الاسئلة و الأجوبة » الرق والعبودية » الإسلام ومسألة الرقّ والعبودية


محمد بغدادي / سوريا
السؤال: الإسلام ومسألة الرقّ والعبودية
إنّ الإسلام نزل كديانة سماوية من أجل إنقاذ البشرية, لكن لماذا لم يحارب الإسلام نظام الرقّ والعبودية, فقد بقي الرقّ والعبيد حتّى بعد الإسلام, وقد تجد بعض الأحكام الإسلامية في ما يخص العبيد والجواري... الخ، فهل من جواب شافٍ لهذه النقطة؟!!
الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ينبغي ملاحظة نقاط متعدّدة في مقام الجواب:
أوّلاً: نظام الرقّ والعبودية قد نشأ في أحضان الجاهلية وترسّخت مبانيه في أذهانهم, فكان يتحتّم على النظام الإسلامي أن يقابل هذه الحالة السلبية بطريقة مرنة من خلال تثقيف المسلمين وحثّهم على إطلاق سراح العبيد والإماء وتحريرهم, حتّى تتم عملية فكّ رقابهم في المجتمع بصورة غير قسرية وبحالة تدريجية, لكي لا تؤثّر في الموازنات الاجتماعية والاقتصادية بصورة دفعية, فتنتج انقلابات وفوضى يمكن الاستغناء عنها.

ثانياً: الإسلام ومن منطلق حرصه على حرّية الفرد، كان يحرّض المسلمين دائماً على عملية تحرير الرقاب, فمن جانب يذكر الأجر والثواب على تحرير العبيد, ومن جانب آخر يعدّ هذا العمل كفّارة لبعض الذنوب والمعاصي, وبهذين الطريقين يحاول الإسلام أن يحرّر كثير من العبيد والإماء, وقد تخلّص عدد كبير منهم من وطأة الرقّ والعبودية فعلاً.

ثالثاً: إنّ مسألة الرقّ في الواقع تشمل المحاربين من الكفّار الذين تمّت عليهم الحجّة, ولم يقبلوا الإسلام, فبعد الحرب معهم, تكون مسألة الرقّ والعبودية لنسائهم وأطفالهم بمثابة مدرسة تعليمية يختلطون بواسطتها مع المجتمع الإسلامي, ويتعايشون معهم, ويتزوّج بعضهم من بعض, مع تحديد شروط للمجتمع الإسلامي في معاملته معهم..
كما أنّ الحلول التي وضعها الإسلام لعتقهم هي في غاية الدقّة, تجعلهم يتحرّرون في أسرع وقت وقد اندمجوا في المجتمع الإسلامي وتعلّموا المباني الإسلامية, وهذا ما نشاهده بوضوح من معاملة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته للعبيد من تعليمهم وعتقهم, وكانت علاقة هؤلاء العبيد بأهل البيت(عليهم السلام) إلى درجة ممّا كانت تجعل العبيد يفضّلون البقاء مع أهل البيت(عليهم السلام) عبيداً لهم, على حرّيتهم وعتقهم.

رابعاً: إنّ عدداً من أُمّهات الأئمّة(عليهم السلام) كنّ من الجواري والإماء, ممّا يدلّ على عدم الفرق من حيث المبدأ بين الحرّ والعبد في سلوك طريق السعادة والكمال, وهذه إشارة واضحة لنا بأن لا نميّز الآخرين على أساس الفروق الاجتماعية.
ودمتم في رعاية الله


ابو احمد / السعودية
تعليق على الجواب (1)
في الواقع السؤال كان حول نظام الرقّ في الإسلام من أساسه: فكما هو معروف, يستطيع المسلم أن يهدي رقيقته التي اشتراها بماله، أو اكتسبها من حرب إلى ولده، أو صديق أو أخ، وكأنّها سلعة, فأين كرامة أو قيمة الإنسان في ذلك؟
ثمّ صحيح أنّ الرقّ يكاد لا يذكر أو لا يوجد في هذا الزمان, ولكن وجوده في أشكال مختلفة وأحكامه ما زالت سارية، وهو ليس بمحرّم!
الجواب:

