَبَكَىَ. فَقَالَ: فَدَينَاكَ بآبَائنَا وَأمّهَاتنَا.. قَالَ: فَكَانَ رَسول(صلّى الله عليه وسلّم) هوَ المخَير. وَكَانَ أبو بكر أَعلَمَنَا به. وَقَالَ رَسول(صلّى الله عليه وسلّم): (إنّ أَمَنّ النّاس عَلَيَّ في مَاله وَصحبَته أبو بكر)، (وَلَو كنت متّخذاً خَليلاً لاَتّخَذت أَبَا بَكر خَليلاً، وَلَكن أخوّة الإسلام)، (لاَ يبقَينّ في المَسجد خَوخَةٌ إلاّ خَوخَةَ أبي بَكر).(صحيح مسلم،كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

ثالثاً: حدّثنا محمّد بن بَشّار العَبدي، حَدّثَنَا محمّد بن جَعفر، حَدّثَنَا شعبَة، عَن إسمَاعيلَ بن رَجَاء، قَالَ: سَمعت عَبد الله بنَ أبي الهذَيل يحَدّث عَن أبي الأَحوَص، قَالَ: سَمعت عَبد الله بنَ مَسعود يحَدّث عَن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، أنه قَالَ: (لَو كنت متّخذاً خَليلاً لاَتّخَذت أَبَا بَكر خَليلاً، وَلَكنّه أَخي وَصَاحبي. وَقَد اتّخَذَ الله عزّ وجلّ صَاحبَكم خَليلاً).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

رابعاً: حدّثنا محمّد بن المثَنّى وابن بَشّار (وَاللفظ لابن المثَنّى)، قَالاَ: حَدّثَنَا محمّد بن جَعفر، حَدّثَنَا شعبَة، عَن أبي إسحَاقَ، عَن أبي الأَحوَص، عَن عَبد الله, عَن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، أنّه قَالَ: (لَو كنت متّخذاً من أُمّتي أَحَداً خَليلاً لاَتّخَذت أَبَا بَكر).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/باب من فضائل أبي بكر).

خامساً: حدّثنا عثمَان بن أبي شَيبَةَ، وزهَير بن حَرب، وإسحَاق بن إبرَاهيمَ، (قَالَ إسحَاق: أَخبَرَنَا. وَقَالَ الاَخَرَان: حَدّثَنَا) جَريرٌ، عَن مغيرةَ، عَن وَاصل بن حَيانَ، عَن عَبد الله بن أبي الهذَيل، عَن أبي الأَحوَص، عَن عَبد الله, عَن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، قَالَ: (لَو كنت متّخذاً من أَهل الأَرض خَليلاً، لاَتّخَذت ابنَ أبي قحَاَفةَ خَليلاً، وَلَكن صَاحبكم خَليل الله).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/ باب من فضائل أبي بكر).

سادساً: حدّثنا يحيىَ بن يحيىَ، أَخبَرَنَا خَالد بن عَبد الله، عَن خَالد، عَن أبي عثمَانَ، أَخبَرَني عَمرو بن العَاص: أَنّ رَسولَ(صلّى الله عليه وسلّم) بَعَثَه عَلَىَ جَيش ذَات السّلاَسل. فَأَتَيته فَقلت: أَي النّاس أَحَبّ إلَيكَ؟ قَالَ: (عَائشَة)، قلت: منَ الرّجَال؟ قَالَ: (أَبوهَا)، قلت: ثمّ مَن؟ قَالَ: (عمَر)، فَعَدّ رجَالاً.(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/ باب من فضائل أبي بكر).

سابعاً: حدّثني الحَسَن بن عَلي الحلوَاني، حَدّثَنَا جَعفر بن عَون، عَن أبي عمَيس..
وَحَدّثَنَا عَبد بن حمَيد (وَاللفظ لَه)، أَخبَرَنَا جَعفر بن عَون، أَخبَرَنَا أَبو عمَيس، عَن ابن أبي ملَيكَةَ: سَمعت عَائشَةَ، وَسُئلَت: مَن كَانَ رسول(صلّى الله عليه وسلّم) مستَخلفاً لَو استَخلَفَه؟ قَالَت: أبو بكر. فَقيلَ لَهَا: ثمّ مَن بَعدَ أبي بَكر؟ قَالَت: عمَر. ثمّ قيلَ لَهَا: مَن بَعدَ عمَرَ؟ قَالَت: أَبو عبَيدَةَ بن الجَرّاح. ثمّ انتَهَت إلى هَذَا.(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/ باب من فضائل أبي بكر).

ثامناً: حدّثني عَبّاد بن موسَىَ، حَدّثَنَا إبرَاهيم بن سَعد، أَخبَرَني أبي، عَن محمّد بن جبَير بن مطعم، عَن أبيه: أَنّ امرَأَةً سَأَلَت رَسولَ(صلّى الله عليه وسلّم) شَيئاً؟ فأَمَرَهَا أَن تَرجعَ إلَيه. فَقَالَت: يا رَسولَ! أَرَأَيتَ إن جئت َلَم أَجدكَ؟ قَالَ أبي: كَأَنّهَا تَعني المَوتَ؟ قَالَ: (فإن لَم تَجديني فَأتي أَبَا بَكر).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/ باب من فضائل أبي بكر).

تاسعاً: حدّثنا عبَيد الله بن سَعيد، حَدّثَنَا يزيد بن هَارونَ، أَخبَرَنَا إبرَاهيم بن سَعد، حَدّثَنَا صَالح بن كَيسَانَ، عَن الزّهري، عَن عروَةَ، عَن عَائشَةَ، قَالَت: قَالَ لي رسول(صلّى الله عليه وسلّم) في مَرَضه: (ادعي لي أَبَا بَكر أباك، وَأَخَاك، حَتّىَ أَكتبَ كتَاباً، فَإنّي أَخَاف أَن يتَمَنّىَ متَمَنٍّ وَيقولَ قَائلٌ: أَنَا أَولى، وَيأبَىَ الله وَالمؤمنونَ إلاّ أَبَا بَكر).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/ باب من فضائل أبي بكر).

عاشراً: حدّثنا محمّد بن أبي عمَرَ المَكّي، حَدّثَنَا مَروَان بن معَاويةَ الَفزَاري، عَن يزيدَ (وَهوَ ابن كَيسَانَ)، عَن أبي حَازم الأَشجَعي، عَن أبي هرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول(صلّى الله عليه وسلّم): (مَن أَصبَحَ منكم اليومَ صَائماً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، قَالَ: (فمَن تَبعَ منكم اليومَ جَنَازَةً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، قَالَ: (فمَن أَطعَمَ منكم اليومَ مسكيناً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، قَالَ: (فمَن عَادَ منكم اليومَ مَريضاً؟) قَالَ أبو بكر: أَنَا، فَقَالَ رسول(صلّى الله عليه وسلّم): (مَا اجتَمَعنَ في امرئ إلاّ دَخَلَ الجَنّةَ).(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة(رضي تعالى عنهم)/ باب من فضائل أبي بكر).

*************************

الجواب:

الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: الأحاديث التي ذكرتها,كلّها منقولة من طرق أهل السُنّة، وإيرادها علينا من الطرف المقابل لا يلزمنا بصحّتها، حتّى لو كانت صحيحة عنده، فلا بدّ إن أراد أن يلزمنا بشيء أن يأتي بذلك من كتبنا، أو من المتّفق عليه بيننا.

ثانياً: مناقشة الأحاديث، وقد أعرضنا عن المناقشة السندية؛ لعدم الفائدة منها بعد أن حكموا بصحّة أحاديث مسلم:

الحديث الأوّل: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:
الأوّل: عدم ثبوت فضيلة فيه، وذلك لأنّه:
1- إن كانت الفضيلة من جهة ذكر العدد|، فقد بيّن الشيخ المفيد أن لا فضل فيه عندما ردّ احتجاجهم بقوله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ )) (التوبة:40)، في آية الغار، فقال: ((لعمري لقد كانا اثنين فما في ذلك من الفضل؟ ونحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً اثنان، فما أرى لك في ذكر العدد طائلاً تعتمده))(1).
وكذلك الحال في الرواية، فإنّ كون الله ثالثهما، ما هو إلاّ إخبار عن العدد، فلو كانا منافقين فالله ثالثهما، وإن كانا مؤمنين فالله ثالثهما، وإن كان أحدهما مؤمناً ونبيّاً والآخر منافقاً شقياً فالله ثالثهما، فأيّة فضيلة في ذلك لأبي بكر؟!
وقد قال تعالى: (( مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم... )) (المجادلة:7).
وإن كانت من جهة معيّة الله لهما التي هي بمعنى: نصره وحفظه لهما، فإنّ نصر الله كان لرسول الله خاصّة بنص القرآن، قال تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا... )) (التوبة:40)، وأمّا الحفظ فهو لازم، لضرورة حفظ النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وكان أبو بكر معه في الغار فلا فضل له من هذه الجهة.
2- إنّ راوي الحديث هو أبو بكر، والتزكية إذا جاءت من نفس الشخص لا تقبل إلاّ بعد ثبوت عصمته.
3- إنّ أبا بكر كان خائفاً من المشركين، وكان غير مطمئن لنصر الله ورعايته وحمايته لهما، بحيث كان يتصوّر أنّ المشركين سيظفرون بهما، وهذا الخوف والحزن الذي وقع به والذي أشارت له الآية: (( لاَ تَحزَن ))، دليل على وقوعه في اضطراب قلبي، ووقوعه في الخشية من غير الله تعالى، وهذا يعدّ منقصة له؛ فإنّ الله مدح الأنبياء بقوله تعالى: (( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ وَلاَ يَخشَونَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ )) (الأحزاب:39).

الثاني: من جهة المتن:
فقول أبي بكر: ((نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله! لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه))، مشكل! لأنّه:
1- لا يساعد على هذا الوصف وضع الغار وشكله المعروف، فلا بابه بهذا الصغر، ولا جوفه متّجه إلى جهة السفل والانحدار، حتّى يكون من بالباب على جهة العلو.
ومن هنا أشكل ابن حجر في (فتح الباري)؛ قال: ((قوله: ((قلت للنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وأنا في الغار))، زاد في رواية حبّان المذكورة: فرأيت آثار المشركين، وفي رواية موسى بن إسماعيل عن همام في الهجرة: فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم...
إلى أن قال: قوله: ((لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه))، في رواية موسى: لو أنّ بعضهم طأطأ بصره، وفي رواية حبّان: رفع قدميه، ووقع مثله في حديث حبشي بن جنادة، أخرجه ابن عساكر، وهي مشكلة، فإنّ ظاهرها أن باب الغار استتر بأقدامهم، وليس كذلك إلاّ أن يحمل على أنّ المراد أنّه استتر بثيابهم))(2).
2- جاء في روايات القوم أنّه لم يصل إلى باب الغار إلاّ واحد من المشركين، وهو القائف، فلمّا رأى خيوط العنكبوت والحمامتان علم أن لا أحد في الغار، فرجع(3).
3- كيف يكلّم أبو بكر رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وهو يجيبه والمشركون على باب الغار، إذ لو كان ذلك لسمعوه وافتضح أمرهم.

أمّا الأحاديث: الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، يمكن ردّهنّ من عدّة وجوه:
1- إنّ حديث خوخة أبي بكر معارض بحديث رواه ابن الأثير في (النهاية)، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إلاّ خوخة عليّ)(4).
2- إنّ الخلّة بين أبي بكر والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) غير حاصلة؛ لأنّه جعلها في جواب الشرط، وبالنتيجة يستدرك بأنّ الخلّة غير حاصلة، بل الحاصل هو أخوّة الإسلام, ثمّ إنّ هذه الأخوّة ليست خاصّة بأبي بكر، بل بجميع المسلمين، فالمسلم أخو المسلم، فلا فضيلة إذاً لأبي بكر.
3- لم يثبت لأبي بكر بيتاً ملاصقاً للمسجد، بل كان بيته بالسنح في عوالي المدينة(5)، فكيف يصحّ حديث الخوخة؟! وما احتمله البعض من وجود بيتين له، هو احتمال لا غير، ومع التسليم لا يثبت كونه ملاصقاً للمسجد.
4- إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد أمر بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ(عليه السلام)(6) في أوّل الأمر، وأمر بسدّ كلّ شعب في المسجد، حتّى أنّ عمر طلب أن يفتح كوة فلم يقبل الرسول(صلّى الله عليه وآله)(7)، وهذا يعني أن لا باب باقية بعد ذلك السدّ، وإلاّ فإنّ من أبقى باباً، أو حتّى خوخة يدخل منها إلى المسجد كما يصوّرها البعض، كان عاصياً لأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فكيف لم يلتزم أبو بكر ومن معه بسدّ خوختهم إلى ما قبل وفاته(صلّى الله عليه وآله) بعدما سمعوا حديث سدّ الأبواب؟! ألا يعد إبقاء تلك الخوخة ودخولهم منها إلى المسجد عصياناً لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟
5- إنّ علّة سدّ الأبواب دون باب عليّ(عليه السلام) هو طهارة عليّ وأهل بيته(عليهم السلام) وإمكان نجاسة غيرهم، كما صرّحت بذلك رواية أمير المؤمنين(عليه السلام) واحتجاجه يوم الشورى(8)، وروايات أُخر، وفي (مجمع الزوائد): قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك)(9)، وعلى هذا فلا معنى لاستثناء باب أو خوخة أبي بكر؛ لأنّه لا أحد يقول بطهارته كما هو الحال مع عليّ وأهل بيته(عليهم السلام).
6- يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: ((فلمّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو: (لو كنت متّخذاً خليلاً)؛ فإنّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو: سدّ الأبواب؛ فإنّه كان لعليّ(عليه السلام) فقلبته البكرية إلى أبي بكر...))(10). فهذه الأحاديث موضوعة بشهادة المعتزلي المدافع عن أبي بكر وبأحقّية خلافته، كما يذكر ذلك في الجزء الأوّل من الشرح.
7- لقد أجاب المأمون عن حديث الخلّة الذي ذكر فيه أخوّة أبي بكر للرسول(صلّى الله عليه وآله)، بقوله: هذا مستحيل من قبل رواياتكم أنّه(صلّى الله عليه وآله) آخى بين أصحابه، وأخّر عليّاً(عليه السلام)، فقال له في ذلك، فقال: (وما أخّرتك إلاّ لنفسي)(11)، فأي الروايتين ثبتت بطلت الأُخرى(12).
8- كان أبو هريرة يقول: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) خليله(13)، فإذا صحّ ذلك، فهو أفضل من أبي بكر، لأنّ الخلّة عند أبي هريرة ثابتة، في حين أنّ الخلّة بين أبي بكر والرسول غير ثابتة.
9- إنّ في هذه الرواية يثبت أنّه لم يكن أبو بكر خليلاً لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، في حين نرى روايات أُخرى تعارض ذلك، فهي تثبت كون أبو بكر خليلاً لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، كما في (الرياض النضرة)(14)، فهما إذاً متعارضتان.
ثمّ إنّ هناك روايات تذكر أنّ: لكلّ نبيّ خليل وخليلي سعد بن معاذ(15)، أو عثمان بن عفان(16)، وغيرهم كأويس القرني وسعدبن مالك(17). ثمّ إنّ ذلك ثبت لعليّ(عليه السلام)، إذ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (إنّ خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب)(18).
10- لو كانت الخلّة أعلى مرتبة من الأخوّة كما هو مراد الرواية الثالثة، فإنّ عدم مؤاخاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر في يوم المؤاخاة ومؤاخاته لعليّ(عليه السلام) فقط دون غيره، يدلّ على أنّ أبا بكر لا يصل للخلّة أيضاً؛ لأنّها أعلى مرتبة من الأخوّة.
أمّا لو كانت الأخوّة أعلى مرتبة من الخلّة وأقرب للمماثلة بين الاثنين، فعدم حصول الخلّة لأبي بكر، تعني عدم حصول الأخوّة أيضاً.
إذاً لو صحّ ذلك الحديث، فإنّ هذا يدلّ على تناقض فيه، وهذا ما لا يمكن أن يكون في حديث لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)!

الحديث السادس: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:
1- قال المأمون عن هذا الحديث: أنّه باطل؛ لأنّكم رويتم أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وضع بين يديه طائر مشوي، فقال: (اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك)(19)، فكان عليّاً(عليه السلام)، فأيّ روايتكم تقبل؟
2- كيف يكون هذا الحديث صحيحاً وعائشة نفسها تروي أنّه(صلّى الله عليه وآله) سُئل: من أحبّ الناس إليك؟ قال: (فاطمة)، قالوا: فمن الرجال؟ فقال: (زوجها)(20). وكان عمر يقول لفاطمة: ((والله، ما رأيت أحداً أحبّ إليَّ من رسول الله منك))(21).
3- وفي (الصوارم المهرقة): ((وممّا ينادي على وضع الخبر بأعلى صوت، أنّه لا يعقل أن يسأل أحد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله): أيّ الناس أحبّ إليك، فيتبادر ذهنه(صلّى الله عليه وآله) من الناس إلى النساء منهم دون الرجال، فيجيب بما نسب إليه من الجواب))(22).

الحديث السابع: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:
1- لا يمكن أن يكون هذا الحديث دالاًّ على استخلاف أبي بكر وعمر؛ لأنّكم رويتم عن ابن عمر أنّ أباه عمر قال: ((إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي، رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)))(23)، وفي حديث آخر: ((وإنّي لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم يستخلف، وإن أستخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف))(24).
فهذا عمر يصرّح بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم يستخلف أحداً.. ولمّا سأل أبو قحافة: لمَ جُعل ابنه خليفة؟ قيل له: لسنّه. ولم يقال له: أنّهم ولّوه لأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) استخلفه.
والذي يدلّ على عدم النص: أنّ أبا بكر قال: ((أقيلوني أقيلوني، لست بخيركم))(25). وقول عمر: ((ألاّ أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))(26).
وحيث سقطت دلالة الحديث على وقوع الاستخلاف، لا يبقى فيه إلاّ الادّعاء من قبل عائشة، ولا حجّة فيه.
2- إنّ الذي عليه مذهب أهل السُنّة، أنّ الأفضلية بعد أبي بكر وعمر هي إمّا لعثمان وإمّا لعليّ(عليه السلام)، في حين أنّ الحديث يفضل شخص ثالث، وهو: أبو عبيدة بن الجرّاح، فلا بدّ إذاً من رفض هذا الحديث لعدم انسجامه مع ما أطبق عليه أهل السُنّة.
3- إنّ ادّعاء الفضيلة إذا جاء من شخص له منفعة بهذه الفضيلة، كعائشة، فإنّه سيكون موضع اتّهام، بخلاف ما لو كان ذلك من قبل الأباعد، أو الأعداء.
4- إنّ خبر عائشة خبر آحاد، ولا يقبل مثل هذا الخبر في أمر خطير، وهو الاستخلاف.

الحديث الثامن:
1- لا يمكن أن يكون هذا الحديث دالاًّ على خلافة أبي بكر؛ لما ذكر سابقاً من قول عمر وأبي بكر الدالّ على عدم استخلاف أبي بكر.
2- يحتمل أن يكون المراد بالرجوع من بعده في أمر شخصي متعلّق بين النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر والمرأة، ولا علاقة له بالخلافة، فكيف تعمم هذه الواقعة الجزئية إلى الرجوع في كلّ أمر دنيوي وأُخروي، الذي هو حال الخلافة؟
3- إنّ قول الراوي: ((كأنّها تعني الموت))، هو من فهمه الخاص، وليس بحجّة، فيكون الرجوع إلى أبي بكر في قضية شخصية في حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولا علاقة لها بوفاته.
4- لم يرو هذا الحديث من الصحابة إلاّ جبير بن مطعم، ولم يروه عن جبير إلاّ ولده محمّد، ولم يروه عن سعد غير ولده إبراهيم، ثمّ أخذه الرواة عن إبراهيم بن سعد.

وإذا لاحظنا هؤلاء وجدنا: أنّ جبير من الطلقاء(27)، وهو صاحب أبي بكر، تعلّم منه الأنساب وأخبار قريش(28)، وكانت عائشة تسمّى له وتذكر له قبل أن يتزوّجها النبيّ(صلّى الله عليه وآله)(29)، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم(30)، وكان من بني نوفل الذين هم حلفاء بني أُميّة في الجاهلية والإسلام(31)، وهو أحد الخمسة الذين اقترحهم عمرو بن العاص على أبي موسى الأشعري للمشورة في التحكيم(32), وكان مائلاً عن عليّ(عليه السلام).
وأمّا ابنه محمّد بن جبير بن مطعم، فهو حليف بني أُميّة(33)، ولم يقاتل في جنب الإمام عليّ والحسن(عليهما السلام)، وهو ممثلاً عن وفد المدينة إلى معاوية(34).
وأمّا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فقد كان قاضياً لبعض ملوك بني أُميّة على المدينة(35).
أمّا ولده إبراهيم بن سعد، فهو صاحب العود والغناء(36)، كان يعزف ويغنّي، وجاءه أحد أصحاب الحديث ليأخذ عنه فوجده يغنّي فتركه وانصرف، فأقسم إبراهيم ألاّ يحدّث بحديث إلاّ غنّى قبله، وعمل والياً على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد.
هذا هو حال رجال ذلك السند، فهل يطمأن لذلك الحديث الذي رجاله مثل هؤلاء؟!

الحديث التاسع: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:
1- لا يمكن أن يدلّ هذا الحديث على خلافة أبي بكر؛ لما عرفت سابقاً من قول عمر وأبي بكر الدال على عدم الاستخلاف.
2- إنّ راوية الحديث هي عائشة، وهي متّهمة في ذلك، من حيث جرّها نفعاً وشرفاً لها ولأبيها، ومن حيث عداوتها لعليّ(عليه السلام).
3- لا يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحاً، وإلاّ تمسّك به أبو بكر في السقيفة عند منازعته الأنصار.
4- إنّهم ناقشوا في حديث الغدير، وقالوا: لا يمكن أن يكون الأُولى بمعنى الولي، فكيف يصير هنا الأُولى بمعنى الولي؟!
5- يجوز أن يكون قوله: (يأبى) من جملة مقول قول القائل، أي: يقول قائل: يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر، وبهذا القول تقع فتنة بين المسلمين، وحينئذ لا دلالة للحديث على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أخبر عن إباء الله تعالى لخلافة غير أبي بكر، كما فهموه؛ فلا حجّة فيه أصلاً(37).
6- إنّ في سند الحديث: الزهري، الذي هو من مشاهير المنحرفين عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومن كبار المروجين للأكاذيب، ومقاصد السلاطين(38)، وفيه أيضاً: عروة بن الزبير، من أعلام أعداء آل الرسول، والمشيّدين لحكومة الغاصبين(39).
ومن ضمن رواة الحديث: إبراهيم، الذي مرّ ذكره سابقاً من كونه صاحب العود والغناء وصاحب هارون الرشيد.
7- إنّ أبا بكر كان في جيش أُسامة في ذلك الوقت(40)، فكيف يدعو الرسول(صلّى الله عليه وآله) أبا بكر وهو يعلم بخروجه؟!
8- لقد شهدت المعتزلة بأنّ هذا الحديث وضعته البكرية في مقابل الحديث المروي عنه(صلّى الله عليه وآله) في مرضه: (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً)، فاختلفوا عنده وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله(41).
9- إنّ هذا الحديث لا يصحّ صدوره عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه مروي عن عائشة، وأمر الخلافة لا يصحّ إيكاله للنساء، لارتباطها بالرجال، فأخبارهم بذلك هو المتعيّن، دون عائشة أو غيرها من النساء(42).
10- لم تعلمنا الرواية أنّه هل حصل أمر الكتابة، أم لم يحصل؟ فإذا حصل، فأين هذا الكتاب، ومن احتجّ به على خلافة أبي بكر؟! وإن لم يحصل فما الذي منع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من كتابته بعد أن طلب استدعاء أبا بكر وابنه؟!
11- ليس هناك أيَّة دلالة على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أراد أن يستخلف أبو بكر؛ فما يدرينا؟! لعلّه أراد أن يكتب شيئاً لأبي بكر غير الخلافة، كأن يجعله أميراً على سرية أُسامة إن أصاب أُسامة شيء، أو لعلّه كان يريد أن يعطيه شيئاً، أو أي شيء آخر هو أولى به من غيره.
12- لقد قال أبو بكر فيما هو المشهور عنه عند موته عن ثلاثة ودّ لو سأل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عنهنّ: ((وأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي سألت رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عنهنّ، فوددت أنّي كنت سألته فيمن هذا الأمر، فلا ينازعه أهله))(43). فأبو بكر يصرّح بعدم استخلافه، فكيف يدلّ هذا الحديث على استخلافه؟

الحديث العاشر: يمكن ردّ هذا الحديث من عدّة وجوه:
1- إنّ راوي هذا الحديث هو أبو هريرة، الذي هو أكذب الناس على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)(44).
2- إنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) لم يقل: أنّ أبا بكر سيدخل الجنّة، بل قال: إنّ من عمل هذا العمل يدخل الجنّة..
وبعبارة أُخرى: إنّه لم يشخص دخول أبي بكر للجنّة، وإنّما جعلها عبارة كلّية مشروطة، ومثلها الكثير من الأعمال، وبهذا لا تكون واقعة حتماً دون قيد أو شرط، وإنّما هي معلّقة على حسن الخاتمة والموت على الإيمان والصلاح.
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح المنام، للمفيد: 26، الاحتجاج، للطبرسي 2: 327.
(2) فتح الباري 7: 9 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(3) انظر: فتح الباري 7: 185 باب هجرة النبيّ(ص) وأصحابه إلى المدينة، البداية والنهاية 3: 222 باب هجرة النبيّ(ص)، دلائل النبوّة، للبيهقي 2: 482 باب خروج النبيّ(ص) مع صاحبه أبي بكر إلى الغار، السيرة النبوية، لابن كثير 2: 241 باب هجرة رسول الله(ص) ومعه أبو بكر.
(4) النهاية في غريب الحديث والأثر 2: 86، مسند البزّّار 3: 368 الحديث (1169).
(5) تاريخ الطبري 2: 620 السنة الثانية عشر، ذكر أسماء قضاته وكتّابه وعمّاله على الصدقات، فتح الباري 7: 10 باب قول النبيّ(ص): سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، إرشاد الساري 8: 167 باب قول النبيّ(ص): سدّوا الأبواب إلا باب أبي بكر.
(6) مسند أحمد بن حنبل 1: 175 عن سعد بن أبي وقّاص، سنن الترمذي 5: 305 الحديث (3815) أبواب المناقب، باب (92)، المعجم الأوسط 4: 186.
(7) الطبقات الكبرى 2: 228، إمتاع الأسماع، للمقريزي 14: 442، السيرة الحلبية 3: 459.
(8) تاريخ مدينة دمشق 42: 432، 435، كنز العمّال 5: 725 الحديث (14243)، الضعفاء، للعقيلي 1: 212 (258)، المناقب، للخوارزمي: 315 الحديث (314).
(9) سنن الترمذي 5: 303 الحديث (3811)، السنن الكبرى، للبيهقي 7: 66، المعجم الكبير 23: 373، مجمع الزوائد 9: 115.
(10) شرح نهج البلاغة 11: 49 خطبة (203) فصل فيما وضعت الشيعة والبكرية من الأحاديث.
(11) سنن الترمذي 5: 300 الحديث (3804) أبواب المناقب، باب (85)، المستدرك على الصحيحين 3: 14.
(12) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 201 الحديث (5) الباب (45).
(13) انظر: مسند أحمد بن حنبل 2: 229 وغيرها، سنن الدارمي 1: 339، و2: 18، صحيح البخاري 2: 54، 247، صحيح مسلم 1: 84، 151، و2: 89.
(14) الرياض النضرة 1: 126 مناقب أبي بكر، ذكر أحاديث تدلّ على ثبوت الخلّة له، المعجم الكبير 8: 201 ما أسند أبو أُُمامة، عبيد بن زحر عن علي بن يزيد، و19: 41 باب الكاف، كعب بن مالك الأنصاري، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 224 ذكر ما قال رسول الله(ص) في مرضه لأبي بكر.
(15) انظر: كنز العمّال 11: 720 الحديث (33516)، السيرة الحلبية 3: 458 باب يذكر فيه مدّة مرضه وما وقع فيه ووفاته(صلّى الله عليه وآله).
(16) انظر: تاريخ مدينة دمشق 39: 125 ترجمة عثمان بن عفّان، كنز العمّال 11: 587 الحديث (32808)، الجامع الصغير، للسيوطي 2: 416 الحديث (7331)، السيرة الحلبية 3: 458.
(17) انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد 6: 163، الجامع الصغير، للسيوطي 1: 609 الحديث (3942)، تاريخ مدينة دمشق 9: 442، و20: 373.
(18) انظر: شواهد التنزيل 1: 489 الحديث (516)، تاريخ مدينة دمشق 42: 57، مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، للكوفي 1: 387 الحديث (306).
(19) انظر: سنن الترمذي 5: 300 الحديث (3805) أبواب المناقب، باب مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، المستدرك على الصحيحين 3: 130، 132، السنن الكبرى، للنسائي 5: 107 الحديث (8398)، خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام): 51، مسند أبي يعلى 7: 105 الحديث (4052)، المعجم الكبير 1: 353 الحديث (730)، وغيرها.
(20) انظر: المستدرك على الصحيحين 3: 155 - 157، سنن الترمذي 5: 360 - 362 الحديث (3960، 4965) أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة(عليها السلام).
(21) انظر: المستدرك على الصحيحين 3: 155.
(22) الصوارم المهرقة: 322 (110) في الجواب عن ادّعاء ابن حجر ورود أحاديث في مدح أبي بكر.
(23) صحيح البخاري 8: 126، صحيح مسلم 6: 4، مسند أحمد بن حنبل 1: 43، 46 عن عمر، المستدرك على الصحيحين 3: 95.
(24) صحيح مسلم 6: 5.
(25) انظر: الإمامة والسياسة 1: 320 بلفظ: (لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي)، المعجم الأوسط 8: 267 بلفظ: (لست بخيركم فبايعوا خيركم)، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 169 بلفظ: (أقيلوني فلست بخيركم)، وغيرها.
(26) الملل والنحل، للشهرستاني 1: 24 المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، شرح المقاصد، للتفتازاني 2: 293، الصواعق المحرقة: 36 الباب الأوّل، الفصل الخامس، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 26، المواقف، للإيجي 3: 600.
(27) انظر: سير أعلام النبلاء 3: 95 (18)، أُسد الغابة، لابن الأثير 1: 271، تهذيب الكمال، للمزّي 4: 506 (4904).
(28) انظر: سير أعلام النبلاء 3: 97 (18)، الإصابة، لابن حجر 1: 571 (1093)، أُسد الغابة 1: 271.
(29)انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد 8: 58، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 14: 22.
(30) انظر: الاستيعاب 1: 233، سير أعلام النبلاء 3: 97، المعارف، لابن قتيبة: 285.
(31) انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري 2: 359.
(32) انظر: سير أعلام النبلاء 3: 98.
(33) انظر: أنساب الأشراف، للبلاذري 5: 124 الحديث (354)، و7: 244، الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني 17: 188، تاريخ مدينة دمشق 52: 186.
(34) انظر: فتح الباري، لابن حجر 13: 102 كتاب الأحكام، باب الأمراء من قريش.
(35) انظر: سير أعلام النبلاء 5: 418 (184).
(36) انظر: تاريخ بغداد 6: 81 - 82 (3119).
(37) انظر: الصوارم المهرقة: 105 - 107.
(38) انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 102 ذيل كلامه (56)، فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ(عليه السلام)، تهذيب التهذيب، لابن حجر 4: 197 ترجمة الأعمش.
(39) انظر: شرح نهج البلاغة 4: 102.
(40) انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 190، فتح الباري 8: 115، 116، أنساب الأشراف 1: 474.
(41) انظر: شرح نهج البلاغة 11: 49 ذيل كلامه (203).
(42) انظر: مسائل خلافية... لعلي آل محسن ص 66.
(43) انظر: المعجم الكبير، للطبراني 1: 63 الحديث (43) عن أبي بكر، تاريخ اليعقوبي 2: 137.
(44) انظر: شرح نهج البلاغة 4: 67، 68.

محمد / مصر
تعليق على الجواب (35)
أيتّخذ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) منه صاحباً طول عمره، ورفيقاً في هجرته، وهو بهذا السوء؟!
أين الوحي؟ لماذا لم يوحي الله لنبيّه بأنّه بهذه الصورة الذي تدّعونها؟! لماذا لم ينزل الله فيه قرآناً يظهر حقيقته ويحفظ الولاية منه ليتم الله أمر دينه؟
من سمّاه أبو بكر؟ ومن لقبه بالصدّيق؟ ومن تزوّج ابنته؟
أأنتم أعلم من رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟
الله عالم الغيب ومنزل الوحي يترك رسوله هكذا دون تنبيه أو تحذير؟!
الله بقدرته يترك عترة نبيّه الطاهرة بدون حفظ؟!
والله إنّ هذا لتناقض في عقيدتكم!
الجواب:

الاخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: يجب أن تعلم أيّها الأخ إنّ عقيدتنا بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يعلم كلّ شيء إلاّ ما خرج بدليل، كما استثنى الله تعالى معرفته ببعض المنافقين من أهل المدينة لاقتضاء المصلحة في إخفاء أمرهم عنه(صلّى الله عليه وآله)، ولحكمة إلهية ما، كما قال تعالى: (( مِنَ الأَعرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم )) (التوبة:101), فقد يكون رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يعلم جيّداً حال أبي بكر، ولم يتصرّف معه بمثل ما ذكرت عنه إلاّ لأجل حاله ليتألّفه، أو يقيم عليه الحجّة، أو يأمنه.

ثانياً: وكذلك يجب أن تعلم أيّها الأخ بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بعث رحمة للعالمين ومبشّراً، وعلى خلق عظيم، فلا يطرد أحداً، ولا يغضب بوجه أحد إلاّ لله تعالى, ولذلك روي بأنّ أحد الصحابة زار رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فأخبروا النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بذلك، فقال عنه: (بئس أخو العشيرة)، فلمّا خرج له انبسط له في الكلام وضحك في وجهه، فغضبت عائشة من ذلك وأنكرته على النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فقال لها: (يا عائشة! متى عهدتني فحاشاً، إنّ شرّ الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شرّه)(1).

ثالثاً: من قال لك بأنّ أبا بكر صاحب رسول الله منذ صغره، وطوال عمره؟
ومن قال بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد اتّخذه رفيقاً في هجرته؟ لو نظرت جيّداً لروايات هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لرأيت أنّ أبا بكر لم يكن يعلم بخروج رسول الله(صلّى الله عليه وآله) حتّى ذهب إلى بيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وقال لعليّ(عليه السلام) وهو نائم في فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله): يا نبيّ الله! فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله) قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه. رواه الحاكم وصحّحه(2)، ووافقه الذهبي(3)، وأخرجه الهيثمي، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج، وهو ثقة، وفيه لين(4)، وحسّنه الألباني(5).

ثمّ حينما أراد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) الهجرة عرض عليه أبو بكر إحدى راحلتيه (الناقة) ليهاجر عليها، فأبى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أخذها إلاّ بالثمن.. وقد روى ذلك البخاري في عدّة مواضع من صحيحه، فراجع قوله(صلّى الله عليه وآله) بلفظ: قد أخذتها بالثمن(6)، وبلفظ: بالثمن(7).
وقال ابن حجر في (فتح الباري): ((زاد ابن إسحاق: قال - (صلّى الله عليه وآله) ــ: (لا أركب بعيراً ليس هو لي)، قال: فهو لك، قال: (لا، ولكن بالثمن الذي ابتعتها به)، قال: أخذتها بكذا وكذا، قال: (أخذتها بذلك)، قال: هي لك))، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني: ((فقال: (بثمنها يا أبا بكر)، فقال: بثمنها إن شئت))(8).
فلا ندري لماذا لم يتقبّل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إنفاق أبي بكر عليه، كما يزعمون بأنّه أَمَنَّ الناس على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في ماله!! وفي هذا الموقف المحرج لم يأخذ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) راحلة من أبي بكر ليهاجر بها إلا بالثمن؟!

فمن ينظر بعين الإنصاف إلى أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) هاجر دون أن يُعلِم أبا بكر، وأنّه(صلّى الله عليه وآله) لم يقبل منه الراحلة التي يهاجر عليها إلاّ بالشراء والثمن، مع قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله) له ونهيه له عن الخوف: (( لاَ تَحزَن ))، دون مدحه على ذلك الموقف، ونزول آية الغار بإثبات السكينة للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) دونه - مع أنّ الآيات الأُخرى في مواقف غيره من الصحابة مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد مدحها الله تعالى وأشركهم بإنزال السكينة على المؤمنين منهم مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) - فيتّضح له عدم أهمّية مواقف أبي بكر في الهجرة، وعدم مدحه، وعدم اختياره من النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وإنّما يستشف من أكثر الروايات أنّ أبا بكر هو من أراد وطلب المصاحبة والهجرة مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ورسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم ينه أحداً يوماً من شيء، ولم يردّ سائلاً، ولم يكسر قلب أحد، ولم يخيب رغبة وأمل أحد كائناً من كان، ما دام ذلك في غير معصية الله تعالى.
هذا كلّه عن كلامك وزعمك بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) اتّخذ منه صاحباً طول عمره ورفيقاً في هجرته!!

رابعاً: أمّا طلبك بأن ينزل الله تعالى آية فيه ليظهر حقيقته، ويحفظ الولاية منه، ليتم الله أمر دينه!
فنقول: هذا لا يلزم قطعاً؛ فكم من عدوّ لله ورسوله ودينه لم يذكره القرآن الكريم، سواءً لوضوحه، أو مع عدم وضوحه، وإنّما ذكر القرآن الكريم مواصفاتٍ لأعداء الله تعالى وللعصاة، وما إلى ذلك.. فذكر صفات المنافقين ومرضى القلوب، وأعمالهم ومخطّطاتهم، وذكر الفارّين من ساحات القتال، وذكر المرجفين، وذكر المغرورين، وذكر المرائين والمتكبّرين، وأهل الدنيا، والفاسقين، وغير المؤمنين، وغير المخلصين, كصفاتهم وكيفية تفكيرهم، وحذّرهم وحذّر منهم، وما ذكر غير أبي لهب مثلاً بالاسم مع وجود المئات، بل أكثر، من رؤوس الكفر والنفاق والكثير من المشركين وأعداء الدين.

ولم يذكر من أراد اغتيال النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، كالمنافقين الاثني عشر(9)، وغيرهم، مع أهمّية ذكر هؤلاء الأعداء، أو تحذير النبيّ(صلّى الله عليه وآله) للمسلمين منهم.. وكذلك لم يخبر الله تعالى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بوجود سمٍّ في الفخذ الذي أهدته إليه اليهودية(10).. ولم يخبره الله تعالى بكيفية النصر على الأعداء من الخطط، أو على الأقلّ ما يفكّر به الأعداء وما يخطّطون له، وما يريدون فعله معه، كما فعل خالد في أحد، وما لحق رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من الأذى بسببه(11)، أو بسبب عبد الله ابن أُبيّ بن سلول(12)، أو اليهودية...
وبالتالي فإنّ الله تعالى يحافظ على دينه ونبيّه بالأسباب والمسبّبات الطبيعية عادة, هذا هو الأصل.. إلاّ ما خرج بدليل يدلّ على الإعجاز والتدخّل الإلهي وما إلى ذلك.
والإمامة، كالتوحيد والنبوة، آمن بها بعض وكفر بعض، حيث لا إكراه في الدين؛ فقد أقام سبحانه وتعالى الحجج، وأمر الناس بالاتّباع والطاعة لأوامره، والناس مخيّرون، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.
فالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) بلّغا وأمرا بالإمامة، وبيّنا ذلك حقّ البيان، وأحسن البلاغ، ويبقى الإيمان والتطبيق للمكلّفين وعليهم وليس على الله تعالى.

خامساً: أمّا اعتراضك علينا بقولك: من سمّاه أبو بكر؟ ومن لقّبه بالصدّيق؟
فنقول لك:
1- لم يصحّ عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أنّه سمّاه الصدّيق.
2- وجود الاختلاف في سبب تسميته بذلك، وتسمية الناس له الصدّيق.
3- عدم الاستدلال بذلك وذكره في السقيفة، أو في خلاف أبي بكر مع الزهراء(سلام الله عليها)، وعمر مع أمير المؤمنين(عليه السلام)، مع حاجتهم الماسّة لذلك.
4- مخالفته للأحاديث التي تذكر أنّ عليّاً هو الصدّيق، وليس غيره، كقول عليّ(عليه السلام): (إنّي عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب، صليت قبل الناس بسبع سنين)، أخرجه الحاكم(13)، وابن ماجة(14)، وقال البوصيري: ((هذا إسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقات))(15).
وكذلك بيان عليّ(عليه السلام) للناس وإصراره مراراً وتكراراً بأنّه(عليه السلام) سبق أبا بكر بالإيمان، والصلاة لسنين، وموقفه الواضح والمعروف منه وتصدّيه له وللقَبَه المغصوب, وإلاّ لما افتخر بذلك (عليه السلام) على رؤوس الأشهاد.

سادساً: وأمّا قولك: من تزوّج ابنته؟!
فنقول: ما هذه الأقيسة والموازين العجيبة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
فحينما تزوّج رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أُمّ حبيبة، ابنة أبي سفيان(16)، وكان كافراً، هل تستطيع تنزيهه ومدحه لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد تزوّج بابنته؟!
وملك اليمين مثل مارية القبطية النصرانية(17)، وصفية بنت حيي اليهودية(18)، هل لأهلها وسادتها فخر وفضل علينا لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد اقترن بإمائهم وبناتهم؟!

سابعاً: وأمّا قولك: أأنتم أعلم من رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟!
فنقول: لا والله! أين الثرى من الثريا؟! فنحن نتعلّم من رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ونحاول أخذ الدين عنه، وكذلك نعرف به حقائق من حوله من المؤمنين والمنافقين والفاسقين، ونحاول أن نقلّده، فنرضى ونترضّى عمّن هو راضٍ عنه(صلّى الله عليه وآله)، ونحاول البراءة ممّن تبرّأ منه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وتأذّى منه، أو خاف على الأُمّة منه! ولا ندّعي غير ذلك.

ثامناً: وأمّا قولك: الله عالم الغيب ومنزل الوحي يترك رسوله(صلّى الله عليه وآله) هكذا دون تنبيه، أو تحذير؟!
فنقول: قد قدّمنا الكلام حول هذه المفردة.
ونقول أيضاً: بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد يكون عالم بحال هؤلاء، وهو الراجح، وقد يكون الله تعالى أخفى عنه أمرهم وأفعالهم وعقيدتهم لحكمة وغرض إلهي، لكي يتم الاختبار والابتلاء والفتن، وهذا الاحتمال ضعيف جدّاً، خصوصاً فيمن هم مورد كلامنا, فكثير من النصوص والقرائن تثبت الاحتمال الأوّل، وأنّ الله تعالى كشفهم وكشف أمرهم لرسوله(صلّى الله عليه وآله)، فعمل على التصدّي لهم بكلّ ما أُوتي من قوّة، ولكن بما هو مشروع ولائق به(صلّى الله عليه وآله)، كما في حديث الصحابي الذي استاء رسول الله(صلّى الله عليه وآله) منه، وقال عنه: (بئس أخو العشيرة)(19)، ولكنّه حينما خرج له ضحك في وجهه وتبسّم له وانشرح في الكلام معه.
وما يثبت أنّ أمر هؤلاء كان معلوماً للنبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله)، إصرار عمر على حذيفة وسؤاله(20) ليخبره: هل إنّه من المنافقين، الذين استأمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) حذيفة على أسمائهم، وهم الاثنا عشر الذين حاولوا اغتياله(21)، وأخبر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) حذيفة بهم، وكان حذيفة يسمّى لذلك: حافظ سرّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في المنافقين(22).
وإلاّ فقل لنا بربّك: لماذا هذا الإصرار من عمر والإلحاح على حذيفة بأن يكشف ويفشي سرّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) له؟!! إلاّ الشكّ الواضح والكبير في انكشاف أمره لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وإخبار الله تعالى لنبيّه عمّن فعلوا ذلك.

تاسعاً: وأمّا ختمك بقولك: الله بقدرته يترك عترة نبيّه الطاهرة بدون حفظ؟!
فنقول: إنّ سُنّة الله تعالى في أنبيائه وشرائعه إيكال أمرهم وما وقع عليهم في الدنيا إلى الأسباب الطبيعية، إلاّ بما يقتضي المعجزة في الإنجاء من الكافرين، أو الحفظ بسبب معجز، وهذا لا يخرج إلاّ بالدليل، كما فعل تعالى مع إبراهيم(عليه السلام) بالنسبة للنار، وكذلك مع موسى(عليه السلام) في شقّ البحر له، وكذلك مع عيسى(عليه السلام) حين رفعه إلى السماء، وشبّه لهم يهوذا الإسخربوطي(23) الذي دلّهم عليه بصورته فقتلوه بدلاً عنه، وما تعهد تعالى لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) في آخر حياته لتبليغ ولاية عليّ(عليه السلام)، بقوله تعالى: (( وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )) (المائدة:67)، وأمّا سوى ذلك حتّى لهؤلاء الأنبياء والرسل(عليهم السلام)، وأوصيائهم وأوليائهم وحواريّيهم فهو موكول للأسباب الطبيعية، مع لطف الله تعالى وعنايته بالمؤمنين عموماً، ومعيّته ونصره لهم، ودفاعه عنهم.
ولا ندري ما دخل حفظ العترة الطاهرة بأبي بكر؟! إلاّ أن يكون قصدكم أمر الخلافة، أو إرث النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو كليهما.
فالأمر هنا كالأمر الإلهي بعدم جواز اتّخاذ غير الإسلام ديناً، ولكن آمن من آمن واتّبع الإسلام، وكفر من كفر وخالف واتّبع غير الإسلام.

وكذلك الأمر الإلهي لكلّ عباده بعبادته، فيعبده البعض ولا يعبده البعض الآخر، وكذلك أمره تعالى للناس بالصلاة والزكاة والصوم والحجّ والصدق والأمانة، وعدم الاعتداء وعدم القتل وعدم الغيبة والنميمة ووو.. ولكن ائتمر من ائتمر، وعصى من عصى؛ لأنّ الله تعالى قرّر أنّه: (( لاَ إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكفُر بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِن بِاللَّهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَى )) (البقرة:256).
ودمتم في رعاية الله

(1) صحيح البخاري 7: 81، و86، و102، صحيح مسلم 8: 21، و 22.
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 133 فضائل عليّ بن أبي طالب.
(3) المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي 3: 344 الحديث (4710) كتاب معرفة الصحابة، ذكر إسلام عليّ.
(4) مجمع الزوائد، للهيثمي 9: 120 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام)، باب النظر إليه.
(5) الأحاديث الضعيفة 1: 199 الحديث (86)، إرواء الغليل 7: 51 الحديث (1994).
(6) صحيح البخاري 3: 24.
(7) صحيح البخاري 4: 255، و7: 39.
(8) فتح الباري 7: 183 باب هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله).
(9) انظر: صحيح مسلم 8: 122، مسند أحمد بن حنبل 5: 390 عن حذيفة بن اليمان، السنن الكبرى، للبيهقي 8: 198.
(10) انظر: سنن الدارمي 1: 32، 33، سنن أبي داود 2: 369 الحديث (4508، 4512) كتاب الديّات، باب (6) المستدرك على الصحيحين 3: 319، و4: 109.
(11) انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 47.
(12) انظر: أنساب الأشراف، للبلاذري 1: 274، صحيح البخاري 2: 76، و5: 206، و7: 36.
(13) المستدرك على الصحيحين 3: 112.
(14) سنن ابن ماجة 1: 44 الحديث (120) باب (11) فضل عليّ بن أبي طالب.
(15) مصباح الزجاجة 1: 20 الحديث (49) كتاب اتّباع السُنّة، باب فضل عليّ بن أبي طالب.
(16) انظر: أُسد الغابة 1: 33.
(17) انظر: أُسد الغابة 5: 543.
(18) انظر: أُسد الغابة 5: 490.
(19) انظر: مسند أحمد بن حنبل 6: 38 عن عائشة، صحيح البخاري 7: 81، 86، 102.
(20) انظر: المحلّى، لابن حزم 11: 222، فتح الملك العلي: 124، الإكمال في أسماء الرجال، للتبريزي: 42، 121، كنز العمّال 1: 369 الحديث (1622)، تاريخ مدينة دمشق 12: 276، و44: 307، جامع البيان، للطبري 11: 16، تفسير ابن كثير 2: 399.
(21) انظر: المغازي، للواقدي 2: 1042، إمتاع الأسماع، للمقريزي 2: 74، و5: 324، دلائل النبوّة، للبيهقي 5: 257.
(22) انظر: صحيح البخاري 4: 215، سنن الترمذي 5: 339 الحديث (3899) أبواب المناقب، باب مناقب عبد الله بن مسعود، المستدرك على الصحيحين 3: 392، و4: 426.
(23) الفصل في الملل والأهواء والنحل 2: 22.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ردّ حديث سؤال الله لأبي بكر: أراض عنّي في فقرك...!!


عماد / العراق
السؤال: ردّ حديث سؤال الله لأبي بكر: أراض عنّي في فقرك...!!
ذكر ابن الجوزي: أنّ جبرائيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وكان بجانبه أبو بكر يرتدي عباءة قديمة, فقال جبرائيل(عليه السلام) للرسول(صلّى الله عليه وآله): إنّ الله عزّ وجلّ يقرأ عليك السلام ويقول لك: قل لأبي بكر أراض عنّي في فقرك هذا أم ساخط, فقال أبو بكر: أأسخط عن ربّي! إنّي عن ربّي راضي.
أرجو أن تذكروا الكتب التي ذكرت هذا الحديث الذي يفترى به على الله والوحي والرسول.
الجواب:

الأخ عماد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكر هذا الحديث بمضامين تختلف بعضها عن بعض في بعض الفقرات.
فقد ذكره ابن شاهين (ت385هـ) في (شرح مذاهب أهل السُنّة)(1)، وابن سمعون الواعظ (ت387هـ)(2) في أماليه، وابن حزم في (المحلّى)(3)، والواحدي في (أسباب النزول)(4)، والثعلبي في تفسيره(5)، والسمعاني في تفسيره(6)، والبغوي في تفسيره(7).. وغيرهم، وأخرجه ابن كثير في تفسيره عن طريق البغوي، وقال: ((هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه))(8).
وفي سنده العلاء بن عمرو، قال عنه ابن حبّان: ((شيخ يروى عن أبي إسحاق الفزاري العجائب، لا يجوز الاحتجاج به بحال))، ثمّ أورد الرواية المعنية عنه(9).
وكذّب الذهبي الحديث في (ميزان الاعتدال)(10)، وقال عنه الهيتمي: ((وسنده غريب ضعيف جدّاً))(11).
وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق محمّد بن بابشاذ(12)، صاحب الطامّات(13).
وأخرجه قوام السُنّة في (الحجّة في بيان المحجّة)(14)، عن ابن مردويه بطريقين، في الأوّل: العلاء بن عمرو، وقد عرفت حاله، وفي الثاني: سهل بن صقير، اتّهمه الخطيب بالوضع(15).
وأخرج ابن المقري (ت381هـ) في معجمه(16) عن طريق الحسن بن حسين الأسواري، وهو مهمل لم يترجمه أحمد.
وأخرجه أبو نعيم (ت430هـ) في (فضائل الصحابة)(17)، و(حلية الأولياء)(18)، بطريقين، في الأوّل حسن بن حسين الأسواري، وفي الثاني العلاء بن عمرو.
وأخرجه المتقي الهندي في (كنز العمّال)، نقلاً عن أبي نعيم في (فضائل الصحابة)(19).
وقال السيوطي بعد أن أورد الحديث عن ابن شاهين في (السُنّة)، والبغوي في تفسيره، وابن عساكر عن ابن عمر: ((غريب وسنده ضعيف جدّاً. وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، وابن مسعود مثله، وسندهما ضعيف أيضاً. وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عبّاس. وأخرج الخطيب بسند واه أيضاً عن ابن عبّاس(رضي الله عنهما)، عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، قال: (هبط علَيَّ جبريل(عليه السلام) وعليه طنفسة وهو متخلّل بها، فقلت له: يا جبريل! ما هذا؟ قال: إنّ الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلّل في السماء كتخلّل أبي بكر في الأرض)، قال ابن كثير: وهذا منكر جدّاً، وقال: ولولا أنّ هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى))(20).

