الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » كيف ينسب السادة للنبيّ (صلى الله عليه وآله) وهم أبناء ابنته


ام علي / البحرين
السؤال: كيف ينسب السادة للنبيّ (صلى الله عليه وآله) وهم أبناء ابنته
إنّ النسب للولد والبنت هو من الأب وليس من الأمّ، ونحن نقول السّادة (سيّد) في المذهب الشيعي أبناء الرسول (صلى الله عليه وآله) ، والرسول الأعظم لم يكن له أبناء.
الرجاء توضيح الأمر، وشرح كيفية نسب الأئمّة وبني هاشم.
الجواب:
الأخت أم علي المحترمة 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
لا دليل على أنّ الانتساب يكون فقط من طريق الأب، كيف وقد نصّ القرآن الكريم بلحوق عيسى (عليه السلام) عن طريق أُمّه مريم (عليها السلام) بذراري الأنبياء (عليهم السلام) ، قال تعالى: (( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ... وَيَحيَى وَعِيسَى )) (الأنعام:84-85). وأيضاً قد اتّفق المسلمون على أنّ المراد من (( أَبنَاءَنَا )) في آية المباهلة: (( فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا )) (آل عمران:61): الحسن والحسين (عليهما السلام)(1).

أضف إلى ذلك ورود روايات في كتب العامّة فضلاً عن كتبنا تصرّح ببنوّة الحسن والحسين (عليهما السلام) وولد عليّ (عليه السلام) وأولاد فاطمة (عليها السلام) للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)(2).
ثمّ إنّ هناك أحكاماً شرعية كالإرث واستحقاق سهم السّادة في الخمس تختص بمواردها المنصوص عليها، فلا تنفي الانتساب من جهة الأمّ، بل إنّها قوانين خاصّة تعبّدية لا علاقة لها بالمميّزات النسبية.

وهنا نذكر مقطعاً من المناظرة التي دارت بين الإمام الكاظم (عليه السلام) مع هارون الرشيد، والتي تختص بموضوعنا هذا: ((ثمّ قال لي - يعني هارون الرشيد - : لمَ جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو عليّ، وإنّما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنّما هي وعاء، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) جدّكم من قبل أمّكم؟ فقلت - يعني الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) - : 
(يا أمير المؤمنين! لو أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه)؟
فقال: سبحان الله، ولمَ لا أجيبه؟! بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.
فقلت له: (لكنّه لا يخطب إليّ ولا أزوّجه).
فقال: ولمَ؟
فقلت: (لأنّه ولدني ولم يلدك).
فقال: أحسنت يا موسى.
ثمّ قال: كيف قلتم: إنّا ذرّية النبيّ (صلى الله عليه وآله) والنبيّ لم يعقب، وإنّما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد البنت ولا يكون لها عقب؟...
قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحيَى وَعِيسَى وَإِليَاسَ )) (الأنعام:84-85)، مَن أبو عيسى يا أمير المؤمنين)؟
فقال: ليس لعيسى أب.
فقلت: (إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام)، وكذلك ألحقنا بذراري النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قبل أمّنا فاطمة (عليها السلام).
أزيدك يا أمير المؤمنين)؟
قال: هات.
قلت: (قول الله عزّ وجلّ: (( فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثمّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ )) (آل عمران:61)، ولم يدّع أحد أنّه أدخل النبيّ (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء عند المباهلة للنصارى إلّا عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين، فكان تأويل قوله تعالى: (( أَبنَاءَنَا )) : الحسن والحسين، و (( نِسَاءَنَا )) : فاطمة، و (( وَأَنفُسَنَا )) : عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) ...)) )(3).
ودمتم في رعاية الله
(1) التفسير الكبير، للرازي 8: 86 ذيل آية (61) آل عمران، المسألة الرابعة، الكشاف، للزمخشري 1: 434، صحيح مسلم 7: 120 كتاب فضائل الصحابة، مسند أحمد بن حنبل 1: 185 مسند سعد بن أبي وقّاص، أحكام القرآن، للجصاص 2: 19، تفسير الطبري 3: 409، المستدرك على الصحيحين، للحاكم 3: 150 كتاب معرفة الصحابة، سنن الترمذي 4: 293 أبواب تفسير القرآن سورة آل عمران، وغيرها.
(2) ينابيع المودّة، للقندوزي 1: 165، الباب (7)، و2: 33 الباب (54)، و343 الباب (57)، إحياء الميت بفضائل أهل البيتF، للسيوطي: 27، 28 حديث (29، 30، 31).
(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق 1: 80 باب (7) الحديث 9، تحف العقول، لابن شعبة: 404.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » مصطلح: (السيّد) هل يطلق على أمير المؤمنين (عليه السلام)


بهاء الدين / العراق
السؤال: مصطلح: (السيّد) هل يطلق على أمير المؤمنين (عليه السلام)
تعرفون أنّ الذي ينتمي إلى نسب الرسول (صلى الله عليه وآله) يقال عنه: سيّد..
1- هل يطلق هذا اللقب على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟
2- وهل آباء وأجداد النبيّ والإمام أمير المؤمنين (عليهم السلام) أيضاً سادة؟
الجواب:
الأخ بهاء الدين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ لفظ (السيّد) مصطلح عند المتأخّرين، يقصد به من ينتهي نسبه إلى الإمام أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام)، وبالتالي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وبذلك يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) سيّد السادات.