الأخ أبا أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الإسلام كدين إلهي يحاول أن يعالج السلبيات الموجودة في المجتمع بطريقة مرنة حدّ الإمكان, حتّى لا يوقع الناس في أضرار جراء التغييرات والتقلّبات.
نعم, إن كان الموضوع من قضايا العقيدة وأركان الإسلام فلا يتهاون في حقّه، بل يتّخذ الإجراءات الحاسمة والفورية, ولكن لمّا لم يصل إلى هذا الحدّ من الضرورة، فلا حاجة إلى الإسراع والتعجيل, بل ولربّما يكون فيهما - الإسراع والتعجيل - ما يخلّ بالنظام الاجتماعي, ففي هذه الصورة يتصرّف المشرّع بشكل آخر, وهو التطبيق التدريجي للأحكام نحو الهدف الغائي والمطلوب لكي لا يصطدم المجتمع بصدمة عنيفة في بنيته الأساسية إزاء التطبيق الدفعي والقسري.
فمثلاً: عندما يرى أنّ المشركين يحجّون إلى بيت الله الحرام ويؤدّون مناسك خاصّة - وإن كان العمل بمجموعه من تراث الدين التوحيدي, دين إبراهيم الخليل(عليه السلام)، ولكن حرّفوه في طول التاريخ - فهو يقع بين أمرين: إمّا أن يمنعهم عن هذا العمل مطلقاً, فينبغي أن يتحمّل تبعات هذا المنع من اعتراضات وتهم ترد للنيل من سمعة الإسلام متّهماً إياه بعدوله عن خط الأديان التوحيدية، أو يتصرّف في شكلية النسك فيطهرها من آثار الكفر والشرك مع عدم المساس بأصل العمل, وهذا النوع من التصرّف مع سهولته لا يثير حفيظة ذلك المجتمع قريب العهد بالجاهلية, وبالتالي ينال هؤلاء المخضرمون شيئاً فشيئاً مزايا الحجّ التوحيدي والصحيح, وهذا ما قد حصل فعلاً.

ومثال آخر: ترى أنّ الخمر قد حُرّم في ثلاث مراحل - كما هو معروف - فعندما رأى الإسلام تفشّي هذه الحالة السيئة - شرب الخمر - في الجاهلية عالجها بأسلوب تدريجي, فمرّة بيّن للناس مضارّه, ثمّ في مرحلة ثانية منعهم عن الصلاة في حالة السكر, وفي المرحلة الثالثة صرّح بتحريمه مطلقاً.
وهكذا كان يواجه الإسلام المشاكل والمصاعب التي ورثها من الجاهلية, فلا يؤيّدها ولا يصطدم بها بشكل سافر, بل يتّخذ الإجراءات الكفيلة لحذف النقاط السلبية من المجتمع بغية الوصول إلى الهدف الأسمى مع أقلّ الضرر.

وفي مسألة العبيد والرقيق واجه الإسلام حالة مُرّة في المجتمع البشري آنذاك - وهذه لم تكن مختصّة بالعرب, بل وحتى الفرس والروم كانوا يمارسونها - فوقع بين أمرين: فإمّا أن يلغي الصورة الاجتماعية من الأساس, فعندئذ كان عليه أن ينشغل فقط بهذا الأمر ويترك باقي القضايا والمشاكل دون حلّ؛ لأنّ نظام الرقّية كان سائداً في كلّ أرجاء المعمورة - فضلاً عن شبه الجزيرة العربية - فكان الأمر ينتهي - في أحسن الحالات - إلى صراع طبقي قد لا ينتج منه إلاّ الدمار. ولكنّه اختار أسلوباً آخر للتعامل مع هذه المعضلة, فتدرّج في الموضوع بحيث لم يثر مشاعر الناس, فاستطاع أن يقلب الموازين ويأتي بعلاقات أخوية بين الموالي والعبيد لم تكن تخطر ببال أحد من قبل.
هذا وفي الوقت نفسه استغلّ الفرصة ليجعل بيوت الموالي مدارس تربوية لمن كان دونهم من العبيد والإماء الذين دخلوا في المجتمع الإسلامي عن طريق الحروب وغيرها. فترى ظهور وبزوغ ثلة مؤمنة من هؤلاء ارتقوا أعلى مراتب العزّ والشرف، ممّا يدلّ على صحّة موقف الإسلام من المسألة.
وبعد معرفة هذا والتأمّل فيه, يمكن معرفة سائر الجزئيات المتعلّقة بأحكام الرقّ, والتي أشرتم إلى بعضها.
ودمتم في رعاية الله