وقد ردّ العلاّمة التستري في (الصوارم المهرقة) هذا الحديث، بالقول:
((هذا من غرائب موضوعاتهم! وذلك من وجوه:

أمّا أوّلاً: فلأنّه أوّل راويه ابن عمر الذي سمعت منّا القدح فيه سابقاً، وأنّ أبا حنيفة لم يعمل بحديثه أبداً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ بعد هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة وقبل فتح مكّة، قد فتح الله تعالى عليه وعلى أصحابه من غنائم الكفّار وبلدانهم ما أزال فقرهم، فكان لبس أبي بكر للعباء المبتذل المذكور للرزق والتلبيس لا للفقر، فلا وجه لسؤال الحكيم الخبير وجه فقره إلى لبس تلك العباءة عنه.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ ما نسبه إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من قوله: أنفق ماله علَيَّ قبل الفتح، مردود بما ذكرنا سابقاً من اتّفاق أهل الأثر على أنّ أبا بكر ورد المدينة وهو محتاج إلى مواساة الأنصار في المال والدار، فمن أين حصل له المال الذي أنفقه على سيّد الأبرار؟! وممّا نقلنا عن البكري المصري: من أنّ أبا بكر لم يكن في زمان سافر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مع أبي طالب(رضي الله عنه) إلى الشام بحال من يملك، ولا ملك بلالاً إلاّ بعد ثلاثين سنة؛ فافهم!

وأمّا رابعاً: فلأنّه لا يعقل ما تضمّنه الحديث من سؤال الله تعالى عن رضى عبده عنه، ولو فرضنا أنّ العبد قال لربّه: إنّي لست براض عنك، هل كان جوابه غير أن يقول له: فاخرج عن أرضي وسمائي بالسرعة والبدار؟ وهل كان علاجه غير أن يدقّ رأسه على الجدار؟))(21).
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح مذاهب أهل السُنّة: 173 الحديث (124).
(2) أمالي بن سمعوه الواعظ: 166 الحديث (132).
(3) المحلّى 9: 139 الحديث (1631).
(4) أسباب النزول: 272 سورة الحديد.
(5) تفسير الثعلبي 9: 236 سورة الحديد.
(6) تفسير السمعاني 5: 367 سورة الحديد.
(7) تفسير البغوي 4: 295 سورة الحديد.
(8) تفسير ابن كثير 4: 329 سورة الحديد.
(9) المجروحين 2: 185 العلاء بن عمرو.
(10) ميزان الاعتدال 3: 103 (5737)، لسان الميزان 4: 185 (486).
(11) الصواعق المحرقة: 75 الباب الثالث: الفصل الثاني في ذكر خصائص أبي بكر.
(12) تاريخ بغداد 2: 105 ترجمة محمّد بن بابشاذ.
(13) الغدير 5: 321 الحديث (65) سلسلة الموضوعات في الفضائل وهي مائة حديث.
(14) الحجّة في بيان المحجّة 2: 348 الحديث (307).
(15) تهذيب التهذيب 4: 223 (447).
(16) معجم ابن المقري: 82 الحديث (166).
(17) فضائل الخلفاء: 74 الحديث (63).
(18) حلية الأولياء 7: 115 الحديث (9845) ترجمة سفيان الثوري.
(19) كنز العمّال 12: 505.
(20) تاريخ الخلفاء: 44 الخلفية الأوّل: أبو بكر الصدّيق، إنفاقه وبيان أنّه أجود الصحابة.
(21) الصوارم المهرقة: 332 - 333 في الجواب عن الأحداث التي ادّعى ابن حجر ورودها في مدح أبي بكر.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » رواية تكلّم الله سبحانه بصوت أبي بكر


اسد حيدر / العراق
السؤال: رواية تكلّم الله سبحانه بصوت أبي بكر
في بعض مصادر أبناء العامّة، رواية عن ابن عبّاس: بأنّ الله كلّم النبيّ الأكرم أبي القاسم محمّد(صلّى الله عليه وعلى آله) بلغة كلغة أبي بكر.
أرجو منكم بيان مدى مصداقية هذه الرواية، ومواضع الضعف فيها؟
الجواب:

الأخ أسد حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا بدّ أن نبيّن أوّلاً: إنّ ما سألت عنه هو جزء من قصّة منمّقة مسبوكة طويلة لمعراج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عن ابن عبّاس، فيها من الأوهام والخيال ما لا يصدّقه مسلم عاقل، ولا يمكن أن يتما إلاّ في ذهن من عاش الحضر وأبعد ما يكون عن حياة العرب والمسلمين الأوائل.
وثانياً: إنّا لم نجد لهذا الخبر والقصّة أثر في كتب |أهل الحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، مع التدقيق في البحث والتفحّص.
وأوّل من ذكره على ما وجدنا أبو الربيع سليمان بن سبع السبتي (توفّي في حدود 520هـ) في كتابه (شفاء الصدور/مخطوط)، ذكر ذلك القسطلاني (ت923هـ) في (المواهب اللدنّية)، نقلاً عن أبي الحسن بن غالب.

قال القسطلاني: ((وذكر أبو الحسن بن غالب، فيما تكلّم فيه على أحاديث الحجب السبعين والسبعمائة والسبعين ألف حجاب، وعزاها لأبي الربيع بن سبع في شفاء الصدور من حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال بعد أن ذكر مبدأ حديث الإسراء، كما ورد في الأُمّهات: أتاني جبريل وكان السفير بي إلى ربّي، إلى أن انتهى إلى مقام ثمّ وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل! في مثل هذا المقام يترك الخليل خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): يا جبريل! هل لك من حاجة؟ قال: يا محمّد! سل الله أن أبسط جناحي على الصراط لأُمّتك حتّى يجوزوا عليه، قال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): ثمّ زجّ بي في النور زجّاً، فخرق بي إلى السبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه حجاباً، وانقطع عنّي حسّ كلّ إنسي وملك، فلحقني عند ذلك استيحاش، فعند ذلك ناداني مناد بلغة أبي بكر: قف إنّ ربّك يصلّي، فبينا أنا أتفكّر في ذلك فأقول: هل سبقني أبو بكر؟ فإذا النداء من العلي الأعلى، أدن يا خير البرية، أدن يا محمّد، أدن يا محمّد، ليدن الحبيب، فأدنانى ربّي حتّى كنت كما قال تعالى: (( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوسَينِ أَو أَدنى )) (النجم:8-9).

قال: وسألني ربّي؟ فلم أستطع أن أجيبه، فوضع يده بين كتفي - بلا تكييف ولا تحديد - فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأوّلين والآخرين، وعلّمني علوماً شتّى، فعلم أخذ عليَّ كتمانه إذ علم أنّه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيّرني فيه، وعلّمني القرآن فكان جبريل(عليه السّلام) يذكّرني به، وعلم أمرني بتبليغه إلى العامّ والخاصّ من أُمّتي. ولقد عاجلت جبريل(عليه السّلام) في آية نزل بها عليَّ، فعاتبني ربّي، وأنزل عليَّ: (( وَلا تَعجَل بِالقُرآنِ مِن قَبلِ أَن يُقضى إِلَيكَ وَحيُهُ وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلماً )) (طه:114).

ثمّ قلت: اللّهمّ، إنّه لمّا لحقني استيحاش قبل قدومي عليك سمعت منادياً ينادي بلغة تشبه لغة أبي بكر، فقال لي: قف إنّ ربّك يصلّي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى المقام؟ وإنّ ربّي لغنيّ عن أن يصلّي، فقال تعالى: أنا الغنيّ عن أن أصلّي لأحد، وإنّما أقول: سبحاني سبحاني، سبقت رحمتي غضبي، اقرأ يا محمّد: (( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُم وَمَلائِكَتُهُ لِيُخرِجَكُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيماً )) (الأحزاب:43)، فصلاتي رحمة لك ولأُمّتك، وأمّا أمر صاحبك يا محمّد، فإنّ أخاك موسى كان أُنسه بالعصا، فلمّا أردنا كلامه قلنا: (( وَمَا تِلكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ )) (طه:17-18)، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة. وكذلك أنت يا محمّد، لمّا كان أنسك بصاحبك أبي بكر، وأنّك خلقت أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك في الدنيا والآخرة، خلقنا ملكاً على صورته، يناديك بلغته ليزول عنك الاستيحاش، فلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك...)).
ثمّ ذكر حديثاً آخر، وقال في آخره: ((رواه والذي قبله في كتاب (شفاء الصدور)، كما ذكره ابن غالب، والعهدة عليه في ذلك))(1).

والحديث ظاهر في أنّه من مخترعات الصوفية، مرسل لا سند له ولا أصل، مملوءاً من جنس خيالاتهم واصطلاحاتهم، ونُسج على سبك ونوع كلامهم في كتبهم، وتعاقب على نقله صوفي أو من له هوى صوفي عن مثله، ولم يخرج عنهم إلى غيرهم، وأغلب الظنّ أنّه جاءتنا به رياح صوفية المغرب الإسلامي، فأبو الربيع بن سبع السبتي من سبتة، وأبو الحسن بن غالب من المغرب الأقصى(2).

قال الزرقاني (ت1122هـ) في (شرح المواهب) في بداية شرحه لحديث ابن عبّاس هذا: ((وظاهره أن ابن عبّاس رواه بلا واسطة وليس كذلك، فالمنقول عن ابن غالب، عن ابن سبع، عن ابن عبّاس، قال: قال عليّ: (سلوني قبل أن تفقدوني عن علم لا يعرفه جبريل ولا ميكائيل، أعلمني رسول الله ممّا علمه ليلة الإسراء، قال: علّمني ربّي علوماً شتّى...)).
إلى أن قال: ((فلمّا كانت ليلة الإسراء بعد أن بعثني الله أتاني جبريل وكان السفير...) الحديث)).

ثمّ قال الزرقاني في نهاية شرحه: قال الشامي بعد نقل كلام المصنّف هذا: ((وهو كذب بلا شكّ انتهى، والعجب من النعماني حيث أورد الروايتين بطولهما ساكتاً عليهما، قائلاً: ولا يستبعد وقوع هذا كلّه في بعض ليلة!!!))(3).
وقد عدّه الشامي في كتابه (الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيّد أهل الدنيا والآخرة) من الأحاديث الموضوعة، كما نقل ذلك عنه محمّد بن علوي المالكي(4).
وقد علّق ابن علوي على بطلان هذا الحديث بقوله: ((وهذه القصّة المنسوبة لابن عبّاس لا يشكّ عاقل في بطلان أكثر ما جاء فيها))، ثمّ ذكر أهمّ أدلّته على ذلك من ناحية السند، وأنّه ليس لهذه القصّة أيّ سند صحيح، أو غير صحيح، ومن ناحية الأفكار والمعاني، ومن ناحية الأُسلوب، ووجود عبارات تدلّ على واضع القصّة(5).
وذكر الخبر أيضاً علاء الدين محمّد بن عبد الرحمن البخاري (ت546هـ) في التفسير العلائي، نقله عنه صاحب (نزهة المجالس ومنتخب النفائس) عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري (ت894هـ) في ضمن سرده لقصّة المعراج المذكورة عن العلاء المذكور(6).

ومحلّ الشاهد: قوله: ((قال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): ثمّ زجّني في النور زجّة خرقت سبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه الآخر، ونادى مناد بلغة أبي بكر: قف فإنّ ربّك يصلّي عليك، فتعجّبت من لغة أبي بكر! وقلت: هل سبقني صاحبي أبو بكر؟ وتعجّبت من صلاة ربّي...))(7).

وظاهر عبارة ما أوردناه من هذه القصّة، أنّ التكلّم بلغة أبي بكر كان على لسان ملك من الملائكة، ولكن لحق العبارة بعض التزويق عند آخرين من الصوفية، فصار ظاهرها يحتمل أنّ المتكلّم هو الله تعالى، كما في (الفتوحات المكّية) لابن عربي (ت638هـ) في عدّة مواضع(8)، و(العهود المحمّدية)(9) للشعراني (ت973هـ)، وقد نقل صاحب (السيرة الحلبية) علي الحلبي (ت1044هـ) أجزاء من هذه القصّة وشرحها على طول الصفحات(10)، ولكنّه لم يشر إلى مصدرها وعبارة ما نقله عبارة القسطلاني في (المواهب اللدنية).

ونقل الشيخ إبراهيم بن عامر العبيدي المالكي (ت1091هـ) المقطع الخاص بتكلّم المنادي بلغة أبي بكر من هذه القصّة على نحو البلاغ في كتابه (عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق)، فقال: ((وبلغنا أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) لمّا كان قاب قوسين أو أدنى أخذته وحشة، فسمع في حضرة الله صوت أبي بكر، فاطمأنّ قلبه واستأنس بصوت صاحبه، وهذه كرامة للصدّيق انفرد بها))(11)، وفي كلامه إيحاء أنّ النداء كان من الله على خلاف ما أوردناه في أصل القصّة. وقد تصفّحنا هذا الكتاب فوجدناه مملوء بالسفاسف والأوهام والموضوعات وخيالات الصوفية.

وقد علّق الشيخ الأميني(رحمه الله) في كتابه (الغدير) بعد أن عدّ ما أورده العبيدي المالكي في الموضوعات بقوله: ((أبو بكر في قاب قوسين: بلغنا أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) لمّا كان قاب قوسين أو أدنى، أخذته وحشة، فسمع في حضرة الله تعالى بصوت أبي بكر(رضي الله عنه)، فاطمأنّ قلبه استأنس بصوت صاحبه. ذكره العبيدي المالكي في (عمدة التحقيق ص 154)، فقال: هذه كرامة للصدّيق انفرد بها(رضي الله تعالى عنه).

قال الأميني: لماذا تلك الوحشة؟ ولماذا ذلك الأُنس؟ وهو (صلّى الله عليه وآله) في ساحة القدس الربوبي, وكان لا يأنس إلاّ بالله, وكانت نفسه القدسية في كلّ آناته منعطفة إليها، فهل هو يستوحش إذا حصل فيها؟! وهي أزلف مباءة إلى المولى سبحانه لا تقل غيره. حتّى أنّ جبرئيل الأمين انكفئ عنها، فقال: إن تجاوزت احترقت بالنار.

لمّا جذبه الله تعالى إليها وحفّته قداسة إلهية، تركته مستعدّاً لتلقّي الفيض الأقدس, وهل هناك وحشة لمثله (صلّى الله عليه وآله) يسكّنها صوت أبي بكر؟! وهل كانت له (صلّى الله عليه وآله) وهو في مقام الفناء لفتة إلى غيره، جلّت عظمته حتّى يأنس بصوته؟ لا ها الله, وما كان قلب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقل غيره سبحانه، فهو مستأنس به ومطمئنّ بآلائه, فلا مدخل فيه لأيّ أحد يطمئنّ به, (( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلبَينِ فِي جَوفِهِ )) (الأحزاب:4), (( وَلَقَد رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ )) (التكوير:23), (( فَأَوحَى إِلَى عَبدِهِ مَا أَوحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى * عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَأوَى * إِذ يَغشَى السِّدرَةَ مَا يَغشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى )) (النجم:10-18), ولم تبرح نفسه الكريمة مطمئنّة ببارئها، حتّى خوطب بقوله سبحانه: (( يَا أَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ * ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرضِيَّةً )) (الفجر:27-28).

هذا مبلغ الرواية من نفس الأمر، لكن الغلوّ في الفضائل آثر أن يعدّوها من فضائل الخليفة، وإن كانت مقطوعة عن الإسناد))(12).
ودمتم في رعاية الله

(1) المواهب اللدنّية بالمنح المحمّدية 2: 482 المقصد الخامس: الإسراء والمعراج.
(2) سير أعلام النبلاء 22: 12 (5) ترجمة القصري.
(3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية 8: 194، 200 المقصد الخامس.
(4) انظر: كتاب (وهو بالأُفق الأعلى): 290 الأحاديث الباطلة والموضوعة في هذا الباب.
(5) انظر: كتاب (وهو بالأُفق الأعلى): 256 قصص المعراج المتداولة.
(6) نزهة المجالس ومنتخب النفائس 2: 95 - 126 باب قوله تعالى: (سُبحَانَ الَّذِي أَسرَىٰ بِعَبدِهِ لَيلا)، فصل في المعراج.
(7) نزهة المجالس ومنتخب النفائس 2: 117 فصل في المعراج.
(8) الفتوحات المكّية 1: 84 الباب الثاني، و 3: 45 الباب السابع عشر وثلاثمائة، و 3: 342 الباب السابع والستّون والثلاثمائة.
(9) العهود المحمّدية: 684 النهي عن التهاون بصلاة الجماعة.
(10) السيرة الحلبية 2: 129 باب ذكر الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس.
(11) عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق، بهامش كتاب روضة الرياحين في حكايات الصالحين، لليافعي: 158 ط الحلبي 1307هـ.
(12) الغدير 7: 293 أبو بكر في قاب قوسين.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ادّعاء كونه من مؤسّسي مسجد قباء


مرتضى / بلجيكا
السؤال: ادّعاء كونه من مؤسّسي مسجد قباء
حدث هناك نقاش غريب بين بعض الموالين وبعض المخالفين:
فقال أحد المخالفين ما معناه: أنّ أبا بكر كان من المؤسّسين لمسجد قباء، أو هكذا فهمت من كلامه, كونه كان على حدّ زعمه يصلّي في موضع من مسجد قباء قبل بناءه مع جماعة من الصحابة بإمامة سالم مولى حذيفة، أو غيره قبل بناء المسجد.. الحقيقة لا أتذكّر تفاصيل الكلام على وجه الدقّة, فقال مستشهداً بهذه الحادثة: بأنّ أبا بكر كان من المؤسّسين والمصلّين في موضع مسجد قباء المبارك قبل بناءه, وهو إذا من المشمولين بهذه الآية الكريمة: (( لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ )) (التوبة:108)، فهو من الرجال الذين يحبّون أن يتطهّروا, والله يُحبّ المطهِّرين, وهذا المسجد بني على أساس التقوى.
أي بهذا يريد أن يثبت فضل أبا بكر الذي لا يثبت له فضلاً!
فما هو الجواب العلمي الدقيق على ما أثاره هذا المخالف؟
أرجو التفصيل أيضاً ببيان تأريخ هذا المسجد المبارك؟
الجواب:

الأخ مرتضى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقول: إن صحّ هذا الاستدلال، فنتيجته تكون هدم لأساس ما بني عليه خلافة أبي بكر عند أهل السُنّة!
فبما أنّ هذه الأخبار وردت في صحاح أهل السُنّة، والتي دلّت على أنّ أبا بكر كان يصلّي في المدينة في مسجد قباء خلف سالم مولى أبي حذيفة، هو وعمر وآخرون، ولم يكن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد هاجر بعد كما في (صحيح البخاري)(1)، وبالتالي فلا يكون هو المقصود من قوله تبارك وتعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:108)، هذا أوّلاً.

ثانياً: قد ورد أيضاً بعدّة طرق أنّ المقصود بـ(( لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى ))، هو مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)(2).

ثالثاً: إنّ مسجد قباء بناه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) حين أقام في قباء منتظراً قدوم عليّ(عليه السلام) من مكّة قبل دخوله(صلّى الله عليه وآله) المدينة(3)، وروي أنّه كان بإشارة من عمّار بن ياسر(4)، ولم يرد في قصّة تأسيسه أنّه كان موضع صلاة المهاجرين(5)، بل روى البخاري أنّ من هاجر قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كانوا يصلّون في موضع بقباء اسمه العصبة(6).
وقيل: إنّ بانيه بنو عمرو بن عوف في مكان صلاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عندما نزل قباء(7).
فلا علاقة لسالم وأصحابه الذين هاجروا قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بهذا المسجد أصلاً.

رابعاً: أجمع المفسّرون أنّ قوله تعالى: (( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ))، نزل في قوم من الأنصار من أهل قباء من بني عمرو بن عوف، وكانوا يستنجون بالماء(8)، وإدخال غيرهم لا يعدوا كونه تمحّل وتشهّي لا يبتني على دليل أو فهم من القرآن، لأنّ في للظرفية والضمير في (فيه) يعود على المسجد الذي أُسس على التقوى، وهو مسجد قباء، ولا تصدق الظرفية لمن صلّى في موضع المسجد من المهاجرين مع سالم - لو سلّمنا به -(9) قبل بناءه، إذ لا مظروف حينئذٍ، والآيات من سورة التوبة نزلت بعد رجوع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من تبوك بعد زمن طويل من بناء رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لمسجد قباء.

فخرج بذلك سالم ومن صلّى خلفه من المهاجرين الأوّلين كأبي بكر وعمر وغيرهما عن المدح في الآية بسبب النزول المجمع عليه، حتّى لو حملنا روايات صلاة سالم على أنّها كانت في المسجد بعد بناءه.
ودمتم في رعاية الله

(1) صحيح البخاري 1: 170 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، 8: 115 كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم.
(2) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 8، 23، 24، 89، 91 مسند أبي سعيد الخدري، و 5: 116 حديث سهل بن سعد عن أُبيّ بن كعب، و5: 331 - 335 حديث أبي مالك سهل بن سعد الساعدي، صحيح مسلم 4: 126 باب بيان أنّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبيّ(ص)، سنن الترمذي 1: 203 الحديث (322) ما جاء في المسجد الذي أُسّس على التقوى، سنن النسائي 2: 36 ذكر المسجد الذي أُسّس على التقوى، المستدرك على الصحيحين 1: 487 فضل مسجد النبي(ص) ومسجد قباء، جامع البيان عن تأويل القرآن 11: 37 قوله تعالى: (لا تقم فيه أبداً لمسجد أُسّس على التقوى...).
(3) انظر: صحيح البخاري 4: 258 باب هجرة النبيّ(ص) وأصحابه إلى المدينة، المغازي، للواقدي 2: 1073 ذكر ما نزل من القرآن في غزوة تبوك، تاريخ الطبري 2: 107، السيرة النبوية، لابن هشام 2: 499 لحاق عليّ بن أبي طالب برسول الله رسول الله(ص)، دلائل النبوة، للبيهقي 2: 499 باب من استقبل رسول الله(ص).
(4) انظر: فتح الباري، لابن حجر 7: 191 باب هجرة النبيّ(ص)، السيرة الحلبية 2: 236.
(5) انظر: المعجم الكبير، للطبراني 2: 246 ناصح أبو عبد الله عن سماك، و24: 317 شموس بنت النعمان بن عامر بن مجمع الأنصارية، أُسد الغابة، لابن الأثير 5: 488 شموس بن النعمان، الإصابة، لابن حجر 8: 204 (11385)، مجمع الزوائد، للهيثمي 4: 11 باب في مسجد قباء.
(6) انظر: صحيح البخاري 8: 115 كتاب الأحكام.
(7) انظر: فتح الباري، لابن حجر 7: 191 باب هجرة النبيّ(ص) وأصحابه إلى المدينة، تخريج الأحاديث، للزيعلي 2: 99 الحديث (572)، الكشف والبيان، للثعلبي 5: 92 سورة التوبة، أسباب نزول الآيات، للواحدي: 175 سورة البراءة، مدارك التنزيل، للنسفي 2: 109 سورة التوبة، الدرّ المنثور، للسيوطي 3: 276 سورة التوبة، أنساب الأشراف، للبلاذري 1: 282 المنافقون من الأوس، تاريخ المدينة، للنميري 1: 52 مسجد ضرار، فتوح البلدان، للبلاذري 1: 2 هجرة الرسول إلى مكّة.
(8) انظر: مسند أحمد بن حنبل 6: 6 حديث محمّد بن عبد الله بن سلام، سنن ابن ماجة 1: 127 الحديث (355) باب الاستنجاء بالماء، سنن أبي داود 1: 19 الحديث (44) باب الاستنجاء بالماء، سنن الترمذي 4: 344 الحديث (598)، مجمع الزوائد، للهيثمي 1: 212 باب الاستنجاء بالماء، وغيرها.
(9) انظر: صحيح البخاري 5: 115 كتاب الأحكام.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » عدم ثبوت فضيلة له


احمد جعفر / البحرين
السؤال: عدم ثبوت فضيلة له
ما هو قولكم في هاتين الروايتين في (بحار الأنوار 35/297), بخصوص بعث الإمام عليّ(عليه السلام) لإبلاغ سورة براءة, ورد أبي بكر:
((فقال (أبو بكر): بأبي أنت وأُمّي، لموجدة كان نزع هذه الآيات منّي؟
فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (لا ولكن العلّي العظيم أمرني أن لا ينوب عنّي إلاّ من هو منّي، وأمّا أنت فقد عوّضك الله بما حمّلك من آياته، وكلّفك من طاعاته الدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، أما إنّك إن دمت على موالاتنا ووافيتنا في عرصات القيامة وفيّاً بما أخذنا به عليك من العهود والمواثيق، فأنت من خيار شيعتنا، وكرام أهل مودّتنا). فسريّ بذلك عن أبي بكر)).
وفي نفس الجزء (301): يقول النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر:
(... أما ترضى يا أبا بكر أنّك صاحبي في الغار؟).
 فما هو القول المبين في هذا الكلام من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر؟ وهل هي موضوعة، أم من الزيادات؟
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
إنّ مبنى التحقيق عند علماء الشيعة، ­خلافاً لغيرهم، يفرض عليهم أن يعرضوا كافّة أسانيد الروايات للنقد العلمي، فما ثبتت صحّته فهو مقبول، وما لم تثبت فهم في حلّ منه, ولا يلزم من هذه القاعدة الحكم بالوضع لتمام أجزاء الرواية، إذ قد يكون الدسّ والتحريف مسّ جزءاً منها, فكلّ ما في الأمر أنّ الحديث الذي لم يثبت سنده بالطريق الصحيح لا يمكن الاعتماد عليه في الاستدلال.
وفي مورد السؤال، نقول: بأنّ الرواية الأُولى منقولة عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري(عليه السلام)(1)، ولا يخفى بأنّ هذا التفسير لم يعلم منشؤه - كما عليه المحقّقون - مضافاً إلى عدم وجود سند وثيق لنفس هذه الرواية بالذات.

وأمّا الرواية الثانية، فهي منقولة عن (تفسير فرات)(2)، وهذا التفسير وإن كان أصله ثابت، ولكن الحديث المذكور بتفصيله لم يرد له سند صحيح ومعتبر، فالحكم عليه كالحكم على الرواية الأُولى.
ثمّ إنّه لا يستشهد في المقام لتصحيح الحديثين بنقلهما في (البحار)؛ لأنّ غاية العلاّمة المجلسي(رحمه الله) صاحب (البحار)،كانت جمع الأحاديث بلا نظر إلى صحّتها أو سقمها، فوجود رواية في (البحار) لا يدلّ على صحّتها سنداً أو دلالة.
ومع غض النظر عن السند، فلا تدلّ الرواية الأُولى على فضيلة خاصّة، لورود شرط فيها، كما نقلتموه (إن دمت...)، وينتفي المشروط بانتفاء شرطه كما هو واضح، وهذا نظير ما صدر عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في مجال تقريضه لشعر حسّان بن ثابت في غديريته قائلاً: (لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك)(3)، علماً منه(صلّى الله عليه وآله) بانحراف حسّان عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في أُخريات أيّامه(4)..
وهذا من أعلام النبوّة؛ إذ هو تنبيه لأبي بكر حتّى لا يزلّ ولا ينسى العهود والمواثيق التي أخذها(صلّى الله عليه وآله) عليه وتناساها فيما بعد.

وأمّا الرواية الثانية فليس فيها أيّة فضيلة! فإنّ مجرّد الصحبة لا يدلّ على ميزة، خصوصاً بعدما نعلم بأنّ هذه الصحبة لم تكن مدروسة ومقصودة من قبل, بل بعدما لحق أبو بكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أخذه معه حتّى لا يطلع عليه أحداً. ومع ذلك فقد جاء في رواياتنا ما يشبه هذه الرواية ولكن مع اختلاف في المتن يقلب المعنى..

فقد روى ابن طاووس في (الإقبال): عن الحسن بن أشناس في كتابه، قال: ((وحدّثنا أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا مالك بن إبراهيم النخعي، قال: حدّثنا حسين بن زيد، قال:حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام)، قال: لمّا سرح رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أبا بكر بأوّل سورة براءة إلى أهل مكّة، أتاه جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد! إنّ الله يأمرك أن لا تبعث هذا، وأن تبعث عليّ بن أبي طالب، وأنّه لا يؤدّيها عنك غيره..
فأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فلحقه فأخذ منه الصحيفة، وقال: ارجع إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فقال أبو بكر: هل حدث فيّ شيء؟ فقال عليّ(عليه السلام): سيخبرك رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
فرجع أبو بكر إلى النبيّ، فقال: يا رسول الله! ما كنت ترى أنّي مؤدّي عنك هذه الرسالة؟
فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (أبى الله أن يؤدّيها إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)).
فأكثر أبو بكر عليه من الكلام، فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (كيف تؤدّيها وأنت صاحبي في الغار؟)...))(5) الخ.

وفي هذا المعنى لا يوجد: (ألا ترضى يا أبا بكر أنّك صاحبي في الغار)، وإنّما فيه تعريض له بما فعله في تلك الصحبة، من جزع، وخوف، وعدم قدرة على التماسك، حتّى كاد أن يفضح النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار، ومن هنا قال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): كيف تؤدّي براءة وأنت ذلك الخائف في الغار.
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير العسكري: 559 الحديث (330) سورة التوبة، بحار الأنوار 35: 297 الحديث (2) تاريخ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الباب التاسع.
(2) تفسير فرات الكوفي: 161 سورة التوبة، بحار الأنوار 35: 301 الحديث (25) تاريخ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الباب التاسع.
(3) انظر: سنن أبي داود 2: 480 الحديث (5015) كتاب الأدب، باب 95، المستدرك على الصحيحين 3: 487، مسند أبي يعلى 8: 67 الحديث (4591)، المعجم الكبير، للطبراني 4: 37، الإرشاد، للمفيد 1: 177، مروج الذهب، للمسعودي 3: 229، تاريخ مدينة دمشق 12: 388 - 392.
(4) انظر: الغارات 1: 221.
(5) إقبال الأعمال 2: 38 الباب الثالث، فصل (6)، بحار الأنوار 35: 288 الباب التاسع: نزول سورة براءة.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ردّ روايات نقلت من مصادر شيعيّة يتصوّر فيها مدح لأبي بكر


ابو علي / السعودية
السؤال: ردّ روايات نقلت من مصادر شيعيّة يتصوّر فيها مدح لأبي بكر

دخلت في نقاش مع أحد السُنّة، وذكر بعض المصادر الشيعية التي ظاهرها مدح أبو بكر، فأتمنّى منكم الردّ عليها:

*************************

أبو جهل يقول: ((من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دلّ عليه فله مائة بعير))(بحار الأنوار 19/40)، فجعل مكافأة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وصاحبه الصدّيق ورفيقه في الغار(رضي الله عنه) سواء.
وعلى ذكر قصّة الهجرة، فقد ذكرت كتبكم: أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّه محمّد(صلّى الله عليه وآله) في قصّة ليلة المبيت: (آمرك أن تستصحب أبا بكر فإنّه إن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك ويعاقدك كان في الجنّة من رفقائك، وفي غرفاتها من خلصائك)، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر: (أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر، تطلب كما أطلب، وتعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب)؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أمّا أنا لو عشت عمر الدنيا أُعذّب في جميعها أشدّ عذاب، لا ينزل علَيَّ موت مريح، ولا فرج منج، وكان في ذلك محبّتك، لكان ذلك أحبّ إليَّ من أن أتنعّم فيها، وأنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلاّ فداؤك؟ فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم): (لا جرم إن اطّلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقاً لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد، وبمنزلة الروح من البدن، كعليّ الذي هو منّي كذلك)(تفسير العسكري: 465، بحار الأنوار 19/80).
وعلى ذكر التشبيه بالمنزلة فقد جاء عن الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ(رضي الله عنهم)، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع، وإنّ عمر منّي بمنزلة البصر، وإنّ عثمان منّي بمنزلة الفؤاد).(عيون الأخبار 1/280، البرهان 2/420، نور الثقلين، 3/164، معاني الأخبار: 387).

وعن سلمان(رضي الله عنه): أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كان يقول: (ما سبقكم أبو بكر بصوم، ولا صلاة، ولكن بشيء وقرّ في نفسه).(طرائف المقال للبروجردي 2/559، مجالس المؤمنين للشوشتري: 89).
كيف لا يقولها في صاحب الموقف العظيم يوم حروب الردّة، حيث قال: ((لا أحلّ عقدة عقدها رسول الله، ولا أنقصكم شيئاً ممّا أخذ منكم نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله)، ولأُجاهدنّكم ولو منعتموني عقالاً ممّا أخذ منكم نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله) لجاهدتكم عليه)).(أمالي الطوسي: 268، بحار الأنوار، 28/11).

وعن عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، قال: (إنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها - أي: الخلافة - إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالصلاة وهو حيّ).(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6/84، غاية المرام للبحراني 5/340).
وعنه(رضي الله عنه)، قال: (كنّا مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) على جبل حراء، إذ تحرّك الجبل. فقال له: قرّ فليس عليك إلاّ نبيّ وصدّيق شهيد).(الاحتجاج للطبرسي 1/326، بحار الأنوار للمجلسي 10/40، 17/288).

وعن ابن عبّاس(رضي الله عنهما)، قال: ((رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبذنبه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن الشبهات زاجراً، وبالمعروف آمراً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه)).(مواقف الشيعة للميانجي 1/187).
وقد تزوّج عليّ من أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، بعد وفاته، وربّى ابنه محمّد، وكان يقول: (هو ابني من ظهر أبي بكر).(مجمع البحرين للطريحي 1/570).

*************************

ولكم منّي جزيل الشكر والامتنان.

الجواب:

الأخ أبا علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد ذكرت تسع روايات، ونحن نجيب عن كلّ واحدة منها:

أولاً: إنّ صاحب (البحار) نقل ذلك القول عن كتاب (المنتقى في مولد - سير النبيّ - المصطفى)(1) للكازروني (ت758هـ)، وهو من أهل السُنّة، فلا يعني ذلك التزامه بصحّة ما فيه! بل الأمر أعمّ من ذلك.
والمقريزي نقل الخبر عن الواقدي(2)، والواقدي ضعيف متروك لا يحتجّ به، اتّهموه بالوضع(3)، وقد انفرد به عن كلّ من عداه، فإنّ أصحاب السير والحديث ذكروا مائة ناقة لا أكثر جعلتها قريش لمن يرجع بمحمّد(صلّى الله عليه وآله)(4).

ومن المعلوم أنّ كفّار قريش كانوا يطلبون محمّداً لا غير، فهو الذي بيّتوه وأرادوا قتله، ولو أرادوا غيره معه لقتلوا عليّاً(عليه السلام) بعد أن عرفوه صباح ليلة المبيت، أو لبذلوا النوق لمن كان يخرج مهاجراً خفية من أصحابه إلى المدينة قبل هجرته(صلّى الله عليه وآله)، وهل يعقل أنّ أبا بكر كان عندهم لسنين فلم يصيبوه بشيء، ثمّ يبذلون فيه مائة ناقة لمّا خرج عنهم؟ ثمّ من المعلوم أيضاً أنّه لو رجع سراقة بأبي بكر وحده لما كفّوا عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولو رجع بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) وحده لغفلوا عن أبي بكر.

على إنّا لم نجد من نقل هذه الرواية قبل الكازروني (ت758هـ) على ما ذكره المجلسي في بحاره(5)، والظاهر من العبارة المنقولة أنّها من كلام الكازروني نقلها بالمعنى في سياق سرده لقصّة الهجرة، ثمّ جاء بعده المقريزي (ت845هـ) ورواها مقطوعة الطرفين عن الواقدي، كما ذكرنا، وأرسلها الدياربكري (ت966هـ) في (تاريخ الخميس)، قال: ((ثمّ أمر أبو جهل منادياً ينادي في أعلى مكّة وأسفلها: من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير، أو جاء بابن أبي قحافة أو دلّ عليه فله مائة بعير))(6). وهي عبارة (البحار) عن (منتقى الكازروني) نفسها، ويتأكّد الأمر إذا عرفنا أنّ (المنتقى) كان أيضاً من مصادر الدياربكري.

ونسبها الحلبي (ت1044هـ) في سيرته إلى القيل، فقال: ((ولمّا أيست قريش منهما، أرسلوا لأهل السواحل أنّ من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة، أي؛ ويقال: إنّ أبا جهل أمر منادياً ينادي في أعلى مكّة وأسفلها من جاء بمحمّد أو دلّ عليه فله مائة بعير))(7).
وقال بعد ذلك: ((وكانت قريش، كما تقدّم، أرسلت لأهل السواحل أنّ من قتل أو أسر أبا بكر أو محمّداً كان له مائة ناقة، أي؛ فمن قتلهما أو أسرهما كان له مائتان))(8).
ولا توجد أي من هذه العبارات في الروايات، والتوضيح بعد قوله، أي: من عبارته لا غير.

بل إنّ أحمد بن سهل البلخي (ت507هـ) قال في كتابه (البدء والتاريخ): ((وروى الواقديّ أنّ الله عزّ وجلّ بعث العنكبوت فضرب على باب الغار، ونهى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عن قتل العنكبوت، فلمّا أكدَت قريش وخابت، جعلت مائة ناقة لمن ردّه، فخرج سراقة بن مالك وكان من فرسان القوم وأشدّائهم))(9).
فظهر أنّ الواقدي ينقل رواية المشهور في المائة ناقة، فتكون هذه الرواية المعنية منسوبة له، حيث لم نعثر على طريق يوصلها عنه.

وأوّل من زعم أنّهم جعلوا في أبي بكر مائة بعير هو الجاحظ، قال: ((حتّى كان آخر ما لقى هو وأهله في أمر الغار، وقد طلبته قريش وجعلت فيه مائة بعير كما جعلت في النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)))(10).
فكذّبه أبو جعفر الإسكافي، وقال: ((هذا الكلام وهجر السكران سواء، في تقارب المخرج، واضطراب المعنى، وذلك أنّ قريشاً لم تقدر على أذى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وأبو طالب حيّ يمنعه، فلمّا مات طلبته لتقتله، فخرج تارة إلى بني عامر، وتارة إلى ثقيف، وتارة إلى بني شيبان، ولم يكن يتجاسر على المقام بمكّة إلاّ مستتراً، حتّى أجاره مطعم بن عدي، ثمّ خرج إلى المدينة، فبذلت فيه مائة بعير لشدّة حنقها عليه حين فاتها، فلم تقدر عليه، فما بالها بذلت في أبي بكر مائة بعير أُخرى، وقد كان ردّ الجوار، وبقى بينهم فرداً لا ناصر له ولا دافع عنده، يصنعون به ما يريدون، إمّا أن يكونوا أجهل البرية كلّها، أو يكون العثمانية أكذب جيل في الأرض وأوقحه وجهاً، فهذا ممّا لم يذكر في سيرة، ولا روي في أثر، ولا سمع به بشر، ولا سبق الجاحظ به أحد))(11).
فعلم من جواب الإسكافي أنّه لم ترد رواية بذلك، وإنّما هو قول ادّعاه الجاحظ!

نعم، راج القول بإدخال أبي بكر في الجائزة فيما تتبّعنا من القرن الثامن فما بعد، فهذا ابن كثير يقول في (البداية والنهاية): ((ولهذا قال: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40)، أي: وقد لجئا إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما، وذلك لأنّ المشركين حين فقدوهما، كما تقدّم، ذهبوا في طلبهما كلّ مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردّهما - أو أحدهما - مائة من الإبل))(12)، والترديد هنا واضح عنده!
ولكنّه أصبح من الثابت عند من جاء بعده كما نقلنا عن الكازروني، والمقريزي، والديار بكري، والحلبي.
ولعلّ ابن كثير أخذه من القيل الذي أورده البلاذري، قال: ((قالوا: ولمّا جعلت قريش لمن أتبع رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وأبا بكر فقتلهما، أو أتى بهما مائة ناقة - ويقال: ديتهما - أتبعهما سراقة بن مالك...))(13). وهذا ليس فيه إلاّ مائة ناقة، ولكنّهم أدخلوا أبا بكر في الجائزة!

إن قلت: هذا الخبر مؤيّد بما في البخاري من رواية الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم: إنّ أباه أخبره أنّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفّار قريش يجعلون في رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما من قتله أو أسره...))(14).

حتّى قال ابن حجر في (فتح الباري) في شرح العبارة: ((قوله: ديّة كلّ واحد، أي: مائة من الإبل، وصرّح بذلك موسى بن عقبة، وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزهري، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطبراني: وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما وجعلوا في النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) مائة ناقة...))(15).

وكلامه ظاهر في الاختلاف بين رواية أسماء عند الطبراني، ورواية الزهري عند البخاري، لأنّه أوردها بعد نقله لمتن رواية البخاري على جهة المقارنة، ففي الأُولى أنّهم جعلوا مائة ناقة في النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وفي الثانية أنّهم جعلوا في رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما من قتله أو أسره! وظاهره أنّ معناه: أنّهم جعلوا لكلّ واحد منهما ديّة، أي: جعلوا فيهما ديّتان؛ وفسر ابن حجر الديّة بمائة من الإبل، فيكون المجموع مئتان كما نقلنا التصريح به عن الحلبي، ثمّ أيّد ابن حجر قوله برواية موسى بن عقبة وصالح بن كيسان عن الزهري.
بل العيني كان أصرح في تعبيره من ابن حجر، قال: ((قوله: (ديّة في كلّ واحد)، أي: مائة من الإبل، وصرّح بذلك موسى بن عقبة، وصالح بن كيسان في روايتهما عن الزهري. قوله: (وديّة)، منصوب بقوله: (يجعلون)، ويروى: ديّة كلّ واحد، بإضافة ديّة إلى كلّ...))(16).

وبرجوعنا إلى روايتي موسى بن عقبة، وصالح بن كيسان عند الطبراني، نجد نصّ روايتهما هكذا: ((أنّه لمّا خرج رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش لمن ردّه عليهم مائة ناقة، قال: فبينما أنا جالس...))(17).
فهل ترى فيما نقله ابن حجر والعيني من التصريح عنهما غير التدليس؟!!
نعم، هما صرّحا بالمائة ناقة، ولكن لا يوجد ذكر لأبي بكر عندهما لا تصريحاً ولا إضماراً، ولا يوجد ذكر للديّة لكلّ منهما!!

وأمّا أصل رواية (ديّة كلّ واحد منهما) فقد جاءت عن الزهري بطريقين:
الأوّل: أخرجه عبد الرزّاق في (المصنّف)، قال: ((قال معمر: قال الزهري: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن جعشم أنّ أباه أخبره: أنّه سمع سراقة يقول: جاءتنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما، لمن قتلهما أو أسرهما...))(18)، وعنه كلّ من أحمد بن حنبل(19)، وابن حبّان(20)، والطبراني(21).

والثاني: أخرجه البخاري عن يحيى بن بكير: ((قال: حدّثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أنّ عائشة زوج النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) قالت...)).

ثمّ أورد خبر عائشة في خروج أبي بكر إلى أرض الحبشة، إلى أن قال: ((ابن شهاب، وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أنّ أباه أخبره: أنّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفّار قريش يجعلون في رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وأبي بكر ديّة كلّ واحد منهما من قتله أو أسره...))(22).
وهي عند البيهقي في (دلائل النبوّة) بطريقين: الأوّل يتّحد مع طريق البخاري بيحيى بن بكير، والثاني بإخبار أبي عبد الله الحافظ: ((قال: أخبرني أبو الحسن محمّد بن عبد الله، قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، قال: حدّثنا أبو صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عقيل، قال: قال ابن شهاب، وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي...))(23).
وأكثر الطرق عن الزهري على خلافه، فقد رويت بـ(مائة ناقة)!

ففي سيرة ابن هشام (ت218هـ)، عن ابن إسحاق: ((وحدّثني الزهري: أنّ عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدّثه، عن أبيه، عن عمّه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: لمّا خرج رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن ردّه عليهم...))(24).

وفي (التاريخ الكبير) لابن أبي خيثمة (ت279هـ): ((حدّثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا محمّد بن فليح، قال: قال موسى بن عقبة: ونا ابن شهاب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أنّ أباه مالكاً أخبره: أنّ أخاه سراقة بن جعشم أخبره: أنّه لمّا خرج رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش لمن ردّه عليهم مائة ناقة...))(25).

ورواها ابن أبي عاصم (ت287هـ) في (الآحاد والمثاني)، قال: ((حدّثنا يعقوب بن حميد، ثنا محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة...))(26).
ورواها البغوي (ت317هـ) في (معجم الصحابة)، عن الذهبي بعدّة طرق، قال: ((حدّثني زهير، نا عبد الرزّاق ومحمّد بن كثير، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن مالك بن أخي سراقة: أنّ أباه أخبره أنّه (ح) وحدّثني سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي، عن أبيه مالك بن جعشم، عن أخيه سراقة (ح) وحدّثني زهير بن محمّد، أنا صدقة بن سابق، عن ابن إسحاق، قال: ثني الزهري: أنّ عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، حدّثه عن أبيه، عن عمّه سراقة بن مالك (ح) وحدّثني هارون بن موسى الفروي، نا محمّد بن فليح، نا موسى بن عقبة، نا ابن شهاب، قال: حدّثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي: أنّ أباه أخبره أنّ أخاه سراقة بن جعشم أخبره، قال: لمّا خرج رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من مكّة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش لمن يردّه مائة ناقة...))(27)، وعنه ابن عساكر (ت571هـ) في (تاريخ مدينة دمشق)(28).

ورواها ابن صاعد (ت318هـ) عن يحيى بن هارون: ((نا هارون بن موسى في كتابه المغازي، عن موسى بن عقبة، قال: ثنا محمّد بن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين، قال: قال: عن موسى بن عقبة؛ وثنا ابن شهاب...))(29)، وعنه الدارقطني (ت385هـ) كما في (الخامس من الفوائد المنتقاة الحسان)(30).
ورواها الطبراني (ت360هـ) بسنده إلى محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن الزهري(31)، ورواها أيضاً عن أحمد بن زهير التستري: ((ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عمّي، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدّثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي، أنّ أباه أخبره، أنّ سراقة بن مالك أخبره: أنّه خرج رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)...))(32).
ورواها أبو الفرج المعافي ابن زكريّا الجريري (ت390هـ) في (الجليس الصالح) بطرقه إلى عبيد الله بن سعيد، عن عمّه، عن صالح، عن ابن شهاب...الخ(33).
ورواها البيهقي (ت458هـ) في (دلائل النبوّة)، بطريقه إلى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمّه موسى بن عقبة، قال: حدّثنا الزهري...الخ(34).
ورواها ابن الأثير (ت630هـ)، عن أبي جعفر بن السمين، بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: فحدّثني محمّد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم...الخ(35).
فهذه طرق أربع عن ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، ومعمر أيضاً(36)، وصالح بن كيسان، كلّهم عن الزهري بلفظ: (مائة ناقة).

وهناك أيضاً طريق بلفظ: (مائة ناقة) عن غير الزهري، رواه الطبري (ت360هـ)، عن أسماء بنت أبي بكر، قال: ((حدّثنا أحمد بن عمرو الخلال المكّي، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كان النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) يأتينا بمكّة كلّ يوم مرّتين...
إلى أن قالت: وخرجت قريش حين فقدوهما في بغائهما، وجعلوا في النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) مائة ناقة...))(37).

فهذه الرواية تتّفق مع الرواية المتقدّمة بالطرق الأربعة عن الزهري عن عبد الرحمن بن جعشم عن سراقة، في كون جعالة قريش كانت (مائة ناقة) لمن يأتي بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) أو يقتله، فما يروى عن الزهري بطريقين(38) أنّ الجعالة كانت ديّة كلّ من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر تسقط عن الاعتبار، فلأنّه يكون إمّا من إدخال الرواة على الزهري أو من إدخال الزهري نفسه في الرواية، لغرض يمكن الحدس به بعد الإطلاع على ترجمته!

ثانياً: إنّ صحّت الرواية - لأنّها مروية في تفسير العسكري(عليه السلام)، وقد ضُعّف راوياه عن الإمام(عليه السلام) - فإنَّ ما مذكور فيها لا يصلح أن يكون فضيلة لأبي بكر كما تصوّرت ذلك! وذلك لأنّه جعل اصطحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر مشروطاً بشروط متعدّدة، إن تحقّقت، فإنّه سيتحقّق ما ذكر، وهي كما قال: (فإن آنسك وساعدك ووازرك وثبت على ما يعاهدك ويعاقدك).
ولكن أبا بكر لم يثبت على ما عاهده وعاقده، بل بدّل وغيّر، فلا يستحقّ بذلك ما ذكر من الثناء.

وما ذكرته من نصّ هو ادّعاء من أبي بكر، لكن الرسول(صلّى الله عليه وآله) لم يوافقه على ما قاله، كما فعل مع عليّ(عليه السلام) في نفس الرواية، بل جعل استحقاقه للمدح والثناء مشروطاً أيضاً، وهو أن يكون ما قاله أبو بكر كلاماً صادقاً لا ادّعاءاً وكذباً، حيث قال: (لا جرم إن اطّلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقاً لما جرى على لسانك...).
وأكّد أيضاً رسول الله(صلّى الله عليه وآله) على أبي بكر، أنّ مجرّد المعاهدة لوحدها لا تكفي، بل يحتاج المعاهد أن لا ينكث ولا يبدّل ولا يغيّر ولا يحسد، حيث قال له: (إنّ من عاهد ثمّ لم ينكث، ولم يغيّر، ولم يبدّل، ولم يحسد من قد أبانه الله بالتفضيل...).
وكلّ هذه الشروط المتعدّدة التي لم يفِ أبو بكر بواحد منها تجعله غير مستحقّ للجزاء الذي ذُكر في الرواية.

ثالثاً: وأمّا بخصوص الرواية عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من أنّ أبا بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر.
فالرواية التي تعنيها هي: ((حدّثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق(رضي الله عنه), قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا سهل بن زياد الأدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسيني، قال: حدّثني سيّدي علي بن محمّد بن علي الرضا، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع، وإنّ عمر منّي بمنزلة البصر، وإنّ عثمان منّي بمنزلة الفؤاد)، قال: فلمّا كان من الغد دخلت إليه وعنده أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فقلت له: يا أبت! سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولاً فما هو؟ فقال(صلّى الله عليه وآله): نعم، ثمّ أشار إليهم، فقال: (هم السمع والبصر والفؤاد، وسيسألون عن وصيي هذا، وأشار إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام))، ثمّ قال: (إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (( إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولاً )) (الإسراء:36) )، ثمّ قال(عليه السلام): (وعزّة ربّي إنّ جميع أُمّتي لموقوفون يوم القيامة، ومسؤولون عن ولايته، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (( وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسؤُولُونَ )) (الصافات:24) )(39).
فأين محاولته من الاستدلال بالرواية؟!

رابعاً: وما نقلت عن سلمان(رض) إنّما ذكره صاحب (طرائف المقال) في حقّ أبي بكر للذمّ لا للمدح! وقد ذكر أنّ أتباع أبي بكر هم الذين يعتبرون هذا الحديث مدحاً له، فلا تقطع ما أورده بعد الحديث! حيث قال: ((ومراده(صلّى الله عليه وآله) هو حبّ الرئاسة التي صار مفتوناً به، ويزعم أتباعه الرعاع أنّ المراد به الخلوص والاعتقاد بالله ورسوله))(40).
ويقول ملاّ علي القاري نقلاً عن ابن القيّم: ((وممّا وضعه جهلة المنتسبين إلى السُنّة في فضل الصّديق... وحديث: (ما سبقكم أبو بكر...)، وهذا من كلام أبي بكر ابن عيّاش))(41).