ولا يحتاج الأئمّة (عليهم السلام) لأن نجري عليهم هذا المصطلح الذي نتبناه، بل ورد في حقّهم من النصوص ما تشير إلى أنّهم سادة:
ففي الزيارة الجامعة ورد: (السلام على الأئمّة الدعاة، والقادة الهداة، والسادة الولاة، والذادة الحماة، وأهل الذكر وأُولي الأمر...)(1).
وكذلك ورد في دعاء الندبة: (يا بن السادة المقرّبين، يا بن النجباء الأكرمين)(2).
وفي الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) : (والأوصياء سادة)(3).
ودمتم في رعاية الله
(1) من لا يحضره الفقيه، للصدوق 2: 610 الحديث (3213) الزيارة الجامعة.
(2) المزار، لابن المشهدي: 580 الباب 9 الدعاء الندبة.
(3) الكافي، للكليني 1: 33 الحديث (5) كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » تفضيل السّادة على غيرهم


عقيل / السعودية
السؤال: تفضيل السّادة على غيرهم
لماذا تفضّل الشيعة الإمامية السّادة على غيرهم، والله تعالى يقول: (( إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم )) (الحجرات:13)؟
الجواب:
الاخ عقيل المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
إنّ الناس في الشريعة الإسلامية لا يتفاضلون إلّا بالتقوى، (( إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم )) فمن أخلَّ بالتقوى، وتعدّى حدود الله، لم يفلت من طائلة الشرع، مهما كانت مكانته، أو منزلته، أو حسبه، أو نسبه، أليس أبو لهب عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومع ذلك قال تعالى: (( تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ )) (المسد:1)، فليس في الإسلام عنصرية يختلّ بها ميزان العدالة، ولا محسوبية يتذبذب بها القانون، فالنسب الحقيقي عند الله تعالى إنّما هو التقوى، ويؤيّده الوحي المحفوظ: (( يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِن أَهلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ )) (هود:46)، فأرجع الباري تعالى البنوّة الحقيقية إلى العمل الصالح.

ولكن مع ذلك فهناك نظرة من جهة أُخرى، لا تغيّر من هذا المبدأ العام أيّ شيء، ولكنّها تدخل الفضل في حسابها، والفضل لا يمنع الحقّ لمن طلب العدل. بل إنّ الله تعالى ضرب لنا أمثلة لنسلك سبيل الفضل فيما لا يعطّل حداً من حدود الله، ولا يؤدّي إلى الإضرار بأحد من خلقه. فقال تبارك وتعالى: (( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنزَهُمَا )) (الكهف:82)، أراد الله ذلك لا لشيء إلّا لأنّ أباهما كان صالحاً.

بل إنّ الله تعالى رغّبنا في سلوك طريق الفضل قال تعالى: (( وَإِن تَعفُوا وَتَصفَحُوا وَتَغفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) (التغابن:14)، قال أهل البيان: في الآية إطناب لأنّ تعفوا وحدها، أو تصفحوا وحدها، أو تغفروا وحدها كانت تكفي، ولكن الله تعالى كرّر هذه الأفعال ترغيباً لنا في الفضل وحثّاً لنا عليه(1).

وعليه فلا غرابة أن تحترم الشيعة الإمامية السّادة من ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) على غيرهم، إكراماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) - ولأجل عين ألف عين تكرم - وإطاعة لما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: (( قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23)، وهذه الآية وإن نزلت في حقّ أهل البيت (عليهم السلام) ، إلّا أنّها بعموم اللفظ دلّت على مودّة ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فاحترامهم وتفضيلهم وتقديمهم كما في إمامة صلاة الجماعة مصداق من مصاديق المودّة.