ابو روح الله المنامي / البحرين
تعليق على الجواب (2)
لماذا استمرّ فعل المعصومين على شراء العبيد؟
وذلك من خلال التتبّع في سيرتهم يلاحظ أنّهم من زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) حتّى الإمام الحادي عشر الإمام العسكري(عليه السلام)... كانوا يشترون العبيد... ألا يدلّ هذا العمل على جواز البيع والشراء في العبيد؟!
وإذا كانت المعاملة للعبيد جائزة، فكيف يُقضى على هذه العادة التي كانت موجودة في الجاهلية؟
وكيف أنّ المعصوم يسير وفق هذه العادة؟
الجواب:
الأخ أبا روح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وإن كان للإسلام منهج لتحرير العبيد من خلال التشجيع على ذلك وجعل بعض الأحكام الشرعية التي تُلزم بتحرير العبيد، إلاّ أنّ البيع والشراء لم يحرّمه الإسلام، بل أبقاه على ما كان عليه من الجواز، وأنّ تحريم البيع والشراء معناه المنع الدفعي لمسألة الرقّ والعبيد، وقلنا: إنّ الإسلام أراد التعامل معها بشكل تدريجي.
ثمّ إنّ شراء الأئمّة للعبيد معناه أنّ هذا الشخص سينال حرّية بعد أن يخضع لدورة تربوية، كما دلّت على ذلك سيرة الأئمّة(عليهم السلام) في التعامل مع العبيد.
ودمتم في رعاية الله

ابو حيدر / العراق
تعقيب على الجواب (1)
إضافة إلى ما قرأناه من جواب والذي يمثل حقيقة إبقاء التشريع في مسألة الرق فإن الإسلام جاء بما يحل إشكالية الرق لا العكس، فالتشريع بالأصل جاء بالعتق وهذا العتق يستلزم تشريع الشراء، فإن قيل لم لم توجب الشريعة العتق قلنا بأن الوجوب يستلزم أحد أمرين فإما أن يوجب الشراء، وهذا ما لا يمكن أن يطيقه الجميع، أو يبيح الشراء لأصل وجوب العتق، وفي هذه الحال لن نتخلص من إشكالية الرق، لأن الوجوب سيأتي بعد الإباحة في الشراء، وهذا تكليف الأصل فيه الإختيار (ونقصد به إباحة الشراء) وحينها لن نجد الكم الذي ستعامل معه كما هو الواقع من التشريع، وعليه فإن التشريع جاء معالجا لا مسببا، وعندما يطرح السؤال عن مشروعية (السبي) من خلال ما يقع من حروب، فيلزمنا إبتداء بأن ليست كل حرب موجبة لإتخاذ السبي، بدليل الحرب التي أعلنها البعض ضد أمير المؤمنين صلوات الله عليه كحرب الجمل مثلا، فعدم مشروعية السبي في تلك الحرب بينها أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبالتالي نفهم من هذه الحادثة بأن إتخاذ الرق كنتيجة للحرب لا يمكن أن تكون إلا بوجود المعصوم صلوات الله عليه، يقابل ذلك مثالا في غزوة خيبر فقد اتخذ السبي حينها بوجود المعصوم صلى الله عليه وآله، ولو بحثنا الأمر لوجدنا بأن ما أجيب عنه من قبل مركز الأبحاث العقائدية يمثل الحقيقة، فأين يذهب الأطفال وتذهب النساء حينذاك؟
المشكل هناك في تركهم دون الإهتمام بهم، ولو بحثنا بشكل منصف ووضعنا إقتراحات فلن نجد أفضل من أن يحتويهم الإسلام بعنوان أولي كمرحلة أولى وتبدأ المرحلة الثانية من العتق والإنصهار في الداخل الإسلامي، هذا بشكل موجز ومضغوط جدا ومحل الإطناب يستلزم مقاما.