خامساً: وأمّا ما نقلته من قول أبي بكر، ففيه قدح من جهات عدّة:
1- أنّه تقمّص مكان غيره بلا نصّ ولا شورى ولا إجماع وإنّما بانتهاز الفرصة والتغلّب عند انشغال أصحاب الحقّ بتجهيز النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ثمّ قاتل من لا يستحقّ القتال، ولم يخرج له بنفسه حتّى يكون من أصحاب المواقف العظيمة كما تدّعى له، بل كثيراً ما نكس وطلب الإقالة في الأوقات الحرجة، مع أنّ أمر الملوك والرؤساء بالحرب والقتال بحدّ نفسه، لا يدلّ على علوّ الهمّة وشجاعة النفس وحكمة التدبير، لولا أن يباشر الأمر بنفسه، وهو ما لم يفعله أبا بكر.
2- إنّه أفتى بغير علم برأي انفرد به لم يوافقه عليه حتّى عمر، فمن الذي أجاز له مجاهدة المسلمين حال تأخيرهم دفع الزكاة، فكيف أجاز لنفسه أن يقاتل مانع الزكاة، حتّى لو كان مقداراً يسيراً؟ فاليوم الكثير من المسلمين يمتنعون من دفع الزكاة، فهل يجوز للحاكم مقاتلتهم؟
3- ما أنجرّ إليه موقفه هذا من قتل من لا يستحقّ القتل كمالك بن النويرة، وأسر من لا يستحقّ الأسر، حتّى خطأه عمر في خلافته وردّ الأسرى وودى القتلى.
4- أنّه خالف قوله فعله بنفس الرواية، حيث لم يجاهد الأشعث ولا قتله كما قال، بل عفى عنه وأكرمه بزواجه من أُخته، فأين قتاله للمرتدّين وصلابته في ذلك؟
5- إنّه استعان بالمرتدّين حين قال له الأشعث: تستعين بي على عدوّك في قتاله للأعداء، ولا بدّ أنّ الأشعث لا يقصد بالأعداء إلاّ أهل البيت(عليهم السلام)، حيث كانت هذه الأُسرة شديدة العداء لهم، فأبو بكر استعان بالأشعث على أهل البيت(عليهم السلام).
6- إنّ ما وقر في نفسه يناسب ما فعله من ظلم فاطمة وإحراق دارها وإسقاط جنينها وغصبه لفدكها ونصيبها من خمس خيبر.
7- إنّ صاحب (الأمالي) ذكر هذا الخبر بسندٍ كلّه من رجال العامّة، بل بعضهم من أعلامهم، خاصّة روايه الأوّل إبراهيم النخعي، وهواه في أبي بكر لا يخفى، فجعل ما هو مثلبة منقبة، وهي بهذا السند عند ابن عساكر(42)، فليس فيها ما هو حجّة علينا.

سادساً: وأمّا الخبر الذي نقلته عن عليّ(عليه السلام)، فهو من طرق أهل السُنّة وليس من طرقنا، فابن أبي الحديد معتزلي وليس بشيعي، وقد نقله عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب (السقيفة)(43).
وكان غرض صاحب (غاية المرام) النقل من كتب أهل السُنّة، إذ قال: في قول أبي بكر وعمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وقول عليّ(عليه السلام): (بيعتي لم تكن فلتة) من طريق العامّة، وفيه ثمانية أحاديث..
ثمّ ذكر في أوّلها هذا الحديث، قال: الأوّل: ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وهو من فضلاء المعتزلة، قال: روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، قال: ...الخ(44).

وهذا الخبر روي بطريقين في كليهما من هو ضعيف أو يتّهم:
فقد رواه ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، قال: ((قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير، فدخلا بيت فاطمة(عليها السلام)، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم: أُسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة(عليها السلام)، وناشدتهم الله. فأخذوا سيفي عليّ والزبير، فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها، وخشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوماً قطّ، ولقد قلّدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يدان، ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني. وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذره.
وقال عليّ والزبير: ما غضبنا إلاّ في المشورة، وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنّه لصاحب الغار، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالصلاة بالناس وهو حيّ))(45).

وفيه من الكذب ما لا يخفى! فإنّ عليّاً(عليه السلام) لم يبايع عند المخالفين إلاّ بعد ستّة أشهر، كما في الصحيح عندهم، وعندنا لم يبايع أصلاً، أو بايع مكرهاً على الخلاف، فما نقله من قولهما ليس صحيحاً قطعاً.
والخبر مقطوع، فإنّ أبا الأسود لم يروي عن أحد من الصحابة! وهو متّهم في عليّ(عليه السلام)، له هوى في أبي بكر، أخذه من عروة بن الزبير، لأنّه ربيبه(46). وابن لهيعة ضعيف(47).
ورواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عوف(48).

ورواه الحاكم بطريقه إلى موسى بن عقبة، قال: ((حدّثنا محمّد بن صالح بن هاني، ثنا الفضل بن محمّد البيهقي، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: حدّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: إنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطّاب، وأنّ محمّد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثمّ قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال: والله، ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قطّ، ولا كنت فيها راغباً، ولا سألتها الله عزّ وجلّ في سرّ وعلانية، ولكنّي أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قلّدت أمراً عظيماً مالي به من طاقة ولا يد إلاّ بتقوية الله عزّ وجلّ، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم، فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به، قال عليّ(رضي الله عنه) والزبير: ما غضبنا إلاّ لأنّا قد أُخّرنا عن المشاورة، وإنّا نرى أبا بكر أحقّ الناس بها بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالصلاة بالناس وهو حيّ.
- قال الحاكم -: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))(49)، وعنه البيهقي في (السنن الكبرى)(50).

ولكن المحبّ الطبري أخرجه عن ابن شهاب الزهري، قال: ((قال ابن شهاب: ولمّا بويع لأبي بكر قام فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال: والله، ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً...)) الخ. ثمّ قال: ((خرّجه موسى بن عقبة صاحب المغازي))(51).
فعرفنا مخرجه! فإنّ الزهري لا يبعد عن عروة بن الزبير في روايته للسيرة، وهو في هواه لأبي بكر معروف، فضلاً عمّا فيه من الكذب الذي أشرنا إليه سابقاً، والتقوّل على عليّ(عليه السلام) ما لا يمكن أن يتفوّه به، لأنّه كذب من قصّة صلاة أبي بكر بالناس في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فإنّه لم يأمره بذلك، بل أنّه(صلّى الله عليه وآله) خرج ونحّاه عن المحراب لمّا عرف أنّه تقدّم الناس للصلاة في المسجد، وقد بيّناه مفصّلاً فيما مضى من الأجوبة على الأسئلة تحت نفس هذا العنوان، وبيّنا أيضاً عدم الفضيلة في كونه في الغار؛ فراجع!
وهذا الخبر منقطع أيضاً! فإبراهيم بن عبد الرحمن لم يدرك الواقعة، لأنّه إمّا لم يكن ولد بعد، أو كان صغيراً جدّاً، إذا أُخذ بقول من قال أنّه توفّي سنة ستّة أو خمس وتسعين وعمره 75 سنة(52). وهو لم يروه عن أبيه أو غيره، ومع ذلك فهو متّهم، لأنّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان معاضداً لأبي بكر وعمر في تثبيت سلطتهما هنا، إذا لم يكن قد أخذ الخبر عن عروة بن الزبير أيضاً.

وممّا مضى نعرف أنّ الخبر لا يخرج عن هذه الحلقة المتّفقة الهوى والاتّجاه والمذهب، من أبي الأسود ربيب عروة بن الزبير المشيّد لأركان فضائل جدّه أبي بكر، والزهري البكري حتّى النخاع وعمدة رواة أخبار عروة، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الذي لا يخرج عن خطّ أبيه المعروف الاتّجاه والمنحى.

ولكي يأتيك اليقين بما سردنا، ننقل رواية رواها البلاذري، بسنده عن الزهري، قال: ((بينا المهاجرون في حجرة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وقد قبضه الله إليه، وعليّ بن أبي طالب والعبّاس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبداً، هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح حتّى جاؤوا السقيفة...
- إلى أن قال -: وأتى بأبي بكر المسجد فبايعوه. وسمع العبّاس وعليّ التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال عليّ: ما هذا؟ فقال العبّاس: ما ردّه مثل هذا قطّ. لهذا ما قلت لك الذي قلت. قال: فخرج عليّ، فقال: يا أبا بكر! ألم تر لنا حقّاً في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكنّي خشيت الفتنة، وقد قلّدت أمراً عظيماً. فقال عليّ: وقد علمت أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أمرك بالصلاة، وأنّك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حقّ ولم نُستشر، والله يغفر لك. وبايعه))(53).
وهذا الذيل هو ذاك الذيل بألفاظ أُخر رواه الزهري أيضاً؛ فتأمّل!
والقصّة محبوكة! فإنّ واضعها لا يستطيع إنكار تخلّف عليّ(عليه السلام) عن بيعة أبي بكر لشهرته، ولا يستطيع أن يذكر عذر عليّ(عليه السلام) من أنّه صاحب الحقّ فيزري بالأوّل والثاني، فاختلق سبباً من عنده: بأنّ عليّ(عليه السلام) والزبير غضبا لتأخيرهم عن المشورة، لا لأنّ الخلافة غصبت من صاحبها وذهبت إلى غير أهلها!

وللوصول إلى الحقّ اليقين في هذه القضية، نورد رواية أُخرى رواها البلاذري عن الزهري أيضاً، قال: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن محمّد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري، قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كلّه، علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً قدّام الساعة، فمن أطاعه رشد، ومن عصاه هلك، ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم، ألا وقد كانت بيعتي فلتة، وذلك أنّي خشيت فتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوماً قطّ ولا ليلة، ولا طلبتها، ولا سألت الله إيّاها سرّاً ولا علانية، وما لي فيها راحة، ولقد قلّدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يدان. ولودّدت أنّ أقوى الناس عليها مكاني، فعليكم بتقوى الله، وإنّ أكيس الكيس التقيّ، وإنّ أحمق الحمق الفجور، وإنّي متّبع ولست بمبتدع، وإنّ أضعف الناس عندي الشديد حتّى آخذ منه الحقّ، وإنّ أشدّ الناس عندي الضعيف حتّى آخذ له الحقّ، وإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني. واعلموا أيّها الناس! أنّه لم يدع قوم الجهاد قطّ إلاّ ضربهم الله بذلّ، ولم تشع الفاحشة في قوم قطّ إلاّ عمّهم البلاء. أيّها الناس! ابتغوا كتاب الله واقبلوا نصيحته، فإنّ الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ويعلم ما تفعلون، واحذروا يوماً ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع، فليعمل اليوم عامل ما استطاع من عمل يقرّبه إلى الله عزّ وجلّ قبل ألا يقدر على ذلك. أيّها الناس! أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم))(54).
وليس فيه ذكر لعليّ(عليه السلام) والزبير، ولا بيعتهما، أو اعتذارهما!!

سابعاً: أمّا حديث تحرّك الجبل، فليس له علاقة بأبي بكر! بل في الحديث فضيلة من فضائل عليّ(عليه السلام)، فهو الصدّيق الشهيد المذكور في الحديث، استشهد به عليّ(عليه السلام) في محاججته مع اليهود(55)، فلا يختلط عليك الأمر!
وهو الصحيح، لا ما ادّعاه المخالفين من نسبة هذه الفضيلة إلى أصاحبهم، وقد أوضحنا ذلك مفصّلاً آنفاً في جوابنا على مزعمة ثبوت لقب الصدّيق لأبي بكر؛ فراجع!

ثامناً: وأمّا خبر ابن عبّاس، ففيه:
1- إنّه قول لابن عبّاس لا للإمام المعصوم، فلا يلزمنا قوله، وهو يحتمل الخطأ والصواب، لا كما هو الحال في كلام المعصوم.
2- لو سلّمنا بصحّة الرواية - ولا نسلّم لما سيأتي - فإنّ الكلام يحتمل التقية، كونه مع معاوية وعنده بطون قريش.
3- في كلّ كلام ابن عبّاس تعريضٌ بمعاوية، كونه لم يلتزم بكلّ ما ذكر من المواصفات للخلفاء الأربعة الذين ذكرهم، وكذلك في مدحه لبعض الصحابة، حتّى أساء ذلك الكلام معاوية وجعله يحوّل الكلام إلى شيءٍ آخر، كما مذكور في آخر الرواية.
4- الرواية عامّية بكلّ طرقها، رواها إسحاق بن إبراهيم الختلي (ت283هـ) في كتاب (الديباج) بسند سقط أوّله، عن أبي ريحان العامري: أنّ معاوية سأل ابن عبّاس عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير والعبّاس، فوصفهم واحداً واحداً(56). وما أورده المستشكل هو ما ادّعي من وصف أبي بكر على لسان ابن عبّاس في الرواية، والختلي ضعيف، قال فيه الذهبي: ((الإمام، المحدّث، مصنّف كتاب (الديباج)... قال الدارقطني: ليس بالقويّ. قلت: مات في شوال سنة ثلاث وثمانين ومئتين، وقد بلغ الثمانين. وفي كتابه (الديباج) أشياء منكرة. قال الحاكم: ضعيف. وقال مرّة: ليس بالقويّ))(57). وعند النظر في كتابه تراه مملوءاً بالمناكير، ولا نراه يسلم من أحاديث أقلّ من عدد الأصابع.
وورد في كتاب (أخبار الدولة العبّاسية) مرسلاً(58)، وأورده المسعودي (ت346هـ) في مروجه مرسلاً أيضاً(59)، وليس فيه ذكر لطلحة والزبير.

وأورده الطبراني (ت360هـ) بسنده عن محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا هاشم بن محمّد بن سعيد بن خثيم الهلالي، ثنا أبو عامر الأسدي، ثنا موسى بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، عن ربعي بن حراش، قال: استأذن عبد الله بن عبّاس على معاوية، وقد تحلّقت عنده بطون قريش وسعيد بن العاص جالس عن يمينه، فلمّا نظر إليه معاوية، قال: يا سعيد! والله لألقين على ابن عبّاس مسائل يعي بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عبّاس يعي بمسائلك، فلمّا جلس قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر؟ قال: رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً...))، إلى آخر ما في الرواية من وصفه لعمر وعثمان وعلي(عليه السلام) وطلحة والزبير والعبّاس(60).
ولكن الهيثمي، قال: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم(61)، وفيه موسى بن عبد الملك بن عمير، ضعيف منكر الحديث(62).

وأورد الخطيب البغدادي (ت463هـ)، أوّله بسنده عن أبي زهير عبد الرحمن بن معمر التونسي، قال: حدّثنا ماعز بن عبد الملك بن عمير، عن جدّه، قال: استأذن ابن عبّاس على معاوية...الخ(63). والظاهر أنّ (ماعز) تصحيف (موسى)، إذ لم يذكروا لعبد الملك ولد يروي عنه اسمه ماعز.
ومن يراجع ما روي عن ابن عبّاس عند العامّة والخاصّة لا يجد هذا الخبر ينسجم مع منطقه ومتبنّياته، فما فيه من مرتبة عالية من المدح للثلاثة وطلحة والزبير لا تجد له مثيلاً في تراثه!

أليس هو الذي أجاب عمر حين قال له: ((يا بن عبّاس! ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً))، بقوله: ((والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين! فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة، ثم وقف، فلحقته، فقال: يابن عبّاس! ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه! فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأُولى! فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك. فأعرض عنّي وأسرع، فرجعت عنه))(64).

وهو الذي أجابه حين قال له: ((أما والله يا بني عبد المطّلب! لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر))، بقوله: ((فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته، فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين! وأنت وصاحبك وثبتما وأفرغتما الأمر منّا دون الناس، فقال: إليكم يا بني عبد المطّلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب، فتأخّرت وتقدّم هنيهة، فقال: سر، لا سرت، وقال: أعد علَيَّ كلامك. فقلت: إنّما ذكرت شيئاً فرددت عليه جوابه ولو سكت سكتنا))(65).

أليس هو الذي أجاب معاوية حين قال له: ((ترى يا بن عبّاس أن تصرف غرب لسانك وحدّة نبالك إلى من دفعكم عن سلطان النبوّة، وألبسكم ثوب المذلّة، وابتزّكم سربال الكرامة، وصيركم تبعاً للأذناب بعد ما كنتم عزّ هامات السادات، وتدع أُميّة، فإنّ خيرها لك حاضر، وشرّها عنك غائب))، بقوله: ((أمّا تيم وعديّ، فقد سلبونا سلطان نبيّنا(صلّى الله عليه وسلّم)، وعدواً علينا فظلمونا، وشفوا صدور أعداء النبوّة منّا، وأمّا بنو أُميّة فإنّهم شتموا أحياءنا، ولعنوا موتانا، وجاوزوا حقوقنا، واجتمعوا على إخماد ذكرنا، وإطفاء نورنا... الخ))(66).
وهو الذي أجاب معاوية عندما وصف عثمان بـ((الإمام العادل، والراعي الفاضل...))، بقوله: ((إنّه اكتسب بجهده الآثام، وكايد بشكّه الإسلام، وخالف السُنّة والأحكام، وجار على الأنام، وسلّط عليهم أولاد الطغام، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام))(67).
فهذا الذي يقول فيهم مثل هذا الكلام، كيف به يمدحهم بذاك المدح في الرواية المذكورة الضعيفة؟! ومن يذمّهم ويتّهمهم أمام معاوية، كيف يرفعهم ويبجّلهم أمامه أيضاً؟! ما هذا إلاّ تناقض وتخالف!
ولكن إذا احتملنا الوضع والدسّ بمن وضع هذا السند لهذه الرواية بما فيه من ضعاف ومجاهيل، ونسبنا إليه إدخال أسماء الثلاثة وطلحة والزبير فيها، وتوزيع الفضائل عليهم، وجمعناه بما هو ظاهر من عقيدة ابن عبّاس في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، استقرّ الاطمئنان في قلوبنا بأنّ مدائح ابن عبّاس هذه لم تكن إلاّ لعليّ(عليه السلام) وحده.

كما روى ذلك ابن جرير الطبري الإمامي (ق4هـ) في (المسترشد)، قال: ((وقد وصفه ربانيّ هذه الأُمّة عبد الله بن عبّاس حيث سأله معاوية عنه؟ فقال: كان والله للقرآن تالياً، وللشرّ قالياً، وعن المين نائياً، وعن المنكرات ناهياً، وعن الفحشاء ساهياً، وبدينه عارفاً...))(68)، إلى آخر ما في رواية الطبراني من دون ذكر لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير والعبّاس، بل كلّها منسوبة لعلي(عليه السلام) مع اختلاف في بعض الألفاظ يسير.

تاسعاً: وأمّا زواج عليّ(عليه السلام) من أسماء بنت عميس، فإنّها كانت زوجة جعفر بن أبي طالب(عليه السلام) قبل أبي بكر ومجرّد اشتراكه(عليه السلام) وأبي بكر بالزواج من نفس المرأة، لا يعني أيّة فضيلة لأبي بكر، فكم حصل من زواج بين مؤمن ومنافق لامرأة واحدة، بل قد تزوّج المسلمون بزوجات الكفّار بعد مفارقتهن لهم، وتربيته لمحمّد بن أبي بكر لا يعطي أيّة فضيلة لأبي بكر، بل يظهر عدم أحقيّة أبي بكر، حيث كان محمّداً معادياً لخطّه ومنهجه، وسائراً على خط عليّ(عليه السلام).
ودمتم في رعاية الله

(1) لم نوفّق في الحصول على نسخة للكتاب.
(2) إمتاع الأسماع 5: 272 فصل جامع في معجزات النبيّ(ص) على التفصيل، الحادي والثمانون.
(3) تهذيب التهذيب 9: 323 (606).
(4) الأحاد والمثاني 2: 274 الحديث (1029)، المعجم الكبير، للطبراني 7: 133، 135 كعب بن مالك بن جعشم عن أخيه سراقة، و24: 107 الماجشون عن أسماء، تاريخ الطبري 2: 104 هجرة النبيّ(ص)، السيرة النبوية، لابن هشام 2: 336، 338 هجرة رسول الله(ص).
(5) بحار الأنوار 19: 40 الباب (6) الهجرة ومبادئها ومبيت عليّ(عليه السلام) في فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(6) تاريخ الخميس 2: 17 الركن الثالث، الموطن الأوّل: في وقائع السنة الأولى من الهجرة، الفصل الأوّل.
(7) السيرة الحلبية 2: 211.
(8) السيرة الحلبية 2: 216 باب الهجرة إلى المدينة.
(9) البدء والتاريخ 4: 171 ذكر حديث الغار.
(10) العثمانية: 31.
(11) شرح نهج البلاغة 13: 268 (238)، القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كلّ منهما.
(12) البداية والنهاية 3: 223 باب هجرة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من مكّة إلى المدينة ومعه أبو بكر.
(13) أنساب الأشراف 1: 263 الحديث (609)، و 11: 134 من ولد مرّة بن عبد مناة.
(14) صحيح البخاري 4: 256 باب هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وأصحابه إلى المدينة.
(15) فتح الباري 7: 187 باب هجرة النبيّ(ص) وأصحابه إلى المدينة.
(16) عمدة القاري 17: 47 الحديث (3906).
(17) المعجم الكبير 7: 133، 135 ما أسند عن سراقة بن مالك.
(18) المصنّف 5: 392 هجرة الرسول(ص).
(19) مسند أحمد بن حنبل 4: 176 حديث سراقة بن مالك بن جعشم.
(20) صحيح بن حبّان 14: 185 فصل في هجرته(ص) إلى المدينة.
(21) المعجم الكبير 7: 132 كعب بن مالك بن جعشم عن أخيه سراقة.
(22) صحيح البخاري 4: 254 - 256 باب هجرة النبيّ(ص) وأصحابه إلى المدينة.
(23) دلائل النبوّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة 2: 485 باب اّتّباع سراقة بن مالك بن جعشم أثر رسول الله(ص).
(24) السيرة النبوية، لابن هشام 2: 338 حديث سراقة بن مالك بن جعشم.
(25) التاريخ الكبير المعروف بتاريخ ابن أبي خيثمة السفر الثاني 1: 291 (1058) حرف السين.
(26) الآحاد والمثاني 2: 274 الحديث (1029) سراقة بن مالك.
(27) معجم الصحابة 3: 257 (1250) سراقة بن مالك.
(28) تاريخ مدينة دمشق 4: 334 أمّا كتابه صلّى الله عليه وسلّم.
(29) مجلسان من أمالي ابن صاعد 1: 51 الحديث (50).
(30) الخامس من الفوائد المنتقاة الحسان 1: 2 الحديث (1).
(31) المعجم الكبير 7: 133 ما أُسند عن سراقة بن مالك.
(32) المعجم الكبير 7: 134، 135 ما أُسند عن سراقة بن مالك.
(33) الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي 1: 695 المجلس الثالث والتسعون.
(34) دلائل النبوّة 2: 487 باب إتّّباع سراقة بن مالك أثر رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم).
(35) أُسد الغابة 2: 265 سراقة بن مالك.
(36) مضت رواية عبد الرزّاق عن معمر بالمتن الآخر.
(37) المعجم الكبير 24: 106 الحديث (284) الماجشون عن أسماء.
(38) مضى ذكرهما عن معمر وعقيل.
(39) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 280 باب (28) الحديث (86)، معاني الأخبار: 387 باب نوادر المعاني الحديث (23)، بحار الأنوار 30: 180 كتاب المحن والفتن، باب (20) الحديث (41).
(40) طرائف المقال، للبروجردي 2: 600 ترجمة سلمان الفارسي.
(41) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: 454 في ذكر جوامع كلّية في هذا الباب فصل (29)، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيّم: 115 فصل (33) الحديث (246)، نقد المنقول، لابن القيّم: 104 الحديث (151) فصل ما وضع في فضائل الصدّيق.
(42) تاريخ مدينة دمشق 9: 133 (772) ترجمة الأشعث.
(43) شرح نهج البلاغة 2: 50 (26) حديث السقيفة، و6: 47 (66) ما روي من أمر فاطمة مع أبي بكر.
(44) غاية المرام 5: 340 الباب السابع والخمسون.
(45) شرح نهج البلاغة 2: 50 (26) حديث السقيفة.
(46) تهذيب التهذيب 9: 268 (508).
(47) تهذيب التهذيب 5: 327 (648).
(48) أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة: 94 الحديث (19).
(49) المستدرك على الصحيحين 3: 66 خطبة أبي بكر واعتذاره في أمر الإمارة.
(50) السنن الكبرى 8: 153 كتاب قتال أهل البغي، باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلاً للخلافة بعده.
(51) الرياض النضرة في مناقب العشرة 1: 242 ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها.
(52) تهذيب التهذيب 1: 121 (248).
(53) أنساب الأشراف 1: 582 الحديث (1177).
(54) أنساب الأشراف 1: 590 الحديث (1196).
(55) الاحتجاج، للطبرسي 1: 314 احتجاجه (عليه السلام) على اليهود من أحبارهم ممّن قرأ الصحف والكتب في معجزات النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(56) الديباج، للختلي: 69 الحديث (142).
(57) سير أعلام النبلاء 13: 342 (158).
(58) أخبار الدولة العبّاسية: 70 أخبار عبد الله مع معاوية.
(59) مروج الذهب ومعادن الجواهر 3: 50 ذكر الصحابة ومدحهم وعلي والعبّاس وفضلهما.
(60) المعجم الكبير 10: 238 الحديث (10589).
(61) مجمع الزوائد 9: 158 باب مناقب سعد بن أبي وقّاص.
(62) ميزان الاعتدال 4: 213 (8894).
(63) تاريخ بغداد 3: 189 (1218).
(64) شرح نهج البلاغة 12: 46 نكت من كلام عمر وسيرته، و6: 45 (66) أخبار من السقيفة.
(65) محاضرات الأُدباء ومحاورات البلغاء، للراغب 2: 496 الحدّ العشرون، (130) وممّا جاء في فضائل أعيان الصحابة، علي بن أبي طالب(عليه السلام).
(66) أخبار الدولة العبّاسية: 49 أخبار عبد الله مع معاوية.
(67) المصدر نفسه.
(68) المسترشد: 306 الحديث (113).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » الامام عليّ(عليه السلام) لم يمدح أبا بكر


تلميذة المطهرين / لبنان
السؤال: الامام عليّ(عليه السلام) لم يمدح أبا بكر

أُرسل لكم نص الخطبة التي جاءتني من أحد الكتّاب، ولكن وللأسف لا يوجد مصدر لهذه الخطبة في الكتاب، وهذا نص الموضوع:

((رأي الإمام عليّ في الخلفاء الراشدين:
كان الإمام عليّ شديد الحبّ للخلفاء الراشدين، كثير التعاون معهم في دراسة مشاكل المسلمين، وتحمّل مسؤولية الحكم أبان أسفارهم، وكانوا يندبونه إلى ذلك، ولعلّ أبلغ ما يمكن أن يصوّر مكانة أبي بكر في قلب الإمام عليّ في خطبة الإمام حين وقف على بابه يخاطبه يوم وفاته قائلاً: (رحمك الله يا أبا بكر! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً. صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صدّيقاً، (( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ )) (الزمر:33)، يريد محمّداً ويريدك. وكنت والله للإسلام حصناً، وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجّتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك. وكنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، كنت كما قال رسول الله: ضعيفاً في بدنك قويّاً في أمر الله، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله، جليلاً في الأرض، كبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقويّ عندك ضعيف حتّى تأخذ الحقّ منه، والضعيف عندك قويّ حتّى تأخذ الحقّ له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلّنا بعدك...).
هذا هو رثاء أمير المؤمنين عليّ لأمير المؤمنين أبي بكر، أو بالأحرى هذا رأيه فيه، وتلك دمعة ساكبة سكبها لفراقه، أفمثل هذا الذي رثاه سيّدنا عليّ بهذه المعاني يمكن لأتباع سيّدنا عليّ أن يرموه بالردّة؟!
والرأي نفسه قاله أمير المؤمنين عليّ في عمر وعثمان، وهو كلام جميل كلّه صدق وأدب، وهو كلام موثق لا كذب فيه ولا تلفيق)).

الجواب:

الاخت تلميذة المطهرين المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد الفحص عن مصادر هذه الخطبة، تبيّن أنّه رواها كلّ من البزّار في مسنده(1), والضياء المقدسي في كتابه (الأحاديث المختارة)(2)، وابن الأثير في كتابه (أُسد الغابة)(3)، جميعهم رووا هذه الخطبة عن عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان: إنّ الإمام عليّ(عليه السلام) وقف على باب أبي بكر يندبه قائلاً: (رحمك الله يا أبا بكر! كنت أوّل...) إلى آخر الخطبة.

والتحقيق: أنّها خطبة مكذوبة مختلقة من قبل الراوي عمر بن إبراهيم الهاشمي، فقد قال فيه الدارقطني: كذّاب خبيث, وضعّفه ابن عقدة، وقال الخطيب: غير ثقة، يروي المناكير عن الأثبات. فراجعي أيّتها المحترمة ترجمة هذا الراوي في كتاب (لسان الميزان) للحافظ ابن حجر العسقلاني(4)، لكي تتبيني حقيقة الأمر.
ودمتم في رعاية الله

(1) مسند البزّار 3: 138 الحديث (928).
(2) الأحاديث المختارة 2: 11 - 19 الحديث (397 - 399).
(3) أُسد الغابة 1: 91 ترجمة أسيد بن صفوان.
(4) لسان الميزان 4: 280 (802).

متين / تركيا
تعليق على الجواب (36)

سلام عليكم..
هو وصف الخضر للإمام عليّ(عليه السلام)! (انظروا: الكليني في الكافي ج1 ص454 - 456).

((عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن البرقي، عن أحمد بن زيد النيسابوري، قال: حدّثني عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمر عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، قال: لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين(عليه السلام) ارتج الموضع بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وجاء رجل باكياً وهو مسرع مسترجع، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوّة، حتّى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال:
رحمك الله يا أبا الحسن! كنت أوّل القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدّهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيراً.
قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إذ همّ أصحابه، وكنت خليفته حقّاً، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصغر الفاسقين.
فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم نطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالأُمور.
كنت والله يعسوباً للدين، أوّلاً وآخراً: الأوّل حين تفرّق الناس، والآخر حين فشلوا، كنت للمؤمنين أباً رحيماً، إذ صاروا عليك عيالاً، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمّرت إذ اجتمعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ أسرعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
كنت على الكافرين عذاباً صبّاً ونهباً، وللمؤمنين عمداً وحصناً، فطرت والله بنعمائها، وفزت بحبائها، وأحرزت سوابقها، وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجّتك، ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخر.
كنت كالجبل لا تحركه العواصف، وكنت كما قال: آمن الناس في صحبتك، وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفاً في بدنك، قويّاً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، كبيراً في الأرض، جليلاً عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتّى تأخذ له بحقّه، والقويّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحقّ والصدق والرفق، وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم فيما فعلت، وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي بك الإسلام، فظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وثبت بك الإسلام والمؤمنون، وسبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاه، وسلّمنا لله أمره، فو الله لم يصاب المسلمون بمثلك أبداً.
كنت للمؤمنين كهفاً وصحناً، وقنة راسياً، وعلى الكافرين غلظة وغيظاً، فألحقك الله بنبيّه، ولا أحرمنا أجرك، ولا أضلّنا بعدك.
وسكت القوم حتّى انقضى كلامه، وبكى وبكى أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ثمّ طلبوه فلم يصادفوه)).

شرح أُصول الكافي، للمولي محمّد صالح المازندراني (ج7، ص201): ((قوله: (وجاء رجل) يفهم من كلام الصدوق في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) أنّ ذلك الرجل هو: الخضر(عليه السلام) )).

الجواب:
الأخ متين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ النص الذي مدحوا فيه أبا بكر مأخوذ من هذه الرواية التي ذكرتها، وكذلك بعض السند، ونحن إنّما قلنا أنّها مختلقة من قبل عمر بناءً على مبناهم في تضعيف الرجل، والقول فيه أنّه كذّاب خبيث وضّاع، وبذلك لا يصحّ ما ذكروه من مدح عليّ(عليه السلام) لأبي بكر.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » رواية موضوعة في مدح أبي بكر


احمد العامري / العراق
السؤال: رواية موضوعة في مدح أبي بكر
سُئل الإمام عليّ(عليه السلام): لم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وإماماً لهم؟
فأجاب (عليه السلام) بقوله: (إنّا نرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنّه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حيّ).(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/332)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت ص:51).
فهل هذا صحيح؟
الجواب:

الأخ احمد  المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نستغرب منك أيّها الأخ الكريم نسبتك هذا الكلام إلى الشيعة وأهل البيت(عليهم السلام) كما تقول! فلا ندري هل تعمّدت هذا، أم أنّك لم تراجع من ذكر ذلك؟!
واللطيف أنّ نفس ابن أبي الحديد لم ينسب هذا إلى مصادر الشيعة!

ولكي نحملك محمل حسن، نذكر لك من أورده ليتّضح لك الحال:
- ابن أبي الحديد، كما ذكرت أنت - وهو معتزلي وليس من الشيعة - قد أورده عن أبي بكر بن عبد العزيز الجوهري (ت323هـ)، الذي ذكره في كتابه (السقيفة)، وهو من أعلام العامّة في القرن الرابع نقلاً عن ابن شبّة صاحب كتاب (تاريخ المدينة)(1).
- الحاكم النيسابوري (ت405هـ) في (المستدرك على الصحيحين)(2).
- البيهقي (ت458هـ) في سننه(3).
- المحبّ الطبري (ت694هـ) في (الرياض النضرة)(4).
- الذهبي (ت748هـ) في (تاريخ الإسلام)(5).
- ابن كثير (ت774هـ)في (البداية والنهاية)(6).
- المتّقي الهندي (ت975هـ) في (كنز العمّال)(7).

وكما ترى أنّ كلّ هذه المصادر لأهل السُنّة، وليس في مصادر شيعة أهل البيت شيء من ذلك، فليس من الصحيح الاحتجاج والاستشهاد على أتباع أهل البيت(عليهم السلام) بما لا يعتقدون بحجّيته عندهم.
وقد فصّلنا القول في طرق هذه الرواية وأرجعناها إلى أصلها في جواب سؤال بعنوان (ردّ روايات نُقلت من مصادر شيعية في مدح أبي بكر) آنفاً؛ فراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 50 (26) حديث سقيفة، و6: 48 (66) ما روي من أمر فاطمة مع أبي بكر.
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 66 خطبة أبي بكر واعتذاره في أمر الإمارة.
(3) السنن الكبرى 8: 153 باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلاً للخلافة بعده.
(4) الرياض النضرة 1: 242 الفصل الثالث، ذكر بيعة العامّة.
(5) تاريخ الإسلام 3: 13.
(6) البداية والنهاية 5: 370، و6: 334.
(7) كنز العمّال 5: 597 الحديث (1406).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » صلاة الإمام عليّ(عليه السلام) وراء أبي بكر تقيّة


أبو رضا / العراق
السؤال: صلاة الإمام عليّ(عليه السلام) وراء أبي بكر تقيّة
يقول أهل السُنّة: لو كانت في صلاة نبيّ الله عيسى وراء الإمام المهدي فضيلة، لكانت صلاة الإمام عليّ وراء أبو بكر فضيلة أيضاً؟
الجواب:

الأخ أبا رضا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ هناك فرقاً بين صلاة نبيّ الله عيسى(عليه السلام) باختياره وراء الإمام المهدي(عجّل الله فرجه) بعد أن يقدّمه المهدي(عجّل الله فرجه) فيمتنع، وهو يرى أفضليّته وأحقّيته بالتقديم، وبين صلاة الإمام عليّ(عليه السلام) خلف أبي بكر المتغلّب على منصب الإمارة، والمتقدّم لإمامة المسلمين من دون حقّ، والمانع لعليّ(عليه السلام) من الصلاة بالمسلمين؛ لأنّه وصيّ خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والقائم مقامه بعده.. فلا تكون صلاته خلفه إلاّ تقيّة واضطراراً، فهو(عليه السلام) مضطر إليها حفاظاً على وحدة المسلمين، وأنّ عمله ذاك لا يخرج عن كونه أحد مصاديق التقية..

وبثبوت كون عمله تقية، فإنّ صلاته تلك تكون مورداً للقدح في أبي بكر؛ لأنّه ستكون ممّن يحتاج للعمل معه بالتقية.
ودمتم في رعاية الله


احمد حبيب / الكويت
تعليق على الجواب (37)
بثبوت كون عمله تقية فإنّ صلاته تلك تكون مورداً للقدح في أبي بكر؛ لأنّه سيكون ممّن يحتاج للعمل معه بالتقية...
أرجو منكم إثبات ذلك؛ إذ كيف لكم أن تحكموا بتقية عمله(عليه السلام)؟
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ثبت عندنا بالدليل: أنّ الصلاة خلف أيّ إمام تحتاج إلى توفّر شروط محدّدة في كتب الفقه؛ وأبو بكر فاقد لبعضها! فلا تصحّ الصلاة خلفه.
وإذا ثبت أنّ الإمام صلّى خلفه مع عصمته، لا بدّ أن نحمل عمله ذلك على التقية.

ثمّ إنّه لا يجوز عندنا التقدّم على الإمام المنصوص المعصوم في الصلاة، وهو هنا عليّ(عليه السلام)؛ فصلاته خلف أبي بكر، لو ثبتت، لا بدّ أن تُحمل على التقية.
ودمتم في رعاية الله


حيدر / البحربن
تعليق على الجواب (38)
هل لكم أن توردوا هذه الشروط الواجب توفّرها في الإمام، الغير متوفّرة في ابن أبي قحافة، ولِمَ لم يتظاهر الإمام عليّ(عليه السلام) بالمرض مثلاً لكي لا تكون حجّة على أتباعه من بعده؟
الجواب:

الأخ حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحد الشروط المهمّة لإمام الجماعة هو: عدالة الإمام، وهي غير متوفّرة في أبي بكر بالأدلّة المتوافرة عندنا، وأوّلها: غصبه لمنصب الإمامة.

ثمّ إنّ طول مقدار زمان حكومة أبي بكر - وهو سنتان - لا يسمح للإمام(عليه السلام) بالاعتذار في كلّ صلاة، التي هي خمس مرّات في اليوم، فلا يبعد أن يحصل مثل ذلك المورد الذي يحتاج به إلى التقية، وظرف التقية لا حجّة فيه على شيعته، بل حجّة لهم!
ودمتم في رعاية الله


محمد يوسف حركات / الجزائر
تعليق على الجواب (39)
تحدثت مع بعض الاصدقاء من العراق حول الولاة ومبايعة الامام علي لمن سبقه ابي بكر وعمر وعثمان وذكرت له انه بايعهم وسمع وأطاع وصلى خلفهم فرد علي بان ذلك كان تقية وخوفا فتعجبت من هذا الكلام؟
السؤال : لماذا يصلي الامام علي رضي الله عنه وهو القوي الشجاع الذي يصدع بالحق ولايخشى أحدا صلاة الخائف خلف صحابي يعرفه أيما معرفة؟
الجواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التقية ليست دائما ناتجة عن الخوف بل قد يكون الدافع لها مداراة الطرف المقابل وتسمى هذه التقية بالتقية المداراتية وهي حسن المعاشرة مع العامة بالصلاة معهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم وما شاكل ذلك حفظا للوحدة الاسلامية واعلاء لكلمة الاسلام والمسلمين في مقابل الكفار والمشركين .
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » رواية: ولدني أبو بكر مرّتين


ناصر نور الدين / الكويت
السؤال: رواية: ولدني أبو بكر مرّتين
هل صحيح عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: (ولدني أبو بكر مرّتين)؟ وما معنى الرواية؟ وهل هي صحيحة؟
الجواب:

الاخ ناصر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ مقولة الإمام الصادق(عليه السلام): (ولدني أبو بكر مرّتين) يتناقلها العامّة عند ذكر فضائل أبي بكر.

والرواية ينقلها الإربلي صاحب كتاب (كشف الغمّة)، وهو من الإمامية، إلاّ أنّه صرّح في خطبة كتابه، فقال: ((واعتمدت في الغالب النقل من كتب الجمهور؛ ليكون أدعى إلى تلقّيه بالقبول))(1).
فنقل في كتابه (كشف الغمّة): ((وقال الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابذي - وهو من العامّة - أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) وأمّه أُمّ فروة... ولذلك قال جعفر: ولقد ولدني أبو بكر مرّتين))(2).

ولكن عندما نقل الفضل بن روزبهان الحديث عن (كشف الغمّة) أضاف إليه الصدّيق، فصار الحديث: (ولدني أبو بكر الصدّيق مرّتين)(3)، وأوّل من أضاف (الصدّيق) للحديث حسب ما رأينا هو الذهبي في كتبه(4)!! وهذا شأنهم لرفع فضائل أصحابهم.
على أنّ سند هذا الحديث ضعيف، لأنّ فيه عبد العزيز بن محمّد الأزدي، مجهول، قال فيه ابن قطّان: عبد العزيز لا يعرف(5)، وقد تفرّد به عن حفص بن غياث قاضي بغداد والكوفة للرشيد(6)، وهذا أدعى لعدم قبوله إذا كان قد قاله الصادق(عليه السلام)! لأنّ الداعي لخروجه مخرج التقيّة سيكون قويّ فيه.

وقد جاءت روايته بالسند المذكور في (فضائل الصحابة) للدارقطني، قال: ((حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسماعيل الآدمي، نا محمّد بن الحسين الحنيني، قال: نا عبد العزيز بن محمّد الأزدي، قال: نا حفص بن غياث، قال: سمعت جعفر بن محمّد يقول: (ما أرجو من شفاعة عليّ شيئاً إلاّ وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله، ولقد ولدني مرّتين) ))(7)، ومثله ما عن (شرح أُصول اعتقاد أهل السُنّة والجماعة) للألكائي(8)، و(تهذيب الكمال) للمزّي من طريق الدارقطني(9).

وإن سلّمنا أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قال: (ولدني أبو بكر مرّتين)، فلا دلالة في كلامه هذا على الثناء والتعظيم! بل الظاهر أنّه ذكر ذلك عند تفصيل حال الآباء والأُمّهات، لأنّ أُمّ الإمام(عليه السلام) هي أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأُمّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فيكون أبو بكر جَدّاً لأُمّ فروة من جهة الأب ومن جهة الأُمّ، فعبّر الإمام بهذا التعبير، ولا يكون فضلاً، لأنّ الحديث عن الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله): (تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاث: تنكح المرأة على جمالها، وتنكح المرأة على دينها وخلقها، فعليك بذات الدين تربت يمينك)(10)، ولم يشر للأب بشيء أو للأُمّ، والآية قاضية بذلك: (( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى )) (الأنعام:164)، و(( كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ )) (المدثر:38).

فإنّ أبا بكر وإن كان ما كان، فإنّه يخرج الخبيث من الطيّب، ويخرج الطيّب من الخبيث، فهذا ابن نبيّ الله نوح(عليه السلام) ما ضرّ أبوه عمله ولا نفعه قربه من أبيه، (( إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم )) (الحجرات:13)، وهذا محمّد بن أبي بكر على طرف نقيض مع أبيه، فهو من خُلّص أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)(11)، وقتل في سبيل الدفاع عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولعلّه يكون السبب في التناسب بين الإمام(عليه السلام) وبين أبناء محمّد بن أبي بكر.
وخلوّ الحديث - لو سلّمنا به - عن لفظة الصدّيق، أو أيّ لفظة أُخرى، سوى (أبو بكر)، يشعر بعدم إرادة المدح.
ودمتم في رعاية الله

(1) كشف الغمّة 1: 4 ذكر الإمام السادس جعفر الصادق.
(2) كشف الغمّة 2: 374.
(3) إحقاق الحقّ 1: 29 خطبة ابن روزبهان.
(4) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة 1: 295 (798)، تذكرة الحفّاظ 1: 295 (162)، سير أعلام النبلاء 6: 255 (117)، تاريخ الإسلام 9: 88 الطبقة الخامسة عشرة، حرف الجيم.
(5) لسان الميزان 4: 32 (86).
(6) تهذيب التهذيب 2: 357 (725).
(7) فضائل الصحابة: 57 الحديث (30).
(8) شرح أُصول اعتقاد أهل السُنّة والجماعة 7: 1380 الحديث (2467).
(9) تهذيب الكمال 5: 81 (950).
(10) المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري 2: 161 كتاب النكاح.
(11) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 6: 193 (8313)، تهذيب التهذيب 9: 70، تاريخ اليعقوبي 2: 194.

زهير حسن / الدنمارك
تعليق على الجواب (40)
تفضّلتم في جوابكم على السؤال: إنّ أُمّ فروة هي أُمّ الإمام الصادق(عليه السلام)، وجدّها يكون أبو بكر من جهة الأب، ومن جهة الأُمّ يكون عبد الرحمن الناصبي ابن أبي بكر جدّها.
وعليه أتساءل: كيف يمكن أن نوفّق بين الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، ونجد من ضمن تلك الأصلاب صلب أبي بكر وابنه عبد الرحمن؟
الجواب:

الأخ زهير المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما نقول: (الأرحام المطهّرة)، فالمقصود: أنّ الأُمّ التي تحمل الإمام تكون كذلك، ولا يتعدّى ذلك إلى آباء الأُمّهات، أو أجدادهنّ.

نعم، في سلسلة الآباء ثبت الدليل على كون آباء الأئمّة(عليهم السلام) كلّهم كانوا على التوحيد، لكن هذا لا يعمّ آباء الأُمّهات، ولا الأجداد من جهة الأُمّهات.
ودمتم في رعاية الله


حسين النقيب / العراق
تعليق على الجواب (41)
كيف ميّزت الأرحام المطهّرة عن الأصلاب! وقلت: إنّ أصلاب الأئمّة من جهة الأب هي المقصودة، والحديث كان ظاهره شاملاً للاثنين؟
الجواب:

الأخ حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وردت عندنا روايات تشير إلى انتقال نور النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من صلب إلى آخر، إلى أن انقسم النور قسمين: صار أحدهم في عبد الله، والآخر في أبي طالب، فهذا النور انتقل من صلب آدم(عليه السلام) إلى أن وصل إلى صلب أب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وعمّه، ولم ينتقل في أصلاب آباء الأُمّهات(1).

فلذا يكون المقصود بـ(الأصلاب الشامخة): الأصلاب التي انتقل بها ذلك النور، والمقصود بـ(الأرحام المطهّرة): الأرحام التي حملت تلك الأصلاب الشامخة، فالأرحام أيضاً متعدّدات، لكن الحديث لا يظهر منه أكثر من تلك الأرحام التي حملت ذلك النور.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: كتاب سليم بن قيس الهلالي: 277 الحديث (44)، علل الشرائع، للصدوق 1: 209 الحديث (11) الباب (956)، مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن المغازلي: 93 - 95 الحديث (114 - 116)، نظم درر السمطين: 79، تاريخ مدينة دمشق 42: 67 ترجمة الإمام عليّ، المناقب، للخوارزمي: 45 الحديث (169، 170)، نهج الإيمان، لابن جبر: 392، وغيرها.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لا يدخل تحت قوله تعالى: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))


يونس مطر سلمان / البحرين
السؤال: لا يدخل تحت قوله تعالى: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))
قال الله تعالى في كتابه العزيز: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) (آل عمران:34)، ويقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (ولدني أبو بكر مرّتين).. وهذا حديث صحيح..
والكلّ يعرف أنّ هذه الآية نزلت في حقّ أهل البيت والأئمّة من ذرّيتهم، ولمّا رجعنا للإمام جعفر الصادق نرى أنّ أُمّه تنتسب إلى أبي بكر.. معنى ذلك أنّ أبا بكر ذرّية بعضهما من بعض.
ما هو تفسيركم لهذا؟
الجواب:

الاخ يونس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ... )) (آل عمران:33-34).
إنّ الكلام في هذه الآية عن من اصطفاه الله من الرسل والأنبياء والأوصياء على بقية الخلق (العالمين)، وأنّ من اصطفاهم (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))، فلا يزال في الناس من آل إبراهيم مصطفى ما دام هناك من يحتاج إلى إمام وحجّة على الأرض، وقلنا: إنّ هذا المصطفى من آل إبراهيم لقوله تعالى: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))، وقد ثبت في موضعه بما لا يقبل الشكّ أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) وعليّ وأولاده المعصومين هم المصطفون من آل إبراهيم.
فبعد إبراهيم اصطفى إسماعيل.. وهكذا، حتّى وصلت إلى هاشم وعبد المطّلب، ثمّ إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وعليّ(عليه السلام)، ثمّ الحسن والحسين، إلى بقية الأئمّة(عليهم السلام)، فكلّهم (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )).

ثمّ ليس كلّ ذرّية الأنبياء مصطفون، وإنّما يصطفي الله من اختاره منهم خاصّة.
ولا يمكن أن يكون أبو بكر من المصطفين، فإنّه وأباه كانا مشركين! وأنّه استولد من بطن دون بطنهم جميعاً بعد أن انفصل بشرك بعض آباءه عن سلسلة الذرّية المصطفاة المتّصلة، فلا تصدق فيه: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))، بينما يصدق في عليّ والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) مثلاً: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))، لاتّحادهم في الجدّ, فهما(عليهما السلام) من ذرّية الأنبياء، وقوله تعالى: (( بَعضُهَا مِن بَعضٍ ))، أي: بعض الذرّية، وهي المصطفاة من بعض الآباء، وهم ممّن اصطفي من الأنبياء والرسل والأوصياء السابقين.

فإنّ الوصاية والعلم وميراث النبوة كان ينتقل في بيوت الأنبياء من بيت إلى بيت في ذرّيتهم، ليس كلّ ذرّيتهم! وإنّما البيوت المصطفاة، قال الله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ... )) (النور:36)، وهي بيوت الأنبياء والرسل والأوصياء.
فإبراهيم هو أصل الشجرة الواردة في القرآن، وقد ذكر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أنّها هو وأهل بيته: (( يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَو لَم تَمسَسهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ )) (النور:35).
وإلاّ إذا ادّعى مدّع أنّ (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) تشمل كلّ ذرّية الأنبياء، فالبشر كلّهم ولد آدم(عليه السلام)، وهو من المصطفين، فهل البشر كلّهم مصطفون؟! وأيّ اختصاص إذاً لآل إبراهيم وآل عمران؟!

ثمّ هل تقول: إنّ أُمّهات الإمام الصادق(عليه السلام) كنّ من الرسل، أو الأنبياء، أو الأوصياء؟!
وأمّا ما قلت من صحّة ما نسب إلى الإمام الصادق(عليه السلام) من قوله: (ولدني أبو بكر مرّتين)، فهو غير دقيق! فإنّ سند الرواية ضعيف، وإن كان معناه صحيحاً، كما بيّنا سابقاً.
ودمتم في رعاية الله


اكبر / عمان
تعليق على الجواب (42)
((ثمّ هل تقول: إنّ أُمّهات الإمام الصادق(عليه السلام) كُنّ من الرسل، أو الأنبياء، أو الأوصياء؟!)).
تعليقاً على هذه الجملة التي وردت في ردّكم السابق على الأخ البحريني، فهل يعني ذلك بأنّ أُمّهات الأنبياء والأوصياء ممكن أن لا يكنّ مطهّرات؟ أليس في ذلك طعناً بالأنبياء والأوصياء؟!
حسب فهمي المتواضع أنّ الأنبياء والأوصياء هم أبناء ذرّية موحّدة (من طرفي الأب والأُمّ)، فهل فهمي هذا خاطئ؟
الجواب:

الأخ اكبر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ العبارة المذكورة وردت في سياق ردّ دعوى الاصطفاء لجميع ولد آدم(عليه السلام)، حتّى أُمّهات الأئمّة(عليهم السلام)، فهنَّ - كما هو معلوم ومقطوع به - لسن من الأنبياء، أو الرسل، أو الأوصياء.. فالاصطفاء كان خاصّاً بالرسل والأنبياء والأوصياء من ذرّية آدم(عليه السلام)، وبخصوص نوح، وآل إبراهيم، وآل عمران(عليهم السلام)، فقط بنصّ الآية الكريمة..
وليس الكلام عن الطهارة المعنوية، أو التنزيه عن الشرك، أو الزنا، كما يفهم عند ذكر أُمّهات الأئمّة(عليهم السلام) في هذا الخصوص..

فالجواب كان بخصوص مسألة الاصطفاء دون مسألة التنزيه من الشرك أو الزنا, وهي - أي مسألة الاصطفاء - خاصّة بالمذكورين من جهة الأب دون الأُمّ.. فلا يدخل أبو بكر في المعنى المراد من الآية.
ودمتم في رعاية الله


اكبر / عمان
تعليق على الجواب (43)
إذاً من جوابكم نستنتج أنّ الآية: (( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ )) (الشعراء:219)، تعني من طرف الآباء فقط؟
ومن جوابكم أيضاً: فإنّ أُمّ الإمام الصادق(عليه السلام) طاهرة ومنزّهة، ولكن ماذا عن أجدادها؟ هل من الممكن أن لا يكونوا منزّهين عن تلك الأُمور؟ ألا يعدّ هذا طعناً بنسبه (عليه السلام)؟
الجواب:

الأخ أكبر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من خلال تعليقاتكم السابقة رأينا من المناسب أن نعلّق بشيء من التفصيل على شكل نقاط:
أولاً: قوله تعالى: (( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) (آل عمران:34), ظاهر في أنّ الاصطفاء كان للبعض من البعض، لا للكلّ من البعض، ولا للكلّ من الكلّ، ولا للبعض من الكلّ.
أي مثلاً: إنّ بعض من ولد نوح(عليه السلام) اصطفاهم الله لإقامة دينه وليس كلّ ولده، وهذا البعض كان ذرّية من نوح(عليه السلام) المصطفى الذي هو أيضاً بعض من ذرّية آبائه، فليس كلّ إخوان وأعمام وإخوة أجداد نوح(عليه السلام) مصطفون, إذ لاحظ دقّة الآية فإنّها لم تقل: (ذرّية كلّها من بعض), ولا: (ذرّية بعضها من كلّ)، وإلاّ لكان كلّ أولاد آدم(عليه السلام) مصطفون، أو كلّ ذرّية من هو مصطفى مصطفون، وهذا واضح البطلان.