الاسئلة و الأجوبة » الرق والعبودية » الرق في الكتب المقدسة السابقة


ابراهيم محمد علي / سوريا
السؤال: الرق في الكتب المقدسة السابقة
ما هو الرد الأمثل لمن يقول لنا بإن اسلامكم قد حلل الرق والعبودية.. وبالتالي تطاول على انسانية البشر..وحلل التحكم بحياتهم. بل وتطاول على المرآه واعتبرها كمتاع من الأمتعة وبسط ذكورية الرجل بحيث حلل له الزواج بمن شاء من ملكات اليمين!!
هل هناك في الكتاب المقدس شيء بخصوص العبودية ؟
وتحليلها.
الجواب:

الأخ ابراهيم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ارجع الى الموقع قسم الأسئلة العقائدية
1ـ الاسلام/ الاسلام ومسألة الرق والعبودية.
2ـ النكاح/ لماذا لم يحرم ملك اليمين.

وأما الرق في الديانات السابقة عن الإسلام ففي كتاب مقارنة الأديان للدكتور أحمد الشلبي ص 232 :
الرق عند اليهود: أما عند بني إسرائيل فقد أباحت التوراة الاسترقاق بطريق الشراء أو سبيا في الحرب, فجعلت للعبري أن يستعبد العبري إذا افتقر, فيبيع الفقير نفسه لغني, أو يقدم المدين نفسه للدائن حتى يوفي له الثمن, ويبقى عبدا له ست سنين ثم يتحرر.
ففي سفر الخروج: إذا اشتريت عبدا عبريا فست سنين يخدم وفي السابعة يخرج حرا مجانا, وإذا سرق العبري ماشية وذبحها, أو أي شئ استهلكه, ولم يكن في يده ما يعوض به صاحبه يباع السارق بسرقته, وأباحت التوراة للعبري أي يبيع بنته فتكون أمة للعبري الذي يشتريها.
أما الاسترقاق سبيا في الحروب فهو أيسر ما ينزله اليهود بأعدائهم, وقد نص العهد القديم على ما يلي: " حين تقرب من مدينة لكي تحل بها استدعها إلى الصلح, فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك, فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك, وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها, وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف, وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة, كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك ".

الرق عند المسيحين: ولما جاءت المسيحية كانت عبودية الإنسان شائعة في كل العالم, نقل الدكتور جوزيف بوست, أحد رجال الجامعة الأمريكية الأولين في بيروت, أن المسيحية لم تعترض على العبودية من وجهها السياسي, ولا من وجهها الاقتصادي, ولم تحرض المؤمنين على منابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبودية, حتى ولا على المباحثة فيها, ولم تقل شيئا ضد حقوق أصحاب العبيد, ولا حركت العبيد إلى طلب التحرر, ولا بحثت عن مضار العبودية, ولا عن قسوتها, ولم تأمر بإطلاق العبيد أصلا, وبالاجمال لم تغير النسبة الشرعية بين الولي والعبد بشئ, بل على عكس ذلك أثبتت حقوق السادة وواجبات العبيد.
وأمر بولس الرسول العبيد بإطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح, فقال في رسالته إلى أهل إفسس.
" أيها العبيد, أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح, لا بخدمة العين كمن يرضى الناس, بل كعبيد المسيح, عاملين مشيئة الله من القلب, خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس, عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أو حرا ".
وأوصى بطرس الرسول بمثل هذه الوصية, وأوجبها آباء الكنيسة لأن الرق كفارة عن ذنوب البشر يؤديها العبيد لما استحقوه من غضب السيد الأعظم.
وأضاف القديس الفيلسوف توماس الأكويني رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين, فلم يعترض على الرق بل زكاة لأنه - على رأي أستاذه أرسطو - حال من الحالات التي خلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية, وليس مما يناقض الإيمان أن يقنع الإنسان من الدنيا بأهون نصيب.
ودمتم في رعاية الله


الاسئلة و الأجوبة » الرق والعبودية » الاستعباد في الحرب مع الكفار


غسان / لبنان
السؤال: الاستعباد في الحرب مع الكفار
أرجو أن تبيّنوا بشيء من التفصيل مسألة مُلك اليمين (التعريف، الشروط، الأحكام المتصلة بهذا الموضوع، الأسباب التاريخية... ) خصوصاً وأن البعض من غير المسلمين يعيّروننا نحن المسلمون بهذه المسألة لأنها برأيهم تناقض مبادئ إنسانية عديدة. طبعاً نحن لا نشكك في ما جاء به كتاب الله تعالى، ولكن لا بأس من شرح المسألة بكليّاتها من قبل ذوي الإختصاص.
الجواب:

الأخ غسان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الجواب عن السيرة التاريخية و استعباد الانسان واسبابه ؟
جاء في كتاب تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 6 - ص 338 الى 343:

(كلام في الرق والاستعباد)

1- اعتبار العبودية لله سبحانه : ... .

2- استعباد الانسان وأسبابه :
كان الاستعباد والاسترقاق دائرا في المجتمع الانساني شائعة معروفة إلى ما يقرب من سبعين سنة قبل هذا التاريخ، ولعلها توجد معمولة في بعض القبائل المتطرفة النائية في أفريقيا وآسيا حتى اليوم، وكان اتخاذ العبيد والإماء من السنن الدائرة بين الأقوام القديمة لا يكاد يضبط بدء تاريخي له، وكان ذا نظام مخصوص وأحكام وقوانين عامة بين الأمم، وأخرى مخصوصة بأمة أمة.
والأصل في معناه كون النفس الانسانية عند وجود شرائط خاصة سلعة مملوكة كسائر السلع المملوكة من حيوان ونبات وجماد، وإذا كانت النفس مملوكة كانت مسلوبة الاختيار مملوكة الأعمال والآثار يتصرف فيها كيف أريد. هذه سنتهم الدائرة بينهم في الاسترقاق غير أنه لم يكن متكئا على إرادة جزافية أو مطلقا غير مبنى على أي شرط فلم يكن يسع لأحدهم أن يتملك كل من أحب، ولا أن يملك كل من شاء وأراد ببيع أو هبة أو غير ذلك فلم يكن أصل المعنى متكئا على الجزاف، وإن كان ربما يوجد في تضاعيف القوانين المتبعة فيه بحسب اختلاف آراء الأقوام وسننهم أمور جزافية كثيرة.
كان الاستعباد مبنيا على نوع من الغلبة والسيطرة كغلبة الحرب التي تنتج للغالب الفاتح أن يفعل بخصمه المغلوب ما يشاء من قتل أو سبى أو غيره، وغلبة الرئاسة التي تصير الرئيس الجبار فعالا لما يشاء في حوزة رئاسته، واختصاص التوليد والانتاج الذي يضع ولاية أمر المولود الضعيف في كف والده القوى يصنع به ما بدا له حتى البيع والهبة والتبديل والإعارة ونحو ذلك.
وقد تكرر في أبحاثنا السابقة : أن أصل الملك في المجتمع الانساني مبنى على القدرة المغروزة في الانسان على الانتفاع من كل شيء يمكنه أن ينتفع به بوجه - والانسان مستخدم بالطبع - فالإنسان يستخدم في سبيل إبقاء حياته كل ما قدر عليه واستخدامه والانتفاع بمنافع وجوده آخذا من المادة الأصلية فالعناصر فالمركبات الجمادية المتنوعة فالحيوان حتى الانسان الذي هو مثله في الانسانية.