ثانياً: إنّ هناك فرق بين معاني الاصطفاء، والساجدين، والشرك، والطهارة، المقصودة في (الأرحام المطهّرة). فإنّ الاصطفاء، هو: اختيار من الله, ويدلّ كون آباء النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من الساجدين على أنّهم موحّدين غير مشركين, وأمّا دلالة الأرحام المطهّرة، فهو: التنزيه عن الزنا - والعياذ بالله - .

ثالثاً: ونحن نثبت التوحيد لكن آباء النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وبالتالي الأئمّة(عليهم السلام) من خلال (( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ )) (الشعراء:219)، و(( ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) (آل عمران:34), ونثبت طهارة أُمّهات النبيّ(صلّى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام) حتّى من جهة الأُمّ من خلال (الأرحام المطهّرة)، وأنّ نطفتهم كانت تنتقل في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهّرة، ولم يلتقي آباؤهم على السفاح.

أمّا إنّ آباء وأجداد وأُمّهات وجدّات أُمّهاتهم، فليس عندنا دليل على أنّهم كانوا كلّهم من الموحّدين, والتوحيد غير الطهارة من الزنا.
نعم، الدليل الواصل إلينا يثبت الإيمان للأُمّهات المباشرات؛ فلاحظ!
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » دعوى حجّ أبي بكر بالناس عام تسعة للهجرة وصلاته في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله)


م / سعيد / العراق
السؤال: دعوى حجّ أبي بكر بالناس عام تسعة للهجرة وصلاته في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله)
أرجو دراسة الروايتين القائلتين بأنّ أبا بكر حجّ بالناس في العام التاسع للهجرة، وكذلك أنّه صلّى بالناس في مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، من كتب السُنّة.
الجواب:

الاخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بالنسبة لمسألة حجّ أبي بكر بالناس:
اختلفت الروايات عند أهل السُنّة أنفسهم في إثباته؛ فالمتّفق عليه بحسب رواياتهم هو: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أرسل أبا بكر لتبليغ آيات البراءة لمشركي مكّة في موسم الحجّ، وبعد ذهابه بأيّام أمر جبريل النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أن يبعث عليّاً(عليه السلام) لتبليغها، فأخذها عليّ(عليه السلام) من أبي بكر، فذهب فبلّغها، ثمّ يبدأ الاختلاف في الروايات، فأصحّها تثبت رجوع أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) كئيباً، أو خائفاً، أو مستفسراً مستغرباً، وهو يقول: ((أنزل فيّ شيء؟)).
فعلى هذه الروايات يكون أبو بكر قد رجع ولم يحجّ؛ لعدم سهولة الذهاب والإياب، للحوق عليّ(عليه السلام) بهم بعد مسير ثلاثة أيام، ثمّ الذهاب إلى المدينة والرجوع إليهم مع سيرهم وعدم توقّفهم.

وهناك رواية تذكر: بأنّ أبا بكر لمّا رأى عليّاً(عليه السلام) قد التحق بهم على ناقة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، سأله: أمير أم مأمور؟ قال عليّ(عليه السلام): بل مأمور، وهذه الرواية - إن صحّت - فإنّهم يستدلّون بها على مواصلة أبي بكر لأمر الحجّ وتركه لأمر تبليغ البراءة لعليّ(عليه السلام)..
ولكن حتّى لو صحّت، فإنّه يرد على الاحتجاج بمجرّد هذه الرواية على مواصلة أبي بكر الحجّ وجعله تحت إمرة أبي بكر، بأنّنا لو دقّقنا في المعنى من ذلك القول، وقارنّاه بقوله في رواية أُخرى - ضعيفة بل مردودة وستأتي ــ: ((أمير أم رسول؟))(1)، فإنّه يحتمل أنّ أبا بكر قد سأله: هل أنت بأمرك تريد أخذ آيات براءة وتبليغها، أم أنّك رسول ومأمور من قبل النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله)؟
فعضد قوله(عليه السلام) بأنّه: رسول ومأمور، لا آمر بنفسي ومجتهد برأيي، وأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أرسله على ناقته المعروفة والتي لا يستغني عنها بحال، لكي لا يكذّب أمير المؤمنين(عليه السلام)، أو يشكّك بدعوته الإرسال والأمر بذلك منه(صلّى الله عليه وآله).

وبالنظر في مجموع الروايات والمواقف الأُخرى، فإنّنا نستطيع قول ما يلي:
أوّلاً: ما يرجّح كفّة الروايات التي تذكر رجوع أبي بكر فور وصول الإمام عليّ(عليه السلام) هو: كونها أصحّ طرقاً، دون التي تذكر بقاء أبي بكر واستمراره، ولا نستطيع الجمع بينها؛ لأنّ الحادثة واحدة، والفعل واحد، ومتون الروايات متعارضة، بل متناقضة، فينبغي ترجيح قسم من الروايات على القسم الآخر، خصوصاً بما ذكرناه من صحّة أسانيد القسم الأوّل، والتي تصرّح: بأن يأخذ عليّ(عليه السلام) سورة براءة منه أينما لحق به، ويذهب بها إلى مكّة ليبلغها، ولم تذكر هذه الروايات الحجّ، أو الطاعة لأبي بكر، أو المسير معه وتحت إمرته.

ثانياً: كذلك عدم وجود أيّ حادثة سابقة، أو بعثة، أو غزوة، أو مهمّة، يكون فيها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) مأموراً وليس أميراً وقائداً، إلاّ تحت إمارة وقيادة وإمامة النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله)، بخلاف أبي بكر وغيره؛ فإنّه قد تأمّر عليهم غيرهم، ممّا يجعلنا نجزم بعدم إمارة أبي بكر في تلك الحجّة وعليّ(عليه السلام) موجود فيهم، وإلاّ لأرسله النبيّ(صلّى الله عليه وآله) معهم منذ البداية، أو لبيّنت جميع أو أغلب الروايات ذلك الأمر المهم من إمارة أبي بكر للحجّ ولعليّ(عليه السلام).

ثالثاً: لم يذكر أحد من المفضّلين لأبي بكر على عليّ(عليه السلام) أنّه كان أميراً عليه في حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله)، أو في الحجّ، ممّا يدلّ على عدم وجود هذا الأمر، بل إنّهم كانوا بأمسّ الحاجة لذلك يوم السقيفة، ولم يستدلّوا على فضل أبي بكر لا بالحجّ بالناس، ولا بالإمرة على عليّ(عليه السلام)، بل ينقض عليهم سقيفتهم عزله حينئذ وعدم كفاءته وعدم خلافته لمقام النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله).
والأحاديث تنصّ بوجوب كون التبليغ من قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو ممّن هو منه، كي يؤدّي عنه، ومعنى (منّي) يستعملها النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كثيراً بمعنى مشابهته، واتّباع طريقته وسُنّته، والتزامه بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) دائماً ومطلقاً، وقد أكّد ذلك سابقاً بقوله لعليّ(عليه السلام)، كما رواه البخاري: (أنت منّي وأنا منك)(2).. وفي حديث آخر: (عليّ منّي وأنا منه، ولا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ)، وهو حديث صحيح أيضاً، قد رواه الترمذي وصحّحه(3)، وأحمد(4)، والنسائي في (الخصائص)(5)، وغيرهم كثير(6).

رابعاً: إنّ الروايات الأصحّ سنداً تنص على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر بتبليغ آيات براءة، ولم تركّز على بعثه كأمير للحجّ، وخصوصاً كون الحجّ في ذلك العام مختلطاً فيه المسلم والمشرك، والمتسترون والعراة، وكذلك أحكام الحجّ كانت غير متكاملة، بل مشابهة لحجّ الجاهلية، بل لم يكن الغرض منها إلاّ التبليغ والتهيئة لحجّة الوداع. ولذلك أردفها النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بحجّة الوداع، دعا لها جميع المسلمين، وقال عندها: (خذوا عنّي مناسككم)(7)..
فأيّ حجّ؟ وأيّ مناسك قام بها أبو بكر، وتشرّف بأدائها، أو نشرها، أو تعليمها للمسلمين؟
فقد نقل ابن كثير عن ابن إسحاق رواية فيها: ((ثمّ مضيا (أبو بكر وعليّ)، فأقام أبو بكر للناس الحجّ والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية))(8).
فالحجّ لم يكن مقصوداً، بل لأنّه يجتمع فيه المشركون، فأوقعه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الموسم ليسمعوا البراءة والأحكام الجديدة، في عدم جواز الطواف بعد العام بالبيت عراةً وغير ذلك، تمهيداً وتوطئة لحجّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في العام القادم، وقد أُقيلَ أبو بكر عن تبليغ البراءة، فماذا بقي له ليستمر به؟!

خامساً: ما روي من ذكر إمرة أبي بكر في الحجّ فمداره، والعمدة في إثباته، على ثلاثة روايات:
أوّلها انفرد بها الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنّ أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين يوم النحر، نؤذّن بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
قال حميد بن عبد الرحمن بن عوف: ثمّ أردف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عليّاً، فأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا عليّ في أهل منى يوم النحر: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. رواه البخاري(9)، ومسلم(10)، وغيرهما، جميعاً عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة(11).
وهي تتعارض مع رواية غير حميد لحديث أبي هريرة، مثل: رواية محرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، عند أحمد والنسائي وغيرهما؛ قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إلى مكّة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنّا ننادي أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان... فكنت أُنادي حتّى صحل صوتي(12).

وقد ذكر ابن حجر في (فتح الباري) إشكال الطحاوي على رواية حميد عن أبي هريرة(13). قال الطحاوي في (مشكل الآثار) بعد أن أورد عدّة روايات تدلّ على أمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) بأخذ براءة من أبي بكر: ((فقال قائل: فقد روي عن أبي هريرة ما قد دلّ على أنّ النداء كان بهذه الأشياء التي فيما رويتم مضافة إلى عليّ كانت بأمر أبي بكر...)).
ثمّ قال بعد ذلك: ((قال هذا القائل: فقد دلّ حديث أبي هريرة هذا على أنّ التبليغ بهذه الأشياء إنّما كان من أبي بكر لا من عليّ، وهذا اضطراب في هذه الآثار شديد)).
ثمّ أجاب بما لم يثبت بأنّ الإمرة في ذلك الحجّ كانت لأبي بكر(14).
ومع ذلك فإنّ جوابه لا يستقيم! لأنّ أمر أبي بكر بالتبليغ كان خلافاً لأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) بأن يكون هو المبلغ، كما هو المقطوع به من كلّ الروايات الأُخر.
ومن هنا يتبيّن كذب رواية أبي هريرة بطريق الزهري عن حميد، والتهمة فيها لا تعدو أحد هؤلاء الثلاثة.
بل يشكل على روايتي أبي هريرة - أي: ما جاء عن طريق حميد، وعن طريق ابنه محرر - بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كان قد بعث أبا هريرة مع العلاء الحضرمي إلى البحرين بعد منصرفه من الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان للهجرة(15)، ولا دليل على رجوعه سنة تسع، أو قبل وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)(16).
ويؤيّد ذلك - أي: أنّ أبا هريرة لم يكن حاضراً في تلك الحجّة - أنّه قال في رواية أوردها ابن خزيمة في صحيحه: عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة: في قوله: (( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )) (التوبة:1)، قال: لمّا قفل النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) من حُنين اعتمر من الجعرانة، ثمّ أمّر أبا بكر على تلك الحجّة(17).
وهو خلاف المقطوع به من أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر سنة تسع لا سنة ثمان بعد عمرة الجعرانة.. فأبا هريرة لا يعلم أيّ سنة بعث فيها أبا بكر، لأنّه لم يكن موجوداً حينها، إذ بعثه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مع العلاء الحضرمي إلى البحرين من الجعرانة سنة ثمان.

وأمّا الرواية الثانية، وهي رواية النسائي، التي تصرّح ببقاء أبي بكر في الحجّ، فقد رواها ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيها: ((أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحجّ... إلى أن قال: فإذا عليّ عليها، فقال أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: لا بل رسول، أرسلني رسول الله(صلّى الله عليه) ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحجّ. فقدمنا مكّة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدّثهم عن مناسكهم...))(18)، الرواية.

وقد ردّ النسائي هذا الحديث ولم يخرّجه إلاّ لبيان وجود الواسطة بين ابن جريج وأبي الزبير؛ قال: ((ابن خثيم ليس بالقويّ في الحديث، وإنّما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير، وما كتبناه إلاّ عن إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن سعيد القطّان لم يترك حديث ابن خثيم ولا عبد الرحمن، إلاّ أنّ علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأنّ علي بن المديني خلق للحديث))(19). لكن العلّة فيه من جهة أبي الزبير المعروف، بالتدليس المعيب المسقط للرواية إذا لم يصرّح بالتحديث عن جابر بالذات، ولم يصرّح هنا أبداً(20).

والرواية مردودة أيضاً من جهة مخالفة متنها لما هو مقطوع به؛ إذ فيها أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر بعد رجوعه من الجعرانة، أي سنة ثمان، وهذا مخالف للمقطوع من أنّه(صلّى الله عليه وآله) بعثه سنة تسع، بل فيها ما يدلّ على وضعها، وهو قوله: ((إذا كان بالعرج ثوّب بالصبح))، والتثويب - وهو قوله: ((الصلاة خير من النوم)) - ابتدعه عمر أيام خلافته ولم يكن زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله)!

وأمّا الرواية الثالثة، فقد رواها الحاكم في (المستدرك) وصحّحها، بسنده: عن عبّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس، وفيه: ((فإذا عليّ فدفع إليه كتاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد أَمّره على الموسم وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات...))، إلى أن قال: ((فكان عليّ ينادى بها، فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى))(21).
ولكن الترمذي رواها بسنده عن عبّاد بن العوام أيضاً، وليس فيه: ((قد أَمّره على الموسم))، قال: ((فإذا عليّ، فدفع إليه كتاب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات، فانطلقا، فحجا...))، إلى أن قال: ((وكان عليّ ينادى، فإذا عيي قام أبو بكر فنادى بها))، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عبّاس(22).
ورواه البيهقي في (السنن) بسنده إلى عبّاد بن العوام أيضاً، ولكن فيه: ((فأتى عليّ الموسم وأَمر عليّاً أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا...))، إلى أن قال: ((فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها))(23).
وخالف الكلّ الطبري في تفسيره؛ فقد رواها بسنده: عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس، وفيه: ((ثمّ أتبعه عليّاً، فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! حدث فيّ شيء؟ قال: لا، أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض...))(24)، الحديث. ومثله في (الكامل) لابن عدي(25).
وهذا اضطراب واضح في المتن تردّ بمثله دلالة الخبر، فضلاً عمّا في بعضها من حضور أبو هريرة الموسم، وليس بذاك! فقد كان في البحرين كما أشرنا سابقاً.

ومع هذا فإنّ العلّة فيه من جهة أنّ الحكم لم يسمع من مقسم إلاّ أربع روايات ذكرها أحمد بن حنبل، قال عبد الله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: الذي يصحّح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث))، ثمّ أورد الأحاديث، وقال: ((قلت: فما روي غير هذا؟ قال: الله أعلم، يقولون هي كتاب))(26). وهذا الحديث ليس من هذه الأربعة، فهو منقطع! مع أنّ مقسم ضعّفه غير واحد، كابن سعد والبخاري(27)، ومتنه لا يدلّ على إمارة أبو بكر على الحجّ، ففي ما صحّحه الحاكم: ((فإذا عليّ فدفع إليه كتاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قد أَمّره على الموسم وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات))، وظاهره أنّ الضمير في (أًمّره) يعود إلى عليّ(عليه السلام)؛ لأنّه مسبوق بالذكر، وأرجعه من رجّعه إلى أبي بكر لسبق الوهم عندهم بإمرة أبي بكر.
وفي ما رواه الترمذي: ((فدفع إليه كتاب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وأَمر عليّاً أن ينادى بهؤلاء الكلمات، فانطلقا، فحجا...))، وليس فيه ذكر للإمرة، وإنّما وقوع الحجّ من أبي بكر فقط.

وهناك روايات لا يعوّل عليها أصلاً:
منها: ما جاء في رواية أحمد: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أثيع، عن عليّ، وفيها: ((سألنا عليّاً(رضي الله عنه): بأي شيء بعثت، يعني: يوم بعثه النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) مع أبي بكر في الحجّة...))(28)، الحديث..
وهذا إدراج من أحمد أو ابنه؛ لخلوّ جميع طرق الرواية عن سفيان منه(29).
بل روى أحمد بسنده: عن زيد بن يثيغ [اثيغ]، عن أبي بكر حديثاً فيه: ((ثمّ قال - النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) - لعليّ(رضي الله عنه): الحقه، فردّ علَيَّ أبا بكر وبلّغها أنت...))(30)، الحديث.

ومنها: ما رواه البيهقي في (دلائل النبوّة): عن عروة، مرسلة، قال: ((فلمّا أنشأ الناس الحجّ تمام سنة تسع، بعث رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أبا بكر أميراً على الناس، وكتب له سنن الحجّ، وبعث معه عليّ بن أبي طالب بآيات من براءة...))(31)..
وهو - مع إرساله، ومع أنّ عروة لا يؤتمن على فضيلة من فضائل عليّ(عليه السلام) - مخالف لما هو مقطوع به من أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أرسل أبا بكر أوّلاً ببراءة، ثمّ أردفه بعلي(عليه السلام) ليأخذها منه.. ومخالف أيضاً لما رواه ابن أبي شيبة عن عروة نفسه: ((أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) اعتمر عام الفتح من الجعرانة، فلمّا فرغ من عمرته استخلف أبا بكر على مكّة وأمره أن يعلّم الناس المناسك...))(32).
فإذا كان عروة لا يعرف تاريخ إرسال جدّه إلى مكّة هل هو في سنة ثمان بعد عمرة الجعرانة، أو في سنة تسع بعد تبوك! فكيف نأخذ بما رواه وقد أرسله إرسالاً؟!

ومنها: ما أرسله ابن إسحاق، أو ما أسنده إلى أبي جعفر محمّد الباقر(عليه السلام) أنّه قال: ((لمّا نزلت براءة على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وقد كان بعث أبا بكر الصدّيق ليقيم للناس الحجّ، قيل له: يا رسول الله! لو بعثت بها إلى أبي بكر؛ فقال: (لا يؤدّي عنّي إلاّ رجل من أهل بيتي)، ثم دعا عليّ بن أبي طالب(رضوان الله عليه)...))، إلى أن قال: ((فلمّا رآه أبو بكر بالطريق، قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور. ثمّ مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحجّ...))(33).
وهو مخالف للمعروف المقطوع من أنّ براءة نزلت قبل خروج أبو بكر وأن رسول الله بعث بعض آياتها معه، ثمّ أردفه بعليّ(عليه السلام) ليأخذها منه ويبلّغها هو.
فما ها هنا هو من تخرّص ابن إسحاق؛ حفظاً لماء وجه أبي بكر، وتعمية لما هو مشهور من عزله من قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)!
ولذلك أعرض عنه السهيلي في (الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام)، فقال: ((ثمّ أردف بعليّ(رضي الله عنه)، فرجع أبو بكر إلى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)...))(34).

ومنها: ما أورده الثعلبي في تفسيره مرسلاً، لفّقه من عدّة روايات بيّنا ضعفها، منها رواية جابر(35).

ومنها: ما ذكره الواقدي ملفقاً عن مجموعة من الضعفاء، برواية مقطوعة لا يعرف ما روى أيّ منهم من أي(36). والأمر سهل في الواقدي، مع مخالفة ما روي لما هو مقطوع به.

ومنها: ما أورده الحسكاني في (شواهد التنزيل): بسنده عن ابن عوانة، عن سليمان، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب محمّد، أمّا أبو هريرة، أو أبو سعيد، وفيه: ((إنّ رسول الله بعثني ببراءة، وجعلك على الموسم، فأقاما حتّى فرغا))(37). وفي الرواية التي بعدها بالسند نفسه، فيها: ((إنّ النبيّ بعثني ببراءة على الموسم، فلمّا رجع انطلق أبو بكر))(38)، وليس فيها: (وجعلك على الموسم)!
وأصل الرواية عن أبي سعيد الخدري، أوردها السيوطي في (الدرّ المنثور) في تفسير قوله تعالى: (( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ))، عن ابن حبّان، وابن مردويه، وفيها: ((فسار حتّى لحق بأبي بكر(رضي الله عنه)، فأخذ منه براءة، فأتى أبو بكر النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وقد دخله من ذلك مخافة...))(39).

ومنها: ما رواه الطبري في تفسيره: بسنده عن محمّد بن كعب القرظي، وفيه: ((بعث رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بثلاثين أو أربعين آية من براءة...))(40)، وهو مرسل، مسلسل بالضعفاء وأعوان بني أُميّة، مع أنّ متنه لا دلالة فيه على بقاء إمرته على الحجّ.
ومثله في الدلالة والإرسال: ما رواه عن قتادة(41).

وأمّا ما رواه عن السدّي(42)، فهو مع إرساله، قد نصّ على رجوع أبي بكر إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولكنّه ذكر بعده ما لم ترد به رواية من رجوع أبي بكر أميراً على الحاج.. والأشبه أنّ هذه الرواية من أقوال السدّي التفسيرية!
ومثلها في الإرسال: ما رواه عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، وفيه: ((بعث رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عليّاً بأربع كلمات حين حجّ أبو بكر بالناس))(43)، وفي سنده: أبو خالد الأحمسي، لم يرو عنه إلاّ ابنه.

ومنها: ما رواه الطبري أيضاً: عن أبي الصهباء البكري، عن عليّ(عليه السلام)، وفيه: ((إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بعث أبا بكر بن أبي قحافة(رضي الله عنه) يقيم للناس الحجّ وبعثني معه بأربعين آية من براءة))، إلى أن قال: ((فمن ثمّ أخال حسبتم أنّه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة))(44)، وفيه رجال ضعّفوا، والظاهر أنّ علّته من قبل أبو زرعة وهب الله بن راشد، ضعّفه الذهبي، وتركه البعض، تلميذ يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية وبني أُميّة، مع أنّ متنه مخالف لما هو المقطوع من أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم يرسل عليّ(عليه السلام) مع أبي بكر بسورة براءة، وإنّما أرسله بعده ليأخذها منه ويبلّغها هو.

ومنها: ما رواه الطبراني في (الكبير): عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس: ((أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) بعث أبا بكر على الحجّ، ولم يقرب الكعبة، ولكنّه شمر إلى ذي المجاز يخبر الناس بمناسكهم ويبلّغهم عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، حتّى أتوا عرفة قبل ذي المجاز، وذلك أنّهم لم يكونوا استمتعوا بالعمرة إلى الحجّ))(45).

وهذا من الأحاديث التي اعتبرها ابن الجوزي من المشكل من حديث الصحيحين، وقال: ((هذا الحديث كأنّه يشير إلى أنّ أبا بكر ابتدأ بموسم عرفة لينادي ببراءة ويقول: لا يحجّ بعد العام مشرك))(46)، وهو يخالف ما رواه أبو الزبير، عن جابر، الذي تكلّمنا فيه سابقاً؛ إذ فيه: ((فقدمنا مكّة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدّثهم عن مناسكهم...))(47).

والظاهر أنّ هذا الحديث وضع لمعارضة ما هو مشهور عن ابن عبّاس من دخول العمرة في الحجّ؛ لما كانوا يكرهون التمتع قبل الحجّ، كما هو مشهور عن عمر بن الخطّاب، والمتّهم فيه: موسى بن عقبة مولى آل الزبير، أو كريب.

ومنها: ما رواه عبد الله بن أحمد في (فضائل الصحابة): بسنده عن سوار بن مصعب، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، وفيه: ((فكان عليّ يبلّغ وأبو بكر على الموسم))(48)، وفيه: سوار بن مصعب، منكر الحديث، متروكه. وهو مخالف لما روي عن أبي سعيد من رجوع أبي بكر.

سادساً: وأمّا الروايات التي تذكر رجوع أبي بكر للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فيظهر منها: المباشرة وعدم تأخّره إلى ما بعد إتمام مراسم الحجّ؛ فإنّ أدوات العطف المستعملة فيها لا تدلّ على التراخي، وإنّما المباشرة والاتّصال في الأحداث، كقولهم: ((فرجع أبو بكر))(49)، و((فأخذت الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)...))(50)..
وهذا ما أثبته ابن حجر في (فتح الباري) بقوله: ((قال العماد بن كثير: ليس المراد أنّ أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجّته. قلت: ولا مانع من حمله على ظاهره؛ لقرب المسافة...))(51).
ونقول له: إنّ المسافة ليست قريبة أبداً! فإحدى الروايات تذكر أنّ البعث كان بعد ثلاثة أيام(52). وأخرى أنّ عليّاً(عليه السلام) لحق بهم عند الجحفة(53)، والجحفة أقرب إلى مكّة منها إلى المدينة(54). وثالثة في ضجنان(55)، وهو جبل بناحية مكّة(56). ورابعة في العرج(57)، والعرج قرية بينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلاً(58). وفي بعض الطرق عن أنس - ويخلو أكثرها عنه - أنّه لحقهم في ذي الحليفة(59).
فالعجب من ابن حجر يأخذ هذا الطريق دون غيره لهذه الرواية دون غيرها من الروايات، وما ذلك إلاّ ليحقّق رأيه ومذهبه!

بل هناك رواية صحيحة وصريحة رواها أحمد في مسنده، تؤكّد إرجاع أبي بكر بأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) فوراً، عن أبي بكر نفسه: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعثه ببراءة لأهل مكّة: لا يحجّ بعد العام مشرك... ((قال فسار بها ثلاثاً، ثمّ قال لعليّ(عليه السلام): الحقّه، فَردّ عليّ أبا بكر وبلّغها. قال: ففعل، فلمّا قدم على النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أبو بكر، قال: يا رسول الله! حَدَث فيَّ شيء؟ قال: (ما حدث فيك إلاّ خير، ولكنّ أُمرت ألاّ يبلّغه إلاّ أنا أو رجل منّي)(60).
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): ((في الصحيح بعضه، رواه أحمد، ورجاله ثقات))(61).

سابعاً: أمّا ما ذكروه من علّة إرسال النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليّاً بدلاً عن أبي بكر: بأنّ من عادة العرب عند نقض العهود أن يأتي نفس من تعاهد معهم، أو قريبه، لنقض العهد المبرم! فباطل ومردود من وجوه، منها:
أ - أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كان أعلم بهذه العادات وغيرها، فكم من مشكلة تدخّل بحلّها(صلّى الله عليه وآله)، وكم من مشكلة رآها وصادفها، بل كم من حديث يذكر فيه للصحابة عادات الجاهلية وأعرافهم، لا سيّما الحسنة منها؛ لقوله(صلّى الله عليه وآله): (إنّما بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق)(62)، فلولا علمه بأخلاق وعادات وتقاليد العرب في زمنه وغير زمنه، لَما قال: (لأُتمّم)، فإتمامها يدلّ على إقرارها والاعتراف بها، وهو فرع معرفتها والعلم بها، فلماذا لم ينتبه في هذه القضية لذلك منذ البداية؟

وكذلك أبو بكر؛ فهو عربي وكبير السنّ، فكيف غابت عنه تلك الأعراف والتقاليد حين بعثه النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟
بل لو سلّمنا عدم معرفتهما لذلك، أو نسيانهما، فكيف استغرب واستهجن عزله عن تلك المهمّة معترضاً سائلاً: ((أُنزل فيَّ شيء))؟!!
وكذلك لم يخبره عليّ(عليه السلام) ولا النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بهذه العادة ليطيب خاطره، بل أخبره بأنّ العزل إلهي لا عرفي ولا جاهلي!
(( أَفَحُكمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبغُونَ وَمَن أَحسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكماً لِقَومٍ يُوقِنُونَ )) (المائدة:50).

ب - إنّ الروايات جميعاً ذكرت تبليغ آيات براءة، وليس في شيء من القرآن أو الروايات نقض لعهد سابق، بل كلّ الروايات تشير إلى أنّ المهلة المحدّدة في القرآن بأربعة أشهر كانت لمن كان عهده لأقل من تلك المدّة(63)، أو لمن لا عهد له مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أمّا من كان عهده يطول عن تلك المدّة فعهده إليها، فالبعث كان لتأكيد العهود واحترامها لا نقضها! فأين نقض العهد الذي يستدعي أن يحضر من عقده أو قريبه؟! (( مَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ )) (الصافات:154).

ج - هنالك من هو أقرب من عليّ للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) نسباً ووجاهة عند قريش، كعمّه العبّاس، وعقيل، وغيره، فلماذا أرسل عليّاً؟ الذي اعتذر من النبيّ - كما في بعض الروايات - بأنّه ليس لسناً ولا خطيباً، فدعا له النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وقال له: (ما بد أن أذهب بها أنا، أو تذهب بها أنت)، فوافق على الذهاب لخوفه على النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وفدائه بنفسه، وقال: (فإن كان ولا بدّ فسأذهب أنا)(64)..
وهذا الإصرار من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على عليّ يؤكّد عدم صحّة ادّعائهم، وخصوصاً أنّ الروايات تؤكّد قوله(صلّى الله عليه وآله): (إلاّ أنا أو رجل منّي)(65) يعني عليّاً(عليه السلام).. وقد أكّد مراراً وتكراراً، كما روى البخاري وغيره قوله لعليّ(عليه السلام): (أنت منّي وأنا منك)(66)، وكذلك: (لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ)(67).
فهذه المنزلة وهذا الاختصاص لعليّ(عليه السلام) مع وجود غيره أقرب نسباً، أو أكبر سنّاً، أو أكثر قبولاً عند قريش والمشركين، والإصرار عليه(عليه السلام) لا بدّ أنّ وراءه سرّاً ومغزى!

د - بل هناك روايات، كما في البخاري(68)، تنقل: أنّ أبا بكر أرسل أبا هريرة وآخرين يؤذّنون في الناس، وكان عليّ يؤذّن معهم، كما يدّعي أبو هريرة، فيناوبون معه، فهل هؤلاء المؤذّنون كأبي هريرة والآخرين الذين أرسلهم أبو بكر أقرب للنبيّ من أبي بكر؟ وهل يصلحون لذلك أكثر منه؟ فلماذا عُزل إذاً؟! أو أنّ أبو بكر وأبو هريرة نسيا عادة العرب؟!

ثامناً: وعلى كلّ حال، حتّى لو صحّ أنّه ذهب للحجّ وأكمل المناسك، فإنّه لو تنزّلنا وأثبتنا له ذلك، فهي ليست فضيلة؛ لأنّ ذلك قد ثبت لمن لا فضيلة له ولا سابقة في الموسم الذي سبقه، فقد أمّر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عتاباً بن أسيد، الذي أسلم في الفتح وكان من الطلقاء، على الحجّ عام ثمانية بعد عمرته من الجعرانة(صلّى الله عليه وآله)(69)، فهل هذا يعني أنّ عتاباً بن أسيد أفضل الصحابة؟ أو أنّه صاحب سابقة وفضيلة وأفضل أهل مكّة؟! (( مَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ ))؟!

ولو طلبنا منكم الإنصاف والتعامل مع الفضائل على حدّ سواء، فإنّكم لا تستطيعون أن تجعلوا هذا البعث فضيلة؛ لأنّكم حكمتم سابقاً على فضيلة واضحة لأمير المؤمنين بأنّها ليست كذلك، وذلك حينما خلّفه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على المدينة عندما ذهب إلى تبوك، وقال له: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)(70)، وقلتم: بأنّ تخليفه على المدينة ليس فضيلة؛ لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد خلّف عليها سابقاً أُناساً عاديين، كابن أُمّ مكتوم(71)، وجعلتم النصّ المادح له ليس إلاّ تطييباً للخاطر، وأوّلتموه شرّ تأويل، مع ما ينصّ من عدم الفرق إلاّ في النبوّة!

أمّا حادثة أبي بكر، ففيها: العزل، وأخذ براءة، وفيها: عدم ثبوت حجّه من أصله، وفيها: أنّ حجّه كان كحجّ أهل الجاهلية، وفيها: أنّه لم يُمدح من النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وفيها: أنّه قد حجّ بالناس في السنة الماضية لحجّه أحد الطلقاء.
وكلّ ذلك وأنتم تثبتون الفضيلة!! بل الأفضلية لأبي بكر بمثل هذه الأوهام، وترفضون أيّ فضل لعليّ(عليه السلام) ولو نصّ عليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! (( مَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ ))؟!
(( وَلاَ يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى )) (المائدة:8).

أمّا في مسألة الصلاة، والتي اضطربت رواياتها، كما اضطربت واختلفت روايات الحجّ، إن لم نقل أكثر.
فنقول: إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم يأمر أبا بكر بالصلاة في تلك الأيّام الثلاثة قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى، ونستدلّ على مدّعانا بأُمور، منها:
الأول: الاضطراب والاختلاف الشديدين، بل التناقض في الروايات.. فمرّة: تطلب عائشة من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أن لا يأمر أبا بكر بالصلاة بالناس(72).. وأخرى: أنّ القائل غيرها(73).. ومرّة: تطلب أن يأمر عمر بالصلاة وليس أبا بكر وتطلب من حفصة أن تقول ذلك أيضاً(74).. وأُخرى: أنّ أبا بكر طلب من عائشة أن تطلب ذلك وتقوله للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)(75).. ومرّة: يأمر عمر بالصلاة بعد أن أمر أبا بكر وعمر يرفض أن يتقدّم على أبي بكر(76).. وأُخرى: يؤمّر عمر بالصلاة، فيسمع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) صوته، فيغضب ويقول: لا لا، أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون(77).. وأُخرى: يُقدّم أبو بكر عمر، فيجيبه عمر بأنّك أحقّ بها، ولا يذكر رفض النبيّ لصلاته(78).. ومرّة: يخرج النبيّ فينظر لهم ويبتسم ويرجع(79).. وأُخرى: يذهب فيصلّي إماماً(80).. وأُخرى: مأموماً خلف أبي بكر(81)، وهكذا.. فأيّها نصدّق وهو أمر واحد وحادثة واحدة؟!
وهذه الأحاديث لا يمكن الجمع بينها، وكلّها صحيحة عندهم!! وإجاباتهم عنها بتعدّد الأمر والحادثة، وهذا لا يتلائم ولا يصحّ مهما فعلوا وأوّلوا مع أكثر الروايات..

فمثلاً: الرواية التي تذكر إمامة عمر للناس بالصلاة، لم يكن أبو بكر موجوداً حينها(82)، والروايات التي تذكر طلب عائشة وحفصة إمامة عمر بدلاً من أبي بكر لا تذكر أنّ أبا بكر غير موجود، بل تذكر وجوده وإمامته، وطلبهنّ لإمامة عمر إن كان بعد إمامة عمر ورفض النبيّ لها، فذلك لا يعقل؛ لأنّ النبيّ أوضح رفضه، ويكون طلبهن معصية واضحة.. وإن كان طلبهنّ لها؟ قبل إمامة عمر، فقد بيّن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في جوابه لهنّ: بأنّ الله يأبى ذلك والمؤمنون، فيكف اجتهد عمر في مقابل النص وقام بإمامة الناس بعد نصّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على عدم قبوله إمامته للصلاة بالناس؟!

الثاني: إنكاره(صلّى الله عليه وآله) على بعض نسائه وهو في تلك الحالة الشديدة إنكاراً لاذعاً، وهذا يعني فداحة الفعل وخطورته! وقوله(صلّى الله عليه وآله) لهنّ: (مه، إنّكنّ لأنتنَّ صواحب يوسف(عليه السلام))..
وهذا التشبيه قال عنه الباجي، كما في (تنوير الحوالك) للسيوطي: ((أراد: أنّهنّ قد دعون إلى غير صواب، كما دعين، فهنّ من جنسهنّ))(83). وقال النووي: ((قوله(صلّى الله عليه وسلّم): (لأنتنّ صواحب يوسف)، أي: في تظاهرهنّ على ما يردن، وإلحاحهنّ فيه، كتظاهر امرأة العزيز ونسوتها على صرف يوسف(عليه السلام) عن رأيه في الاعتصام...))(84).

وأمام قول من قال بأنّ وجه المشابهة في إظهارهن خلاف ما في الباطن(85)، أو لكثرة الإلحاح فقط(86)، فذلك الفعل لا يستحقّ هذا التشبيه وهذا التوبيخ، وأخلاق النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أرفع من أن ينكر على نسائه ويشبههنّ بنساء عاصيات وهو على تلك الحال من عدم استطاعته الخروج للصلاة.. وخصوصاً فإنّ نواياهنّ، وما في الباطن الذي كشفه النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولم تبح به إحداهنّ أبداً، إنّما كان نية حسنة، وليس منكراً أو معصية، وإنّما هو أمر مشروع، بل مستحبّ.
والمعروف لدى الجميع بأنّ صويحبات يوسف لم يكن منهنّ خلاف على يوسف، ولا مراجعة له، أو إلحاح في شيء، وإنّما افتتنّ بأسرهنّ بحبّه، وأرادت كلّ واحدة منهنّ مثل ما أرادت صاحبتها، فأشبهن حالهنّ.

ولهذا التفسير شاهد يدلّ عليه، وهو: ما رواه أحمد في (مسنده): عن ابن عبّاس، قال: ((لمّا مرض رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فقال: (ادعوا لي عليّاً)، قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر؟ قال: (ادعوه)، قالت حفصة: يا رسول الله! ندعو لك عمر؟ قال: (ادعوه)، قالت أُمّ الفضل: يا رسول الله! ندعو لك العبّاس؟ قال: (ادعوه)، فلمّا اجتمعوا رفع رأسه، فلم ير عليّاً، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: (مروا أبا بكر يصلّي بالناس)، فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجل حصر، ومتّى لا يراك الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلّي بالناس، فخرج أبو بكر فصلّى بالناس، ووجد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) من نفسه خفّة، فخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض... ومات في مرضه ذاك(عليه السلام) ))(87).
فهذا النصّ للحديث الشريف - على ما عليه من ملاحظات - يدلّ قطعاً على حال قوله(صلّى الله عليه وآله) لهنّ: (إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف)، فطلبه(صلّى الله عليه وآله) عليّاً وعدم طاعته في ذلك، وأنّ كلّ واحدة منهنّ أرادت ما تحبّ وتريد، لا ما يريده رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، أي: كلّ واحدة أرادت لنفسها ما أرادت الأُخرى، وهذا ما صدر من صواحب يوسف.

أمّا ما أوّله أكثرهم من أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أراد: صاحبة يوسف، لا الصواحب، وكذلك قال: (إنّكنّ لأنتنّ)، وأراد: عائشة(88)، فهو تحريف واضح، وخلاف للظاهر!
بل يشهد على بطلانه شاهد واضح، وهو: قول حفصة لعائشة، بعد هذا القول من النبيّ(صلّى الله عليه وآله): ((والله ما كنت لأصيبَ منكِ خيراً))(89)..
وقال نفس هؤلاء المؤوّلين: لعلّها تذكّرت من عائشة أيضاً مسألة المغافير(90)..
فهذا القول ألا يعني شمولها بقول النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟
وهل فهمت حفصة منه الإلحاح البريء في الطلب، أم التظاهر وطلب الفضل والاختصاص بخلاف إرادة الرسول الأعظم(صلّى الله عليه وآله) وصرفه عنها إلى ما يردن؟

الثالث: إنكاره(صلّى الله عليه وآله) لتلك الصلاة، والاهتمام ببيان ذلك بوسائل متعدّدة، على ما كان يعانيه(صلّى الله عليه وآله) من ثقل ومرض.. فمرّة يسمع عمر يصلّي، فيقول: (لا لا، يأبى الله ذلك والمسلمون)..
ومرّة يسمع أبا بكر يصلّي، فيخرج يهادى بين رجلين(عليّ والفضل) ورجلاه تخطّان في الأرض(91)، ويقولون: وجد في نفسه خفّة، فأيّ خفّة هذه التي لا يستطيع معها لا المشي ولا الوقوف؟ بل جلس وعزل أبا بكر عن إمامته للصلاة، وبيّن رفضه بخروجه مع شدة حالته وجلوسه في صلاته، مع قوله(صلّى الله عليه وآله): (إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلّى قائماً، فصلّوا قياماً، وإذا صلّى جالساً، فصلّوا جلوساً أجمعون)، رواه البخاري ومسلم(92).
وتأوّلوا ذلك أيضاً وقالوا: إنّه منسوخ بفعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الأخير في مرضه!
فهلاّ بيّن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ذلك النسخ، أو فهمه أحد الصحابة؟

بل ثبت أنّ أُسيد بن حضير وجابر بن عبد الله الأنصاري صلّيا بجماعة وهم قعود مرضى، وأمروا جماعتيهما بالجلوس(93)، وأثبتوا الحديث الذي سردناه في وجوب صلاة المأمومين جلوساً إن صلّى الإمام جالساً.
فأيّ بيان بعد هذا يبيّنه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) برفضه لإمامة أبي بكر وإبطال صلاته، كما فعل مع عمر؛ فقد نقل أنّهم تفرّقوا عن عمر لمّا سمعوا النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ينكر إمامته، ونقلوا أنّ أبا بكر قد أعاد صلاتهم لمّا رجع عن السفح(94)... الخ.
ويشهد لكلامنا: قول السندي في حاشيته على سنن النسائي؛ إذ قال عند شرحه حديث مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وصلاته: ((واستدلّ الجمهور بهذا الحديث على نسخ حديث إذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً... حتّى قال: وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، ولعلّ سبب ذلك عظم المصيبة. فعلى هذا، فالحكم بنسخ ذلك الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء. والله تعالى أعلم))(95).

الرابع: بعض الروايات تصرّح، وبعضها تشير إلى أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم يصدر عنه أمر لأحد معيّن بالصلاة بالناس، فصلاة عمر بالناس بأمر عبد الله بن زمعة لا بأمر النبيّ، وإنّما قال له(صلّى الله عليه وآله): (مر الناس فليصلّوا). رواه أحمد(96).
وكذلك الرواية الأُخرى التي يرويها أحمد في مسنده: عن أنس، قال: لمّا مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مرضه الذي توفّي فيه، أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال بعد مرّتين: (يا بلال! قد بلغت، فمن شاء فليصلّ، ومن شاء فليدع)(97).

وأمّا الزيادة في الأُولى: (يأبى الله ذلك والمؤمنون، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، وفي الثانية: قال لبلال بعد مراجعته: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس...)، فهي وضعت لتصحيح صلاة أبي بكر! وإلا فإنّ الزيادة في الروايتين مناقضة لصدرهما، فإنّه في الأُولى لم يعيّن أحداً، وإنّما قال(صلّى الله عليه وآله): (مروا الناس فليصلّوا)، فما معنى إنكاره بعد ذلك صلاة عمر بعد أن عقدت، وأمره بصلاة أبي بكر؟! فلو كان ولا بدّ من صلاة أبي بكر لكان يجب التعيين أوّلاً، إلاّ أن تقولوا أنّ في عمر شيئاً تبطل معه الصلاة! ومعه فلا فرق في غيره بين أبي بكر وبقيّة المسلمين. فلماذا عيّن أبا بكر؟

وفي الثانية خيّر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) المسلمين بين الصلاة جماعة وعدمها، فما معنى تعيينه أبا بكر بعد مراجعة بلال وهو قد خيّرهم قبلاً؟!
إضافة إلى ما رواه البخاري من تقديم أبو بكر عمراً للصلاة، وقول عمر: إنّك أحقّ بها(98)، إذ كيف يستقيم تقديم أبو بكر لعمر إذا كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هو الآمر بالصلاة، بل إنّ هذا مشعر بأنّهم كانوا يعلمون بأنّ الأمر لم يصدر من النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بل هو تواطؤ فيما بينهم وبين عائشة!!

الخامس: وممّا يكذب التعيين ويصطدم معه: مسألة اهتمام النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بأن يصلّي هو بنفسه، وعدم استسلامه للمرض الشديد الذي كان يعانيه..
فقد أُغمي عليه ثلاث مرّات، وفي كلّ مرّة يصرّ على الخروج والصلاة بالناس ويتوضّأ، حتّى يغمى عليه من شدّة المرض(99)، ولم يترك ذلك، حتّى سمع أصواتهم يصلّون، فخرج مع ما به، فأنكر بخروجه وهو يهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان في الأرض، فعلهم.. وعزل أبا بكر.. وصلّى قاعداً وبقي المسلمون قائمين، مع قوله لهم(صلّى الله عليه وآله) مراراً وتكراراً وتطبيقاً: (إنّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون).
وبرّروا هذه المخالفة بقولهم: بأنّ أبا بكر كان مأموماً للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) والناس يأتمّون بأبي بكر.. وهذه المخالفة وهذا التبرير أسوأ من الذنب؛ إذ لا توجد لدينا في الإسلام صلاة ذات إمامين!
وإنّما هذا من تصوير عائشة حفظاً لماء وجه أبيها!

السادس: مّما يبطل ذلك الأمر المزعوم، هو: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) شدّد وأكّد في إنفاذ جيش أُسامة(100)، وفيه كلّ شيوخ قريش، حتّى أنّهم اعترضوا: كيف يولّي فتى لم يبلغ مبلغ الرجال على شيوخ قريش؟ وأبوا أن يخرجوا..
وقرّعهم النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وهو مريض يشتكي رأسه، فخرج معصوب الرأس مرتقياً المنبر رادّاً عليهم، كما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، قال: ((أمّر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أُسامة على قوم، فطعنوا في إمارته، فقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة)(101)...))..

وهذا الحديث يبيّن أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أراد أن يخرج الجميع سوى أهل بيته نفيراً عاماً، وأمّر عليهم فتى صغيراً، وكلّ ذلك قبل أن يمرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولكنّهم اعترضوا وأبوا الخروج والانقياد لعبد أسود صغير السنّ، فمرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قبل أن يخرجوا، فأخّروا أنفسهم كثيراً، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) يزداد مرضه، وهو يستصرخهم: أنفذوا جيش أُسامة، حتّى خرجوا ورجعوا، ثمّ عسكروا قريباً من المدينة، ثمّ أصرّوا على المعصية، وحدث ما حدث من رجوعهم، وتركهم النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مسجّى، وذهبوا ليتآمروا في السقيفة.