غير أن حاجته المبرمة إلى الاجتماع والتعاون اضطره إلى قبول الاشتراك مع سائر أفراد نوعه في الانتفاع بالمنافع المحصلة من الأشياء بأعمالهم المشتركة فهو وسائر الافراد من نوعه يكونون لذلك مجتمعا يختص كل جزء من أجزائه وكل طرف من أطرافه بعمل أو أعمال ثم ينتفع المجموع بالمجموع، وإن شئت فقل : ثم تقسم نتائج الأعمال بينهم فيتمتع كل واحد منهم بذلك على مقدار زنته الاجتماعية، ولذلك نرى أن الفرد من الانسان وهو اجتماعي كلما قوى واشتد أبطل المدنية الطبعية وأخذ يستخدم الناس بالغلبة، ويتملك رقابهم، ويحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم بما يقترحه.
ولأجل ذلك إذا تأملت تأملا حرا في سنتهم في استعباد الانسان وجدت أنهم لا يعتبرون تملك الانسان ما دام داخلا في المجتمع وجزء من أجزائه بل إما أن يكون الانسان المملوك محكوما بالخروج عن المجتمع كالعدو المحارب الذي لا هم له إلا أن يهلك الحرث والنسل ويمحى الانسان باسمه ورسمه فهو خارج عن مجتمع عدوه، وله أن يهلكه بالإفناء ويتملك منه ما يشاء لان الحرمة مرفوعة، ومثله الأب بالنسبة إلى صغار أولاده والتابعين لنفسه فإنه يرى أنهم من توابعه في المجتمع من غير أن يكافئوه أو يماثلوه أو يوازنوه فله أن يتصرف فيهم حتى بالقتل والبيع وغيرهما.
وإما أن يكون الانسان المالك ذا خصيصة تدعوه إلى أن يعتقد أنه فوق المجتمع من غير أن يعادلهم في وزن أو يشاركهم في نفع بل له نفوذ الحكم، والتمتع بصفوة ما يختار، والتصرف في نفوسهم حتى بالملك والاستعباد.
فقد تبين أن الأصل الأساسي الذي كان يبنى عليه الانسان سنة الاستعباد والاسترقاق هو حق الاختصاص والتملك المطلق الذي يعتقده الانسان لنفسه، وأن الانسان لا يستثنى عنه أحدا إلا مشاركيه في مجتمعه الانساني ممن يعادله في الزنة الاجتماعية ويتحصن منه في حصن التعاون والتعاضد، وأما الباقون فلا مانع عنده من تملكهم واستعبادهم.
وعمدتهم في ذلك طوائف ثلاث : العدو المحارب، والأولاد الضعفاء بالنسبة إلى آبائهم وكذا النساء بالنسبة إلى أوليائهن، والمغلوب المستبذل بالنسبة إلى الغالب المتعزز.

3- سير الاستعباد في التاريخ :
سنة الاستعباد وإن كانت مجهولة من حيث تاريخ شيوعها في المجتمع الانساني غير أن الأشبه أن يكون أرقاء مأخوذين في أول الامر بالقتال والتغلب ثم يلحق به الأولاد والنساء، ولذلك نعثر في تاريخ الأمم القوية الحربية من القصص والحكايات وكذا القوانين والاحكام المربوطة بالاسترقاق بالسبي على ما لا يوجد في غيرهم. وقد كان دائرا بين الأمم المتمدنة القديمة كالهند واليونان والرومان وإيران، وبين المليين كاليهود والنصارى على ما يستفاد من التوراة والإنجيل حتى ظهر الاسلام فأنفذ أصله مع تضييق في دائرته وإصلاح لأحكامه المقررة، ثم آل الامر إلى أن قرر مؤتمر بروسل إلغاء الاستعباد قبل سبعين سنة تقريبا. قال " فردينان توتل " في معجمه لأعلام الشرق والغرب : كان الرق شائعا عند الأقدمين، وكان الرقيق يؤخذ من أسرى وسبايا الحرب ومن الشعوب المغلوبة، كان للرق نظام معروف عند اليهود واليونان والرومان والعرب في الجاهلية والاسلام. وقد ألغى نظام الرق تدريجا : في الهند ( 1843 ) وفي المستعمرات الفرنسية ( 1848 ) وفي الولايات المتحدة بعد حرب الانفصال ( 1865 ) وفي البرازيل ( 1888 ) إلى أن اتخذ مؤتمر بروسل قرارا بإلغاء الاستعباد ( 1890 ) غير أنه لا يزال موجودا فعلا بين بعض القبائل في أفريقيا وآسيا. ومبدأ إلغاء الرق هو تساوى البشر بالحقوق والواجبات، انتهى.

4- ما الذي رآه الاسلام في ذلك ؟
 قسم الاسلام الاستعباد بحسب أسبابه، وقد تقدم أن عمدتها كانت ثلاثة : الحرب، والتغلب والولاية كالأبوة ونحوها فألغى سببين من الثلاثة من أصله وهما التغلب والولاية. وقد أبقى الاسلام السبب الثالث من الأسباب الثلاثة للاستعباد أعني الحرب، وهو أن يسبى الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، وأما اقتتال المؤمنين بعضهم مع بعض فلا سبى فيه ولا استعباد بل يقاتل الباغي من الطائفتين حتى ينقاد لأمر الله قال تعالى : (( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَت فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا بِالعَدلِ وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ * إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُم ... )) (الحجرات:9-10).
وذلك إن العدو المحارب الذي لا هم له إلا أن يفنى الانسانية ويهلك الحرث والنسل لا ترتاب الفطرة الانسانية أدنى ريب في أنه يجب أن لا يعد جزء من المجتمع الانساني الذي له التمتع بمزايا الحياة والتنعم بحقوق الاجتماع، وأنه يجب دفعه بالافناء فما دونه، وعلى ذلك جرت سنة بني آدم منذ عمروا في الأرض إلى يومنا هذا وعلى ذلك ستجري. والاسلام لما وضع بنية المجتمع - المجتمع الديني - على أساس التوحيد وحكومة الدين الاسلامي ألغى جزئية كل مستنكف عن التوحيد وحكومة الدين من المجتمع الانساني إلا مع ذمة أو عهد فكان الخارج عن الدين وحكومته وعهده خارجا عن المجتمع الانساني لا يعامل معه إلا معاملة غير الانسان الذي للإنسان أن يحرمه عن أي نعمة يتمتع بها الانسان في حياته، ويدفعه بتطهير الأرض من رجس استكباره وإفساده فهو مسلوب الحرمة عن نفسه وعملة ونتائج أي مسعى من مساعيه، فللجيش الاسلامي أن يتخذ أسرى ويستعبد عند الغلبة.

5- ما هو السبيل إلى الاستعباد في الاسلام ؟
يتأهب المسلمون على من يلونهم من الكفار فيتمون عليهم الحجة ويدعونهم إلى كلمة الحق بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن فإن أجابوا فإخوان في الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم وإن أبوا إلا الرد فإن كانوا أهل كتاب وقبلوا الجزية تركوا وهم على ذمتهم، وإن أخذواعهدا كانوا أهل كتاب أم لا وفى بعهدهم، وإن لم يكن شئ من ذلك أوذنوا على سواء وقوتلوا. يقتل منهم من شهر سيفا ودخل المعركة، ولا يقتل منهم من ألقى السلم، ولايقتل منهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، ولا يبيتون ولا يغتالون، ولا يقطع عنهم الماء، ولا يعذبون ولا يمثل بهم فيقاتلون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. فإذا غلبوهم ووضعت الحرب أوزارها فما تسلط عليه المسلمون من نفوسهم وأموالهم فهو لهم، وقد اشتمل تاريخ حروب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه على صحائف غر متلمعة مملوءة من السيرة العادلة الجميلة فيها لطائف الفتوة والمروة، وطرائف البر والاحسان.