فهذه أحوالهم، وهذه طاعتهم، فانظر بإنصاف لقضية الصلاة، وبعث أُسامة، فسترى ما فيهما من تشابه، وقارن بين إرادة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وإرادة البعض من المسلمين!
ولنا أن نسأل هنا: كيف يأمر النبيّ أبا بكر بالصلاة وهو يعلم أنّه بعثه في جيش أُسامة؟!!
ثمّ كيف يكون أبو بكر في المدينة ليؤمّ المسلمين في المسجد وهو خارجها معسكراً في بعث أُسامة؟!!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: سنن الدارمي 2: 67 كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم، سنن النسائي 5: 247 كتاب مناسك الحجّ، الخطبة قبل يوم التروية (187)، السنن الكبرى، للبيهقي 5: 111 جماع أبواب دخول مكّة، باب الخطب التي يستحب للإمام أن يأتي بها في الحجّ.
(2) صحيح البخاري 3: 168 كتاب الصلح، و 4: 207 كتاب بدء الخلق، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، و5: 85 كتاب المغازي، باب عمرة القضاء.
(3) سنن الترمذي 5: 300 مناقب علي بن أبي طالب، باب (85) الحديث (3803).
(4) مسند أحمد بن حنبل 4: 164 - 165 عن أبي سعيد بن زيد.
(5) خصائص أمير المؤمنين: 87، 88، 90، قول النبيّ(ص): عليّ مني وأنا منه، و90 حديث: لا يؤدي عنّي إلاّ أنا وعليّ.
(6) انظر: سنن ابن ماجة 1: 44 الحديث (119) باب في فضائل رسول الله، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 495 كتاب الفضائل، باب (18) الحديث (8)، الآحاد والمثاني، للضحاك 3: 183 الحديث (1514) حبشي بن جنادة السلولي، مسند أبي يعلى 1: 293 الحديث (355)، المعجم الكبير، للطبراني 4: 16.
(7) السنن الكبرى 5: 125 جماع أبواب دخول مكّة، باب الإيضاع في وادي محسر.
(8) السيرة النبوية، لابن كثير 4: 69 بعث رسول الله أبا بكر أميراً على الحجّ سنة تسع ونزول سورة براءة، السيرة النبوية، لابن هشام 4: 972، حجّ أبي بكر بالناس سنة تسع، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 10: 84 الحديث (12729) سورة التوبة.
(9) صحيح البخاري 1: 97 كتاب الصلاة، باب ما يستر من العورة، و 5: 202 كتاب المغازي، كتاب تفسير القرآن.
(10) صحيح مسلم 4: 107 كتاب الحجّ، باب لا يحجّ البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وبيان يوم الحجّ الأكبر.
(11) سنن أبي داود 1: 435 الحديث (1946) باب يوم الحجّ الأكبر، سنن النسائي 5: 234 كتاب مناسك الحجّ في قوله عزّ وجلّ: (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد)، السنن الكبرى 5: 87 باب لا يطوف بالبيت عريان، صحيح ابن خزيمة 4: 209 باب الأمر بالتزيّن عند إرادة الطواف بالبيت، مسند الشاميين، للطبراني 4: 184 الحديث (3067)، معرفة السنن والآثار، للبيهقي 7: 135 الحديث (5544)، الطبقات الكبرى 2: 69 حجّة أبي بكر الصديق بالناس.
(12) انظر: مسند أحمد بن حنبل 2: 299 مسند أبي هريرة، سنن النسائي 5: 234 كتاب مناسك الحجّ في قوله عزّ وجلّ: (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد)، سنن الدارمي 1: 333 باب النهي عن دخول المشرك المسجد الحرام، و2: 237 باب في الوفاء للمشركين بالعهد، المستدرك على الصحيحين 2: 331 كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة، السنن الكبرى، للبيهقي 9: 49 جماع أبواب السيرة، باب السيرة في المشركين عبدة الأوثان، السنن الكبرى، للنسائي 2: 407 كتاب الحجّ الحديث (3949، 3950)، صحيح ابن حبّان 9: 128 كتاب الحجّ، باب (8).
(13) فتح الباري 8: 238 سورة براءة.
(14) شرح مشكل الآثار 9: 222 - 224 الحديث (3590، 3592) باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الحجّة التي كانت قبل حجّته من التأمير فيها ومن قراءة براءة.
(15) انظر: الطبقات الكبرى 4: 360 العلاء الحضرمي.
(16) انظر: شيخ المضيرة أبو هريرة: 109 وقائع لم يحضرها.
(17) صحيح ابن خزيمة 4: 362 كتاب المناسك، باب إباحة العمرة من الجعرانة، وانظر: تفسير ابن كثير 2: 345 تفسير سورة التوبة.
(18) سنن الدارمي 2: 66 كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم، السنن الكبرى، للنسائي 2: 416 الحديث (3984)، خصائص أمير المؤمنين، للنسائي: 92 توجيه النبيّ براءة مع علي، صحيح ابن خزيمة 4: 319، دلائل النبوة، للبيهقي 5: 297 باب حجّة أبي بكر الصدّيق سنة تسع، صحيح ابن حبّان 15: 19 ذكر وصف قراءة عليّ(عليه السلام) براءة على الناس، السنن الكبرى، للبيهقي 5: 111 جماع أبواب دخول مكّة، باب الخطب التي يستحبّ للإمام أن يأتي بها في الحجّ.
(19) سنن النسائي 5: 248 كتاب مناسك الحجّ، الخطبة قبل يوم التروية.
(20) وهو: (محمّد بن مسلم بن تدرس)، انظر: الضعفاء، للعقيلي 4: 130 (169)، تهذيب الكمال، للمزّي 26: 402 (5602)، تذكرة الحفّاظ، للذهبي 1: 126 (113)، المغني في الضعفاء، للذهبي 2: 373 (5980)، ميزان الاعتدال 4: 37 (8169)، طبقات المدلّسين، لابن حجر: 45 (101)، تقريب التهذيب 2: 132 (6310)، سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني 1: 160 ذيل الحديث (65).
(21) المستدرك على الصحيحين 3: 52 كتاب المغازي والسرايا، نداء عليّ(رضي الله عنه) في موسم الحجّ ببراءة.
(22) سنن الترمذي 4: 339 الحديث (5086) سورة التوبة.
(23) السنن الكبرى 9: 224 باب مهادنة من يقوى على قتاله.
(24) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 10: 84 الحديث (12727) سورة التوبة.
(25) الكامل 3: 256 سليمان بن قرم الضبّي.
(26) العلل، لأحمد بن حنبل 1: 536 (1269).
(27) تهذيب التهذيب 10: 257 (509).
(28) مسند أحمد بن حنبل 1: 79 مسند عليّ بن أبي طالب.
(29) انظر: سنن الدارمي 2: 68 باب لا يطوف بالبيت عريان، سنن الترمذي 2: 179 الحديث (872) باب ما جاء في كراهية الطواف عرياناً، و4: 340 الحديث (5087) سورة التوبة، المستدرك على الصحيحين 3: 52 كتاب المغازي والسرايا، نداء عليّ(رضي الله عنه) في موسم الحجّ ببراءة، و4: 178 كتاب اللباس، لا يطوف بالبيت عريان، السنن الكبرى، للبيهقي 9: 206 باب لا يقرب المسجد الحرام وهو الحرم كلّه مشرك، وغيرها.
(30) مسند أحمد بن حنبل 1: 3 مسند أبي بكر.
(31) دلائل النبوّة 5: 298 باب حجّة أبي بكر.
(32) المصنّف، لابن أبي شيبة 4: 419 من كان يأمر بتعليم المناسك.
(33) انظر: السيرة النبوية، لابن هشام 4: 970 - 972 حجّ أبي بكر بالناس سنة تسع، تفسير الطبري 10: 77 الحديث (12713) سورة التوبة، و84 الحديث (12729).
(34) الروض الأنف 4: 200 سورة التوبة.
(35) الكشف والبيان 5: 8 سورة التوبة.
(36) المغازي، للواقدي 2: 1077 حجّة أبي بكر.
(37) شواهد التنزيل 1: 315 الحديث (324).
(38) شواهد التنزيل 1: 316 الحديث (325).
(39) الدرّ المنثور 3: 209، 210 سورة التوبة.
(40) جامع البيان 10: 79 الحديث (12719).
(41) جامع البيان 10: 79 الحديث (12717).
(42) جامع البيان 10: 85 الحديث (12730).
(43) جامع البيان 10: 96 الحديث (12770).
(44) جامع البيان 10: 88 الحديث (12733).
(45) المعجم الكبير 11: 328 كريب عن ابن عبّاس.
(46) كشف المشكل من حديث الصحيحين 2: 400 الحديث (919).
(47) سنن الدارمي 2: 66 كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم.. وقد تقدّم.
(48) فضائل الصحابة: 244 الحديث (1090).
(49) السُنّة، لابن أبي عاصم: 595 الحديث (1384)، جامع البيان 10: 85 سورة براءة، الكشف والبيان، للثعلبي 5: 8 سورة التوبة، تاريخ مدينة دمشق 42: 117، 349 ترجمة علي بن أبي طالب.
(50) السُنّن الكبرى، للنسائي 5: 129 باب (26) الحديث (8361).
(51) فتح الباري 8: 241 سورة براءة، باب إلاّ الذين عاهدتم من المشركين.
(52) مسند أحمد بن حنبل 1: 3 مسند أبي بكر.
(53) مسند أحمد بن حنبل 1: 151 مسند عليّ(عليه السلام).
(54) معجم البلدان 2: 111.
(55) صحيح ابن حبّان 15: 17 باب إخباره (ص) بما يكون في أُمّته من الفتن والحوادث.
(56) معجم البلدان 3: 453 باب الضاد والجيم وما يليهما.
(57) سنن الدارمي 2: 66 كتاب المناسك، باب في خطبة الموسم، سنن النسائي 5: 247 الخطبة قبل يوم التروية.
(58) معجم البلدان 4: 98 باب العين والراء وما يليهما.
(59) مسند أحمد بن حنبل 3: 212، 284 مسند أنس بن مالك، شواهد التنزيل 1: 305 - 310 الحديث (309 - 318)، المناقب، للخوارزمي: 165 الحديث (197) الفصل الخامس عشر، مسند أبي يعلى 5: 412 الحديث (3095)، سنن الترمذي 4: 339 الحديث (5085) سورة التوبة.
(60) مسند أحمد بن حنبل 1: 3 مسند أبي بكر.
(61) مجمع الزوائد 3: 238 كتاب الحجّ، باب لا يطوف بالبيت عريان.
(62) السنن الكبرى، للبيهقي 10: 192 جماع أبواب من تجوز شهادته ومن لا تجوز من الأحرار، وانظر: مسند أحمد بن حنبل 2: 381 عن أبي هريرة، المستدرك على الصحيحين 3: 613 كتاب تواريخ المتقدّمين من الأنبياء والمرسلين.
(63) مسند أحمد بن حنبل 2: 299 عن أبي هريرة، سنن الدارمي 1: 333 كتاب الصلاة، باب أيّ ساعة يكره فيها الصلاة، و 2: 68 كتاب المناسك، باب لا يطوف بالبيت عريان.
(64) مسند أحمد بن حنبل 1: 150 مسند علي بن أبي طالب.
(65) مسند أحمد بن حنبل 1: 3 مسند أبي بكر.
(66) مسند أحمد بن حنبل 1: 108 عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، صحيح البخاري 3: 168 كتاب الصلح، و 4: 207 كتاب بدء الخلق، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، و 5: 85 كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، المستدرك على الصحيحين 3: 120.
(67) مسند أحمد بن حنبل 4: 164، 165 عن أبي سعيد بن زيد، سنن الترمذي 5: 299 أبواب المناقب، باب (85) الحديث (3803)، فضائل الصحابة، للنسائي: 15، السُنّة، لابن أبي عاصم: 552، السنن الكبرى، للنسائي 5: 45 كتاب المناقب، باب (4) الحديث (7 - 8149)، المعجم الكبير، للطبراني 11: 316.
(68) انظر: صحيح البخاري 1: 97 كتاب الصلاة، و 2: 164 كتاب الحجّ، و4: 69، و5: 115 كتاب المغازي، حجّ أبي بكر بالناس.
(69) الطبقات الكبرى 2: 145 غزوة رسول الله(ص) عام الفتح، و 5: 446 عتاب بن أسيد، تاريخ خليفة بن خيّاط: 56 غزوة الطائف، أُسد الغابة، لابن الأثير 3: 358، الاستيعاب 3: 1023 (1756)، الإصابة، لابن حجر 4: 356 (5407)، المغازي، للواقدي 1: 6 المقدّمة، و 2: 959 ذكر وفد هوازن، تاريخ اليعقوبي 2: 76 الأمراء على السرايا والجيوش، تاريخ الطبري 2: 362 ذكر خبر غزوة رسول الله(ص) هوازن، وغيرها.
(70) مسند أحمد بن حنبل 1: 170 - 185 عن أبي سعد بن أبي وقّاص، و331 عن عبد الله بن عبّاس، و3: 32 عن أبي سعيد الخدري، و338 عن جابر بن عبد الله الأنصاري، و 6: 369 عن فاطمة، صحيح مسلم 7: 120، 121 كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام).
(71) أُسد الغابة، لابن الأثير 3: 183، الإصابة، لابن حجر 4: 494 (5781).
(72) صحيح البخاري 1: 165، 166 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و174 باب من أسمع الناس تكبير اًلإمام، صحيح مسلم 2: 22 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره.
(73) صحيح البخاري 1: 62، باب وجوب صلاة الجماعة.
(74) صحيح البخاري 1: 165 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و176 باب إذا بكى اًلإمام في الصلاة، صحيح مسلم 2: 23 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره، سنن ابن ماجة 1: 389 باب ما جاء في صلاة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في مرضه، سنن الترمذي 5: 275 الحديث (3754)، مسند أحمد بن حنبل 6: 202، و224 حديث عائشة.
(75) أنساب الأشراف 1: 554 الحديث (1125) قول رسول الله في أبي بكر، فتح الباري 2: 129 باب حدّ المريض يشهد الجماعة، عن مسند الدورقي، تنوير الحوالك: 188 الحديث (412) عن مسند الدورقي.
(76) تاريخ الطبري 2: 439 السنة الحادية عشرة من الهجرة.
(77) مسند أحمد بن حنبل 4: 322 مسند عبد الله بن زمعة، و 6: 34 حديث عائشة، سنن أبي داود 2: 405 الحديث (4660) كتاب السُّنّة، باب (12) الحديث (4660، 4664)، المصنّف لعبد الرزّاق الصنعاني 5: 432 بدء مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المعجم الأوسط 2: 12 من اسمه أحمد، الاستيعاب 3: 970 (1633) ترجمة أبي بكر، الرياض النضرة 1: 170 مناقب أبي بكر، الطبقات الكبرى 2: 225 ذكر ما قاله رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرضه لأبي بكر، سيرة ابن هشام 4: 1067 رسول الله يستخلف في الصلاة بالناس أبا بكر.
(78) صحيح البخاري 1: 168 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم 2: 24، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره، سنن الدارمي 1: 287 باب فيمن يصلّي خلف الإمام والإمام جالس، السنن الكبرى، للبيهقي 3: 80 باب ما روي في صلاة المأموم قائماً وإن صلّى الإمام جالساً.
(79) صحيح البخاري 1: 166 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و5: 141 كتاب المغازي، باب مرض النبيّ ووفاته(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، صحيح مسلم 2: 24 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيره، السنن الكبرى، للبيهقي 3: 75 باب ترك الجماعة بعذر المرض والخوف.
(80) مسند أحمد بن حنبل 1: 356 مسند عبد الله بن العبّاس، و6: 210 حديث عائشة، صحيح البخاري 1: 162 باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة، و 1: 174، 175 باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم 2: 23 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر.
(81) مسند أحمد بن حنبل 3: 159، 233، 243 مسند أنس بن مالك 6: 159 حديث عائشة، سنن الترمذي 1: 225 الحديث (360، 361)، سنن النسائي 2: 79 صلاة الإمام خلف رجل من رعيّته، السنن الكبرى، للبيهقي 3: 81 - 83 باب ما روي في صلاة المأموم قائماً وإن صلّى الإمام جالساً.
(82) أنساب الأشراف 1: 554 الحديث (1125) قول رسول الله في أبي بكر.
(83) تنوير الحوالك 2: 188 كتاب قصر الصلاة في السفر، باب (24) الحديث (412).
(84) المجموع شرح المهذّب 4: 242 باب صلاة الجماعة، إذا أحدث الإمام واستخلف.
(85) فتح الباري 2: 128 كتاب الأذان، باب حدّ المريض يشهد الجماعة.
(86) عمدة القاري 5: 189 باب حدّ المريض يشهد الجماعة، الديباج على مسلم 2: 126.
(87) مسند أحمد بن حنبل 1: 356 مسند عبد الله بن العبّاس.
(88) فتح الباري 2: 128 كتاب الأذان، باب حدّ المريض يشهد الجماعة، تحفة الأحوذي 10: 108 مناقب أبي بكر.
(89) مسند أحمد بن حنبل 6: 202 عن عائشة، صحيح البخاري 1: 165، 176 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، و8: 146 كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنّة، سنن الترمذي 5: 276 أبواب المناقب، باب مناقب أبي بكر الباب (58) الحديث (3754).
(90) فتح الباري 2: 129 كتاب الأذان، باب حدّ المريض يشهد الجماعة.
(91) مسند أحمد بن حنبل 1: 209 عن العبّاس بن عبد المطّلب، و356، 357 عن عبد الله بن العبّاس، و 6: 210، 224 عن عائشة، صحيح البخاري 1: 162، 175 كتاب الأذان، باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة، صحيح مسلم 2: 23 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض، سنن ابن ماجة 1: 389 الحديث (1232، 1235) باب ما جاء في صلاة رسول الله(ص) في مرضه، سنن النسائي 2: 100، 101، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 232.
(92) مسند أحمد بن حنبل 3: 200 عن أنس بن مالك، و6: 68 عن عائشة، سنن الدارمي 1: 287 كتاب الصلاة، باب فيمن يصلّي خلف الإمام والإمام جالس، صحيح البخاري 1: 100 كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ، و1: 169 كتاب الأذان، باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم 2: 18 باب ائتمام المأموم بالإمام، سنن ابن ماجة 1: 393 الحديث (1240) باب ما جاء في إنّما جعل الإمام ليؤتم به، سنن النسائي 2: 99 الحديث (832) كتاب القبلة، ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة، السنن الكبرى، للبيهقي 2: 97 جماع أبواب صفة الصلاة، باب كيف القيام من الركوع.
(93) سنن أبي داود 1: 145 الحديث (607) كتاب الصلاة، باب (69)، المستدرك على الصحيحين 3: 289، المصنّف لعبد الرزّاق 2: 442 الحديث (4085)، المحلّى 3: 70 المسألة (299)، المصنّف، لابن أبي شيبة 2: 224 الحديث (5) في الإمام يصلّي جالساً، فتح الباري 2: 147، باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.
(94) تاريخ مدينة دمشق 30: 264 ترجمة أبي بكر، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 222 ذكر أمر رسول الله أبا بكر أن يصلّي بالناس في مرضه، أنساب الأشراف 1: 554 الحديث (1125) قول رسول الله في أبي بكر.
(95) حاشية السندي على النسائي 2: 100 كتاب الإمامة، الائتمام بالإمام يصلّي قاعداً.
(96) مسند أحمد بن حنبل 6: 34 عن عائشة، و4: 322 حديث عبد الله بن زمعة.
(97) مسند أحمد بن حنبل 3: 202 مسند أنس بن مالك.
(98) صحيح البخاري 1: 168 باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.
(99) صحيح البخاري 1: 168 باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.
(100) الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 190 سرية أُسامة بن زيد.
(101) صحيح البخاري 5: 84 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، صحيح مسلم 7: 131 باب فضائل زيد بن الحارثة وأُسامة بن زيد، مسند أحمد بن حنبل 2: 20 عن عبد الله بن عمر.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » صلاة جماعته المزعومة (1)


بو حلوفة العربي / الجزائر
السؤال: صلاة جماعته المزعومة (1)
هل يعتبر أبو بكر أولى بالخلافة، ونحن نعلم أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) أمره بالصلاة جماعة؟ هل معنى ذلك أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) أعطى الشرعية لأبي بكر، بأن يكون الخليفة على المسلمين؟
الجواب:

الأخ بو حلوفه المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ رواية صلاة أبي بكر مخدوشة سنداً ودلالةً(1)؛ فإنّ رواتها بأجمعهم مجروحون - كما نصّ عليه أرباب الجرح والتعديل في الرجال - وإنّ بعض الطرق مرسلة فلا حجّية لها مطلقاً، وأنّ الأساس فيها الرواية عن عائشة، وهي تجرّ النار إلى قرصها، غير مأمونة على ما يرجّح كفّة أبيها في الخلافة.

وأمّا الدلالة، فمردودة؛ لأنّها لا تثبت أنّ الأمر بالصلاة كان صادراً من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لوجوه شتّى:
منها: إنّ أبا بكر كان مأموراً بالخروج مع جيش أُسامة لكن تخلّف عنه - كما عليه المصادر التاريخيّة - ومخالفة الرسول(صلّى الله عليه وآله) مخالفة الله عزّ وجلّ, فكيف يصحّ أن يكون مخالف الله ورسوله خليفة؟
ومنها: تناقض الروايات الشديد.
ومنها: ما ورد من أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لمّا سمع بشروع أبي بكر للصلاة خرج متّكئاً على عليّ(عليه السلام) والعبّاس - مع ما كان عليه من شدّة المرض - ونحّى أبا بكر!

فضلاً عن أنّ التقديم للإمامة في الصلاة لا يدلّ على التقديم لخلافة المسلمين.
ودمتم في رعاية الله

(1) للمزيد راجع: صلاة أبي بكر في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، للسيّد علي الميلاني.

باسم / الإمارات
تعليق على الجواب (44)

ذكرتم: إنّ رواية صلاة أبي بكر مخدوشة سنداً ودلالةً، فإنّ رواتها بأجمعهم مجروحون - كما نصّ عليه أرباب الجرح والتعديل في الرجال - وإنّ بعض الطرق مرسلة فلا حجّية لها مطلقاً.

أقول: لقد وجدت 72 حديثاً في كتب أهل السُنّة (10) منها في البخاري وحده، وثلاثة في مسلم... كلّها تذكر أمر رسول الله بإمامة أبي بكر..
فما دليلكم على ما ادّعيتم من جرح الرجال والطعن في السند؟

الجواب:

الاخ باسم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أيّها الأخ العزيز.. لو أنّك قرأت جوابنا جيّداً وتأمّلت فيه ملياً، لرأيته جواباً عن سؤال من أحد الإخوة من أهل السُنّة، وكان الأخ قاطعاً بالواقعة ومثبتاً للرواية ومفرّعاً عليها سؤالاً.
فقد قال الأخ في سؤاله: ((هل يعتبر أبو بكر أولى بالخلافة، ونحن نعلم أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله) أمره بالصلاة جماعة؟)).
فكان الجواب المناسب لذلك السائل الذي يقطع بالعلم بأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر بالصلاة المزعومة! جواباً يقصد منه بيان خطأ ادّعاءه ذلك (العلم)، وأنّه أوّل الكلام بأنّ ذلك قد حصل, وهذا من حقّنا..
وقد استدللنا على ذلك بعدّة وجوه، منها: عدم ثبوت تلك الرواية سنداً؛ لأنّ سندها ليس إلاّ آحاد لا يفيد العلم، بالإضافة إلى روايتها عن مثل: الزهري، عامل بني أُميّة(1)، وأبو بردة بن أبي موسى، عامل معاوية وأحد المنحرفين عن أهل البيت(عليهم السلام)، وهو ممّن شهد زوراً على الصحابي الجليل حجر بن عدي(رض)(2)، وعروة بن الزبير(3)، وابنه هشام، وعائشة(4)، وأبو موسى(5)، وابن عمر(6)، وأنس(7)... وكلّ هذه الشخصيات لها علاقة سيئة ورأي في عليّ(عليه السلام)، فلا حجّة في قولهم ونقلهم هذا على كلّ منصف محتاط لدينه، وغيرهم من الضعفاء والمدلّسين. هذا من ناحية رجال الأسانيد.

أمّا من ناحية الإرسال، فنحن نقصد منه بأنّ بعض هذه الروايات تنقل قول الصحابي وليس قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله) المباشر وأمره بنفسه لأبي بكر بالصلاة، كرواية أنس(8)، وأبي موسى(9)، وابن عمر(10)، وبريدة(11)؛ فإنّهم لم يكونوا في حجرة عائشة حينها قطعاً - لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كانت تداريه نساؤه، فلا يمكن حضور الناس عنده في نفس الحجرة الصغيرة وبمحضر نسائه(صلّى الله عليه وآله) دون إمكان ابتعادهنّ عنه(صلّى الله عليه وآله) بحجاب، أو ستار، أو ما شاكل ذلك؛ لأنّهنّ يقمنَ بقربه لقضاء حوائجه ومداراته ومساعدته(صلّى الله عليه وآله)، وقد ألمح بعضهم لذلك - ولم يرووا الحديث بسماعهم وإنّما بالنقل فحسب، وهذا المسلك معروف عند الصحابة ومتّفق عليه، وأهل السُنّة يحتجّون به ويحكمون عليه بالرفع؛ لأنّ الصحابة عندهم كلّهم عدول، ولا يهمّ حينئذ إخفاء اسم الصحابي الذي رأى أو سمع تلك الحادثة، أو ذلك الحديث.
ونحن نسمّيه: مرسلاً، وبالتالي فإنّ هؤلاء الصحابة من البعيد أن يكونوا قد حضروا في تلك الحجرة الصغيرة، ويكشف ذلك عن دوران ذلك الأمر على عائشة الموجودة قطعاً هناك، بل المدبّرة لتلك الأحداث والحكايات والكلام العجيب والمتناقض!!

أمّا بالنسبة إلى طرق الحديث، فقد استغربنا كثيراً حين قرأنا سؤالكم وتعليقكم بأنّ في هذه القصّة (72) رواية! ولا ندري هل ادّعى أحد قبلك هذا العدد أم لا؟!
وإن صحّ قولك هذا، فإنّ الحديث سيكون متواتراً، بل يكون أصحّ حديث قد نقل إلينا وأثبته.. ولكن دون ذلك خرط القتاد!
فإنّنا نقطع بأنّ هذا الحديث لم يرد بهذا الكم من العدد.. ولو كنت يا أخينا مختصّاً بعلم الحديث، أو مطّلعاً عليه جيّداً، لما قلت بهذا الادّعاء العريض؛ لأنّ أصحاب هذا الفنّ إنّما يقولون ذلك لو أنّ للحديث طرقاً بهذا العدد، ولا يعتبر ذلك إلاّ إذا وجدت (72) صحابياً راوياً للحديث..
وإنّما نحن وجدنا هذه الرواية - أي: رواية أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أبا بكر بالصلاة - مروية عن: عائشة، وأنس، وأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وعبد الله بن مسعود، وابن عبّاس، وبريدة، وعبد الله بن زمعة، وسالم بن عبيد، ومرسلاً عن حمزة بن عبد الله بن عمر، لا أكثر، فالحديث ينحصر بهذه الطرق،أو أكثر بقليل، فأين هذا من زعمك بأنّ للحديث (72) طريقاً؟!
فروايات البخاري مدارها على: عائشة(12)، وأبي موسى(13)، وابن عمر(14)، ومرسل حمزة(15)، بطريق واحد عنهم، إلاّ عائشة فبعدّة طرق، كعروة(16)، والأسود(17)، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة(18)..
وكذا طرق مسلم؛ فهي عن: عائشة(19)، وأبي موسى(20)، بنفس طرق البخاري، بإضافة حمزة بن عبد الله بن عمر، عن عائشة.. وينفرد البخاري بروايته عن ابن عمر، ومرسل ابنه حمزة.
وأضاف أحمد بن حنبل إلى هذه الطرق ما رواه عن: ابن عبّاس(21)، وأنس(22)، وبريدة(23)، وعبد الله بن زمعة(24)..
وأخرجه النسائي عن عبد الله بن مسعود(25).. ورواه بن ماجة عن سالم بن عبيد(26).
ومرسلة حمزة بن عبد الله إمّا عن أبيه عبد الله بن عمر، أو عن عائشة، ورواية عبد الله بن مسعود هي عن قول عمر يوم السقيفة، وسالم بن عبيد لم تثبت صحبته، وإن توهّمه بعضهم لروايته في تشميت العاطس، وطريقها ضعيف مختلف فيه، وظاهر روايته هنا عن عائشة وعمر في قصّة السقيفة.
وكما يظهر من كلام ابن حجر في (الإصابة)(27)، وأنس، وأبو موسى، وابن عمر، وبريدة لم يكونوا حاضرين وذلك الوقت قطعاً، ونصوص رواية عائشة تدلّ على أنّه لم يكن في الحجرة غير نساء النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، ولا حتّى عليّ(عليه السلام)، فضلاً عن العبّاس، أو عمر، أو عبد الله بن زمعة، أو ابن عبّاس، أو غيرهم ممّن قد يدّعي ذلك، فترجع كلّ الروايات إلى قول عائشة.
فهذا حال الطرق التي جعلتها (72)!

وهناك مسألة ثانية مهمة في جوابنا السابق، وكذا نحيلك إلى جواب آخر تفصيلي لنا، تجده في هذا الباب: (دعوى حجّ أبي بكر بالناس عام تسعة للهجرة وصلاته في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله))، فقد بيّنّا هناك بأنّه إضافة لاضطراب الروايات فيما بينها، وتناقض محتواها في جهة من الجهات، بحيث لا يمكن الجمع بينها، فإنّ هناك شواهد وقرائن تثبت بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم يأمر أبا بكر بتلك الصلاة المزعومة..

وقد أثبت اضطراب تلك الروايات في إحدى جهاتها، وهي: إمامة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أو أبو بكر، أحد علماء السلفية، وهو: السندي، في حاشيته على سنن النسائي، وكذا على البخاري بمعناه(28)؛ فقال: ((واستدلّ الجمهور بهذا الحديث - صلاة أبي بكر - على نسخ حديث (إذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً)... (حتى قال:) وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة، ولعلّ سبب ذلك عظم المصيبة, فعلى هذا فالحكم بنسخ ذلك الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء، والله تعالى أعلم))(29).
فقد أثبت السندي معارضة هذه الواقعة المضطربة من هذه الجهة للحديث الصحيح الثابت، والمعمول به قبل هذه الواقعة وبعدها، بأنّ الإمام يجب أن يؤتمّ به، فإن صلّى قاعداً، فصلّوا قعوداً، وهذا ما خالفته هذه الروايات للصلاة المزعومة؛ فإنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لمّا صلّى أبو بكر بالناس خرج ليصلّي هو(صلّى الله عليه وآله) بهم، وجعلهم في حرج، وأظهر عدم رضاه فصلّى قاعداً، وبقي القوم قائمين..
وأهل السُنّة يأتون بها كفضيلة لأبي بكر، وأنّها إقرار من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لصلاة أبي بكر؛ ولكن لو نظر المنصف المحلّل للأحداث والأوامر والأفعال النبوية لوجد أنّ ذلك عكس ما يفهمون!
وإلاّ لماذا يخرج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وهو بتلك الحالة الشديدة، إذ أنّه كان متكأ على عليّ(عليه السلام) والفضل بن العبّاس، ومع ذلك فرجلاه تخطّان الأرض.. فأيّ خفة، وأيّ تحسّن طرأ عليه(صلّى الله عليه وآله) بزعمهم؟!

ثمّ إنّه(صلّى الله عليه وآله) صلّى إماماً وجالساً وهو في تلك الحالة الصحية العصيبة، فإن كان موافقاً ومرتاحاً وراضياً على إمامة أبي بكر هذه، فلِمَ كلّ هذا العناء والجهد الشديدين؟!
وكذلك ينقض وقوع هذا الأمر: إنفاذ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أبي بكر وعمر وغيرهم من شيوخ قريش في جيش أُسامة حين مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فكيف يأمره بالخروج والالتحاق تحت إمرة فتى لم يبلغ العشرين من عمره، وفي نفس الوقت يجعله إماماً للصلاة بالناس في المدينة مع ذلك النفير العام..؟

خرّج ذلك ابن حجر في (فتح الباري)، وقال ردّاً على ابن تيمية إنكاره خروج أبي بكر وعمر في سرية أُسامة في كتاب الردّ على ابن المطهّر: ((ومستند ما ذكره - أي: ابن المطهّر - ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي(30)، وذكره ابن سعد أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد(31)، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة(32)، ولفظه: بدأ برسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وجعه يوم الأربعاء، فأصبح يوم الخميس فعقد لأسامة، فقال: (أغز في سبيل الله وسر إلى موضع مقتل أبيك فقد ولّيتك هذا الجيش)، فذكر القصّة وفيها: لم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلاّ انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر وعمر...)).
إلى أن قال: ((ذكر ذلك كلّه ابن الجوزي في المنتظم جازماً به(33)، وذكر الواقدي، وأخرجه ابن عساكر(34) من طريقه مع أبي بكر وعمر أبا عبيدة وسعداً وسعيدا وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان))(35).

وهذا إبعاد عن المدينة!! فلو كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) يرى بأنّ أبا بكر خليفته، ويرضى بذلك، وقد أمره بالصلاة بالناس إشارة لذلك، فكيف يبعثه في ذلك البعث ويؤمّر عليه فتى صغيراً؟!
فهذه التناقضات الحافّة بهذه الحادثة، التي تنقضها جملة وتفصيلاً، تثبت بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لم يأمر أبا بكر بالصلاة بالناس, ولم يرضَ ببقائه في المدينة أصلاً، ناهيك عن أمره له بذلك ليشير إلى خلافته ويفضّله بهذه الطريقة!

وبالمناسبة، فلو كان أبو بكر بهذه الأهمّية، فلماذا لا توجد رواية واحدة فيها أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أمر أبا بكر بذلك مباشرة ودون واسطة؟!!
فكلّ الروايات المدّعاة في أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) تنصّ على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد قال: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس).. فأين كان أبو بكر عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ليأمر الناس بأمر أبي بكر ليصلّ بهم؟!!
أفلا يوحي ذلك أنّ الأمر قد صدر ممّن تقوّل على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، واستغل وجع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وإغمائه، فأمر بلالاً، أو غيره، ليخبر الناس بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد قال ذلك..
فلمّا أفاق النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ووجدهم قد فعلوا ما كان يخشاه، خرج متّكئاً على عليّ والفضل بن العبّاس (اللذين لم يصلّيا خلف أبي بكر!)، ورجلاه تخطّان الأرض، ليبيّن للكلّ بأنّه لم يُصدر ذلك الأمر مطلقاً، وأنّه غير راضٍ بذلك, وإنّما صدر ذلك منهم باجتهادهم ورغبتهم المخالفة لأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله).
خصوصاً لو أخذنا بنظر الاعتبار سؤال النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عن صلاة الناس وإقامتهم لها من عدمها، في كلّ مرّة يفيق فيها، ومحاولته الوضوء والخروج إليهم، وهو في تلك الحالة الصعبة قبل خروجه ذاك.

ويشهد لما قلناه هنا: ما رواه أحمد في (مسنده): عن ابن عبّاس، قال: ((لمّا مرض رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فقال: (ادعوا لي عليّاً).
قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر؟
قال: ادعوه.
قالت حفصة: يا رسول الله! ندعو لك عمر؟
قال: ادعوه.
قالت أُمّ الفضل: يا رسول الله! ندعو لك العبّاس؟
قال: ادعوه.
فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّاً، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)...))(36)، إلى آخر القصّة.

وهذه الرواية لو جمعناها مع قوله(صلّى الله عليه وآله) لنسائه: (إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف)(37)، وقول حفصة لعائشة: ((والله ما كنت لأُصيب منكِ خيراً))، كما يروي هذه الكلمات البخاري(38)، فإنّنا نفهم جيّداً من الذي أمر أبا بكر وعمر بالصلاة..
خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار اعتراض النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على إمامتهم تلك؛ فإنّه(صلّى الله عليه وآله) حين سمع صوت عمر يصلّي بهم (كما يروون)، قال: (يأبى الله ذلك والمؤمنون)(39)، وحين يسمع صوت أبي بكر يصلّي بهم يخرج يهادى بين رجلين ورجلاه تخطّان الأرض، ويجلس ويصلّي بهم، فكيف يتّفق عمل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) مع أمره وقوله ذاك؟!

فكلّ ذلك، من إنكار النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على نسائه، ووصفه لهنّ بأنّهنّ صويحبات يوسف(عليه السلام).. وردّ حفصة على عائشة وهي مغضبة، ومثبتة لنا إنكار النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليها.. وطلبه عليّاً(عليه السلام).. وسكوته حين أحضروا غيره.. وإنكاره الشديد على إمامة عمر.. وخروجه وهو بتلك الحالة للصلاة وعزل أبي بكر من إمامتهم بها.. ودوران الحديث على عائشة فقط؛ لأنّها هي الحاضرة الوحيدة عند النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، دون عمر، وأبي موسى، وابن عمر، وأنس، وبريدة، وغيرهم.. وهي من جاءت بأبيها حينما طلب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليّاً(عليه السلام).. وهي من أرسل بلالاً إلى أبي بكر لأمره بالصلاة بالناس.. وهي التي روت الرواية، وأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كان في بيتها أيّام مرضه كلّها.. وأنّها روت بأنّها طلبت من حفصة أن تطلب من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أن يصلّي أبيها للناس، فزجرهنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بتلك الكلمة.. وهي التي تروي بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، على شدّة مرضه وإغمائه لأكثر من مرّة حاول الوضوء والخروج للصلاة فيغمى عليه، ويحاول أُخرى حين يفيق، دون أن يطلب من أبي بكر الصلاة بدلاً عنه، وحينما يصلّي أبو بكر بالناس يخرج لهم وهو بتلك الحالة، ويصلّي بهم، ويعزله فعلاً وليس قولاً، كما فعل ذلك مع عمر..
كلّ ذلك يظهر جلياً موقف النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من هذه الصلاة، ومن هذا التخلّف عن البعث، وهذا التقدّم على الناس بلا إذن ولا أمر.. ويظهر أيضاً أنّ الأمر بالصلاة لم يخرج منه(صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه مناقض لكلّ ما بيّناه!

ومن هنا فنحن نرجّح كثيراً بأنّ عائشة هي من تصدّت لذلك، تمهيداً لأبيها، وتهيئة لما تواطؤوا عليه، وخشية من أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليّاً(عليه السلام) بالصلاة بالناس دون غيره، وبالتالي يثبت تقديمه(عليه السلام) على من سواه، ويتأكّد ما أراده(صلّى الله عليه وآله) وما بلّغه من نصوص تقديم عليّ(عليه السلام) وخلافته من بعده على كلّ مؤمن، والله العالم.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 102 ذيل كلامه (56) فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ(عليه السلام)، تهذيب التهذيب، لابن حجر 4: 197 ترجمة الأعمش، ميزان الاعتدال، للذهبي 1: 625 (2397) ترجمة خارجة بن مصعب.
(2) انظر: تاريخ الطبري 4: 199 - 200 أحداث سنة 51.
(3) انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 102 ذيل كلامه (56) فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ(عليه السلام).
(4) انظر: مسند أحمد بن حنبل 6: 34، 228 حديث عائشة، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 232، المصنّف، للصنعاني 5: 430 كتاب المغازي الحديث (9754)، صحيح البخاري 5: 140 كتاب المغازي باب مرض النبيّ(ص).
(5) انظر: قصّة التحكيم ودعوته لخذلان الإمام عليّ(عليه السلام)، في: تاريخ الطبري 4: 49 أحداث سنة 37، وانظر: أُسد الغابة 5: 309، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 14: 15.
(6) انظر: قصّة تركه البيعة لأمير المؤمنين(عليه السلام) والقتال معه، في: المعجم الأوسط، للطبراني 8: 18، المستدرك على الصحيحين 3: 115، الثقات، لابن حبّان 2: 270.
(7) انظر: حديث المناشدة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، في: حلية الأولياء، لأبي نعيم 5: 26، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 74.
(8) مسند أحمد بن حنبل 3: 202 مسند أنس.
(9) مسند أحمد بن حنبل 4: 412 - 413، صحيح البخاري 1: 165، صحيح مسلم 2: 25.
(10) صحيح البخاري 1: 166 كتاب الأذان باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، صحيح مسلم 2: 22.
(11) مسند أحمد بن حنبل 5: 361 حديث بريدة.
(12) صحيح البخاري 1: 162 - 176، و4: 122، و8: 145.
(13) صحيح البخاري 1: 165، و4: 122.
(14) صحيح البخاري 1: 166.
(15) صحيح البخاري 1: 166، و2: 60، و5: 141.
(16) صحيح البخاري 1: 165، 166، 176، و4: 122، و8: 145.
(17) صحيح البخاري 1: 162، 174، 175.
(18) صحيح البخاري 1: 162، 168.
(19) صحيح مسلم 2: 21 - 24.
(20) صحيح مسلم 2: 25.
(21) مسند أحمد بن حنبل 1: 209 حديث العبّاس بن عبد المطّلب، و231، 356 مسند عبد الله بن عبّاس.
(22) مسند أحمد بن حنبل 3: 202 مسند أنس.
(23) مسند أحمد بن حنبل 5: 361 حديث بريدة الأسلمي.
(24) مسند أحمد بن حنبل 4: 322 حديث عبد الله بن زمعة، سنن أبي داود 2: 405 الحديث (4660، 4661)، المستدرك على الصحيحين 3: 640 ذكر عبد الله بن زمعة.
(25) سنن النسائي 2: 74 كتاب الإمامة، ذكر الإمامة والجماعة، إمامة أهل العلم والفضل.
(26) سنن ابن ماجة 1: 390 الحديث (1234) باب ما جاء في صلاة رسول الله(ص) في مرضه، مجمع الزوائد 5: 182 كتاب الخلافة، باب الخلفاء الأربعة، منتخب مسند عبد بن حميد: 142 الحديث (365).
(27) الإصابة 3: 8 (3052).
(28) حاشية السندي على البخاري 1: 247 كتاب الأذان، باب إنّما جعل الإمام ليؤتم به.
(29) حاشية السندي على النسائي 2: 100 كتاب الإمامة، الائتمام بالإمام يصلّي قاعداً.
(30) المغازي 2: 1118 غزوة أُسامة بن زيد مؤتة، وأسقط منه أبا بكر!
(31) الطبقات الكبرى 2: 190 سرية أُسامة بن زيد بن حارثة.
(32) انظر: سيرة ابن هشام 4: 1056 بعث أُسامة بن زيد إلى أرض فلسطين، ولم يذكر نصّ ما أورده ابن حجر عن ابن إسحاق.
(33) انظر: المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك 4: 16 سنة إحدى عشرة، ومن الحوادث سرية أُسامة بن زيد بن الحارثة إلى أهل ابنى.
(34) انظر: تاريخ مدينة دمشق 2: 55 باب ذكر بعث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُسامة، وأسقط منه أبا بكر أيضاً!، و22: 4 (2607) سلمه بن أسلم بن حريش، وأسقط من أبا بكر أيضاً!
(35) فتح الباري 8: 115 - 116 باب بعث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه.
(36) مسند أحمد بن حنبل 1: 356 عن عبد الله بن العبّاس.
(37) مسند أحمد بن حنبل 6: 34، 96، 159 عن عائشة، سنن الدارمي 1: 39، صحيح البخاري 1: 162 - 176، و4: 122، و8: 145، صحيح مسلم 2: 22 - 25، سنن ابن ماجة 1: 390، سنن الترمذي 5: 276.
(38) صحيح البخاري 1: 165، 176، و8: 146، سنن الترمذي 5: 276.
(39) المصنّف، للصنعاني 5: 432، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 225.

باسم / الامارات
تعليق على الجواب (45)
أخي الكريم..
بعد الاطّلاع على ما كتبت، أودّ الإشارة إلى ما يلي:
أوّلاً: ذكرت أنّي وجدت 72 حديثاً، وليس طريقاً، وأراك تدرك الفرق بينهما.
ثانياً: أرجو الاختصار في إجاباتك وعدم التشعّب، حرصاً على حصر الخلاف.
ثالثاً: دليلك على جرح الرجال وطعن السند!!
وبعبارة أُخرى: من هم المطعونون، والدليل عليه؟ (لا بدّ من ذكر الذي طعن من أرباب الجرح والتعديل كما ادّعيت).
الجواب:

الأخ باسم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عند مطالعتنا لتعليقك الحالي, تنبّهنا إلى أنّنا لم نفهم أوّلاً مقصودك بلفظ (الحديث), فلا بأس أن توضّح لنا ما تريد!
وعلى كلّ، فإنّ عبارتك في سؤالك السابق كانت هكذا: ((لقد وجدت 72 حديثاً في كتب أهل السُنّة (10) منها في البخاري... الخ))، وهي ظاهرة في أنّ المقصود منها الاحتجاج بكثرة عدد الأحاديث, ففهمنا منها أنّك تريد عدد طرق الحديث؛ لأنّه هو المعيار في درجة اعتبار وحجّية الحديث, وليس تكراره في الكتب.
وعليه، فمهما كان مقصودك من لفظة (الحديث) غير تعدّد الطرق, فهو لا يؤثّر في البناء العلمي للاحتجاج في هذه القضية, ولا بأس أن تذكر لنا ما هو مرادك الأوّل من (72 حديثاً), فلعلّنا لا نختلف في ذلك المعنى المقصود..

ونودّ أن نذكر لك هنا مثالاً, فإنّ حديث الثقلين قد نقل بروايات كثيرة تبلغ العشرات في مختلف كتب الحديث، ولكنّك لا تجد أحداً يقول: أنّ في حديث الثقلين كذا عدد من الأحاديث، بل يقول مثلاً: وجدت حديث الثقلين بكذا عدد من الروايات (لاحظ: الروايات), ومع ذلك فكثرة الروايات لا تزيد في الاعتبار شيء، بل المؤثّر في ذلك: عدد طرق هذه الروايات, وبصورة أدق: عدد رواة الحديث مباشرة عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) مثلاً؛ فلاحظ.

وأمّا عن طلبك في الكلام عن جرح رجال أسانيد حديث صلاة أبي بكر، فهو يحتاج إلى رسالة مستقلّة وقد ألّفها: العلاّمة السيّد علي الميلاني, وهي بعنوان: (رسالة في صلاة أبي بكر في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله))؛ فراجع!
ودمتم في رعاية الله


ابو روح الله / البحرين
تعليق على الجواب (46)
إذا كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أنفذ جيش أُسامة قبل وفاته، فمن الذين كانوا في الصلاة خلف أبي بكر (بناءً على صحّة أصل وجود الحادثة)؟
هذه التشكيكات في أصل حدوث هذه الصلاة يجعلنا نقطع بعدم حصولها، وإنّما هي مسائل موضوعة، وكذلك لماذا لم يستشهد بها أبو بكر في يوم السقيفة، وكان بحاجة إلى أي حجّة ليحتج بها آنذاك؟
الجواب:

الأخ أبا روح الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بعث في جيش أُسامة وجوه المهاجرين والأنصار، أي مَن كان له مكانة في المجتمع، والغرض من ذلك: أن يخلي المدينة من معارض لعليّ(عليه السلام)، ولكنّهم عصوا أمره ورجعوا، لمّا عرفوا هدف النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وبقي في المدينة من لم يبعثه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الجيش.

وأمّا تقدّم أبو بكر للصلاة وخروج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لتنحيته، فالظاهر ثبوته.
وأمّا الاستشهاد بها في السقيفة، فقد نقل ذلك عن عمر، ولكن لم يثبت لنا وقوعه على التحقيق.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » صلاة جماعته المزعومة (2)


علي / لبنان
السؤال: صلاة جماعته المزعومة (2)
هل هناك دليل واضح على تنحية الرسول(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر عن صلاة الجماعة المزعومة من كتب السُنّة؟ وفي حال وجد، ما هو الحديث؟
الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يمكن أن يقال في ردّ من يحاول الاستدلال بصلاة أبي بكر بالناس في مرض موت النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على الخلافة:
أوّلاً: ليست إمامة الجماعة لدى أهل السُنّة منصباً خطيراً ومهماً، أو قيادة شعبية، أو دينية في عرف الإسلام، ولذلك روي في كتبهم القول: (صلّوا خلف كلّ برّ وفاجر)(1)، ولو صحّ أنّ ابن أبي قحافة أمَّ الناس، فلا يكون ذلك كاشفاً حسب الموازين التي يعترفون بها لإمامة الجماعة أنّ الرجل ذو أهلية ويحمل مزية يصلح بها للزعامة الدينية والسياسية، بل جملة منهم لا يشترطون البلوغ في إمام الجماعة(2).

ثانياً: إنّ سحب رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، بأمر من الله، آيات من سورة البراءة، التي كان أبو بكر مكلّفاً منه(صلّى الله عليه وآله) بقراءتها على الناس في موسم الحجّ، لأكبر شاهد على أنّ أبا بكر لا يصلح للقيادة والزعامة(3)، وكذلك فشله في فتح قلعة خيبر(4).

ثالثاً: إنّ الروايات التي رويت من طرق أبناء العامّة في هذا الشأن مختلفة ومتباينة في صلب الموضوع، بحيث لا يمكن القول بأنّها تحكي عن معنى واحد..

وإليك بعضاً ممّا أورده ابن كثير في (البداية والنهاية): روى أحمد بسنده: ((عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد، قال: لمّا استعزّ برسول الله وأنا عنده في نفر من المسلمين دعا بلال للصلاة، فقال: (مروا من يصلّي بالناس). قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالناس. قال: فقام، فلمّا كبّر عمر سمع رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) صوته، وكان عمر رجلاً مجهراً، فقال رسول الله: (فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون). قال: فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعدما صلّى عمر تلك الصلاة، فصلّى بالناس...))، إلى آخر الرواية.

وأبو داود من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن زمعة أيضاً، قال: ((لمّا سمع النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) صوت عمر، قال ابن زمعة: خرج النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) حتّى أطلع رأسه من حجرته، ثمّ قال: (لا لا لا يصلّي للناس إلاّ ابن أبي قحافة)، يقول ذلك مغضباً)).

نقول: ورويت قصّة الصلاة بنحو آخر في البخاري عن عائشة أوردها ابن كثير أيضاً:
((قال الأسود: كنّا عند عائشة، فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها. قالت: لمّا مرض النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذّن بلال، فقال: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، فقيل له: إنّ أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: (إنّكنّ صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، فخرج أبو بكر، فوجد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في نفسه خفّة، فخرج يهادى بين رجُلين، كأنّي أنظر إلى رجليه تخطّان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخّر، فأومأ إليه النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أن مكانك، ثمّ أتي به حتّى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) يصلّي وأبو بكر يصلّي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم)).

وقال ابن كثير: ((وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة من طرق متعدّدة، عن الأعمش به، منها ما رواه البخاري عن قتيبة، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى عن معاوية به)).
فينبغي أن تلتفت أيّها الناظر: أنّ هذا الخبر مع هذه التأكيدات في السند إنّما يثبت إمامة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، واقتداء أبي بكر به(صلّى الله عليه وآله)، ودعوى أنّ أبا بكر كان إمام الناس لا تعقل؛ إذ يعني ذلك أنّ هناك إمامين في صلاة واحدة شخصية!!

وقال ابن كثير: ((وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنّها قالت: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال في مرضه: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس). قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، أنّها قالت: لقد عاودت رسول الله في ذلك، وما حملني على معاودته إلاّ أنّي خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، وإلاّ أنّي علمت أنّه لن يقوم مقامه أحد إلاّ تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبي بكر إلى غيره))..
ملاحظة: أترى أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كان يريد أن يتشاءم به الناس، وعائشة لا تريد ذلك؟!!

ونقل ابن كثير قصّة عن أحمد بشكل الصلاة بطريق آخر مختلف عمّا تقدّم، مع ما تقدّم من التباين والاختلاف:
((عن عبيد الله بن عبد الله، قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)؟ فقالت: بلى، ثقل برسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وجعه، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: (صبّوا إليَّ ماءً في المخضب)، ففعلنا، قالت: فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: (ضعوا لي ماءً في المخضب)، ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمى عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: (ضعوا لي ماءً في المخضب)، ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، فقال: يا عمر! صلّ بالناس، فقال: أنت أحقّ بذلك، فصلّى بهم تلك الأيام، ثمّ إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وجد خفّة، فخرج بين رجلين، أحدهما العبّاس، لصلاة الظهر، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه أن لا يتأخّر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، وجعل أبو بكر يصلّي قائماً، ورسول الله يصلّي قاعداً... إلى أن قال ابن كثير: وفي رواية: فجعل أبو بكر يصلّي بصلاة رسول الله وهو قائم، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر ورسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قاعد...)).

ونقل عن أحمد أيضاً بسنده: ((عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثمّ وجد خفّة فخرج، فلمّا أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر)).
وقال ابن كثير: ((ثمّ رواه أيضاً عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم، عن ابن عبّاس، بأطول من هذا. وقال وكيع مرّة: فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، والناس يأتمون بأبي بكر)).
نقول: وروى رواية أُخرى تعطي عكس ذلك..

قال: ((وقد قال الإمام أحمد: ثنا شباب بن سوار، ثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه)).
ونقل رواية أُخرى عن البيهقي بسنده عن أنس: ((آخر صلاة صلاّها رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مع القوم في ثوب واحد ملتحفاً به خلف أبي بكر))(5).
وهكذا روايات متعدّدة، لن تجد روايتين منها تتّفق في المعنى، فضلاً عن اللفظ، وذلك دليل على اختلاق القصّة! أو تحريفهم لها لإخفاء حقائقها.

والذي روي عن طريق الخاصّة:
ما في (خصائص الأئمّة(عليهم السلام)) للشريف الرضي، و(الطُرف) لابن طاووس، والنصّ منه، عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، يرويه عيسى الضرير:
قال عيسى: وسألته: قلت: ما تقول فإنّ الناس قد أكثروا في أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثمّ عمر.
فأطرق(عليه السلام) عنّي طويلاً، ثمّ قال: ليس كما ذكروا، ولكنّك يا عيسى كثير البحث عن الأُمور وليس ترضى عنها إلاّ بكشفها.
فقلت: بأبي أنت وأُمّي، إنّما أسأل منها عمّا انتفع به في ديني، وأتفقّه، مخافة أن أضلّ، وأنا لا أدري، ولكن متى أجد مثلك أحداً يكشفها لي؟

فقال: إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لمّا ثقل في مرضه، دعا عليّاً(عليه السلام) فوضع رأسه في حجره وأُغمي عليه، وحضرت الصلاة، فأُذن بها، فخرجت عائشة فقالت: يا عمر! اخرج فصلّ بالناس، فقال: أبوك أولى بها. فقالت: صدقت، ولكنّه رجل ليّن وأكره أن يواثبه القوم، فصلّ أنت. فقال لها عمر: بل يصلّي هو، وأنا أكفيه إن وثب واثب، أو تحرك متحرّك. مع أنّ محمّداً مغمى عليه لا أراه يفيق منها، والرجل مشغول به لا يقدر أن يفارقه - يريد عليّاً(عليه السلام) - فبادر بالصلاة قبل أن يفيق، فإنّه إن أفاق خفت أن يأمر عليّاً بالصلاة، فقد سمعت مناجاته منذ الليلة، وفي آخر كلامه: (الصلاة الصلاة).

قال: فخرج أبو بكر ليصلّي بالناس، فأنكر القوم ذلك، ثمّ ظنّوا أنّه بأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فلم يكبّر حتّى أفاق(صلّى الله عليه وآله)، وقال: (ادعوا إليَّ العبّاس)، فدعي، فحملاه هو وعليّ(عليه السلام) فأخرجاه حتّى صلّى بالناس وإنّه لقاعد، ثمّ حُمل فوضع على منبره، فلم يجلس بعد ذلك على المنبر، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، حتّى برزن العواتق من خدورهنّ، فبين باكٍ وصائح وصارخ ومسترجع، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) يخطب ساعة، ويسكت ساعة. وكان ممّا ذكر في خطبته، أن قال:
(يا معشر المهاجرين والأنصار! ومن حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجنّ والإنس! فليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا قد خلّفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى والبيان، ما فرط الله فيه من شيء، حجّة الله لي عليكم، وخلّفت فيكم العلَم الأكبر، علم الدين، ونور الهدى، وصيّي عليّ بن أبي طالب، ألا وهو حبل الله فاعتصموا به جميعاً ولا تفرقوا عنه، (( وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَاناً )) (آل عمران:103)..

أيّها الناس! هذا عليّ بن أبي طالب كنز الله اليوم وما بعد اليوم، من أحبّه وتولاّه اليوم وما بعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه الله وأدّى ما وجب عليه، ومن عاداه اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى وأصمّ، ولا حجّة له عند الله)...(6) إلى آخر الرواية.
فقد اتّضح لك أيّها الأخ الكريم تضارب روايات القوم في هذه القصّة، وأنّه دليل على أنّها مختلقة أو محرّفة، وقد قلنا: أنّه إن ثبتت لم يكن في ذلك فضل لأبي بكر ما دام حكم القوم في إمام الجماعة ما قد عرفت.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: سنن أبي داود 1: 143 الحديث (594) باب إمامة البرّ والفاجر، و569 الحديث (2533) باب في الغزو مع أئمّة الجور، سنن الدارقطني 2: 44 الحديث (1747، 1750)، السنن الكبرى، للبيهقي 4: 19 باب الصلاة على من قتل نفسه غير مستحل لقتلها).
(2) انظر: المجموع، للنووي 4: 249 فرع في مذاهب العلماء في صحّة إمامة الصبي للبالغين.
(3) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 3 عن أبي بكر، و151 عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، المستدرك على الصحيحين 3: 51، مسند أبي يعلى 1: 100 الحديث (104)، سنن الترمذي 4: 339 الحديث (5086) أبواب تفسير القرآن، سورة التوبة، سنن الدارمي 2: 67 كتاب المناسك، خطبة الموسم.
(4) مجمع الزوائد، للهيثمي 9: 124 كتاب المناقب، باب في قوله(ص): (لأعطين الراية رجلا...)، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 497 كتاب الفضائل، باب (18)، و8: 522 كتاب المغازي، باب (33)، المستدرك على الصحيحين 3: 37، المعجم الكبير، للطبراني 7: 35، تاريخ مدينة دمشق 42: 89، السيرة النبوية، لابن هشام 3: 797، تفسير الثعلبي 9: 50، الدرر، لابن عبد البرّ: 198.
(5) انظر: البداية والنهاية 5: 252 - 255 أحداث سنة 11، ذكر أمره (عليه السلام) أبا بكر أن يصلّي بالناس.
(6) طرف من الانباء والمناقب: 171 الطرفة العشرون، خصائص الأئمّة: 73 خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام)، عائشة تأمر عمر بالصلاة في الناس، بحار الأنوار 22: 485 أبواب ما يتعلّق بارتحاله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عالم البقاء، باب وصيّته عند قرب وفاته.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » حديث عائشة في النصّ على أبي بكر


اميرة محمد / السعودية
السؤال: حديث عائشة في النصّ على أبي بكر

يوجد حديث بحثت فيه بشتّى الوسائل لاحتواء، جميع مضامينه ومعانيه من كتب الأخوة السُنّة، ولكن للأسف الشديد لم أجد ما يشفي غليلي.. ويا حبّذا لو أفدتموني بمصدر معيّن والتعقيب عليه..
وهو كالتالي: (صحيح البخاري) كِتَاب المَرضَى، باب: قَولِ المَرِيضِ إِنِّي وَجِعٌ أَو وَا رَأسَاه... رقم الحديث: 52634 (حديث مرفوع): ((حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ يَحيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ, أَخبَرَنَا سُلَيمَانُ بنُ بِلالٍ, عَن يَحيَى بنِ سَعِيدٍ, قَالَ: سَمِعتُ القَاسِمَ بنَ محمّد, قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ وَا رَأسَاه, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ): (ذَاكِ لَو كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَستَغفِرَ لَكِ وَأَدعُو لَكِ), فَقَالَت عَائِشَةُ: وَا ثُكلِيَاه، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوتِي، وَلَو كَانَ ذَاكَ لَظَلِلتَ آخِرَ يَومِكَ مُعَرِّساً بِبَعضِ أَزوَاجِكَ, فَقَالَ النبيّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ): (بَل أَنَا وَا رَأسَاه, لَقَد هَمَمتُ أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلتُ: يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)).