6- ما هي سيرة الاسلام في العبيد والإماء ؟
إذا استقرت العبودية على من استقرت عليه صار ملك يمين، منافع عمله لغيره ونفقته على مولاه. وقد وصى الاسلام أن يعامل المولى مع عبده معاملة الواحد من أهله وهو منهم فيساويهم في لوازم الحياة وحوائجها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤاكل عبيده وخدمه ويجالسهم، ولا يؤثر نفسه عليهم في مأكل ولا ملبس ونحوهما.
وأن لا يشق عليهم ولا يعذبوا ولا يسبوا ولا يظلموا، وأجيز أن يتزوجوا فيما بينهم بإذن أهلهم، وإن يتزوج بهم الأحرار، وأن يشاركوهم في الشهادات، ويساهموهم في الأعمال حال الرق وبعد الانعتاق. وقد بلغ من إرفاق الاسلام في حقهم أن شاركوا الأحرار في عامة الأمور، وقد قلد جمع منهم الولاية والامارة وقيادة الجيش على ما يضبطه تاريخ صدر الاسلام،ويوجد بين الصحابة الكبار عدة من الموالى كسلمان وبلال وغيرهما. وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتق جاريته صفية بنت حي بن أخطب وتزوج بها، وتزوج جويرية بنت الحارث بعد وقعة بنى المصطلق وقد كانت بين سباياهم، وكانوا مأتى بيت بالنساء والذراري، وصار ذلك سببا لانعتاق الجميع، وقد مر إجمال القصة في الجزء الرابع من الكتاب.
ومن الضروري من سيرة الاسلام أنه يقدم العبد المتقى على المولى الحر الفاسق،وأنه يبيح للعبد أن يتملك المال ويتمتع بعامة مزايا الحياة بإذن من أهله، هذا إجمال من صنيع الاسلام فيهم.
ثم أكد الوصية وندب أجمل الندب إلى تحرير رقبتهم، و إخراجهم من ظرف الاستعباد إلى جو الحرية ولا يزال يقل بذلك عددهم ويتبدل جمعهم موالى وأحرارا لوجه الله، ولم يقنع بذلك دون أن جعل تحرير الرقبة أحد خصال الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الافطار، وأجاز لهم الاشتراط والكتابة والتدبير، كل ذلك عناية بهم وقصدا إلى تخليصهم وإلحاقا لهم بالمجتمع الانساني الصالح إلحاقا تاما يقطع دابر الاستذلال.

7- محصل البحث في الفصول السابقة :
تحصل مما مر أمور ثلاث :
الأول : أن الاسلام لم يأل جهدا في إلغاء أسباب الاستعباد وتقليلها وتضعيفها حتى وقف على واحد منها لا محيص عن اعتباره بحكم الفطرة القاطع، وهو جواز استعباد كل إنسان محارب للدين مضاد للمجتمع الانساني غير خاضع للحق بوجه من وجوه الخضوع.
الثاني : أنه استعمل جميع الوسائل الممكنة في إكرامهم - العبيد والإماءوتقريب شؤونهم الحيوية من حياة أجزاء المجتمع الحرة حتى صاروا كأحدهم وإن لم يصيروا أحدهم، ولم يبق عليهم إلا حجاب واحد رقيق، وهو أن الزائد من أعمالهم على واجب حياتهم حياة متوسطة لمواليهم لا لهم، وإن شئت فقل : لا فاصل في الحقيقة بين الحر والعبد في الاسلام إلا إذن المولى في العبد.
الثالث : أنه احتال بكل حيلة مؤثرة إلى الحاق صنف المماليك إلى مجتمع الأحراربالترغيب والتحريص في موارد، وبالفرض والايجاب في أخرى كالكفارات، وبالتسويغ والانفاذ في مثل الاشتراط والتدبير والكتابة.
ودمتم في رعاية الله

This page downloaded from http://www.aqaed.com/faq/