الحديث مرويّ في البخاري في باب قول المريض: إنّي وجع، أو وا رأساه... في كتاب المرضى.. وأيضاً ذكر مرّة أُخرى في باب الاستخلاف.. كتاب الأحكام.. وفي نفس الباب حديث رزية الخميس..وو.
فهنا عائشة تقسم بالله بأنّ الرسول يحبّ موتها.. ويترجّاه.. فيا ترى هل من سبب يدعوها أنت تتأكّد من ذلك؟
ألذنب سترتكبه بعد وفاته حتّى يقول لها: (ذلك لو كان وأنا حيّ فاستغفر لك وأدعو لك...)؟
ولِمَ قال لها النبيّ.. لو.. ولم يذكر استغفاره لها على وجه التأكيد؟
فنحن نعلم أنّ المصرّ على المعصية وهو عارف لا ينفعه استغفار ولا يتوفّق للتوبة إن تعمّد وقصد المعصية وعاند فيها.. بعكس إن كان على جهل أو زلّة.. أو إن صدرت عنه التوبة النصوح.. فلِمَ لم يتأكّد استغفار الرسول لعائشة، بل جاء على التمنّي؟

ثمّ ما شأن عائشة إن تزوّج النبيّ غيرها، أو لم يتزوّج، فبأيّ سلطة؟ وهذا خارج عن الحدود الأخلاقية للتخاطب مع النبيّ الأكرم ومعارضته والتسلّط في أمر ليس من شأنها؟
وهنا نقطة توقّف! وماذا يقصد (صلّى الله عليه وآله) من قوله: (لَقَد هَمَمتُ أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلتُ: يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)؟

الجواب:

الأخت أميرة المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحديث يبحث عن دلالته إذا كان صادراً عن المعصوم, والحديث المذكور بانفراد راويه وإرساله وركاكة تعبيره ومعارضته بما هو متواتر ينبأ أنّه حديث موضوع, فلا داعي للبحث عن دلالته!

بل الأجدر بيان نقاط الخلل في الحديث من حيث الدلالة التي تقدح بصحّة صدور الحديث - وإغضاء الطرف عمّا في سنده بعد أن التزم أهل السُنّة على أنفسهم بصحّة ما في البخاري ومسلم وسدّوا باب المناقشة في أسانيد روايتهما - نعم يمكن إلزام المخالفين ببعض مضامينه حتّى لو كانت المضامين الأُخرى غير مقبولة، وذلك في مجال المناظرة والجدل.

وأمّا المقصود من قوله(صلّى الله عليه وآله): (لقد هممت...الخ)، فإنّ عائشة - أو من وضع الحديث - تريد أن توحي بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أراد أن يوصي بالخلافة لأبي بكر! ولكن هذا خلاف إجماعهم بأنّه لم يوص لأحد. وإنّ أصحاب سقيفة بني ساعدة لم يذكروا شيئاً من ذلك في احتجاجهم على الأنصار أو في ردّهم على عليّ(عليه السلام) لمّا أبى البيعة ودخل داره. ثمّ إنّه لا ربط له بأوّل الحديث، وإن حاول الشرّاح ربطه بالتعسّف.
ويبقى السؤال: لماذا يكتفي رسول الله(صلّى الله عليه وآله) باستشهاد أبي بكر أو ابنه فقط دون غيره من كبار المسلمين؟! من دون جواب.
ودمتم في رعاية الله


ابو محمد / اليمن
تعليق على الجواب (47)
ردّ الحديث بدعوى الركاكة بدون إثبات ذلك من العبث, وإلاّ فقد صرّح بعضهم بركاكة بعض الآيات في القرآن بدون دليل.
وأمّا قوله: (لَقَد هَمَمتُ، أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلتُ يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)، فهذا فيه من علم الغيب الذي أخبره الله به, وهو أنّه سيتولّى على الناس.
فقد جاء في لفظ آخر عن عائشة(رضي الله عنها)، قالت: ((قال لي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في مرضه: (ادعي لي أبا بكر وأخاك - يعني عبد الرحمن - حتّى أكتب كتاباً، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر) )).
وهذا فيه إشارة قويّة, ولكنّه ترك ذلك لأنّه علم بأنّ الأمر سيكون له كما جاء: (ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر).
الجواب:

الأخ أبا محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم، يكفي في ردّ هذا الحديث المزعوم ما فيه من ركاكة..
فإنّه من أكثر الأحاديث التي وقع الترديد في عباراتها، فضلاً عمّا في أوّله من محاولة الترقيع، إذ أيّ ربط بين صداع الرأس وتوقّع موت عائشة حتّى يقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (لو كان وأنا حيّ...) الخ، فإنّه نادر المصادفة، إلاّ إذا كان محاولة غير مباشرة من واضع الحديث لربطه مع مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله) آخر حياته وموته(صلّى الله عليه وآله)، ومقدّمة وتهيئة للفقرة المحورية في آخره المتضمّنة لإرادة كتابة العهد لأبي بكر، حتّى تتمّ المعارضة به لحديث الكتف والدواة المعروف الصحيح المشهور والمرويّ في صحاحهم.

قال ابن أبي الحديد في معرض ذكره لوضع البكرية للأحاديث: ((ونحو: (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان)، ثم قال: (يأبى الله تعالى والمسلمون إلاّ أبا بكر)، فإنّهم وضعوه في مقابلة الحديث المرويّ عنه في مرضه: (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبداً)، فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله...))(1).

وقال الأميني(رحمه الله): ((هذه صورة ممسوخة من حديث الكتف والدواة المرويّ بأسانيد جمّة في الصحاح والمسانيد، وفي مقدّمها الصحيحان، حوّلوه إلى هذه الصورة لمّا رأوا الصورة الصحيحة من الحديث لا تتمّ بصالحهم، لكنّها الرزية كلّ الرزية كما قاله ابن عبّاس في الصحيح، فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) منع في وقته عن كتابه ما رامه من الإيصاء بما لا تضلّ الأُمّة بعده، وكثر هناك اللغط، ورمي (صلّى الله عليه وآله) بما لا يوصف به، أو قال قائلهم: إنّ الرجل ليهجر، أو: إنّ الرجل غلبه الوجع. وبعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) قلبوا ذلك التاريخ الصحيح إلى هذا المفتعل وراء أمر دُبّر بليل))(2).
فضلاً عن أنّه معارض بما روته عائشة نفسها في الصحيح بأنّ: (أوّل ما اشتكى رسول الله في بيت ميمونة)(3)، لا في بيتها.

وأمّا الترديد الواقع في عباراته مع ما فيه من نسبته إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وهو ما لا يمكن قبوله:
فأوّله: قوله(صلّى الله عليه وآله): (لقد هممت، أو أردت)، فإن كان من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فهو لا يليق به، خاصّة أنّه إذا أراد شيئاً فلا يرجع عنه إلاّ لمانع يمنعه خارج عنه، وإن كان من الراوي، كما قالوا(4)، فهو وهن في الرواية.

وثانيه: قوله(صلّى الله عليه وآله): (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه)، قال ابن حجر: ((ووقع في رواية مسلم (أو ابنه) بلفظ (أو) التي للشكّ، و(أو) للتخيير، وفي أخرى (أو آتيه) بهمزة ممدودة بعدها مثنّاة مكسورة ثمّ تحتانية ساكنة، من الإتيان بمعنى المجيء))(5).
وقال القاضي عياض: ((وفي رواية أبي ذرّ الهروي (أو ابنه) مكان (أبيه)))(6).
وفي رواية ابن عساكر بسنده: (أردت أن أرسل إلى أبي بكر أو ابنه)(7).
ومن ثمّ روى أحمد: ((قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه...))(8).
وروى أبو داود: ((إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال لعائشة: ادع لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه بعدي...))(9).
فأيّ معنى لاستدعاء أبي بكر وابنه فقط من قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في أمر مهم يتوقّف عليه مستقبل الإسلام، وهو كتابة العهد لمن بعده؟! فأين المهاجرين الأوّلين وزعماء الأنصار حتّى يُشهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) شخصاً قضى أكثر عمره كافراً، ولم يسلم إلاّ قريباً؟! أو أنّ عائشة أشهدت أحد أهلها حتّى لا يكذّبها بما لم يقع أصلاً؟!!

وثالثه: قوله(صلّى الله عليه وآله): (أن يقول القائلون أو يتمنّى المتمنّون)، وفيه من الركاكة إضافة للترديد؛ أنّ التمنّي يكون قبل القول، لأنّه يترقّى للقول بعد التمنّي، ولكنّه جعل القول قبل التمنّي هنا.
وأيضاً، إنّه إذا كان الغرض من كتابة العهد هو المنع من قول القائل وتمنّي المتمنّي، فلماذا لم يكتبه النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟ بعد وضوح أنّ ما جعل علّة لعدم الكتابة، وهو قوله(صلّى الله عليه وآله): (يأبى الله...) الخ، لم يكن مانعاً من القول والتمنّي، فقد قال عليّ(عليه السلام) أنّه الأحقّ بالخلافة، وتمنّى سعد بن عبادة ذلك، ثمّ إنّ معناه المفترض لا يتمّ إلاّ بالتقدير، فإنّ القائل يقول ماذا؟ والمتمنّي يتمنّى ماذا؟

ورابعه: قوله(صلّى الله عليه وآله): (يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)، وهو الأشنع في وقوع الترديد! ونسبته للراوي(10) يوهن الرواية.

ثمّ إنّ فيه من الركاكة:
أ - هل المراد من إباء ودفع الله والمؤمنين إباء ودفع القول والتمنّي، ولذلك لم يكتب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟ فقد قلنا أنّ ذلك لم يحصل، بل وقعا معاً.

ب - هل المراد من الإباء الإباء التشريعي، أم الإباء التكويني؟
فإذا كان المراد الإباء التشريعي، يعني أنّ الله لا يرضى إلاّ بخلافة أبي بكر ولا يرضى الخلاف فيها، فإنّ ذلك لا يمنع من كتابة العهد، لأنّ المكلّفين مختارين مقابل التشريع، وكثيراً ما يحصل العصيان، ومع ذلك وقع عدم القبول من قبل أشخاص لا يتطرّق الشكّ في إيمانهم وطاعتهم، كعليّ وفاطمة(عليهما السلام)، فضلاً عن بني هاشم، وسعد بن عبادة، وغيرهم.
وإن كان المراد الإباء التكويني وأنّه لا يقع الخلاف خارجاً، فقد عرفت أنّه تخلّف ووقع الخلاف، ولا يمكن نسبة من وقع منهم الخلاف ودفعوا خلافة أبي بكر إلى عدم الإيمان.

ج - أو أنّ المراد: يأبى الله إلاّ وقوع خلافة أبي بكر في الخارج، ولكنّه على هذا سوف لا يتّسق مع ما بعده وهو (ويدفع المؤمنون)، فما معنى: (ويدفع المؤمنون إلاّ خلافة أبي بكر)؟ إذ يدفعون ماذا؟
وإذا قيل: يدفعون الخلاف في خلافة أبي بكر فسوف يتعارض مع التقدير الأوّل، لأنّ التقدير لا بدّ وأن يكون واحد في الاثنين، فيقدّر (يأبى الله وقوع الخلاف في خلافة أبي بكر)، فيأتي فيه الاحتمالان الأوّلان.

وأمّا إذا قيل: إنّ الصحيح (يدفع الله ويأبى المؤمنون)، فلا بدّ أن يكون المراد (يدفع الله الخلاف)، وقد قلنا أنّ الله لم يدفعه فقد وقع من عليّ(عليه السلام)، وسعد، وغيرهما.
ومنه يظهر أنّ كلّ فقرات الحديث لا يتمّ معناها المفترض إلاّ بتكلّف وتقدير وتأويل، وهذا هو المراد بالركاكة، إذ يبعد ذلك في كلام أفصح من نطق بالضاد.
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة 11: 49 (203) فصل فيما وضع الشيعة والبكرية من الأحاديث.
(2) الغدير 5: 340 سلسلة الموضوعات في الخلافة.
(3) صحيح مسلم 2: 21 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها.
(4) انظر: فتح الباري 10: 106 باب ما رخص للمريض أن يقول إنّي وجع.
(5) فتح الباري 10: 106 باب ما رخّص للمريض أن يقول إنّي وجع، وانظر: عمدة القاري، للعيني 21: 223 الحديث (5666).
(6) إكمال المعلم بفوائد مسلم 7: 390 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.
(7) تاريخ مدينة دمشق 30: 266 (3398) ترجمة أبي بكر.
(8) مسند أحمد بن حنبل 6: 27 حديث السيّدة عائشة.
(9) مسند أبي داود الطيالسي: 210 ابن أبي مليكة عن عائشة.
(10) انظر: عمدة القاري، للعيني 21: 223 الحديث (5666).

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ردّ استدلالهم على خلافته بالقرآن الكريم


اسد حيدر / العراق
السؤال: ردّ استدلالهم على خلافته بالقرآن الكريم
في بحثي في أحد المواقع الالكترونية وجدت موضوعاً يحمل عنوان (دليل خلافة أبي بكر من القرآن):
قوله تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمناً يَعبُدُونَنِي لا يُشرِكُونَ بِي شَيئاً وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ )) (النور:55).
هذه الآية الكريمة لهي أوضح دليل وأصدق برهان على صحّة خلافة أبو بكر، وكذلك إيمانه ليس هو وحده، بل أيضاً عمر وعثمان، فقد كتب الله الاستخلاف والتمكين في الأرض لهم بعد موت النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، ولا يستطيع من يملك مُسكة عقل أن ينكر ذلك ويدّعي أنّ الله لم يكتب التمكين والاستخلاف لهؤلاء الثلاثة، وعلى جميع الأصحاب, وهذه الآية يُلحق بها جميع أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، فقد كتب الله لهم التمكين في الأرض، ويسّر الله لهم العبادة له بلا خوف، وبأمان ما بعده أمان.
وهناك أدلّة من القرآن كثيرة استدلّ بها علماء أهل السُنّة على صحّة خلافة أبو بكر، ولكنّي اكتفيت بهذه الآية لأنّها أوضح الآيات.
الجواب:
الأخ أسد حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا بدّ من التفريق بين الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف، وبين من يستولي على الحكم بالظلم والاضطهاد! فليس كلّ من خَلَف ولو بالظلم هو ممّن وعد بالاستخلاف، بل العكس هو الصحيح، وهو الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولو صحّ أنّ كلّ من يستولي على الحكم هو الموعود بالخلافة، فإنّ هذا يصحّح حكم جميع الظلمة والطغاة إلى اليوم، بل وحتّى الكفّار والمشركين، لأنّهم وصلوا إلى الحكم، وهذا ما لا يقوله أحد.
ودمتم في رعاية الله

عثمان
تعليق على الجواب (48)
نقول نحن أهل السُنّة والجماعة: هل تعتقدون أنّ أخذ أبي بكر للخلافة عنوة أقوى من وعد الله للذين آمنوا (والذين) أبو بكر ليس واحد منهم! تعالى الله عمّا تصفون، بل هو منهم وخيرهم.
الجواب:
الأخ عثمان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اتّفق الأُصوليون على أنّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية محل منع, فإثبات كون أبو بكر من الذين آمنوا طبقاً لهذه الآية: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم... )) (النور:55), هو تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية, لأنّ إثبات الإيمان بعد اغتصاب الخلافة هو أوّل الكلام! فعليك أن تبرئ ساحة أبي بكر من اغتصاب الخلافة في البدء، حتّى يمكن لك بعد ذلك أن تقول بإيمانه.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » دعوى نصوص وردت عن الإمام عليّ(عليه السلام) في مبايعته


ياسين / الجزائر
السؤال: دعوى نصوص وردت عن الإمام عليّ(عليه السلام) في مبايعته

إن كان أحد قد توهّم أنّ نص القرآن بفضل أبي بكر وما ذكرناه من إمامة أبو بكر(رضي الله عنه) لا علاقة له بأحقّيته في الخلافة، فإنّ عليّ(رضي الله عنه) قد تكفّل في الردّ على هذا الزعم.

فقد قال عليّ(رضي الله عنه) عن الخلافة في كتاب (نهج البلاغة)، وهو أصدق الكتب عندكم: (وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ بها - أي بالخلافة - إنّه لصاحب الغار. وإنّا لنعرف سنّه. ولقد أمرنا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بالصلاة خلفه وهو حيّ).(نهج البلاغة، تحقيق العالم الشيعي الشريف الرضي 1/132).

ويقول عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، وهو يذكر بيعته لأبي بكر: (... فمشيت عنـد ذلك إلى أبـي بكر فبـايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ الباطل وزهق، وكانت (كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون)، فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، فيسر وسدّد، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً).(الغارات للثقفي 2/305).

الجواب:

الأخ ياسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا دعواك أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد قال في أبي بكر: (إنّا لنرى أبا بكر أحقّ بها...) الخ، وقد نسبت ذلك إلى كتاب (نهج البلاغة) وهو أصدق الكتاب عندنا بعد كتاب الله تعالى.

فنقول: إنّ إثبات هذه النسبة من هذا الكتاب دونها خرط القتاد، فهي ليست من أصل كتاب (نهج البلاغة) للشريف الرضي، وإنّما نقلها ابن أبي الحديد في شرحه عن الجوهري(1)، بل هي رواية ترويها كتب أهل السُنّة(2)، ولا حجّية لها عندنا، ولا يصحّ الاحتجاج بها علينا!

وأمّا النص الذي أوردته عن (الغارات) من خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام)(3)، فكان الأُولى بكم الاستفادة من الخطبة برمّتها، لا اقتطاع جزء منها، تريدون تسويقه لمرامكم! فالخطبة موجودة في مصادر مختلفة، وفيها دلالات وبيانات واضحة من أمير المؤمنين(عليه السلام) على تنصيبه(عليه السلام) من قبل الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) إماماً وخليفة، وأنّ الخلافة هي ميراثه من النبيّ(صلّى الله عليه وآله)!

فانظر إلى قوله في الخطبة: (أأنا أحرص إذا طلبت تراثي وحقّي الذي جعلني الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) أولى به...)(4)، وتصريحه(عليه السلام) بأنّه لم يبايع أبا بكر إلاّ لخوفه على الإسلام من ارتداد من ارتدّ من العرب، لا لأنّه أهل للإمامة، وإلاّ لبايعه قبل ذلك - ولك أن تراجع (صحيح البخاري/ باب غزوة خيبر)(5) لتعرف أنّ الإمام(عليه السلام) بايع بعد ستّة أشهر من وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) - وفي هذه الخطبة صرّح(عليه السلام) بأنّ الذي دعا القوم إلى منعه من الخلافة علمهم أنّه إذا وليها لن ينالوها أبداً، وإذا كانت في غيره رجوا تداولها بينهم؛ فراجع وتدبّر!
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة 2: 50 (26) حديث السقيفة، و 6: 48 (66) ما روي من أمر فاطمة مع أبي بكر.
(2) انظر: المستدرك على الصحيحين 3: 66 كتاب معرفة الصحابة، السنن الكبرى، للبيهقي 8: 152 باب ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهل للخلافة بعده.
(3) الغارات 1: 307 رسالة أمير المؤمنين(عليه السلام) لأصحابه بعد مقتل محمّد بن أبي بكر.
(4) المصدر نفسه.
(5) صحيح البخاري 5: 82 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.

حمد / الامارات
تعليق على الجواب (49)
لدينا كثير من الأدلّة حول انقلاب الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر بن أبي قحافة في أخذ الشرعية من عليّ(عليه السلام) بشكل خاصّ وآل محمّد بشكل عام.
وسؤالي هو: لماذا يوجد هذا الإجماع الكبير من المسلمين غير الشيعة الإمامية من ذاك الوقت، وحتّى يومنا هذا حول صحّة خلافة أبو بكر, هذا بالإضافة إلى أنّ البعض يقول: بولاية عليّ(عليه السلام) الدينية وخلافة أبي بكر السياسية, أو ليس مبايعة أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد ستّة أشهر ملزمة لنا، كون أصحابه وأهل بيته قد بايعوا أبا بكر بعدها، ونحن علينا أن نمضي قدماً كما فعل عليّ وأصحابه، أو ليس سكوت عليّ(عليه السلام) يوجب سكوتنا؟
الجواب:

الأخ حمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الإجماع الذي ادّعيت وجوده على خلافة أبي بكر لم يثبت! لا في أوّل خلافته، ولا في القرون التي تلته، وإنّما هي دعوى تمسّك بها أهل السُنّة لتصحيح خلافته عندما أعوزتهم الدلائل.
إذ كيف يدّعى الإجماع وقد خالف عليّ(عليه السلام)، وبني هاشم، وبعض الصحابة، وقسم من الأنصار مع سعد بن عبادة؟! هذا في أوّل الأمر، حيث لم يتميّز المسلمين إلى فرقتين شيعة وسُنّة، وأمّا بعد ذلك فإجماع أهل السُنّة لايغني شيئاً! لأنّهم شطر من المسلمين مقابل الشيعة، ولا حجّة في إجماع قسم من المسلمين، أو مذهب من المذاهب على غيرهم! مع أنّ غالبية المسلمين الذين يعتقدون صحّة خلافة أبي بكر في القرون المتوالية قد غيّبت عنهم الحقيقة بفعل علماء السوء وسلاطين الجور، بالإضافة إلى الجهل المطبق الذي يرزح تحته أغلبية أُولئك المسلمين.

وذلك الجهل الذي في نحو من أنحائه جعل شطراً من الدارسين لا يفهمون مرامي ودلالات كلام رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في نصوص تنصيبه لعليّ(عليه السلام) إماماً وخليفةً للمسلمين، وأصبحوا بتأثير بيئتهم وثقافتهم يفسّرون كلامه(صلّى الله عليه وآله) بولاية عليّ(عليه السلام) على أنّه ولاية دينية لا سياسية، وافترضوا من عند أنفسهم وجود افتراق بين الولايتين في الإسلام، مع أنّ ولاية رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في حياته والتي أثبتها لعليّ(عليه السلام) بعد وفاته لم تكن إلاّ ولاية واحدة شاملة، إذ قال(صلّى الله عليه وآله) في يوم غدير: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، فأثبت ولاية نفسه(صلّى الله عليه وآله) عليهم لعليّ(عليه السلام)، ولا يستطيع متخرّص أن يدّعي أنّ المراد من ولايته هي الولاية الدينية، إذ أشهدهم قبل ذلك على أنّه(صلّى الله عليه وآله) أولى بهم من أنفسهم؛ فتامّل!

وأمّا بيعة عليّ(عليه السلام) المدّعاة بعد ستّة أشهر - ونحن لا نقرّ بذلك لوجود نصوص عندنا تنفي وقوعها، وأنّه كانت منه موادعة لا بيعة - فإنّها كانت تحت وطأة التهديد أو الاضطرار، وكان الإمام(عليه السلام) مكرهاً عليها، ولا شرعية للبيعة إذا كان مكرها عليها، ولا حجّة فيها على أصحابه وشيعته إلى يوم الدين. وإذا كان عليّ(عليه السلام) مكرهاً في ذلك الوقت، فنحن غير مكرهين الآن.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » بيعة أبي بكر بين الترغيب والترهيب


اشرف / السويد
السؤال: بيعة أبي بكر بين الترغيب والترهيب
أودّ أن أسأل:
كيف بايع المسلمون كلّهم أبا بكر بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ولم يبايعوا الإمام علي(عليه السلام)؟
ولماذا لم يدعوهم الإمام عليّ(عليه السلام) لإمامته؟
وهل قال الإمام للناس بأن يبايعوا أبو بكر، ونفس الشيء مع عمر وعثمان؟
خاصّة بأنّنا حسب ما نقول بأنّ حديث يوم غدير خمّ من أصحّ الأحاديث، وأنّ الحجيج كلّهم سمعوا الحديث, فكيف خالفوا أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله) بمبايعة الإمام عليّ(عليه السلام) بعده؟
الجواب:

الأخ أشرف المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يفهم من سؤالك أربعة أسئلة:
السؤال الأوّل: كيف بايع الناس كلّهم أبا بكر، ولم يبايعوا الإمام عليّ(عليه السلام) بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟

وجوابه:
أوّلاً: لم يبايع جميع المسلمين أبا بكر! بل امتنع عنها الأنصار في بادئ الأمر، ثمّ رجعوا لحلبة الصراع ضمن تداعيات معروفة منها رفعهم شعار منا أمير ومنكم أمير، ثمّ بايع بعضهم وبقي البعض الآخر كسعد بن عبادة ومن تبعه من أهل بيته.
ولم يبايع علّية الصحابة وخيرتهم، مثل: عمّار، وأبي ذرّ، وسلمان، والمقداد بن الأسود الكندي، وغيرهم، واعتصموا رافضين في بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وامتنع البيت الهاشمي برمّته، تبعاً لعليّ(عليه السلام)، ويكفي امتناع عليّ(عليه السلام) نقضاً لها (للبيعة)، أقلاًّ لما قال الرسول(صلّى الله عليه وآله) بحقّه ويروونه في كتبهم: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ)(1)، فلو كانت بيعة أبي بكر حقّاً لما تخلّف عنها عليّ(عليه السلام)، وتخلّفه عنها شاهد بطلانها بنفس ملاك الحديث، كما أنّ امتناع أبي ذرّ شاهد آخر لقول النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذرّ)(2)، فلو كان قد بايع لقلنا: أنّ الحقّ مع أبي بكر لامتناع الكذب عليه وفق الحديث، وما دام لم يبايع فهذا معناه أنّه لا يسمح للسانه أن ينطق مكذّباً بالحقّ وبإعطاء الخلافة لغير أهلها, كأبي بكر، فإنّه إذا نطق بالبيعة؛ فبداعي الصدق لا بدّ أن يلتزم بها، كما أنّه بداعي الصدق سيلتزم بولاء عليّ(عليه السلام)، لأنّه يقرّ له بالحقّ، ولازم الالتزامين النفاق، وما دام أبو ذرّ التزم جانب أمير المؤمنين(عليه السلام) ولم يبايع أبا بكر، فقد صار(رضي الله عنه) مصداقاً ودليلاً لثبوت حقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة لمن لا يقبل الحجّة إلاّ بدليل خارج عن شخص الإمام عليّ(عليه السلام)، فضلاً على كون سلوك أبي ذرّ، هذا فيه دلالة تامّة على صحّة قول الرسول(صلّى الله عليه وآله) فيه.

ثانياً: بيعة أغلب من حضر في المدينة لرجل لا يعني أحقّية ذلك الرجل بالخلافة والقيادة! خاصّة مع علمنا بمعرفتهم بعدم استحقاق من بايعوه، بل علمهم باستحقاق من تركوا بيعته في يوم السقيفة - نعني: الإمام عليّ(عليه السلام) - فتكون بيعتهم بهذا اللحاظ لغيره إمّا عن نفاق، أو بغض، أو حسد، أو ارتداد عن الحقّ، أو إغراء، أو تخويف، أو عن عقد الماضي، أو طلب لمصالح المستقبل، أو نسيان لله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) وأوامرهما، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة.
والشاهد على ذلك: ما ورد من كلام أمير المؤمنين في (نهج البلاغة): (اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي)(3).

ثالثاً: ثمّ من القائل أنّه - أي الأُمّة - لم تبايع عليّاً(عليه السلام)؟
أليس قد بايعته في غدير خمّ على الولاية وخلافة الرسول(صلّى الله عليه وآله), وهذا أمر ذو شجون يُرجع إلى مظانّه للتوسعة فيه.
ولا نحسب الانقلاب بعد ذلك أمراً صعباً على أُمّة انقلبت يوم أُحد، وتمنت الرجوع إلى الشرك طلباً للسلامة, حتّى قال الله تعالى: (( أَفَإِن مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم )) (آل عمران:144)(4)، ويوم حُنين بما أثبته القرآن كشاهد تاريخي دائم الحياة بقوله تعالى: (( وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيئاً وَضَاقَت عَلَيكُمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرِينَ )) (التوبة:25)(5), بمعنى انقلابهم على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وتركهم نصرته، وهذا معلوم.
وفي طلبهم من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أن تكون لهم ذات أنواط كما أنّ للمشركين ذات أنواط، وذلك خلال رؤيتهم للشجرة التي كان المشركون يضعون أسلحتهم عليها ويعبدونها، وقد كان ذلك خلال مسير المسلمين إلى حرب حُنين(6).

رابعاً: وأمّا كيف حصلت البيعة، فبالكيفية المعروفة التي حسمت بها الخلافة لأبي بكر في السقيفة، وفي غياب صاحب الحقّ الإمام عليّ(عليه السلام) المنشغل برسول الله(صلّى الله عليه وآله) وتغسيله وتكفينه وتجهيزه، ومعه عمّه العبّاس وباقي بني هاشم، وإنهاء الموضوع في ظرف لم يسمح للإمام عليّ(عليه السلام) بالحركة الفعلية والاعتراض الميداني الآني، لما ذكرناه من انشغاله برسول الله(صلّى الله عليه وآله)...
وقطعاً هناك أسباب ومناشئ أُخرى أعرضنا عنها هنا لكفاية الجواب في هذا الباب.

خامساً: نلفت النظر إلى أنّ حصول البيعة من الناس وعدم حصولها لم يكن يعني الشيء الكثير بالنسبة للعصبة التي استولت على الحاكم وأذرعها المتحالفة معها، ولعلّ عموم الناس فهموا ذلك، فرأوا البيعة خيراً من عدمها للآثار المترتّبة على ذلك التي يخالفها أكثر الناس.
نعم، إنّ وقوع البيعة كان مرغوباً من الناحية الشكلية لتصويرها مأطّرة بالتأييد الشعبي، وإن كانت بحقيقيها مشروعاً حزبياً. فالأمر كان ماضياً على كلّ حال سواء بايع الناس، أم لم يبايعوا.
والدليل: أنّ عمر تسنّم المنصب بعد ذلك ليس على أساس البيعة، واتّبعه الناس رغم أنّها آلت إليه بوصية ممّن سبقه عليه، وكذا عثمان بن عفّان إنّما جاءه المنصب لا بالبيعة ولا بالوصية، إنّما بأُسلوب آخر هذه المرّة، وهي الشورى المدّعاة، واتّبعه المسلمون أيضاً!
والعجيب أنّ عليّاً(عليه السلام) بويع له بالولاية في زمن الرسول(صلّى الله عليه وآله)، ولم تنفذ من الناحية الظاهرية بعد وفاته(صلّى الله عليه وآله)!! ممّا يدلّل على أنّ المقاييس التي حكمت الوضع الإسلامي ليست هي نفسها التي أرادها الرسول(صلّى الله عليه وآله)، فمن بايعوه لم يتّبعوه، ومن حصل على الخلافة ببيعة مدعاة أو نص أو شورى - وهذه الثلاثة لا تمنح لصاحبها حقّاً ما حسب المقياس الإسلامي الصحيح كما قلنا - أقروا له بها وأطاعوه!!

السؤال الثاني: لماذا لم يدعوهم الإمام عليّ(عليه السلام) لإمامته.

والجواب: من قال ذلك؟! حيث يمكن القول:
أوّلاً: قد دعاهم الرسول(صلّى الله عليه وآله) في مواطن كثيرة للالتزام بإمامة عليّ(عليه السلام) استغرقت زمناً بعمق تاريخ الدعوة من يومها الأوّل إن لم نقل بأوّل ساعة منه، إلى آخر يوم فيها إن لم نقل في آخر ساعة منه(7), وتوّجها بيوم الغدير، وأخذ البيعة لعليّ(عليه السلام) بعد نصب الفسطاط له، وإيجاب السلام عليه بإمرة المؤمنين، وكان أوّل الداخلين عليه الخليفتان الأوّل والثاني وبايعاه، وقال عمر في ذلك كلاماً بقي شاهداً عليهم ما بقي الدهر واستمر العصر(8).

ثانياً: ودعاهم عليّ(عليه السلام) في أوّل أيام غصب الخلافة عندما أرادوا أخذ البيعة منه كرهاً، ويوم الشورى أيضاً، بل إنّ جملة مواقف الإمام(عليه السلام) التي وقفها قبال من تسنّم مسند الخلافة، وقبال أُسلوب إدارتها، هو بالواقع عين الدعوة للناس بالنظر إلى حقّه والرجوع إلى إمامته والقول بها.

ثالثاً: إنّ دعوة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وإعلانه المكرّر على خلافته وإمامته الذي كان يصدر منه كلّما سنحت الفرصة لا يأتي إلاّ تحصيلاً للحاصل, فالمسلمون عارفون بتلك الخلافة، وهاتيك الإمامة، وقد اتخمت أذانهم بنداءات الرسول(صلّى الله عليه وآله) بها، وأشبعت نفوسهم بضرورتها، ولكن...

رابعاً: ترك الإمام(عليه السلام) أُسلوب الفعل العملي والإصرار على خلع الواضع لنفسه خليفة ولو بالسيف إنّما يأتي من باب الالتزام بوصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في ذلك، ومن باب الخوف على الأُمّة من الارتداد عن الإسلام، فقبل الإمام(عليه السلام) بأهون الضررين، وأخفّ الشرّين، من باب التزاحم وتقديم الأهمّ، وهو بقاء الرسالة وديمومة الدين، ولو بحدّه الأدنى وبنوعه الشكلي على المهم، وهو حقّه في قيادة المجتمع وخلافة رسول الله(صلّى الله عليه وآله).

خامساً: إنّ عدم دعوة الإمام(عليه السلام) لنفسه كخليفة وعدم مطالبته لحقّه - لو سلّمنا به حسب الدعوى - لا تخرجه بالمرّة عن مهام الخلافة ووظيفة الإمامة! لقولنا بأنّ خلافة الإمام(عليه السلام) وإمامته بجعل شرعي لا بتنصيب بشري وفق معتقداتنا بأهل البيت(عليهم السلام) أهل العصمة والطهارة والإمامة، وعدم بيعة الناس له وعدم مطالبته بحقّه لا تعفيه من منصبه ولا تقيله من مسؤولياته وفق مبنى كون الإمامة بالجعل لا بالترشيح والانتخاب؛ فتأمل في ذلك!

السؤال الثالث: هل قال الإمام(عليه السلام) للناس بأن يبايعوا أبا بكر وعمر وعثمان؟
والجواب عليه:

أوّلاً: أنّه لم يؤثر عنه ذلك حتّى نعتمده كدليل على هذا المدّعى، وعدم الدليل دليل العدم كما يقول الفلاسفة.

ثانياً: أنّه بنفسه لم يبايع، فعدم بيعته للخليفة ودعواه أنّها حقّه الشرعي دليل على ضرورة أن يكون موقف أصحابه كموقفه في عدم البيعة، لقوله(عليه السلام): (ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه...)(9).

ثالثاً: إنّ أتباعه فعلاً لم يبايعوا واعتصموا، ولاقوا في سبيل ذلك الأمرّين، وقد اعتصموا معه في بيت فاطمة(عليها السلام)، ومن بايع منهم فيما بعد فقد بايع مكرهاً، وحتّى لو فرضنا أنّ الإمام(عليه السلام) سمح لهم بالبيعة بعد الإكراه، فهذا أوّلاً دالّ على الجواز لا الوجوب, وثانياً: مقتضاه ما أسلفنا من ضرورة تقديم الأهمّ على المهم، وثالثاً: غرضه الحفاظ على رجال يكون لهم شأن في نشر الإسلام في الغد والمحافظة عليه.

رابعاً: سيكون أمره(عليه السلام) بالبيعة لغيره نقضاً لبيعته أوّلاً، أو تحميل الآخرين بيعتين في آن واحد! وهذا ممتنع، ثانياً: إعطاء مشروعية لغيره الذي بايعوه - أبا بكر -، ثالثاً: وهذا ممّا لا يراه الإمام(عليه السلام) أقلاًّ لقوله: (لقد تقمّصها ابن أبي قحافة...)(10).

خامساً: إنّ أتباعه احتجّوا على الخليفة الأوّل بحقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة وبطلان خلافته هو(11)، ولو كانوا مأمورين بالبيعة كيف يصحّ منهم الاحتجاج؟!

السؤال الرابع: كيف خالفوا الرسول(صلّى الله عليه وآله) في عدم بيعتهم عليّاً(عليه السلام)؟

وجواب هذا السؤال بات واضحاً ممّا سبق، وممّا أثبته التاريخ وكتب السيرة من سوابق مخالفاتهم للرسول(صلّى الله عليه وآله) في حياته، وتفصيل ذلك في العديد من أجوبتنا تحت عنوان الإمام عليّ(عليه السلام)؛ فراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: سنن الترمذي 5: 297 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(ع) الحديث (3798)، مسند أبي يعلى 1: 419 الحديث (550)، المستدرك على الصحيحين 3: 124، تاريخ بغداد، للخطيب 14: 322، تاريخ مدينة دمشق 42: 449 ترجمة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام).
(2) انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 526 كتاب الفضائل، باب (32) الحديث (1 - 3)، مسند أحمد 2: 163، 5: 197، 6: 442، سنن ابن ماجة 1: 55 الحديث (156)، سنن الترمذي 5: 334 الحديث (3889)، المستدرك على الصحيحين 3: 342، 4: 480.
(3) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 176، الغارات، للثقفي 1: 309، شرح نهج البلاغة 9: 305 خطبة (173)، و11: 109 (211).
(4) انظر: تفسير السمعاني 1: 363 - 365، تفسير البغوي 1: 358، تفسير النسفي 1: 182.
(5) انظر: تفسير الثعلبي 5: 23، تفسير السمعاني 2: 298 أبواب الفتن، باب (16).
(6) انظر: مسند الطيالسي: 191، المصنّف، للصنعاني 11: 369 الحديث (20763)، مسند الحميدي 2: 375، المصنّف، لابن أبي شيبة 8: 634 الحديث (267)، مسند أحمد 5: 218 حديث أبي واقد الليثي، سنن الترمذي 3: 321 الحديث (2217)، صحيح ابن حبّان 15: 94.
(7) ذكر العلاّمة الحلّي في كتابه نهج الحقّ: 212 - 231 (28) مورداً منها، وانظر: مناقب ابن المغازلي: 94 الحديث (114، 212)، مسند أحمد بن حنبل 1: 111، و4: 438، صحيح البخاري 4: 208، و5: 129، و 7: 120، وصحيح مسلم 7: 120، 121، المعجم الكبير، للطبراني 6: 221.
(8) انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 503 الحديث (55) كتب الفضائل، فضائل عليّ(ع)، مسند أحمد بن حنبل 4: 281، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 42: 230 - 234، تاريخ بغداد، للخطيب 8: 284، تفسير الثعلبي 4: 92.
(9) نهج البلاغة 3: 70 من كتابه إلى عثمان بن حنيف رقم (45).
(10) نهج البلاغة 1: 30 خطبة (3) المعروفة بالخطبة الشقشقية.
(11) الخصال، للصدوق 1: 461 - 465 أبواب الاثني عشر، الطبقات، لابن سعد 5: 137.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » استعانته بقبيلة أسلم


حسن صالح / السعودية
السؤال: استعانته بقبيلة أسلم
أريد أسأل سماحتكم عن: قبيلة أسلم من هي؟ وكيف جاءت لمساعدة أبي بكر؟
وماذا فعلوا في يوم السقيفة؟ هل جاءوا لمجرّد التهديد، أم حصل قتل وسفك دماء؟
الجواب:

الأخ حسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبيلة أسلم قبيلة من قبائل الأعراب التي تسكن البادية حوله المدينة، روى الشيخ المفيد في كتابه (الجمل) عن زايدة بن قدامة: ((قال: كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها - أي: لتأخذ الطعام من المدينة إلى محلّ سكناها - فشغل الناس عنهم بموت رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فشهدوا البيعة وحضروا الأمر، فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم، وقال لهم: خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول الله واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا، فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه.
قال: والله لقد رأيت الأعراب تحزّموا، واتّشحوا بالأُزر الصنعانية، وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتّى خبطوا الناس خبطاً، وجاءوا بهم مكرهين إلى البيعة))(1).

وهناك من يقول: كان هناك اتّفاقاً بين أبي بكر وعمر وأنصارهما وبين هذه القبيلة لتوقيت الدخول في هذا الوقت، باعتبار أنّ عمر أيقن بالنصر، كما قال عند رؤيته لهذه القبيلة، فقد روى الطبري عن هشام: ((قال أبو مخنف: فحدّثني أبو بكر بن محمّد الخزاعي: أنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السكك، فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر))(2).
وبالتالي فهذا القائل يرجّح أنّ هناك اتّفاقاً بين الطرفين، فكأنّ عمر كان يتوقّع حضورهم، فإنّ الذي فعلته القبيلة عند حضورها، هو المبايعة لأبي بكر؛ ففي (الكامل في التاريخ) لابن الأثير: ((وجاءت أسلم فبايعت فقوي أبو بكر بهم وبايع الناس بعد))(3).

ولا يظهر من الروايات أنّه حصل سفك للدماء بمعونة مباشرة من هذه القبيلة.
نعم، إنّ أبا بكر قويّ جانبه بهذه الجماعات، وبذلك استطاع تهديد بني هاشم وغيرهم من الرافضين لبيعته.
ودمتم في رعاية الله

(1) الجمل: 59 دعوى الإجبار في البيعة.
(2) تاريخ الطبري 2: 458 ذكر الخبر عمّا جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة.
(3) الكامل في التاريخ 2: 331 حديث سقيفة.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » رأيُ أبي قحافة في خلافة ابنه


عبد الله أحمد / الاردن
السؤال: رأيُ أبي قحافة في خلافة ابنه
قرأت في بعض المواقع: بأنّ أبا قحافة كان يرى بأنّ ابنه أبا بكر لا يليق بالخلافة، وأنّه لا يمتلك أيّ شرط من شروطها، وكان مستغرباً من وصول ابنه إلى دفّة الحكم، وكان يعتقد بأنّ الخلافة من حقّ الإمام عليّ(عليه السلام).
الجواب:

الاخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ورد في ذلك روايات؛ نذكر منها: ما جاء في كتاب (الاحتجاج) للعلاّمة الطبرسي(رحمه الله)، حيث قال: ((روي أنّ أبا قحافة كان بالطائف لمّا قبض رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وبويع لأبي بكر، فكتب ابنه إليه كتاباً عنوانه: من خليفة رسول الله إلى أبي قحافة.
أمّا بعد: فإنّ الناس قد تراضوا بي، فإنّي اليوم خليفة الله، فلو قدمت علينا كان أقرّ لعينك.
قال: فلمّا قرأ أبو قحافة الكتاب، قال للرسول: ما منعكم من عليّ؟ قال (الرّسول): هو حدث السنّ، وقد أكثر القتل في قريش وغيرها، وأبو بكر أسنّ منه.
قال أبو قحافة: إن كان الأمر في ذلك بالسنّ، فأنا أحقّ من أبي بكر، لقد ظلموا عليّاً حقّه، وقد بايع له النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وأمرنا ببيعته!!

ثمّ كتب إليه: من أبي قحافة إلى ابنه أبي بكر.
أمّا بعد، فقد أتاني كتابك فوجدته كتاب أحمق، ينقض بعضه بعضاً، مرّة تقول: خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ومرّة تقول: خليفة الله، ومرّة تقول: تراضى بي الناس! وهو أمر ملتبس، فلا تدخلنّ في أمر يصعب عليك الخروج منه غداً، ويكون عقباك منه إلى النار والندامة، وملامة النفس اللوّامة لدى الحساب بيوم القيامة، فإنّ للأُمور مداخل ومخارج، وأنت تعرف من هو أولى بها منك، فراقب الله كأنّك تراه، ولا تدعنّ صاحبها، فإنّ تركها اليوم أخفّ عليك وأسلم لك (والسلام) ))(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) الاحتجاج 1: 115، ذكر طرف عمّا جرى بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من اللجاج في أمر الخلافة.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » قوله: أقيلوني أقيلوني


بو هاشم / الكويت
السؤال: قوله: أقيلوني أقيلوني
نحن نقول: إنّ أبو بكر كان طامعاً في الخلافة والرئاسة، فكيف يقول: أقيلوني أقيلوني.. وهو طامع فيها؟!
الجواب:

الأخ أبا هاشم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد تعجّب الإمام عليّ(عليه السلام) من هذا السلوك المتناقض لأبي بكر، فقال(عليه السلام): (فيا عجبا! بينما هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته)(1)!!

وقد ورد عندنا رواية تشير إلى أنّ طلب أبو بكر الإقالة كان بعد أن قام مجموعة من الصحابة لمحاججته، وأنّه ليس الأحقّ بالخلافة فأفحم، فطلب الإقالة(2).

وفي (الإمامة والسياسة): أنّ طلب الإقالة كان في جمع من الناس بعد أن خرج من بيت فاطمة(عليها السلام) التي قالت له: (والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أصلّيها)(3)، فيكون طلبه الإقالة بعد أن ألزمته الحجّة، وأُحصر عن الجواب أمام الناس.
ودمتم في رعاية الله

(1) نهج البلاغة 1: 32 الخطبة (3) المعروفة بالشقشقية.
(2) انظر: الاحتجاج 1: 97 - 104 الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر في المسجد.
(3) الإمامة والسياسة 1: 20 كيف كانت بيعة عليّ كرّم الله وجهه.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » معنى لفظة: (فلتة) في قولة عمر المشهورة


خادم أهل البيت / السعودية
السؤال: معنى لفظة: (فلتة) في قولة عمر المشهورة
قال عمر في الحديث المعروف: ((كانت بيعة أبي بكر فلتة)).
ما هو المقصود بالفلتة؟
الجواب:

الأخ خادم أهل البيت المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكر ابن الأثير في (النهاية) أنّ الفلتة هي الفجأة، وقال: ((ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى! والفلتة: كلّ شيء فُعِل من غير روية، وإنّما بودر بها خوف انتشار الأمر)).
ثمّ قال: ((وقيل: أراد بالفلتة: الخلسة، أي: أنّ الإمامة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها الأنفس، ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلّدها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي واختلاساً))(1).

فبيعة أبي بكر إمّا أن نقول: أنّها حصلت فجأة من دون تروي، وإنّما استبق إليها أبو بكر استباقاً، أو نقول: أنّ البيعة حصلت خلسة بين جماعة اجتمعت في السقيفة!
فأيّة فضيلة تكون لبيعة تحصل خلسة، أو تسرق من أصحابها سرقةً؟!! ولو لم تكن بمثل هذا السوء لما قال عمر: ((الله وقى شرّها))، ونهى عن العودة لمثلها(2).

ومن معاني (الفلتة) هو: الزلّة(3)، فبيعة أبي بكر وقت عمر وقت قوله ذاك، كانت زلّة، والذي يرجّح هذا المعنى هو وصفها بالشرّ من قبل عمر.
ويعرف مدى قبح تلك البيعة حتّى عند عمر من قوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))(4).
ودمتم في رعاية الله

(1) النهاية في غريب الحديث 3: 467 حرف الفاء، باب الفاء مع اللام.
(2) انظر: مسند أحمد 1: 55 حديث السقيفة، صحيح البخاري 8: 25 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(3) دلائل النبوّة، للبيهقي 1: 297 حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله، غريب الحديث، لابن قتيبة 1: 215 حديث ابن أبي هالة التميمي، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير 5: 16 باب النون مع التاء، مجمع البحرين 2: 213 كتاب التاء، باب ما أوّله الفاء.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 158 أيام عمر بن الخطّاب، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني: 495 باب الكلام في إمامة عمر، والشافي في الإمامة 2: 114 الوجوه الدالة على فساد النص على أبي بكر، المغني، للقاضي عبد الجبّار 20: 339 ذكر مطاعنهم في أبي بكر وبيان الجواب عنها، الملل والنحل، للشهرستاني 1: 24 المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، شرح المقاصد في علم الكلام 2: 293 الفصل الرابع في الإمامة، المبحث الخامس، الصواعق المحرقة: 36 الباب الأوّل، الفصل الخامس، شرح المواقف، للجرجاني 8: 358 المرصد الرابع في الإمامة، نهاية الأقدام في علم الكلام، للشهرستاني: 269 القول في الإمامة، تذكرة الخواص، لابن الجوزي 1: 354 الباب الثالث في ذكر خلافته.

محمود الاحمد / سوريا
تعليق على الجواب (50)
لماذا لم تتمّوا حديث عمر(رضي الله عنه) عن أبي بكر(رضي الله عنه): ((...لأنّه ليس فيكم من تشرئب له الأعناق مثل أبي بكر))؟! ولأنّ هذا هو ديدنكم تكذبون وتدلّسون.
الجواب:

الأخ محمود المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ ما تحاوله من تأويل للمعنى الظاهر في قولة عمر المشهورة: ((كانت بيعة أبي بكر فلتة))، اعتذاراً له، نظراً إلى ما نسب إليه من قوله بعدها في الرواية: ((وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر))(1)، قد حاوله قبلك ابن تيمية الحرّاني إتّباعاً لمن سبقه - وستأتي إيراد أقوالهم قريباً - .
قال: ((قال الرافضي: وقال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، ولو كانت إمامته صحيحة لم يستحقّ فاعلها القتل، فيلزم تطرّق الطّعن إلى عمر. وإن كانت باطلة لزم الطعن عليهما معاً.

والجواب: إنّ لفظ الحديث سيأتي، قال فيه: ((فلا يغترّن امرؤ أن يقول: (إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت. ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن وقى اللّه شرّها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، ومعناه: إنّ بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريّث ولا انتظار; لكونه كان متعيّناً لهذا الأمر. كما قال عمر: (ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) ))(2).

وقال في موضع آخر: ((ومعنى ذلك أنّها وقعت فجأة لم تكن قد استعددنا لها ولا تهيّأنا; لأنّ أبا بكر كان متعيّناً لذلك، فلم يكن يحتاج في ذلك إلى أن يجتمع لها النّاس; إذ كلّهم يعلمون أنّه أحقّ بها، وليس بعد أبي بكر من يجتمع الناس على تفضيله واستحقاقه كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكر، فمن أراد أن ينفرد ببيعة رجلٍ دون ملأٍ من المسلمين فاقتلوه. وهو لم يسأل وقاية شرّها، بل أخبر أنّ الله وقى شرّ الفتنة بالاجتماع))(3).
لكن هذا لا يخرج عن كونه تأويلاً وتحميلاً على النصّ لا يغني عن ظاهر المعنى المفهوم من قولة عمر ((فلتة))، والمتّسق مع الذوق العربي.

فوجود العبارة المدّعاة بعد قوله: ((فلتة)) لا يغيّر من المعنى المراد شيئاً، إذ بيعة أبي بكر تبقى في رأي عمر فلتة وإن اعتذر منها، وهذا غاية الذمّ والقدح، خاصّة بعد قوله: ((الله وقى شرّها))، فنسبها إلى الشرّ إذ الضمير يعود إليها، بل أكّد ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، وهو مناقض لما يرومه ابن تيمية والذين من قبله من معنى! إذ حسب تأويلهم لا بدّ وأن يقول: الله وقى بها الشرّ، لا ((الله وقى شرّها))، وقول عمر بعدها إن صحّ - سيأتي - فهو اعتذار عن الفلتة لا تصحيح للفلتة كما يتعسّف به أهل السُنّة.

وإذا أردنا التفصيل فيما سبرنا من أعذار وتأويلات القوم، فنقول:
إنّ أوّل من وصف بيعة سقيفة بـ(الفلتة) هو أبو بكر بن أبي قحافة صاحب البيعة نفسه، فقد خطب بعد بيعته مباشرة متعذّراً، بما رواه البلاذري في (أنساب الأشراف)، قال: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن محمّد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري، قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كلّه علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً قدّام الساعة. فمن أطاعه رشد، ومن عصاه هلك. ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم. ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك إنّى خشيت فتنة...))(4).

ورواه ابن أبي الحديد عن الجوهري، قال: ((قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير، فدخلا بيت فاطمة(عليها السلام) معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم: أُسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة(عليها السلام)، وناشدتهم الله. فأخذوا سيفي عليّ والزبير، فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها، وخشيت الفتنة...))(5)؛ وفي الخبر ما يعلم كذبه من قول أبو الأسود أنّ عليّاً والزبير بايعا وقبلا عذره، وقالا: ((ما غضبنا إلاّ في المشورة، وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها...))(6) الخ، فإنّ عليّاً(عليه السلام) بايع بعد ستّة أشهر كما في الصحيح عندهم، أو لم يبايع مختاراً كما هو الثابت عندنا.

واعتذار أبي بكر يتناسب وكون معنى (الفلتة) الزلّة أو الخلسة، وحتّى لو كان معناها الفجأة والبغتة، فإنّه لا يخرجها عن وجود ما يلام فيها ويذمّ حتّى يحتاج أبي بكر للاعتذار منها، فالاعتذار لا يكون إلاّ عن جريرة وخطأ.
وأنت ترى في رواية أبي الأسود بدايات محاولات التأويل؛ بأنّ البيعة جرت من غير مشورة حتّى اعترف أبو بكر بأنّها فلتة، أي: أنّها صارت فلتة لأنّها جرت من غير مشورة.
وهذا التأويل أقرب من عذر أبي بكر بأنّه خاف الفتنة، لأنّ الفتنة وقعت فيها! إذ خالف الأنصار وردّها سعد بن عبادة ومن معه، وعليّ (عليه السلام)، وبني هاشم ومن معهم.
وإلى هنا لا تجد شيئاً من محاولات جعل (الفلتة) حسنة، وأنّ أبا بكر هو المتعين لها، وإنّما الاعتراف بكونها فلتة لأنّها جرت من غير مشورة والاعتذار عنها بخوف الفتنة، أو الاعتراف بأنّها خطأ يوجب الاعتذار منه.
ولكن هذا لا يرضي الملكيين المتأوّلين، فرغم اعتراف أبو بكر بأنّ بيعته كانت فلتة، نجد الضحّاك بن خليفة حسب نقل سيف بن عمر الكذّاب يدّعي أنّ خلاف الأنصار في سقيفة بني ساعدة كان هو الفلتة، لا أنّ البيعة الفلتة كانت لأجل خوف الفتنة.

روى ذلك الطبري، قال: ((حدّثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن سهل وأبي عثمان، عن الضحّاك بن خليفة، قال: لمّا قام الحبّاب بن المنذر انتضى سيفه، وقال: أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه، ثم وثب على سعد، ووثبوا على سعد، وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتله الله إنّه منافق، واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه))(7).
والكذب في هذه الرواية من جهات، أوضحه ما ذكره من مبايعة سعد، فإنّ سعد لم يبايع حتّى قتل في الشام، ونحن لا نعرف من الكاذب فيها، هل هو سيف أو الضحّاك؟!

ثمّ بعد ذلك نجد آخرين يخوضون ويدورون في تأويلاتهم، يقرّبون البعيد ويبعّدون القريب، عند ذكرهم لاعتراف عمر بعد أبي بكر بأنّ بيعته كانت فلتة، من أجل قلبها إلى فضيلة.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) في (غريب الحديث): ((قوله: افتلتت نفسها، يعني: ماتت فجأة لم تمرض فتوصي ولكنّها أخذت فلتة، وكذلك كلّ أمر فعل على غير تمكّث وتلبّث فقد افتلت، والاسم منه الفلتة. ومنه قول عمر في بيعة أبي بكر: إنّها كانت فلتة، فوقى الله شرّها. إنّما معناه: البغتة، وإنّما عوجل بها مبادرة لانتشار الأمر والشقاق، حتّى لا يطمع فيها من ليس لها بموضع، وكانت تلك الفلتة هي التي وقى الله بها الشرّ المخوف))(8).
فتحوّلت عنده من كونها مورد للذمّ إلى مورد للمدح بعد أن وقى الله بهذه البيعة الفلتة الشرّ المخوف، وكأنّ عمر لم يكن يعرف العربية عندما نسب الشرّ لنفس البيعة، وقال: ((وقى الله شرّها)) بدل أن يقول: ((وقى الله بها الشرّ)).
وقال أبو عبيد أيضاً: ((في حديث عمر أنّه خطب الناس، فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها.
وعن ابن عوف، قال: خطبنا عمر، فذكر ذلك وزاد: أنّه لا بيعة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجل بايع من غير مشورة فلا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا.
قال شعبة: فقلت لسعد: ما تغرّة أن يقتلا، قال: عقوبتهما أن لا يؤمّر واحد منهما.
قال أبو عبيد: وهذا مذهب ذهب إليه سعد تحقيقاً لقول عمر: لا يؤمّر واحد منهما، وهو مذهب حسن، ولكن التغرّة في الكلام ليست بالعقوبة، وإنّما التغرّة: التغرير، يقال: غررت بالقوم تغريراً وتغرّة...
إلى أن قال: وإنّما أراد عمر: أنّ في بيعتهما تغريراً بأنفسهما للقتل، وتعرّضاً لذلك، فنهاهما عنه لهذا، وأمر أن لا يؤمّر واحد منهما لئلاّ يطمع في ذلك فيفعل هذا الفعل.

وأمّا قوله: فلتة، فإنّ معنى الفلتة: الفجأة، وإنّما كانت كذلك لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وسلّم) من المهاجرين وعامّة الأنصار إلاّ تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثمّ أصفقوا له كلّهم لمعرفتهم أن ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في الفضل، ولم يكن يحتاج في أمره إلى نظر ولا مشاورة، فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرّها، ولو علموا أنّ في أمر أبي بكر شبهة وأنّ بين الخاصّة والعامّة فيه اختلافاً ما استجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة، ولو استجازوه ما أجازه الآخرون إلاّ لمعرفة منهم به متقدّمة، وهذا تأويل قوله: كانت فلتة وقى الله شرّها))(9).

فانظر إليه كيف يناقض آخر كلامه أوّله، فأيّ فجأة في بيعة اجتمع عليها أكابر أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله) من المهاجرين وعامّة الأنصار؟! وهل يصحّ أن يقال على مثل هذه البيعة - التي لم تقع على الصفة التي ذكرها إلاّ في خياله، وصحيح النصوص كما في حديث عمر في البخاري يكذّبها - بـ(الفلتة).

ولكن عمر لمّا كان يعرف ما وقع من خلاف الأنصار وعدم بيعة سعد ومن معه، وعليّ(عليه السلام) وبني هاشم ومن معهم، كما ذكر ذلك في كلامه، وأنّه لم تكن مشاورة كما عرّض لذلك فيه حقّ له أن يصفها بالفلتة.
وإنّك تجد في كلام أبي عبيد محاولة التعليل والاعتذار بادّعاء انفراد أبي بكر في الفضل، بحيث لا يقارنه أحد، ولذا أخضع له المهاجرين والأنصار، فتمسك بهذا من جاء بعده في تأويل الفلتة.
ولكنّي أعجب كيف يوقع التأويل صاحبه في التناقض! حيث قال: ((فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرّها))، فكأنّه يقول: أنّ الفلتة الشرّ وقت بنفسها شرّ نفسها، أو أنّ الله وقى المسلمين شرّ الفلتة بنفس شرّ الفلتة!! فيا لله والتأويل! ولكن الحمد لله أنّه اعترف في آخر كلامه بأنّه تأويل!!
وردّ عليه الخطّابي (ت388هـ) بقوله: ((قد تكون الفلتة بمعنى الفجاءة، وليست بالذي أراد عمر ولا لها موضع في هذا الحديث، ولا لمعناها قرار هاهنا، وحاش لتلك البيعة أن تكون فجاءة لا مشورة فيها، ولست أعلم شيئاً أبلغ في الطعن عليها من هذا التأويل.
وكيف يسوغ ذلك وعمر نفسه يقول في هذه القصّة لا بيعة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجل بايع عن غير مشورة فلا يؤمر واحد منهما تغرّة أن يقتلا.

وقد روينا عنه من غير هذا الوجه أنّه قال: ((من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فاقتلوه))، أخبرنا محمّد بن هاشم، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ليث، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد، عن عمر.
وثبت عنه أنّه جعل الأمر بعد وفاته شورى بين النفر الستّة، فكيف يجوز عليه مع هذا أن تكون بيعته لأبي بكر ودعوته إليها إلاّ عن مشورة، وتقدمة نظر، هذا ممّا لا يشكل فساده وممّا يبيّن ذلك أنّ الأخبار المروية في هذه القصّة كلّها دالّة على أنّها لم تكن فجاءة، وأنّ المهاجرين والأنصار تآمروا لها وتراجعوا الرأي بينهم فيها.

أخبرنا ابن الأعرابي، أخبرنا ابن أبي خيثمة، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: لمّا قبض رسول الله قالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، فأتى عمر، وقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنّ رسول الله أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيّكم تطيب نفسه أن يتقدّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر.

وممّا يؤكّد ذلك ويزيده وضوحاً حديث سالم بن عبيد: حدّثناه جعفر الخلدي، أخبرنا أحمد بن علي بن شعيب النسائي، أخبرنا قتيبة، وحدّثناه أصحابنا، عن إسحاق، أخبرنا قتيبة، أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد، وذكر قصّة موت رسول الله، قال: ثم خرج أبو بكر واجتمع المهاجرون فجعلوا يتشاورون بينهم، قال: ثم قالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار، فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير. فقال عمر: سيفان في غمد إذاً لا يصطلحان. قال: ثم أخذ بيد أبي بكر فقال له: من له هذه الثلاث (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، من صاحبه إذ هما في الغار من هما مع من قال، ثم بايعه فبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها.
فتأمّل قوله: ((فجعلوا يتشاورون بينهم))، فإنّه قد صرّح بأنّها لم تكن فجاءة، وأنّ القوم لم يعطوا الصفقة إلاّ بعد التشاور والتناظر واتّفاق الملأ منهم على التقديم لحقّه، والرضا بإمامته، والأخبار في هذا الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية.

قال أبو سليمان: وكلام أبي عبيد في الفصل الأوّل إذا تأمّلته تبيّنت منه نفس هذا المعنى، وعلمت أنّه إنّما منع في الجملة ما أعطاه في التفصيل، وذلك أنّه قال: إنّما كانت بيعته فجاءة لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر أصحاب رسول الله من المهاجرين وعامّة الأنصار، إلاّ تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثمّ أصفقوا له كلّهم لمعرفتهم أن ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في الفضل، فتأمّل كيف يقضي آخر كلامه على أوّله! وهل يشكل أنّ مثل الذي وصفه لا يكون فجاءة.
قال: ومعنى الحديث صحيح من حيث لا متعلّق عليه لطاعن))(10).

فانظر إلى هذا الرجل حينما يردّ على صاحبه يعترف بأنّ حمل معنى الفلتة على الفجأة فيه قبح وشناعة، وأنّه لا يوجد أبلغ منه في الطعن، ثمّ بدأ ينكر الحقائق فيما وقع في سقيفة بني ساعدة، ويدّعي أنّ المهاجرين والأنصار تآمروا وتشاوروا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر، ويستدلّ على ذلك بأخبار مقطوعة الكذب. فليت شعري أين ذهب قول الحبّاب: ((أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب))؟!
وأين ذهب قول عمر بعد أن وطئوا سعد ((قتله الله))؟!
وأين ذهب الهجوم على دار عليّ(عليه السلام)، والتهديد بحرقه على من فيه؟!
بل يدّعي أنّ كلّ الأخبار تدلّ على أنّها لم تكن فجاءة، وإنّما عن مشاورة! مع أنّ حديث عمر - الذي رواه البخاري ويحاول الخطّابي هنا تأويل عبارة منه - ينقض كلامه؛ فراجع!
ولا أعرف كيف يمكن الاستدلال برواية تجعل أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كلّ المهاجرين؟! ومن اجتمع في السقيفة كلّ الأنصار؟!

فانظر إلى ما في رواية سالم بن عبيد قوله: ((ثمّ خرج أبو بكر واجتمع المهاجرين فجعلوا يتشاورون بينهم...)) الخ، فإنّما هو عمر نادى أبا بكر فخرج، فأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة، فذهبا إليها يتعاديان وأخذا معهما أبو عبيدة، فهل تواطُؤ هؤلاء الثلاثة في غفلة عن المسلمين المشغولين بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) هو المشاورة، أو أنّ ما حدث في سقيفة لم يكن فيها، وإنّما وقع في المسجد بحضور جميع المسلمين.
وإن أبيت فانظر إلى ما نقله ابن حبّان (ت354هـ) عن أبي حاتم، قال: ((قال أبو حاتم: قول عمر: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ولكن الله وقى شرّها. يريد: أنّ بيعة أبي بكر كان ابتداؤها من غير ملأ، والشيء الذي يكون عن غير ملأ يقال له: الفلتة، وقد يتوقّع فيما لا يجتمع عليه الملأ الشرّ، فقال: وقى الله شرّها يريد الشرّ المتوقّع في الفلتات، لا أنّ بيعة أبي بكر كان فيها شرّ))(11).
وتمسّك بكلامه التفتازاني (ت793هـ) في (شرح المقاصد)، فقال: ((إنّ المعنى كانت فجأة وبغتة، وقى الله شرّ الخلاف الذي يكاد يظهر عندها، فمن عاد إلى مثل تلك المخالفة الموجبة لتبديد الكلمة فاقتلوه))(12).

فنحن نقبل اعترافهم بأنّها لم تكن عن ملأ ففلتوا بها، فلم تكن مشورة ولا تبادل رأي! ولكن لا نرضى محاولة ابن حبّان تقليل وقوع الشرّ فيها بقوله: ((وقد يتوقّع...))، وأنّ الله وقى عن هذا الشرّ لا أنّ بيعة أبي بكر كان فيها شرّ، لأنّ عمر صرّح بأنّ الشرّ فيها - أي: في البيعة الفلتة - وقال: ((وقى الله شرّها))، وأكّد ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، فلا وزن ولا اعتبار للتأويل مقابل ظاهر كلامه، وهذه الفلتة ليست ككلّ الفلتات، فهي فلتة في إمارة المسلمين وخلافة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فإذا وقعت لا عن مشورة ومن غير ملأ كان الشرّ فيها واقعاً لا محالة، وادّعاء عمر بأنّ الله وقى شرّها، يردّه ما وقع من الشرّ بسببها من أوّل يومها إلى يوم المسلمين هذا.

ثمّ التجأ الخطّابي إلى تأويل جديد هو أشنع عليه من سابقه، قال: ((الفلتة عند العرب: آخر ليلة من الأشهر الحرم، أخبرني أبو عمر، أنبأنا ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الفلتة الليلة التي يشكّ فيها كما يشكّ في اليوم، فيقول قوم: هي من شعبان، ويقول قوم: بل هي من رجب. وبيان هذه الجملة: أنّ العرب كانوا يعظّمون الأشهر الحرم ويتحاجزون فيها فلا يتقاتلون، يرى الرجل منهم قاتل أبيه فلا يمسّه بسوء ولا ينداه بمكروه، ولذلك كانوا يسمّون رجباً شهر الله الأصمّ، وذلك لأنّ الحرب تضع أوزارها فلا تسمع قعقعة سلاح ولا صوت قتال، ويسمّونه كذلك منصل الأسنّة، لأنّ الأسنّة كانت تنزع من الرماح، فلا يزال هذا دأبهم ما بقي من أشهر الحرم شيء إلى أن تكون آخر ليلة منها، فربّما يشكّ قوم فيقولون: هي من الحلّ، وبعضهم يقول: بل هي من الحرم، فيبادر الموتور الحنق في تلك الليلة فينتهز الفرصة في إدراك ثأره غير متلوّم أن تنصرم عن يقين علم، فيكثر الفساد في تلك الليلة، وتسفك الدماء، وتشن الغارات...
- إلى أن قال -: فشبّه عمر أيام حياة رسول الله وما كان الناس عليه في عهده من اجتماع الكلمة وشمول الأُلفة ووقوع الأمنة بالشهر الحرام الذي لا قتال فيه ولا نزاع، وكان موته شبيه القصّة بالفلتة التي هي خروج من الحرم، لما نجم عند ذلك من الخلاف وظهر من الفساد، ولما كان من أمر أهل الردّة، ومنع العرب الزكاة، وتخلّف من تخلّف من الأنصار عن الطاعة جرياً منهم على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلاّ رجل منهم، فوقى الله شرّها بتلك البيعة المباركة التي كانت جماعاً للخير ونظاماً للأُلفة وسبباً للطاعة.

وقد روينا نصّ هذا المعنى عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخبرني الحسن بن عبد الرحيم، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لي أبو عبيدة السري بن يحيى، قال شعيب بن عمر التميمي: أخبرنا سيف بن عمر، عن مبشّر، عن سالم بن عبد الله، قال: قال لي عمر: كانت إمارة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، قلت: وما الفلتة؟ قال: كان أهل الجاهلية يتحاجزون في الحرم، فإذا كانت الليلة التي يشكّ فيها أدغلوا فأغاروا، وكذلك كان يوم مات رسول الله أدغل الناس من بين مدّع إمارة، أو جاحد زكاة، فلولا اعتراض أبي بكر دونها لكانت الفضيحة))(13).

ونحن لا نعلم هل وقع التأويل في هذه الرواية من سالم بن عبيد الله بن عمر، أو من سيف الكذّاب، اعتذاراً من قولة عمر!
ولكن نقول: انظر إلى الخلط والخبط والتمويه في التشبيه بين الليلة الفلتة ووفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، مع أنّ عمر وصف البيعة بالفلتة، فكان حقّ التشبيه تشبيه البيعة بليلة الفلتة لا وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأنّ فيها حدث انتهاز للفرصة، وأخذ للثأر من عليّ(عليه السلام) المشغول برسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وغصب حقّه في غفلة عن المسلمين وذهولهم بموت نبيّهم(صلّى الله عليه وآله).

وكيف أبعد من لفّق هذا التشبيه، وجمع بين ردّة أهل الردّة، وبين خلاف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، مع أنّ بعض الردّة كانت قبل وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! ومن منع الزكاة منعها عن أبي بكر، فكانت نتاج بيعته الفلتة! وخلاف الأنصار كان في نفس البيعة، فلم يجمع المتباعدات عندهم إلاّ التأويل المتعسّف.

قال ابن حجر في تقرير هذا التأويل: ((حكى ثعلب عن ابن الأعرابي، وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه، قال: الفلتة: الليلة التي يشكّ فيها هل هي من رجب أو شعبان، وهل من المحرم أو صفر، كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم، فكان من له ثأر تربّص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقّق انسلاخ الشهر فيتمكّن ممّن يريد إيقاع الشرّ به وهو آمن، فيترتّب على ذلك الشرّ الكثير، فشبّه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام، والفلتة بما وقع من أهل الردّة، ووقى الله شرّ ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم، كذا قال))(14).

وابن حجر اختصر على ذكر أهل الردّة، لأنّ الأنصار لم يكن عندهم ثأر مع أحد، ولم يقصدوا انتهاز الفرصة، فلا يتمّ التشبيه فيهم، ولكنّه لا يتم في أهل الردّة أيضاً! لأنّ الردّة بدأت قبل وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ومن منع الزكاة منعها عن أبي بكر، وإنّ عمر في قولته لم يشر إلى ذلك بحرف، وإنّما وصف نفس البيعة بالفلتة، وقال: ((وقى الله شرّها))، ولم يقل: ((وقى الله شرّها بأبي بكر))؟!

ولمّا كان هذا التشبيه واضح الخطأ والتعسّف، حاول ابن حجر إصلاحه، فقال: ((والأولى أن يقال: الجامع بينهما انتهاز الفرصة، لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشرّ الكثير، فوقى الله المسلمين شرّ ذلك، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ، بل أطاعه الناس كلّهم من حضر البيعة ومن غاب عنها))(15).
والجامع وهو (انتهاز الفرصة) وإن كان صحيحاً، ولكنّه بين ما يقع في الليلة الفلتة، وما وقع ممّن انتهز الفرصة بانشغال المسلمين بنبيّهم(صلّى الله عليه وآله) وبايع أبا بكر، حتّى يكون التشبيه بين البيعة الفلتة والليلة الفلتة متطابق وصحيح.
وقوله: ((فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ))، أوّل الكلام! وهل سلّ سيف أكثر ممّا سلّ في الإمامة؟! فالشرّ واقع فيها إلى الآن.

ومن هنا حاول القاضي عبد الجبّار (ت415هـ) في (المغني) نقلاً عمّن سبقه، قلب المعنى في الليلة الفلتة، فقال: ((قال شيخنا أبو علي: وليست الفلتة هي الزلّة والخطيئة، بل يجب أن تكون محمولة على ما نقل عن أهل اللغة من أنّ المراد بها بغتة فجأة من غير روية ولا مشاورة، واستشهد بقول الشاعر:

من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا *** سبقت منيته المشيب وكان ميتته إفتلاتا

يعني بغتة من غير مقدّمة، أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي: أنّ العرب تسمّي آخر يوم من شوال: فلتة، من حيث إنّ من لم يدرك ثأره وطلبه فيه فاته، لأنّهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر، وذو القعدة من الأشهر الحرم، وإنّما سمّوه فلتة، لأنّهم أدركوا فيه ما كاد يفوتهم.
فأراد عمر على هذا: أنّ بيعة أبي بكر تداركوها بعد ما كادت تفوت.
وقوله: ((وقى الله شرّها))، دليل على التصويب، لأنّ المراد بذلك: أنّه تعالى دفع شرّ الاختلاف فيها.

فأمّا قوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))، فالمراد من عاد إلى مثلها من غير مشاورة ولا عذر ولا ضرورة، ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة فاقتلوه))(16).
وقد أجابه السيّد المرتضى في (الشافي) مفصّلاً(17)، فارجع إليه مليّاً، ولكن نحن قد نقلنا عن ثعلب خلاف هذا المعنى الأخير في الليلة الفلتة، وإن كان هذا المعنى الجديد يتّحد معنى المعنى السابق في جامع التشبيه، من أنّهم انتهزوا الفرصة وأخذوها خلسة وثأراً من صاحبها وهو عليّ(عليه السلام)، وتداركوها بعد أن كادت تفوت، بعدما نصب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عليّاً للإمامة يوم الغدير.

ومع أنّ البغتة التي اعترف بها عبد الجبّار وأقرّ بأنّها كانت عن غير مشورة تلزم الشنعة والذمّ أيضاً، ولكن معنى الفلتة لا ينحصر فيها، بل إنّه يشمل أيضاً الزلّة أو الخطيئة، كما نصّ عليه أهل اللغة، فلا بدّ أن نرجع إلى سياق الكلام لنحدّد أيّ المعاني هو المراد.
إذ قول عمر بعدها: ((وقى الله شرّها))، وقوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))، يخصّ المعنى بالزلّة والخطيئة، فهو ظاهر في الذمّ والقدح.

وبعبارة أُخرى: إنّ ظاهر قول عمر يصرف المعنى في (الفلتة) إلى الذمّ والقدح، حتّى ولو كانت في معنى البغتة والفجأة.
ولهذا نقل سحنون عبد السلام بن سعيد (ت240هـ) عن أشهب بن عبد العزيز (ت204هـ)، أنّها بضمّ الفاء، ويفسّرها بانفلات الشيء من الشيء ويقول: إنّ الفتح غلط، وأنّه إنّما يقال فيما يندم عليه وبيعة أبي بكر ممّا لا يندم عليه أحد.
ولكن ابن حجر ردّ عليه: بأنّ الثابت في الروايات هو الفتح(18).

ونقل ابن بطّال (ت449هـ) قول الكرابيسي في ضمن نقله لمجمل كلام أبي عبيد وتأويل الخطّابي، قال: ((وقال الكرابيسي: في قولهم: (كانت فلتة)، لأنّهم تفلّتوا في ذهابهم إلى الأنصار وبايعوا أبا بكر في حضرتهم، وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه، فقال قائل منهم: (منّا أمير ومنكم أمير)، وقد ثبت عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أنّ الخلافة في قريش، فإمّا بايعناهم على ما يجوز لنا، وإمّا قاتلناهم على ذلك فهي الفلتة، ألا ترى قول عمر: (والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من بيعة أبي بكر، ولأن أقدم فيضرب عنقي أحبّ إليَّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر)، فهذا يدلّ أنّ قول عمر: (كانت فلتة)، لم يرد مبايعة أبي بكر، وإنّما أراد ما وصفه من خلاف الأنصار عليهم، وما كان من أمر سعد بن عبادة وقومه، وقول عمر: (قتل الله سعداً) ))(19).

وهذا المعنى من الكرابيسي يثبت أنّها كانت خلسة، وانتهاز الفرصة، ولا يثبت أنّ عمر لم يرد بوصف (الفلتة) بيعة أبي بكر، وأراد ما وقع من خلاف الأنصار وسعد بن عبادة، لأنّه عدول عن ظاهر كلامه، فهو قال: ((إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت))، ثمّ يؤكّد على ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، فلا يخرج ما حاوله الكرابيسي عن التأويل البعيد.

وقال الزمخشري بعدما أورد ما ذكره أبي عبيد والخطّابي: ((ويجوز أن يريد بالفلتة الخلسة، يعني أنّ الإمارة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها كلّ نفس، ونيط بها كلّ طمع، ولذلك كثر فيها التشاجر والتجاذب، وقاموا فيها بالخطب، ووثب غير واحد يستصوبها لرجل عشيرته، ويبدي ويعيد، فما قلّدها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي، واختلاساً من المخالب، ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى))(20).
وهذا يكشف أنّها لم تكن شرعية، فأيّ حجّية لبيعة أُخذت خلسة من صاحبها الحقّ علي(عليه السلام)، وتولاّها أبو بكر تغلباً وانتزاعاً من الأيدي في المشاجرة بعد أن بايعه عمر، وتولّي خصوص أبا بكر لها لا يصحّحها بعد أن كان من ضمن المختلسين وطرفاً في المشاجرة.
وإن حاول الزمخشري تخفيف الأمر بأن جعلها جديرة بالشرّ لا أنّ الشرّ واقع فيها كما قال عمر، ولم يحاول أن يخرج الشرّ منها إلى غيرها كما فعل غيره، كابن الجوزي (ت597هـ) الذي نقل عن ثعلب قوله: ((في الكلام إضمار، تقديره: كانت فلتة من فتنة وقى الله شرّها))(21).

فانظر إليه كيف أدخل في الكلام ما ليس منه، وقلب به المعنى، وأرجع الضمير في (شرّها) إلى ما أضافه في كلام عمر، وهو لفظة (فتنة)، ليصرفه عن متعلّقه الواضح وهو (الفلتة)، فقلب معناها من المذمة إلى نقيضها وجعلها فضيلة! وإذا كان الهوى والعصبية تجوّز مثل هذا فلا عتب بعد ذلك على الجاحظ (ت255هـ) لمّا جعل الفلتة من مقام الأولياء والأنبياء، ليكون كلّ ما أنعم الله عليهم ووفّقهم له فلتات!

قال في العثمانية: ((فقد صدق أبو بكر، وصدق عمر، أنّ تلك البيعة كانت فلتة وأُعجوبة وغريبة. إذ سلمت على كلّ ما وصفنا من أسباب الهلكة، وهي سربخ، وليس دونها ستر ولا ردّ. فكانت بيعته يمناً وبركة أنقذ الله بها من الهلكة، وجمع بها من الشتات، وردّ بها الإسلام في نصابه، بعد تخلّعه واضطرابه. فأماتت السخيمة، وأودعت القلوب السلامة، وجمعتها على الأُلفة. وهذه مكرمة وعطية، ولا يجوز أن يحبو بها خالق العباد إلاّ نبيّاً أو خليفة نبيّ))(22).

نقول: نعم صدق أبو بكر وعمر بوصفها فلتة، وقد كانت أُعجوبة وغريبة خاصّة في انقلابهم على وصيّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وهو بعد لم يدفن، ولكن كونها سلمت من أسباب الهلكة الآنية ولم تسفك فيها الدماء لحكمة ومداراة عليّ(عليه السلام) لهم لا يجعلها شرعية، ولا يعطيها الحجّية، وبالتالي لا تكون يمناً وبركة، كيف والأُمّة إلى الآن تعاني من تبعتها وتنزف دماً بسببها، وقد أزالت روح الإسلام وحقيقته، ولم يبق منه إلاّ القشر والاسم، فهل مثل هذه تكون عطيّة ومكرمة لأقلّ المؤمنين فضلاً عن الأولياء والأنبياء؟! - ونحن لا نعلم أيّ فلتات الأنبياء تلك التي فيها شرّ، وأيّها يستحقّون عليها القتل؟!! - بل إنّها كانت ثلمة وشناعة في الإسلام إلى يوم القيامة.

وقد اعتمد هذه التأويلات قسم آخرين من علماء أهل السُنّة، كالقاضي أبي بكر الباقلاّني (ت 403هـ) في (تمهيد الأوائل)(23)، وسيف الدين الآمدي (ت631هـ) في (غاية المرام)(24)، وابن حجر (ت852هـ) في (فتح الباري)(25)، والعيني (ت855هـ) في (عمدة القاري)(26)، والمحب الطبري (ت694هـ) في (الرياض النضرة)(27)، والإيجي (ت756هـ) في (المواقف)(28)، والفضل بن روزبهان (ت927هـ) في ردّه على العلاّمة(29)، وابن حجر الهيتمي المكّي (974هـ) في (الصواعق)(30).

ولك أن تنظر في ما نقلناه وما أشرنا إلى مصادره من تأويلاتهم كيف يخبط بعضهم بعضاً، ويردّ آخرهم تأويل أوّلهم، ولا يخرجهم من هذه العويصة رأي واحد منهم، بإصرارهم على التأويل مقابل المعنى الظاهر، كلّ ذلك محافظة على أهوائهم وبناء مذهبهم، حتّى مقابل تصريح خليفتهم عمر بن الخطّاب.
ولكن هناك آخرون لم يعرفوا شيئاً من هذه التأويلات، فأخذوا بالمعنى الظاهر من لفظة (الفلتة) وإشعارها للذمّ والتخطئة.

من ذلك أورده محمّد بن جرير الطبري الشيعي في (المسترشد)، قال: ((روى الهيثم بن عدي، عن مجالد، قال: غدوت يوماً إلى الشعبي، وأنا أُريد أن أسأله عن شيء بلغني أنّ ابن مسعود كان يقوله، فأتيته في مسجد حيه، وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج ونهض إليه القوم، فقلت: أصلحك الله، أكان ابن مسعود يقول: ما كنت محدّثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلاّ كان لبعضهم فتنة؟ قال: نعم، كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عبّاس يقوله، وكان لابن عبّاس علوم يعطيها أهلها ويصونها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك، إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر خب على أبي بكر، فقال الأزدي: والله ما رأينا، ولا سمعنا قطّ برجل كان أسلس قياداً لرجل من عمر لأبي بكر، ولا أَقولَ فيه بالجميل من عمر في أبي بكر، فأقبل عليَّ الشعبي وقال: هذا ممّا سألت عنه! ثمّ أقبل على الرجل، فقال الشعبي: يا أخا الأزد! فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرّها، أترى عدوّاً يقول في عدوّه ما قاله عمر في أبي بكر؟! فقال الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو! أنت تقول مثل هذا؟! فقال الشعبي: ما أنا أقوله، ولكن قاله عمر بن الخطّاب، فنهض الرجل مسرعاً ولم يودّع، وهو كالمغضب يهمهم بما لا يفهم من الكلام. قال مجالد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلاّ سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثّه فيهم، قال: إذاً لا أحفل به، وقد قاله عمر على رؤوس المهاجرين والأنصار، ولم يحفل به، أأحفل به أنا! وأنتم أيضاً فأذيعوه عنّي ما بدا لكم))(31).

وفي كتاب (الإيضاح) المنسوب للفضل بن شاذان، قال: ((ورويتم عن المعتمر بن سليمان، عن يونس، عن الحسن البصري، أنّه سُئل عن قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه، ما أراد عمر بذلك؟ قال: شيء كان في صدر عمر أحبّ أن يظهره، فقال السائل: أمن موجدة كانت من عمر على أبي بكر؟ قال الحسن: فما تراه إذاً؟! مع أنّه قد كانت بين قوم حركة هي التي دعت عمر إلى ذلك الموقف بهذا الكلام. فقال له الرجل: فما تلك الحركة؟ فقال الحسن: أعرض عمّا فات، فإنّ الله حسيب ما هناك))(32).

فأنت لا تجد عند الشعبي ولا الحسن البصري شيئاً من تلك التأويلات التي أوردوها في معنى الفلتة، والحركة التي أشار إليها الحسن البصري هي ما جاء ذكره في أوّل رواية البخاري، وسيأتي الكلام عليها، ومثل هذه الروايات لم يذكرها محدّثوا أهل السُنّة لأنّها تعارض ما أرادوه من تأويل المعنى في قولة عمر!!

بل أصرح من ذلك ما في (المسترشد)، و(الإيضاح)، و(الشافي)؛ والنصّ كما في (المسترشد):
قال: ((رواه الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش الهمداني، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل من القوم: كانا والله شمسي هذه الأُمّة وبدريها، فقال ابن عمر: وما يدريك؟! فقال الرجل: أليس قد ائتلفا؟ فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، فأشهد أنّي كنت عند أبي يوماً، وقد أمرني أن أُهيّئ أحلاساً، وأصلح منها، إذ استأذن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال أبي: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه! فأوحشني منه ذلك، فقلت: يا أبة! عبد الرحمن خير من أبيه؟! فقال: ومن ليس خيراً من أبيه؟! لا أُمّ لك. وأذن لعبد الرحمن، فدخل، فكلّمه في أمر الحطيئة، أن يرضى عنه، وقد كان حبسه في شعر قاله، فقال له: إنّ في الحطيئة تأوّدا، فدعني أقومه وأحسنه بطول الحبس، فألحّ عليه عبد الرحمن، فأبى، وخرج عبد الرحمن، فأقبل علَيَّ عمر، فقال: أو في غفلة أنت إلى يومك هذا عمّا كان من أُحيمق بني تيم، وتقدّمه علَيَّ، وظلمه لي؟! فقلت: يا أبة! لا أعلم شيئاً من ذلك، فقال: يا بني! وما عسيت أن تعلم؟ فقلت: والله لهو أحبّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، فقال: إنّ ذلك لكما ذكرت على رغم أبيك وسخطه، فقلت: يا أبة! أفلا تحكي أفعاله بمقام في الناس، يبين ذلك عنه؟ فقال: وكيف لي بذلك، مع ما ذكرت من أنّه أحبّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، إذاً لرضخت هامة أبيك بالجندل.
قال ابن عمر: ثمّ تجاسر فجسر، فما دارت الجمعة حتّى وقف به في الناس، فقال: يا أيّها الناس! كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها فمن عاد لمثلها فاقتلوه...
فقال ابن عمر: لكلّ أمر سبباً، وإن ما كان من أخبار هؤلاء القوم الذين همّوا بأفاعيل، هي التي هيّجت على عمر، وأنّه باب فتحه عمر من السخطة على أبي بكر))(33).

وهذه الأخبار وإن لم تكن حجّة على أهل السُنّة، ولكنّها لا تخلو من الدلالة على ظاهر المعنى في الفلتة، وأن لا موضع للتأويل فيها إلاّ التعلّلات والاستبعادات التي نقلناها عنهم:
فقد جاء في رواية البخاري التي هي الأصحّ عند القوم عن ابن عبّاس: ((إذ رجع إليَّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت، فغضب عمر، ثم قال:...)).

ثمّ ذكر خطبة عمر، وفيها: ((ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترّن امرؤ أن يقول، إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر...))(34) الخ.
ففلان الذي قال أوّلاً: إنّ بيعة أبي بكر فلتة، وأقرّه عمر على ذلك في خطبته، لم يكن يقصد منها المدح والفضيلة، ولا يقصد ما تأوّلوه من تلك المعاني قطعاً، وإلاّ لماذا غضب عمر؟! بل المعنى واضح من سياق كلامه أنّه كان يقصد باللفظة الإشارة إلى بطلان وعدم حجّية بيعة أبي بكر، وأنّه يريد أن يصحّح ذلك بالبيعة للآخر الذي نادى ببيعته بُعيد موت عمر.

وإذا عرفنا أنّ فلان القائل بالفلتة، وفلان الذي يراد البيعة له، كانا من الصحابة، لكفانا ذلك في الاستدلال على بطلان بيعة أبي بكر، فإنّ شهادة القائل، وشهادة عمر في عرض واحد في الحجّية، بل إنّهما اتّفقا في الشهادة، فإنّ الأوّل شهد بالفلتة على معناها الذي يريده، وأقرّه عمر على تلك الشهادة، كما هو واضح من حديث البخاري!

ففي رواية البلاذري: ((عن بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، قال: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجّلت الرواح حين صارت الشمس صكة عمّي. فلمّا سكت المؤذّنون، خطب فقال: إنّي قائل مقالة لا أدري لعلّها قدّام أجلي، فمن وعاها، فليتحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإنّي لا أحلّ لأحد أن يكذب عليَّ.
ثم قال: بلغني أنّ الزبير قال: ((لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة))، فكذب والله، لقد أقامه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله))(35).

وطريق هذه الرواية يتّحد مع طريق رواية البخاري السابقة، وقد صرّح ابن حجر بقوّته(36)، وفيها قول الزبير: (بايعنا) بالجمع، وهذا يعني أنّ معه غيره! وفيها أيضاً تصريح عمر باسم القائل، ومن يراد المبايعة له! فأيّ أيدٍ أمينة حذفتهما من نصّ رواية البخاري؟!! وأي أيد أمينة وضعت تكذيب عمر للقائل هنا مع وضوح إقراره له في رواية البخاري؟!!
كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ ابن حجر(37)، والحافظ الهيثمي(38) ضعّفا سند ما جاء في (مسند البزّار) من أنّ الذي يراد المبايعة له طلحة(39).
ونقل ابن أبي الحديد عن البلخي عن الجاحظ: إنّ الرجل الذي قال: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً عمّار بن ياسر(40).
وروى البلاذري أيضاً بطريق يتّحد مع سابقه: ((...إنّ فلاناً وفلاناً قالا: لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، فتمّت بيعته، فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها...))(41).

وفي آخر: ((عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عمر قال: إنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها...))(42).
وقال ابن حجر: ((ووقع في رواية ابن إسحاق: أنّ من قال ذلك كان أكثر من واحد، ولفظه: أنّ رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر))(43)، والخبر في (مصنّف) ابن أبي شيبة(44).
وفي رواية البزّار التي أشرنا إليها: ((قال ناس من الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً، يعنون طلحة بن عبيد الله))(45).
ولفظة رواية ابن أبي شيبة: ((فبلغه أنّ الناس يقولون: لو مات أمير المؤمنين قمنا إلى فلاناً فبايعناه))(46)، ومن طريقٍ آخر: ((فسمعته يقول - أي عمر ــ: إنّي قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة...))(47)، وفي آخر: ((قال: وقد بلغني أنّ رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر أنّها كانت فلتة، ولعمري! إن كانت كذلك))(48).
وروى النسائي عن عبيد الله بن عبيد، عن ابن عبّاس: ((أنّ عمر قال: إنّي قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة...))(49).
وفي أخبار الدولة العبّاسية بطريق الكلبي، أنّ ابن الزبير قال: إنّ ناساً قالوا: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ...))(50).

فظهر أنّ القائلين: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة))، وأقرّهم عمر في خطبته على ذلك، ليسوا واحد كما في رواية البخاري، بل هم رجال من المهاجرين والأنصار، فيهم الزبير، وعمّار، بل في روايات عديدة (أُناس)، وفي بعضها (الناس) بألف ولام، الدالّة على الإطلاق والشمول! وكلّهم حسب ظاهر الروايات لم يكونوا في صدد مدح بيعة أبي بكر وإقرارها، بل في صدد الاعتراض عليها وعلى الطريقة التي تمّت بها، وبيان عدم إقرارهم بحجّيتها، بدليل طلبهم التصحيح بمبايعة عليّ(عليه السلام)، فلولا اعتقادهم بأحقّية عليّ(عليه السلام) وعدم صحّة خلافة أبي بكر لمّا نادوا - وبين الحجيج - على عزمهم المبادرة إلى مبايعة عليّ(عليه السلام) فور موت عمر، وقد كان أمر بيعة أبي بكر من المعروفية والشهرة بمكان حتّى أنّ عليّاً(عليه السلام) عرّض ببيعة الفلتة في خطبة له أوّل خلافته عندما تخلّف عنه سعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، ومحمّد بن سلمة، وأُسامة بن زيد، وغيرهم، فقال في خطبته برواية الشعبي: (وهذه بيعة عامّة، من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتّبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً، وإنّي أُريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم...)(51)، وقال ابن أبي الحديد، وابن ميثم البحراني في شرحيهما: ((وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر))(52)، فهل في تعريضه(عليه السلام) ما يشمّ منه رائحة المدح؟!
وأين هذا المعنى ممّا حاول المتأوّلون تأويله صرفاً عن معناه وتعمية على المسلمين وتقديساً لرموز السلف؟!

ومن الواضح من عبارة عمر أنّه يقرّهم على ما أرادوا من معنى، ويزيد الأمر وضوحاً معرفتنا أنّ ما نسب إليه من قوله: ((وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر))، لم يروه إلاّ الزهري المعروف بانحرافه عن عليّ(عليه السلام) وهواه في أبي بكر وعمر وشدّة جهده في تشييد أركان أمرهما.

فعند تتبّع رواياته التي نقلها البلاذري، نجد أنّه روى عنه مرفوعاً: ((خطب عمر الناس يوماً، فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرّها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة. فقال الحبّاب بن المنذر...))(53)، وليس فيها هذه الزيادة من قول عمر، لكنك تجد الزيادات المختلفة العبارة في مروياته الأُخر، بما يشعرك بمحاولاته للترقيع حسب اختلاف أوقات التحديث والرواية!

ففي رواية البلاذري، عن بكر بن الهيثم: بلغني أنّ الزبير قال: ((لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة))، فكذب والله، لقد أقامه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله))(54).

وروى عن: ((علي بن محمّد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب خطب خطبة، قال فيها: إنّ فلاناً وفلاناً قالا: لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً فتمت بيعته، فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، وكذبا والله، ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)، فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنّهما أهل أن يقتلا...))(55).

ففضلاً عن أنّ النصّ فيه قلب لكلام عمر إلى عكسه من تكذيبه لقولة الفلتة، فيه تقوّلٌ عليه ما لم يقله، بل فيه كذب على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من أنّه اختار أبا بكر ليقوم مقامه! مع أنّ الفقرات واضحة الإقحام ولا يتسق موضعها بين قوله: ((فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها))، قوله: ((فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنّهما أهل أن يقتلا))، فإنّ سياق الكلام وجريه يتّفق مع تتابع الفقرتين لاتّحاد المعنى فيهما، ولا مكان لإقحام الفقرات الأُخر للطفرة الواضحة في جري الكلام على المعنى المقصود.

ولوضوح كذب الفقرات الآنفة - نعني: ((ولقد أقامة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه، واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)))، اقتصر الزهري في الروايات الأُخر على الفقرة الأخيرة، كما عند أحمد بطريق مالك بن أنس عن الزهري(56)، والبخاري بطريق صالح عن الزهري(57)، وعبد الرزّاق الصنعاني بطريق معمر عن الزهري(58)، وابن حبّان بطريق هشيم عن الزهري(59)(60)، وابن عساكر بطريق سفيان بن عيينة عن الزهري(61)، والطبري بطريق عبّاد بن راشد عن الزهري(62)، وابن إسحاق عن طريق عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري(63).

وفي رواية ابن أي شيبة بطريق عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري، اختلفت عبارته بعض الشيء، حيث قال: ((وقد بلغني أنّ رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر: أنّها كانت فلتة، ولعمري! إن كانت كذلك، ولكن الله أعطى خيرها ووقى شرّها، وإيّاكم هذا الذي تنقطع إليه الأعناق كانقطاعها إلى أبي بكر...))(64).
وتجد عند الزهري أُولى محاولات التأويل كما وجدت في بعض الذي أوردناه التكذيب..

فقد روى البلاذري، قال: ((وحدّثني محمّد بن سعد، ثنا محمّد بن عمر الواقدي، عن أبي معمر، عن المقبري، ويزيد ابن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب، قال: بينا المهاجرون في حجرة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وقد قبضه الله إليه، وعليّ بن أبي طالب والعبّاس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبداً. هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح...))(65).

وهذا كما هو واضح من قول الزهري وادّعاءه وحده، يريد أن يوحي أنّ الفتنة الفلتة كانت من الأنصار، وأنّ الله وقى شرّها بأبي بكر، مع أنّ كذبه ظاهر! لأنّ من جاء وأخبر عمر بما في سقيفة بني ساعدة واحد لم يذكروا اسمه، وعمر هو الذي أخبر أبا بكر، ثمّ ذهب الثلاثة فلاقاهم معن وعويم.. فتأمّل كذبه الواضح الفاضح هنا!! وهو كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ترقيعاً لرواية أشياخه وتشيداً لأركان أمرهما!
هذا، ولم ترد هذه الزيادة - أي: قوله: وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر - في روايات غير الزهري!

روى ابن أبي شيبة، قال: ((حدّثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يحدّث عن ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: حجّ عمر فأراد أن يخطب الناس خطبة، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنّه قد اجتمع عندك رعاع الناس وسفلتهم، فأخّر ذلك حتّى تأتي المدينة، قال: فلمّا قدمت المدينة دنوت قريباً من المنبر، فسمعته يقول: إنّي قد عرفت أنّ أناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة، وإنّما كانت فلتة ولكن الله وقى شرّها، إنّه لا خلافة إلاّ عن مشورة))(66).
ورواها النسائي عن الحسين بن إسماعيل بن سليمان الجالدي، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن شعبة...(67).

ورواها بطريق آخر، قال: ((أخبرنا العبّاس بن محمّد الدوري، قال: ثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خطبنا عمر فقال: قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر كانت فلتة ولكن وقى الله شرّها، وإنّه لا خلافة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجل بايع رجلاً عن غير مشورة لا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا))(68).
ومثله عن ابن سلام والزمخشري في غريبيهما(69).
فهذه عن طريق عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس بغير طريق الزهري.

وروى البلاذري: ((محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، قال: لمّا بلغ عمر في حجّته التي رجع منها فطعن، أنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقال: إن كانت فلتة فقد وقى الله شرّها، وإن حدث بي حدث فالأمر إلى الستّة الذين قبض رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وهو عنهم راض))(70).

وروى أيضاً: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عمر قال: إنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها، وإنّ بيعة عمر كانت عن غير مشورة، والأمر بعدي شورى))(71).

وروى اليعقوبي: ((واستأذن قوم من قريش عمر في الخروج للجهاد، فقال: قد تقدّم لكم مع رسول الله. قال: إنّي آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرة. لا تخرجوا! فتسلّلوا بالناس يميناً وشمالاً. قال عبد الرحمن بن عوف، فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين، ولم تمنعنا من الجهاد؟ فقال: لأن أسكت عنك، فلا أجيبك، خير لك من أن أجيبك. ثم اندفع يحدّث عن أبي بكر، حتّى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه))(72).

وكذا لم ترد الزيادة عنه كلّ من رواه مرسلاً أو أقرّ به من الشيعة أو من أهل السُنّة، فاقتصروا على قولة عمر بعدها: ((وقى الله شرّها))، كالشيخ الطوسي(73)، والقاضي النعمان(74)، والصدوق(75)، والكراجكي(76)، وأبو جعفر الإسكافي(77)، والإمام يحيى بن الحسين(78)، والزمخشري(79)، والإيجي(80)، والقاضي عبد الجبّار(81)، والمرتضى(82)، والعلاّمة الحلّي(83)، والشهرستاني(84)، والتفتازاني(85).
بل إنّ ابن أبي الحديد ذكر أنّ عمر قالها مرّتين، قال: ((فأمّا حديث الفلتة، فقد كان سبق من عمر أن قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.

وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عبّاس وعبد الرحمن بن عوف فيه حديث الفلتة، ولكنّه منسوق على ما قاله أوّلاً، ألا تراه يقول: فلا يغرنّ امرءاً أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فلقد كانت كذلك، فهذا يشعر بأنّه قد كان قال من قبل: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة))(86).
ويؤيّد ذلك ما أوردناه عن ابن عمر عن قول أبيه لمّا جاءه عبد الرحمن بن أبي بكر، وما رواه اليعقوبي في جواب عمر لعبد الرحمن بن عوف.

نعم، وردت عبارة قريبة ممّا رواه الزهري عن غير طريقه، رواها البزّار، عن زهير بن محمّد بن قمير، قال: نا حسين بن محمّد، قال: نا أبو مشعر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قالا:
- والرواية طويلة، وفيها قول عمر -: ((قد بلغني مقالة قائلكم: لو قد مات عمر أو لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً فبايعناه، وكانت إمارة أبي بكر فلتة، أجل والله لقد كانت فلتة، ومن أين لنا مثل أبي بكر نمدّ أعناقنا إليه كما نمدّ أعناقنا إلى أبي بكر...))(87)، ورواها ابن أبي شيبة عن ابن معشر أيضاً(88).
ولكنّها فضلاً عن ضعفها كما ذكر الهيثمي بابن معشر(89)، ليست نقلاً لنصٍ روائي، وإنّما سرد متأخّر طويل بالمعنى، ملفّق من عدّة روايات، لكيفية قسمة العطاء في زمن أبي بكر، وما تلاه من تدوين عمر للدواوين وقسمته خلافاً لِما قَسَمَ أبو بكر.

وبالتالي فإنّه يتّضح من كلّ ما ذكرنا تفرّد الزهري بهذه العبارة، ويتّضح كذلك من اختلاف عباراته وزيادته ونقصانه في الروايات المختلفة عنه، أنّها من وضعه، بإقحامه في الرواية ما ليس منها، وتقوّله على عمر ما لم يقله، والغرض منه واضح!
وبه يرتفع ما يجده القارئ للرواية من عدم سلاسة واتّساق العبارة بين ما سبقها وما لحقها وعدم موائمتها لمجمل المعنى الذي أراده عمر.

إن قلت: من أين جاء الزهري بهذا الاعتذار، بل محاولة جعل الفلتة فضيلة لأبي بكر؟ هل هو من عنده أو ألقاه أحد في ذهنه.

قلنا: جاء في كتاب (أخبار الدولة العبّاسية) من طريق هشام بن محمّد الكلبي، قال: ((قال عيسى بن طلحة: حضرت من ابن عبّاس محضراً ما حضرته من قرشي قطّ، قال: كان مروان بن الحكم يأذن للناس بعد العصر، وكان ابن عبّاس يجلس على منبر رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عند رأسه وابن الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر الذي عند رأسه، فجاء ابن عبّاس فجلس مجلسه وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنّه يريد أن يتكلّم، فقال: إنّ أُناساً قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإنّ أمر أبي بكر كان أعظم من أن يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيراً من أبي بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة واستخلف عمر، فلم يكن إلاّ ما قال أبو بكر، ثم حضرت عمر الوفاة، فألقى حظّهم في حظوظ، وجدّهم في جدود، فأسقط الله حظّهم وأدحض جدّهم، وأخذ علمهم من كان أولى بذلك منهم، حتّى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرّة فقتلوه، ثمّ قتلهم الله بعد ذلك كل قتلة، وفرّقهم تحت بطون الكواكب.

فقال ابن عبّاس: على رسلك أيّها القائل في أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدّم من تقدّم منهم، وإن كانوا خيراً فما نألو أن نقول، ولو تقدّم متأخّر لكان أهله. ولولا أنّك تذكر حظّ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أنّ من أُولئك متكلّماً لأخبرته عنّي وعنه خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما لا عليك ولا لك؟ أقصر على حظّ نفسك فإنّه لك، وإنّ أحداً لن ينازعك، إنّي وإيّاك من الأوّلين بمنزلة، وإنّ الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعدي لعدي، وأُميّة لأُميّة، وإن يك في أسد شيء فهو لك، والله لأنا أقرب بك عهداً وأبيض عندك يداً ممّن أمسيت تظنّ هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد))(90).

ومن الواضح أنّ هذه المقولة في ذمّ بيعة أبي بكر قد اشتهرت عن أنصار عليّ(عليه السلام)، وعُرفت بين الناس، حتّى اضطرّ ابن الزبير لمجابهة ابن عبّاس والتعريض بعليّ(عليه السلام)، فأجابه ابن عبّاس بما أسكته، وأخبره أنّه لو كان من فخر بهم من الأوّلين إحياء لعرف كيف يجيبهم جواب حاضر لحاضر، وتبيّن من هذه الرواية أنّ ابتداء قول الزهري أخذه من ابن الزبير وآله، ولا يبعد أن يكون أوّله من عائشة خالة ابن الزبير.
إذا عرفت هذا واتّضح لك المعنى المراد من لفظة الفلتة، وأنّه لا يخرج عن الذمّ والقدح، سواء أريد بها الفجأة، أو الزلّة، أو الخلسة، بما يؤدّي إلى بطلان بيعة أبي بكر.
فإنّا نقول: إنّ معنى المراد فهمه كلّ الناس عامّهم وخاصّهم حتّى أصبح مورد المثل، ونظمه الشعراء.

قال دعبل الخزاعي في قصيدته المشهورة التي ألقاها لمّا قدم على الرضا(عليه السلام):

تراث بلا قربى وملك بلا هدى ***** وحكم بلا شورى بغير هداة
رزايا أرتنا خضرة الأُفق حمرة ***** وردت أُجاجاً طعم كلّ فرات
وما سهلت تلك المذاهب فيهم ***** على الناس إلاّ بيعة الفلتات(91)

ونقل أبو حيّان التوحيدي (ت400هـ) في معرض سرده لحالات الصاحب بن عبّاد نقلاً عن محمّد بن المرزبان، قال: ((وحدّثني، قال: انفلتت ليلة أُخرى ضرطة من بعض الحاضرين وهو في الجدل، فقال على حدته وجنونه (كانت بيعة أبي بكر)، خذوا فيما أنتم فيه، يعني (كانت فلتة) لأنّه قيل في بيعة أبي بكر: (كانت فلتة)))(92)، وأوردها عن أبي حيّان ياقوت الحموي في (معجم الأُدباء)(93).

وإن قلت: إذاً كيف لنا أن نوفّق بين ما تجشمه وجهده عمر في فعله وقوله لتشييد بيعة أبي بكر، وترسيخ شرعيتها وإقامة أركانها أوّل أمره - إذ ما اتّسقت إلاّ على يديه - وبين وقوفه في آخر جمعته لينقض بنائها ويهدم أساسها، بحيث يجعلها لم تتم على شيء بقولته فيها أنّها فلتة، بل زاد بأن أوعد على قتل فاعل مثلها؟

وهل يعقل مثل هذا التناقض مع ما ظهر واشتهر وبان من اتّساقهما وتوافقهما على أمرها؟
قلنا: إن عرف السبب بطل العجب! ولو عُرف الغرض والغاية القصوى لكلّ أفعال وأقوال عمر من يوم رجوعه عن بعث أُسامة إلى آخر لحظات حياته بعد طعنة أبي لؤلؤة له، لزال ما تجده من التناقض المتوهّم، وانبسطت أمامك مواقفه متراتبة متّسقة في وضوحها كرابعة النهار.

فلم يكن في قولته بوجه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يوم مرضه في حجرته، ولا في وقفته مع أبي بكر في سقيفة بني ساعدة وصفقه على يده، إلاّ رافضاً مانعاً لولاية عليّ(عليه السلام) وحقّه، كما لم يقم في جمعته الأخيرة مهدّداً متوعّداً وواصفاً للبيعة التي أقامها بأنّها فلتة، إلاّ تمسّكاً بهذا الرفض لتولّي عليّ(عليه السلام)، وإصراراً على دفعه عن حقّه، فغضبه من قول الزبير وعمّار ومن معهما بأنّهم سيبايعون عليّاً(عليه السلام) أخرجه عن طوره، بحيث لم يعطي أدنى أهمّية لما ينتج من التنافي بين قوله الأخير وبين كلّ ما صدر منه اتّجاه أبي بكر طوال خلافته ما دام يمكن له أن يحقّق مطلوبه في منع عليّ(عليه السلام) من تسلّم كرسي الخلافة.

فبعد أن تشاور مع عبد الرحمن بن عوف واتّفقا على حبك خطّة الشورى للوقوف أمام المنادين ببيعة عليّ(عليه السلام)، لم يبق هناك كثير أهمّية لأن يقف ويُشهّر ببيعة الفلتة.. ما كان تشهيره يمهّد الجوّ العام لتنفيذ خطّته ويخدم غرضه ومطلوبه الأساس ويقطع الطريق على المناوئين، بعد أن قرنه بالتهديد بالقتل، لم يكرر ما فعله مع أبي بكر ولكن مع عليّ(عليه السلام).

وفي البنان بقية بيان في هذا الموضع أعرضنا عنه خوف الإطالة والملل.
ودمتم برعاية الله 

(1) صحيح البخاري 8: 26 باب رجم الحبلى من الزنا.
(2) منهاج السُنّة 5: 469 فصل: مناقشة ابن المطهّر في ذكره لمثالب أبي بكر.
(3) منهاج السُنّة 8: 278 قول الرافضي: الثاني قول عمر: بيعة أبي بكر فلتة.
(4) أنساب الأشراف 1: 591 (1196) أمر السقيفة وبيعة أبي بكر، العثمانية، للجاحظ: 231، سبل الهدى والرشاد 12: 315 الباب الثالث والثلاثون، في ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر.
(5) شرح نهج البلاغة 2: 50 (26) حديث السقيفة.
(6) المصدر نفسه.
(7) تاريخ الطبري 2: 459 ذكر خبر ما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة.
(8) غريب الحديث 2: 231، 232 مادّة (فوت).
(9) غريب الحديث 3: 355 - 357 مادّة (غرر)، المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده 9: 494 التاء واللام والفاء.
(10) غريب الحديث، للخطابي 2: 123 - 126 حديث عمر بن الخطّاب.
(11) صحيح ابن حبّّان 2: 158 باب حقّ الوالدين، الزجر عن أن يرغب المرء عن آبائه إذ استعمال ذلك ضرب من الكفر.
(12) شرح المقاصد 2: 293 المقصد السادس، الفصل الرابع، المبحث الخامس، شرح التجريد، للقوشجي: 371 المقصد الخامس في الإمامة، مطاعن أبي بكر.
(13) غريب الحديث، للخطابي 2: 126 - 128 حديث عمر بن الخطّاب، حديث عمر أنّه قال: (إنّ بيعة أبي بكر فلتة...)، مشارق الأنوار على صحيح الآثار 2: 157 مادّة (ف ل ت).
(14) المصدر نفسه.
(15) فتح الباري 12: 132 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(16) المغني 20: 339 فصل في ذكر مطاعنهم في أبي بكر وبيان الجواب عنها، شبهة أخرى لهم.
(17) الشافي 4: 126 كتاب بيعة أبي بكر فلتة.
(18) فتح الباري 12: 129 باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت.
(19) شرح صحيح البخاري، لابن بطّال 8: 460 كتاب الرجم، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(20) الفائق في غريب الحديث 3: 50 الفاء مع اللام.
(21) كشف المشكل من حديث الصحيحين 1: 65 الحديث (26)، كشف المشكل من مسند أبي حفص عمر بن الخطّاب.
(22) العثمانية: 158 قول أبي بكر وعمر في أنّ بيعة أبي بكر فلتة.
(23) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: 496 باب الكلام في إمامة أبي بكر.
(24) غاية المرام في علم الكلام: 389 القانون الثامن، الطرف الثاني: في معتقد أهل السُنّة في الصحابة وإمامة الخلفاء الراشدين.
(25) فتح الباري 12: 132 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(26) عمدة القاري 24: 10 الحديث (6830) باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(27) الرياض النضرة 1: 237 ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها.
(28) المواقف 3: 600 نفي أهلية الإمامة عن أبي بكر.
(29) انظر: إحقاق الحقّ: 219.
(30) الصواعق المحرقة: 36 الفصل الخامس، في ذكر شبة الشيعة الرافضة.
(31) المسترشد: 245 الحديث (70) الباب الثاني: باب الفضل والعلم لمن أودعوها له.
(32) الإيضاح: 134 في أنّه كانت بيعة أبي بكر فلتة.
(33) المسترشد: 242 الحديث (69) الباب الثاني: باب الفضل والعلم لمن أودعوها له، الإيضاح: 135 فيما نقل من عمر في أبي بكر، الشافي في الإمامة 4: 126 كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها.
(34) البخاري 8: 25 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(35) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1176).
(36) مقدّمة فتح الباري: 337 كتاب الحدود.
(37) المصدر نفسه.
(38) مجمع الزوائد 6: 3 باب تدوين العطاء.
(39) مسند البزّار 1: 407 الحديث (286) مسند عمر بن الخطّاب.
(40) شرح نهج البلاغة 2: 25 (26) حديث السقيفة.
(41) أنساب الأشراف 1: 583 الحديث (1188).
(42) أنساب الأشراف 5: 500 الحديث (1282).
(43) فتح الباري 12: 129 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(44) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(45) مسند البزّار 1: 407 الحديث (286) مسند عمر بن الخطّاب.
(46) المصنّف 7: 615 ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين.
(47) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(48) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(49) السنن الكبرى 4: 272 الحديث (7151)، و 4: 273 الحديث (7154).
(50) أخبار الدولة العبّاسية: 93 من أخبار عبد الله بن عبّاس مع ابن الزبير.
(51) الإرشاد، للمفيد 1: 243 من كلامه (عليه السلام) حين تخلّف بعض الصحابة، نهج البلاغة 2: 19 (136).
(52) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 31 (136)، شرح نهج البلاغة، لابن ميثم 3: 164 (135).
(53) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1179).
(54) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1176).
(55) أنساب الأشراف 1: 583 الحديث (1181).
(56) مسند أحمد بن حنبل 1: 55 مسند عمر بن الخطّاب، حديث السقيفة.
(57) صحيح البخاري 8: 25 كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(58) المصنّف 5: 441 الحديث (9758).
(59) صحيح ابن حبّان 2: 148 الحديث (412) باب حقّ الوالدين.
(60) في رواية عبد الرزّاق وابن حبّان زيادة بعدها، وهي قوله: ((أنّه كان من خيرنا حين توفّي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)))، وهو أيضاً إقحام في الرواية لو صحّ بهذا اللفظ، والصحيح أنّه تصحيف من قوله في رواية أحمد وغيره: ((وأنّه كان من خبرنا حين توفّي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، أنّ عليّاً والزبير...)).
(61) تاريخ مدينة دمشق 30: 285 ترجمة أبي بكر.
(62) تاريخ الطبري 2: 446 السنة الحادي عشرة، حديث السقيفة.
(63) السيرة النبوية، لابن هشام 4: 1071 أمر سقيفة بني ساعدة.
(64) المصنّف 8: 570 - 571، ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(65) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1177).
(66) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(67) السنن الكبرى 4: 273 الحديث (7154).
(68) السنن الكبرى 4: 272 الحديث (7151).
(69) غريب الحديث 4: 355 مادة (غرر)، الفائق في غريب الحديث 3: 50 مادة (فلت).
(70) أنساب الأشراف 1: 591 الحديث (1198).
(71) أنساب الأشراف 5: 500 الحديث (1288).
(72) تاريخ اليعقوبي 2: 157 أيام عمر بن الخطّاب.
(73) الاقتصاد: 208 ذكر أعيان الأئمّة(عليهم السلام)، دليل آخر على إمامته.
(74) دعائم الإسلام 1: 85 ذكر من يجب أن يؤخذ عنه العلم.
(75) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 255 باب ذكر ما كلّم به الرضا يحيى بن الضحّاك السمرقندي.
(76) التعجّب من أغلاط العامّة: 54 الفصل الرابع.
(77) المعيار والموازنة: 38 بدء بيعة أبي بكر وبيان عن نفسيته.
(78) تثبيت الإمامة: 13 قول عمر: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة.
(79) الفائق في غريب الحديث 3: 50 مادة (فلت).
(80) المواقف 3: 600.
(81) المغني/ قسم الإمامة 20: 339.
(82) الشافي 4: 126 كانت بيعة أبي بكر فلتة.
(83) منهاج الكرامة: 99 المطاعن.
(84) الملل والنحل 1: 24 المقدّمة الرابعة.
(85) شرح المقاصد 2: 293.
(86) شرح نهج البلاغة 2: 26 (26) حديث السقيفة.
(87) مسند البزّار 1: 407 الحديث (286) مسند عمر بن الخطّاب.
(88) المصنّف 7: 615 الحديث (5) ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين.
(89) مجمع الزوائد 6: 5 باب تدوين العطاء.
(90) أخبار الدولة العبّاسية: 93 من أخبار عبد الله بن عبّاس مع ابن الزبير.
(91) ديوان دعبل الخزاعي: 57 قال يذكر ما أصاب آل البيت من كوارث وألم، مختصر أخبار شعراء الشيعة: 100 دعبل بن علي الخزاعي.
(92) أخلاق الوزيرين 1: 228.
(93) معجم الأُدباء 6: 217 إسماعيل بن عبّاس الوزير الصاحب.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » من روى قوله: وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة


كميل / الكويت
السؤال: من روى قوله: وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة
أجد الكثير من الروايات التي لا أعلم مدى صحّتها عند أهل السُنّة، فأرجو تزويدي بالمصادر الموثقة عندنا، أو عند أهل السُنّة حتّى تتم الحجّة عليهم:
الحديث القائل عن أبي بكر، أنّه قال قبيل وفاته: ((إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ ووددت أنّي تركتهنّ... وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب...)).
الجواب:

الأخ كميل المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روى قول أبي بكر: ((إنّي لا آسي على شيء من الدنيا...)) جمع كثير من المحدّثين من الخاصّة والعامّة.

الأول : فأمّا من رواه من العامّة، فهم:
1- أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت224هـ) في كتابه (الأموال)، ولكنّه أبهم ندمّ أبي بكر على كشفه بيت فاطمة(عليها السلام)، فقال: ((فوددّت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا لخلّة ذكرها - قال أبو عبيد: لا أريد أن أذكرها ــ...))(1).

2- الحافظ سعيد بن منصور (ت227هـ) في سننه، وحسّنه، وكتابه السنن مفقود إلاّ جزء صغير منه مطبوع، ولكن أخرجه عنه الهندي في (كنز العمّال)(2)، وأسنده بعد أن أورد الحديث بطوله إلى: ((أبو عبيد في كتاب الأموال، العقيلي، وخيثمة بن سليمان الطرابلسي في فضائل الصحابة، الطبراني، ابن عساكر، سعيد بن منصور، وقال: إنّه حديث حسن إلاّ أنّه ليس فيه شيء عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)...)) الخ.

3- وسُئل أحمد بن حنبل (ت241هـ) عن قول أبي بكر بسند ليس فيه علوان بن داود، فقال: ليس بصحيح..

قال ابن قدامة المقدسي في (المنتخب من علل الخلال): ((قال مهنا: سألت أحمد عن حديث الليث بن سعيد، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنّه دخل على أبي بكر في مرضه، فسلّم عليه، فقال: أما إنّي ما آسى إلاّ على ثلاث فعلتهنّ... الحديث؟

فقال أحمد: ليس صحيحاً. قلت: كيف ذا؟ قال: أخذ من كتاب ابن دأب، فوضعه على الليث.

قال الخلال: قال أبو بكر بن صدقة: روي هذا الحديث عن علوان بن داود البجلي، من أهل قرقيسيا، وهو يحدّث بهذه الأحاديث عن ابن دأب، ورأيت هذا الحديث من حديثه عن دأبٍ، وعلوان في نفسه لا بأس به))(3).

والسند المذكور أورده ابن عساكر في (تاريخه)، وقال في آخر الحديث: ((كذا رواه خالد بن القاسم المدائني، عن الليث، وأسقط منه علوان بن داود. وقد وقع لي عالياً من حديث الليث، وفيه ذكر علوان...))(4)، ثمّ أورد السند.. فمن الواضح سقوط علوان من هذا السند؛ لوجوده في سند كلّ من روى قول أبي بكر عن الليث وعن غيره.

وما قاله أحمد بن حنبل وما نقله الخلال (311هـ) عن ابن صدقة (293هـ) من أنّ الحديث أُخذ من كتاب ابن دأب، غير صحيح.. لعدم وجود ذكر لابن دأب في جميع أسانيد الحديث عند كلّ من رواه على كثرتهم شيعة كانوا أم سُنّة، ولعلّ ما قاله الطبري في ذيل الحديث من تأكيده على اتصال السند بعلوان ردّ على ما قاله أحمد! وسيأتي.

4- ابن زنجويه حميد بن مخلّد (ت251هـ) في كتابه (الأموال)، ولكنّه أبهم كشفه بيت فاطمة(عليها السلام) في المورد الثاني أيضاً، وقال: ((فوددّت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا، لشيء ذكره))، مع أنّه صرّح به في المورد الأوّل(5)!

5- ابن قتيبة الدينوري (ت276هـ) في كتابه (الإمامة والسياسة)، ورواه مرسلاً ولم يذكر له سند(6).

6- البلاذري (ت279هـ) في كتابه (أنساب الأشراف)، رواه بسند آخر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عوف، وليس فيه علوان(7).

7- أبو العبّاس المبرّد (ت285هـ) في كتابه (الكامل)، روى أوّله مرسلاً(8).

8- محمّد بن جرير الطبري (ت310هـ) في (تاريخه)، بسند عن الليث، عن علوان، وقال في آخره: ((قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثمّ قدم علينا علوان بعد وفاة الليث، فسألته عن هذا الحديث؟ فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً، وأخبرني أنّه هو حدّث به الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه؟ فأخبرني أنّه: علوان بن داود))(9)، وكأنّ ما ذكره آخراً جواباً لما قاله أحمد بن حنبل الذي أوردناه آنفاً؛ فلاحظ!

9- العقيلي (ت322هـ) في كتابه (الضعفاء الكبير)، رواه بسنده عن سعيد بن كثير بن عفير، عن علوان بن داود، ثمّ أورد له أسانيد أُخر عن الليث، ولكنّه ضعّف علوان، وقال: ((لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلاّ به، حدّثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري، قال: علوان بن داود البجلي، ويقال: علوان بن صالح، منكر الحديث. وهذا الحديث حدّثناه...))، ثمّ أورد الحديث في قول أبي بكر بالسند المذكور(10).
ومن الواضح أنّه لم يجد تضعيفاً في علوان إلاّ إنكار حديثه، فجعله منكر الحديث، ونقل ذلك عن البخاري - مع أنّا لم نجده منقولاً عنه في غيره! - وهذا مصداق من مصاديق ردّ الحديث بالرأي وتضعيف الرواة به، وإلاّ فقد سمعنا تحسين الحديث عن سعيد بن منصور، كما ذكره المتّقي الهندي، وعرفنا قول حافظ بغداد أبو بكر بن صدقة (ت293هـ) في علوان بأنّه لا بأس به في نفسه، ثمّ أنّ ابن حبّان ذكره في (الثقات)(11).
وكان القوم لمّا حاروا في تضعيف الحديث، ذهب كلّ منهم في مورد، فقال أحمد بن حنبل أنّه أُخذ من كتاب ابن دأبٍ! ولوضوح خطئه ودوران أسانيد الحديث على علوان بن داود التجأ العقيلي إلى تضعيفه بنكارة حديثه. وقد بيّنا عدم صحّة ذلك.

نعم، نقل العقيلي عن سعيد بن عفير أنّه قال: ((كان علوان بن داود زاقولياً من الزواقيل))، ومعنى الزواقيل: اللصوص. ولكنّا قد عرفنا أنّ سعيد بن عفير أحد رواة هذا الحديث عن علوان، فلو كان علوان قد سرقه، فكيف يرويه سعيد عنه؟! وقد قال ابن عدي في سعيد: ((لم أسمع أحداً ولا بلغني عن أحد من الناس كلاماً في سعيد بن كثير بن عفير، وهو عند الناس صدوق ثقة، وقد حدّث عنه الأئمّة من الناس...
إلى أن قال: ولم أجد لسعيد بعد استقصائي على حديثه شيئاً ممّا ينكر عليه أنّه أتى بحديث به برأسه، إلاّ حديث مالك عن عمّه أبي سهيل، أو أتى بحديث زاد في إسناده، إلاّ حديث غسل النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في قميص، فإنّ في إسناده زيادة عائشة، وكلا الحديثين يرويهما عنه ابنه عبيد الله، ولعلّ البلاء من عبيد الله، لأنّي رأيت سعيد بن عفير عن كلّ من يروي عنهم، إذا روى عن ثقة، مستقيم صالح))(12).
ومن كلامه يظهر أنّ ما رواه سعيد عن علوان ليس بمنكر، ولا يخفى ما في كلامه الأخير من توثيق لمن روى عنهم سعيد، ومنهم علوان، وكأنّ كلام ابن عدي جواب على العقيلي؛ فلاحظ!

10- أحمد بن عبد العزيز الجوهري (ت323هـ) في كتابه (السقيفة)، وكتاب السقيفة مفقود، ولكن أخرجه عنه ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة)(13).

11- ابن عبد ربّه الأندلسي (ت328هـ) في كتابه (العقد الفريد)، رواه بسند عن الليث، عن علوان، عن صالح بن كيسان(14).

12- خيثمة بن سليمان الطرابلسي (ت343هـ) في كتابه (فضائل الصحابة)، كما ذكره المتّقي في (كنز العمّال)، وقد أوردنا قوله سابقاً.

13- الطبراني (ت360هـ) في كتابه (المعجم الكبير)، رواه بسند فيه سعيد بن غفير، عن علوان بن داود البجلي(15).

14- وسأل عنه الدارقطني (ت385هـ)، كما في (علله)، فقال: ((هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر، يقال له: علوان بن داود، واختلف عليه فيه؛ فرواه عنه سعيد بن عفير، عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي بكر الصدّيق.. وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان، بهذا الإسناد، إلاّ أنّه لم يذكر بين علوان وبين صالح: حميد بن عبد الرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنّه زاد فيه رجلاً، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات))(16).
نقول: وهذا جواب آخر على ما زعمه أحمد بن حنبل من أنّ الحديث أخذ من كتاب ابن دأب، وكما نرى هنا أنّ الدارقطني لم يضعّف علوان، بل قال فيه: ((شيخ لأهل مصر))، ولم يقل: شيخ من أهل مصر، والفرق واضح بينهما.

15- في كتاب (الضعفاء) لابن شاهين (ت385هـ)، قال: ((وفي كتاب جدّي: عن ابن رشدين، قال: سألت أحمد بن صالح عن حديث علوان بن داود الذي يروي أصحابنا؟ فقال: هذا حديث موضوع كذب لا ينبغي أن يكتب ولا يقرأ ولا يحدّث به. وكأنّي رأيت علوان عنده متروكاً هو وحديثه، وقال: هذا باطل موضوع))(17).
نقول: إن كان الحديث المعني هو هذا الحديث عن أبي بكر، فقد ارتقوا لوصفه بالوضع، بعد أن قالوا بنكارته، دون دليل أو شاهد! مع ما في قوله من النهي عن كتابته وقراءته والتحدّث به من شدّة، وسببها معروف واضح!
وأمّا قوله الأخير من كون علوان متروكاً هو وحديثه، فهو تبرّع من عنده، وقد عرفنا قول سعيد بن منصور وابن صدقة في قبول قول علوان وتحسين حديثه.

16- الباقلاني (ت403هـ) في كتابه (إعجاز القرآن)، روى أوّله مرسلاً(18).

17- الحاكم النيسابوري (ت405هـ) في كتابه (المستدرك على الصحيحين)، روى ما يخص ميراث العمّة والخالة فقط بسند عن سعيد بن عفير عن علوان(19).

18- القاضي عبد الجبّار (ت415هـ) في كتابه (المغني)(20).

19- أبو نعيم الأصفهاني (ت430هـ) في كتابه (حلية الأولياء)، روى أوّله فقط بسنده إلى سعيد بن عفير(21)، وفي (معرفة الصحابة)، وروى أوّله أيضاً(22).

20- ابن عساكر (ت571هـ) في كتابه (تاريخ مدينة دمشق)، رواه بعدّة أسانيد كلّها عن علوان، إلاّ واحد(23). وقد أشرنا إليه وقلنا: إنّ فيه سقطاًً.

21- ضياء المقدسي (ت643هـ) في كتابه (الأحاديث المختارة)، بسند فيه سعيد بن عفير، عن علوان، وقال في آخره بعد أن أورد بعضاً من كلام الدارقطني السابق: ((قلت: وهذا حديث حسن عن أبي بكر إلاّ أنّه ليس فيه شيء عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، وقد روى البخاري في كتابه غير شيء من كلام الصحابة))(24).

22- الذهبي (ت748هـ) في كتابه (تاريخ الإسلام)(25).

23- ابن حجر الهيثمي (ت807هـ) في كتابه (مجمع الزوائد)، وقال في آخره: ((رواه الطبراني، وفيه: علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر ممّا أُنكر عليه))(26).
نقول: قد عرف جوابه ممّا سبق.
ورواه بعدهم غيرهم أعرضنا عن إيرادهم اكتفاءً بما أوردناه.
وتلخّص ممّا قلناه: إنّ حديث أسى أبي بكر الذي قاله في مرض موته حسن عند القوم، ذكره جمع كبير من محدّثيهم، ولم يردّه أحد قبل أحمد بن حنبل بدعوى أنّه مسروق من كتاب ابن دأب، ولم يتابعه في دعواه أحد، فالتجؤوا في سعيهم لردّ الحديث بالطعن في راويه علوان بن داود من دون دليل؛ فنقل العقيلي عن البخاري أنّه منكر الحديث من أجل إنكارهم لهذا الحديث بالذات، بل قال ابن شاهين: ((إنّ الحديث موضوع))، وهو ردّ للحديث وتضعيف رواته بالهوى.. ثمّ تبع العقيلي جمع ممّن جاء بعده في تضعيف علوان من دون دليل، وجرحهم هذا مردود بما سيأتي من مدح علوان وتوثيقه وتحسين حديثه؛ لأنّه جرح غير مفسّر.
وبعد أن أثبتنا أنّ الحديث مروي عن علوان وليس مأخوذاً من كتاب ابن دأب، فإنّ سعيد بن منصور وهو متقدّم على أحمد بن حنبل حسّنه، وتبعه في ذلك الضياء المقدسي، ورواه الحاكم في (المستدرك)، فلا يبقى لدعوى النكارة أو الوضع مجال.
وأمّا راويه علوان، فقد قال عنه ابن صدقة: ((لا بأس به))، ومدحه الدارقطني بقوله: ((شيخ لأهل مصر))، وذكره ابن حبّان في الثقات، ولم ينكر على سعيد بن عفير روايته لهذا الحديث عن علوان.
وفوق كلّ ذلك، فإنّ للحديث سند آخر رواه البلاذري عن الزهري، والزهري لا مطعن للقوم فيه عندهم ولا هو متّهم على أبي بكر.

الثاني : وأمّا من رواه من الخاصّة، فمنهم:
1- اليعقوبي (ت292هـ)، رواه في تاريخه مرسلاً(27).
2- المسعودي (ت346هـ)، رواه مرسلاً في كتابه (مروج الذهب)(28).
3- محمّد بن جرير الطبري الشيعي (القرن الرابع)، في كتابه (المسترشد)(29).
4- الشيخ الصدوق (ت381هـ)، في كتابه (الخصال)، بسنده عن الليث بن سعد، عن علوان بن داود بن صالح، عن صالح بن كيسان(30).
5- ابن شاذان القمّي (القرن الخامس)، في كتابه(31) (الإيضاح)، رواه بسنده منقطع عن زياد البكائي، عن صالح بن كيسان، عن إياس بن قبيصة الأسدي، عن أبي بكر(32).
وهذا سند آخر للحديث، فيه متابعة لعلوان عن صالح بن كيسان.
6- السيّد المرتضى (ت436هـ)، أقرّ رواية القاضي عبد الجبّار للحديث عند ردّه عليه(33).
7- أبو الصلاح الحلبي (ت447هـ)، رواه مرسلاً في (تقريب المعارف)(34).
8- الشيخ الطوسي (ت460هـ)، اتّبع في تلخيصه ما قاله المرتضى في (الشافي)(35).
9- ابن شهرآشوب (ت588هـ)، في كتابه (مثالب النواصب)(36).
10- عماد الدين الطبري (القرن السابع)، رواه مرسلاً في كتابيه (أسرار الإمامة)(37)، و(تحفة الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار)(38).
11- العلامّة الحلّي (ت726هـ) روى بعضه مرسلاً في كتابه (نهج الحقّ)(39).
وغيرهم بعدهم..
ودمتم في رعاية الله

(1) الأموال، لابن سلاّم: 174 الحديث (353) كتاب فتوح الأرضين صلحاً وسننها وأحكامها، باب الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسارى والسبي.
(2) كنز العمّال 5: 631 الحديث (14113) كتاب الخلافة، خلافة أبي بكر.
(3) المنتخب من علل الخلال: 296 (196) الملاحم.
(4) تاريخ مدينة دمشق 30: 417 ترجمة أبي بكر.
(5) الأموال، لابن زنجويه: 301 الحديث (467) كتاب فتوح الأرضين وسننها وأحكامها، باب الحكم في رقاب أهل الذمة، و347 الحديث (548) باب ما أمر به من قتل الأسرى.
(6) الإمامة والسياسة 1: 24 مرض أبي بكر واستخلافه عمر.
(7) أنساب الأشراف 10: 346 نسب بني عدي.
(8) الكامل في اللغة والأدب 1: 10 باب كلمة أبي بكر في مرضه لعبد الرحمن بن عوف.
(9) تاريخ الطبري 2: 619 - 620 السنة الثالثة عشر، ذكر أسماء قضاته وكتّابه وعمّاله على الصدقات.
(10) الضعفاء الكبير 3: 419 (1461) علوان بن داود البجلي.
(11) الثقات 8: 526.
(12) الكامل 3: 411 (839).
(13) شرح نهج البلاغة 2: 45 خطبة (26) حديث السقيفة.
(14) العقد الفريد 5: 20 كتاب العسجدة الثانية، استخلاف أبي بكر لعمر.
(15) المعجم الكبير 1: 62 الحديث (43) مما أسند أبو بكر.
(16) علل الدارقطني 1: 181 (س(9)).
(17) تاريخ أسماء الضعفاء والكذّابين: 254 (405).
(18) إعجاز القرآن: 138 عهد لأبي بكر إلى عمر.
(19) المستدرك على الصحيحين 4: 343 كتاب الفرائض ميراث العمّة والخالة.
(20) المغني ج20 القسم الأوّل من الإمامة: 340 فصل في ذكر مطاعنهم في أبي بكر والجواب عنها.
(21) حلية الأولياء 1: 34 أبو بكر من مفاريد أقواله.
(22) معرفة الصحابة 1: 31 الحديث (102) معرفة نسبة أبي بكر ومولده ووفاته.
(23) تاريخ مدينة دمشق 3: 417 - 423 ترجمة أبي بكر.
(24) الأحاديث المختارة 1: 88 الحديث (12) ما رواه عبد الرحمن عن أبي بكر.
(25) تاريخ الإسلام 3: 117 أحداث سنة ثلاث عشرة.
(26) مجمع الزوائد 5: 366 الحديث (9030).
(27) تاريخ اليعقوبي 2: 137 أيام أبي بكر.
(28) مروج الذهب 2: 301 باب ذكر خلافة أبي بكر.
(29) المسترشد: 224 الحديث (64).
(30) الخصال: 171 الحديث (228).
(31) الظاهر أنّ كتاب الإيضاح له لا للفضل بن شاذان (ت260هـ).
(32) الإيضاح: 159 ندامة أبي بكر على أشياء عند وفاته.
(33) الشافي في الإمامة 4: 138 فصل في تتبع ما أجاب به عن مطاعن أبي بكر.
(34) تقريب المعارف: 366، ما أظهره القوم عند وفاتهم الدال على ضلالهم، و397 ما أستدل به على إيمان القوم من الكتاب والسُنّة.
(35) تلخيص الشافي 3: 170 فصل فيما طعن على أبي بكر، قوله: (ليتني كنت سألت رسول الله...).
(36) مثالب النواصب: 155 مخطوط.
(37) أسرار الإمامة: 159 أصل في المطاعن، فصل: في ما أسند إلى الأوّل.
(38) تحفة الأبرار في مناقب الأئمّة الأطهار: 247 الباب التاسع، الفصل الأوّل (فارسي).
(39) نهج الحق وكشف الصدق: 265 ما جاء في كتب القوم من مطاعن، المطلب الأوّل: في المطاعن التي رواها السُنّة في أبي بكر.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » سند قوله: ليتني لم أُفتّش بيت فاطمة


مهدي / السعودية
السؤال: سند قوله: ليتني لم أُفتّش بيت فاطمة
طلبي هو في مجموعة المصادر في قول أبي بكر: ((ليتني لم أفتش بيت فاطمة)).
والمصادر: تاريخ اليعقوبي ج2 ص137، وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص117/118، وإثبات الهداة ج2 ص359 و367 و368، والعقد الفريد ج4 ص268، والإيضاح لابن شاذان ص161، والإمامة والسياسة ج1 ص18، وسير أعلام النبلاء، سير الخلفاء الراشدين ص17، ومجموع الغرائب للكفعمي ص288، ومروج الذهب ج1 ص414، وج2 ص301، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج1 ص130، وج17 ص168 و164، وج6 ص51، وج2 ص47 و46، وج20 ص24 و17، وميزان الاعتدال ج3 ص109، ج2 ص215، والإمامة ص82 مخطوط توجد نسخة مصوّرة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت، ولسان الميزان ج4 ص189، وتاريخ الأُمم والملوك ج3 ص430 ط المعارف، وكنز العمّال: ج3 ص125، وج5 ص631 و632، والـرسائـل الاعتقادية رسـالـة طـريق الإرشاد ص470، و471، ومنتخب كنز العمّال، مطبوع بهامش مسند أحمد ج2 ص171، والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص62، وضياء العالمين، مخطوط ج2 ق3 ص90، و108، عن العديد من المصادر، والنص والاجتهاد: ص91، والسبعة من السلف ص16 و17، والغدير ج 7 ص170، ومعالم المدرستين ج2 ص79، وعن تاريخ ابن عساكر، ترجمة أبي بكر، ومرآة الزمان؛ وراجع: زهر الربيع ج2 ص124، وأنوار الملكوت ص227، وبحار الأنوار ج30، ص123 و136 و138 و141 و352، ونفحات اللاهوت ص79، وحديقة الشيعة ج2 ص252، وتشييد المطاعن ج1 ص340، ودلائل الصدق ج3 ق1 ص32، والخصال ج1 ص171/173، وحياة الصحابة ج2 ص24، والشافي للمرتضى ج4 ص137 و138، والمغني لعبد الجبّار ج20 ق1 ص340 و341، ونهج الحقّ ص265، والأموال لأبي عبيد ص194، وإن لم يصرّح بها، ومجمع الزوائد ج5 ص203، وتلخيص الشافي ج3 ص170، وتجريد الاعتقاد لنصير الدين الطوسي ص402، وكشف المراد ص 403، ومفتاح الباب أي الباب الحادي عشر للعرب شاهي تحقيق مهدي محقّق ص199، وتقريب المعارف ص366 و367، واللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص302، ومختصر تاريخ دمشق ج13 ص122، ومنال الطالب ص280.
هل كلّها لها طريق واحد فقط، لعلوان البجلي, الذي حاول الدمشقية, تضعيف طريقه, كما في كتاب (ظلامات الزهراء), للأُستاذ يحيى الدوخي.
الجواب:

الأخ مهدي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد فصّلنا آنفاً في مصادر قول أبي بكر المشهور: ((وددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيء...))، وأوضحنا:
أوّلاً: إنّ ادّعائهم ضعف علوان بن داود غير صحيح، وقد اعتمدوا فيه على نقل العقيلي عن البخاري قوله: منكر الحديث(1)، ولم يثبت ذلك عن البخاري، وما كان حكمهم بنكارة حديثه إلاّ لإنكارهم حديث أبي بكر في كشف بيت فاطمة(عليها السلام) هذا! فكان تضعيفاً للراوي وحديثه بالرأي، وهو غير مقبول في علم الجرح والتعديل، مع أنّ حافظ بغداد أبو بكر بن صدقة قال في علوان: ((لا بأس به في نفسه))(2)، وذكره ابن حبّان في الثقات(3)، ووصفه الدارقطني: بأنّه شيخ لأهل مصر(4)، وحَسّن سعيد بن منصور حديثه هذا(5)، ومثله فعل الضياء المقدسي في المختارة(6)، ولم ينكره ابن عدي فيما ردّه من أحاديث سعيد بن عفير راوي الحديث عن علوان(7)، واستشهد به ابن حجر في شرحه للبخاري نقلاً عن الطبراني ولم يعلّق عليه(8).

ثانياً: إنّ دعوى أحمد بن حنبل أنّ الحديث أخذ من كتاب ابن دأب ووضع على الليث، ودعوى الخلال نقلاً عن ابن صدقة أنّ علوان رواه عن ابن دأب، غير صحيحتان! وذلك لِما أكّده الطبري نقلاً عن يونس عن يحيى من اتّصال السند بين الليث وبين علوان(9)، وخلوّ أسانيد الحديث بطريق علوان وغيره عن ابن دأب، إذ لم يرد له ذكر في أي طريق.

ثالثاً: وجود طريق آخر ليس فيه علوان، رواه البلاذري عن الزهري عن عبد الرحمن بن عوف(10)، والزهري لا يتّهم عندهم في أبي بكر، ولا مطعن للقوم فيه.

رابعاً: إنّ هذا الخبر مسلّم، ذكره أصحاب التواريخ والتراجم والكلام، وأُرسل إرسال المسلّمات، ولم ينكره أحد منهم؛ فلاحظ!
ودمتم في رعاية الله

(1) الضعفاء الكبير 3: 419 (1461).
(2) المنتخب من علل الخلال: 296 (196) الملاحم.
(3) الثقات 8: 526.
(4) علل الدارقطني 1: 181 سؤال (9).
(5) انظر: كنز العمّال، للمتّقي الهندي 5: 631 الحديث (14113).
(6) الأحاديث المختارة 1: 88 الحديث (12).
(7) الكامل 3: 411 (839).
(8) فتح الباري 10: 104 باب ما رخّص للمريض أن يقول.
(9) تاريخ الطبري 2: 619، 620 السنة الثالثة عشر.
(10) أنساب الأشراف 10: 346.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » تعريضه بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)


عروة / المغرب
السؤال: تعريضه بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)
هل ثبت سبّ أبي بكر لسيّدنا عليّ(عليه السلام) بعد سماعه لخطبة سيّدة النساء(سلام الله عليها) في كتب العامّة؟
الجواب:

الأخ عروة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روى الجوهري في (السقيفة)، بسنده، كما نقل عنه ابن أبي الحديد في (شرح النهج): ((فلمّا سمع أبو بكر خطبتها - أي فاطمة(عليها السلام) - شقّ عليه مقالتها، فصعد المنبر وقال: أيّها الناس! ما هذه الرعة إلى كلّ قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ألا من سمع فليقل, ومن شهد فليتكلّم, إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه, مربّ لكلّ فتنة, هو الذي يقول: كروها جذعة بعدما هرمت, يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء، كأُمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغي...)).

ثم قال ابن أبي الحديد: ((قلت: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري، وقلت له: من يعرّض؟
فقال: بل يصرّح.
قلت: لو صرّح لم أسألك.
فضحك وقال: بعليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
قلت: هذا الكلام كلّه لعليّ يقوله!
قال: نعم، إنّه المُلك يا بني.
قلت: فما مقالة الأنصار؟
قال: هتفوا بذكر عليّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم.
فسألته عن غريبة؟
فقال: أمّا الرعة بالتخفيف، أي: الاستماع والإصغاء، والقالة: القول، وثعالة: اسم الثعلب عَلم غير مصروف، ومثل ذؤاله للذئب، وشهيده ذنبه، أي: لا شاهد له على ما يدّعى إلاّ بعضه وجزء منه، وأصله مثل، قالوا: إنّ الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنّه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك، وكنت حاضراً، قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة. فقبل شهادته وقتل الذئب، ومرب: ملازم، أرب بالمكان. وكروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأُولى، يعني الفتنة والهرج، وأُمّ طحال: امرأة بغي في الجاهلية، ويضرب بها المثل، فيقال: أزنى من أُمّ طحال))(1).

قال حبيب الله الهاشمي الخوئي في (منهاج البراعة) بعد نقله لكلام ابن أبي الحديد: ((فقد اتّهم عليّاً(عليه السلام) في كلامه هذا بأنّه يجرّ النار إلى قرصه، ويشهد لجرّ النفع وجلب المنفعة، وأنّه يريد إلقاء الفتنة بين المسلمين وإيقاد نيران الحرب وردّ الإسلام قهقرى، فيستعين بالضعفة والنساء، وكفى وهناً به وبفاطمة قوله: ((كأُمّ طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ))، وهل قصد تشبيه عليّ(عليه السّلام) بأُمّ طحال أو فاطمة(عليها السلام) أو هما معاً، وكفى به توهيناً لهما وإظهاراً للكفر والزندقة))(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح النهج 16: 214 - 215 كتبه(عليه السلام) رقم (45).
(2) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة 20: 114 المختار الرابع والأربعون، بحث تحقيقي في أمر فدك.

الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ردّ مزاعم الخراشي في كتابه (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت) بخصوص رأي أهل البيت في أبي بكر


جعفر / البحرين
السؤال: ردّ مزاعم الخراشي في كتابه (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت) بخصوص رأي أهل البيت في أبي بكر

خلال تصفّحي مواقع ومنتديات الوهابية أرى روايات كثرة تروّج في منتدياتهم، وتنقل منها إلى منتديات الشيعة، وهذه الروايات أكثرها مبتورة، تنقل عن أحد شيوخهم المعروفين واسمه الشيخ سليمان الخراشي مؤلّف كتاب (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت), وخلال تتبّعي لبعض الروايات، اتّضح أنّ شيخهم هذا مدلّس، يبتر الروايات لقلب المعنى، ليخادع قرّاءه، وخلال تصفّحي في موقعكم رأيت توضيحاً لبعض تلك الروايات السُنّية منها والأُخرى المبتورة، وأمّا البعض الآخر فغير مردود على موقعكم.
فلهذا سأنقلها من أحد المواقع التي يدرجها الشيخ سليمان الخراشي فيه:

*************************

الشيخ/ سليمان الخراشي 24/10/1425..

دعوة لقراءة المقال.. (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت)(الجزء الثاني).

رأي أهل البيت في أبي بكر الصدّيق:
قال ابن عبّاس وهو يذكر الصدّيق: (رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيماً، وللقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن المنهيات زاجراً، وبالمعروف آمراً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً).(ناسخ التواريخ ج5 كتاب2 ص143، 144 ط طهران).

ويقول الحسن بن عليّ - الإمام المعصوم الثاني عند الشيعة، والذي أوجب الله اتّباعه عليهم حسب زعمهم - يقول - وينسبه إلى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أنّه قال ــ: (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع).(عيون الأخبار ج1 ص313، أيضاً كتاب معاني الأخبار ص110 ط إيران).

وكان الحسن يوقّر أبا بكر وعمر كثيراً, إلى حدّ أنّه جعل من أحد الشروط على معاوية بن أبي سفيان(رضي الله عنهما) لما تنازل له: (أنّه يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله وسُنّة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين, - وفي النسخة الأُخرى - الخلفاء الصالحين).(منتهى الآمال ص212 ج2 ط إيران).

وأمّا الإمام الرابع للشيعة: عليّ بن الحسين بن عليّ، فقد روي عنه أنّه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان(رضي الله عنهم)، فلمّا فرغوا من كلامهم قال لهم: (ألا تخبروني أنتم: (( المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )) (الحشر:8)؟
قالوا: لا، قال: فأنتم: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ )) (الحشر:9)؟
قالوا: لا، قال: أمّا أنتم قد تبرّأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنّكم لستم من الذين قال الله فيهم: (( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا )) (الحشر:10)، أخرجوا عنّي فعل الله بكم).(كشف الغمّة للإربلي ج2 ص78 ط تبريز إيران).

وأمّا ابن زين العابدين محمّد بن عليّ بن الحسين الملقّب بالباقر - الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة - فسُئل عن حلية السيف، كما رواه علي بن عيسى الإربلي في كتابه (كشف الغمّة): ((عن أبي عبد الله الجعفي، عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ(عليهما السلام) عن حلية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه، قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم، الصدّيق، فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة)).(كشف الغمّة ج2 ص147).
ولم يقل هذا إلاّ لأنّ جدّه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) الناطق بالوحي سمّاه الصدّيق، كما رواه البحراني الشيعي في (تفسيره البرهان): ((عن علي بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: لمّا كان رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في الغار، قال لأبي بكر: (كأنّي أنظر إلى سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر، وانظر إلى الأنصار محبتين (مخبتين خ) في أفنيتهم)، فقال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله؟! قال: نعم! قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال له رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (أنت الصدّيق))).(البرهان ج2 ص125).

ويروي الطبرسي عن الباقر أنّه قال: (ولست بمنكر فضل أبي بكر، ولست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر).(الاحتجاج للطبرسي ص230، تحت عنوان احتجاج أبي جعفر بن عليّ الثاني في الأنواع الشتّى من العلوم الدينية ط مشهد كربلاء).

وسُئل جعفر الصادق عن أبي بكر وعمر: ((يا بن رسول الله! ما تقول في حقّ أبي بكر وعمر؟ فقال(عليه السلام): (إمامان عادلان قاسطان، كانا على حقّ، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة))).(إحقاق الحقّ للشوشتري ج1 ص16 ط مصر).

وروى عنه الكليني في الفروع حديثاً طويلاً ذكر فيه: ((وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوصِ، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإنّ الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصي بالخمس، وقد جعل الله عزّ وجلّ له الثلث عند موته، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به.

ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان، وأبو ذرّ(رضي الله عنهما)، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله! أنت في زهدك تصنع هذا، وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟

فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي بقاء كما خفتم على الفناء، أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت.

وأمّا أبو ذرّ فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، وأنزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم.

ومن أزهد من هؤلاء، وقد قال فيهم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ما قال؟)).(كتاب المعيشة الفروع من الكافي ج5 ص68).
فأثبت أنّ منزلة الصدّيق في الزهد من بين الأُمّة المنزلة الأُولى، وبعده يأتي أبو ذرّ، وسلمان.

وروى عنه الإربلي أنّه كان يقول: (لقد ولدني أبو بكر مرّتين).(كشف الغمّة ج2 ص161)، لأنّ أُمّه: أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأُمّها (أي: أُمّ أُمّ فروة) أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.(فرق الشيعة للنوبختي ص78).

ويروي السيّد مرتضى في كتابه (الشافي) عن جعفر بن محمّد أنّه كان يتولاّهما، ويأتي القبر فيسلّم عليهما مع تسليمه على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم).(كتاب الشافي ص238، أيضاً شرح نهج البلاغة ج4 ص140 ط بيروت).

ويقول إمام الشيعة المعروف بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم عندهم - وهو يسرد واقعة الهجرة: (إنّ رسول الله بعد أن سأل عليّاً(رضي الله عنه) عن النوم على فراشه، قال لأبي بكر(رضي الله عنه): (أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما أطلب، وتعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب)؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أمّا أنا لو عشت عمر الدنيا أُعذّب في جميعها أشدّ عذاب، لا ينزل علَيَّ موت صريح، ولا فرح منج، وكان ذلك في محبّتك، لكان ذلك أحبّ إلَيَّ من أن أتنعّم فيها وأنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلاّ فداءك، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (لا جرم أن اطّلع الله على قلبك، ووجد موافقاً لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن))).(تفسير الحسن العسكري ص164، 165 ط إيران).

وها هو زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، شقيق محمّد الباقر، وعمّ جعفر الصادق، الذي قيل فيه: ((كان حليف القرآن)).(الإرشاد للمفيد ص268 تحت عنوان ذكر إخوته - أي الباقر ــ)، واعتقد كثير من الشيعة فيه بالإمامة، وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف.(الإرشاد للمفيد ص268).
فها هو زيد يُسأل عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما؟ قال: (ما أقول فيهما إلاّ خيراً كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوّة) إلاّ خيراً، ما ظلمانا ولا أحد غيرنا، وعملاً بكتاب الله وسُنّة رسوله).(ناسخ التواريخ ج2 ص590 تحت عنوان أحوال الإمام زين العابدين).
فلمّا سمع الشيعة منه هذه المقالة رفضوه، فقال زيد: ((رفضونا اليوم))، ولذلك سمّوا بالرافضة.(ناسخ التواريخ ج2 ص590).

ويقول سلمان الفارسي(رضي الله عنه) - وهو ممّن تعظّمهم الشيعة ــ: ((إنّ رسول الله كان يقول في صحابته: (ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه))).(مجالس المؤمنين للشوشتري ص89).

خلافة أبي بكر:
وبعد ما ذكرنا أهل بيت النبيّ وموقفهم وآرائهم تجاه سيّد الخلق بعد أنبياء الله ورسله أبي بكر الصدّيق(رضي الله عنه)، نريد أن نذكر أنّه لم يكن خلاف بينه وبين أهل البيت في مسألة خلافة النبيّ وإمارة المؤمنين وإمامة المسلمين، وأنّ أهل البيت بايعوه كما بايعه غيرهم، وساروا في مركبه، ومشوا في موكبه، وقاسموه هموم المسلمين وآلامهم، وشاركوه في صلاح الأُمّة وفلاحها، وكان عليّ(رضي الله عنه) أحد المستشارين المقرّبين إليه، يشترك في قضايا الدولة وأُمور الناس، ويشير عليه بالأنفع والأصلح حسب فهمه ورأيه، ويتبادل به الأفكار والآراء، لا يمنعه مانع ولا يعوقه عائق، يصلّي خلفه، ويعمل بأوامره، ويقضي بقضاياه، ويستدلّ بأحكامه ويستند، ثمّ ويسمّي أبناءه بأسمائه حبّاً له وتيمّناً باسمه وتودّداً إليه.

وفوق ذلك كلّه يصاهر أهل البيت به وبأولاده، ويتزوّجون منهم ويزوّجون بهم، ويتبادلون ما بينهم التحف والصلات، ويجري بينهم من المعاملات ما يجري بين الأقرباء المتحابّين والأحبّاء المتقاربين, وكلّ ذلك ممّا روته كتب الشيعة - ولله الحمد ــ.

فقد استدلّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) على صحّة خلافته وانعقادها، كما يذكر وهو يردّ على معاوية بن أبي سفيان(رضي الله عنهما) أمير الشام بقوله: (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى).(نهج البلاغة ص366، 367 ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).
وقال: (إنّكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار).(ناسخ التواريخ ج3 الجزء2).

وهذا النص واضح في معناه، لا غموض فيه ولا إشكال بأنّ الإمامة والخلافة تنعقد باتّفاق المسلمين واجتماعهم على شخص، وخاصّة في العصر الأوّل باجتماع الأنصار والمهاجرين، فإنّهم اجتمعوا على أبي بكر وعمر، فلم يبق للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، كما ذكرنا قريباً روايتين عن عليّ بن أبي طالب في (الغارات) للثقفي، بأنّ الناس انثالوا على أبي بكر، وأجفلوا إليه، فلم يكن إلاّ أن يقرّ ويعترف بخلافته وإمامته.

وهناك رواية أُخرى في غير (الغارات) تقرّ بهذا عن عليّ أنّه قال وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: (رضينا عن الله قضائه، وسلّمنا لله أمره …. فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي، إذ الميثاق في عنقي لغيري).(نهج البلاغة ص81 خطبة 37 ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).

ولمّا رأى ذلك تقدّم إلى الصدّيق، وبايعه كما بايعه المهاجرون والأنصار، والكلام من فيه، وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ولا يتّقي الناس، ولا يظهر إلاّ ما يبطنه، لعدم دواعي التقية حسب أوهام القوم، وهو يذكر الأحداث الماضية فيقول: (فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث... فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، وسدّد ويسر، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله جاهداً).(منار الهدى لع