هذا من جهة، ومن جهة أُخرى وردت روايات عن النبيّ وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تحثّنا على احترام ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإكرامهم وقضاء حوائجهم و...
منها ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قال: (إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذرّيتي، ورجل بذل ماله لذرّيتي عند المضيق، ورجل أحبّ ذرّيتي باللسان وبالقلب، ورجل يسعى في حوائج ذرّيتي إذا طردوا أو شرّدوا)(2).
وقال الصادق (عليه السلام) : (إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيّها الخلائق أنصتوا فإنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) يكلّمكم. فتنصت الخلائق فيقوم النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيقول: يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد أو منّة أو معروف فليقم حتّى أكافيه.
فيقولون: بآبائنا وأُمّهاتنا، وأيّ يد، وأيّ منّة، وأي معروف لنا! بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق.
فيقول لهم: بلى، من أوى أحداً من أهل بيتي أو برّهم أو كساهم من عرى أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافيه.
فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله عزّ وجلّ: يا محمّد يا حبيبي! قد جعلت مكافاتهم إليك فأسكنهم من الجنّة حيث شئت.
قال: فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين)(3).
فعلى هذا نحن نحترم ونقدّر أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، و(المرء يحفظ في ولده)(4)، ما دام سائراً على سيرة النبيّ وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) .
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: كتاب علّموا أولادكم محبّة آل بيت النبيّ7: 40.
(2) الكافي، للكليني 4: 60 كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، باب الصدقة لبني هاشم ومواليه.
(3) من لا يحضره الفقيه، للصدوق 2: 65 الحديث (1727) كتاب الخمس، باب أبواب اصطناع المعروف إلى العلوية.
(4) انظر: كتاب سليم بن قيس الهلالي: 390 الحديث (48).

حسن محمد / العراق
تعليق على الجواب (1)
أحسنتم وجزيتم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليه السلام) خير جزاء المحسنين.
وأوّد ربط الآية الكريمة مع الحديث في إجابتكم، فتكون النتيجة أنّ النبيّ الكريم (صلى الله عليه وآله) يجزي من أحسن لذرّيته المؤمنين والصالحين منهم لا عامّتهم.
ولو كان الأمر مرهوناً بعامّة السّادة لكان النبيّ يتّبع ما يسمّى اليوم بــ(المحسوبية)، ولكان قد أمر برسالته وخوف بعذاب الله الناس من غير السّادة، وأمّا هم فليس عليهم العذاب باعتبارهم يمتّون له بصلة القربى.
ودليل على أنّ السّادة يحاسبون على سوء أعمالهم وبصورة أشدّ، فلذا أنّ الصادق (عليه السلام) في إحدى المرّات أراد أن ينصح أحد الأشخاص وكان قد ارتكب معصية، فقال له: (إنّ الحسن من كلّ شيء حسن وأنّه منك أحسن لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحد قبيح وأنّه منك أقبح)(1).
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لا بدّ للسيّد أن يأخذ على نفسه الالتزام بما أراده النبيّ (صلى الله عليه وآله) ويحسن عبادته وخلقه، ومن ثمّ ينال - في الدنيا - استحقاقه ومنزلته، وإلّا لا يمكن إعطاء متجاهر الذنب أو سوء الخلق منزلة القربى من نبيّنا الكريم (صلى الله عليه وآله) .
(1) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب 3: 362.
الجواب:
الأخ حسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرواية كانت مطلقة لم تقيّد الذرّية بالمؤمنين والصالحين، لذا ما ذكرته لا يصحّ مع عدم إيراد المقيّد، وما ذكرته من المحسوبية إنّما يتم لو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: إنّه شافع لذرّيته، ولكن الرواية تقول إنّه شافع لتلك الأصناف التي تفضّلت على ذرّيته، وليس فيها ما يشير إلى شفاعته لذرّيته، سواء أكانوا مؤمنين أم عصاة.
دمتم في رعاية الله

حسن / العراق
تعليق على الجواب (2)
نقاش في كل مرة يحتدم بيننا، هل صحيح أن السادة يوم القيامة يختلف حسابهم عن حساب بقية الناس؟
مع الدليل والوضوح.
الجواب:
الأخ حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يظهر من كلام الامام زين العابدين مع طاووس اليماني ان الانساب يوم القيامة لا تنفع فعندما قال له طاووس :(أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء وجدك رسول الله ؟ قال : والتفت إلي وقال : هيهات هيهات يا طاوس دع عني حديث أبي وأمي وجدي خلق الله الجنة لمن اطاعه وأحسن ولو كان حبشيا وخلق النار لمن عصاه ولو كان  سيدا قرشيا ، أما سمعت قوله تعالى : (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَينَهُم يَومَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ )) (المؤمنون:101) والله لا ينفعك غدا إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح) مناقب ال ابي طالب 3/ 291.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » السرّ في تفضيل السادة على غيرهم


احسان / المانيا
السؤال: السرّ في تفضيل السادة على غيرهم
سُئلت عن التالي وأريد الإجابة منكم، ولكم الفضل في ذلك:
لماذا أنتم الشيعة تميّزون بين السيّد وغير السيّد؟ أليس ذلك من التفرقة الاجتماعية؟ 
كما أنّكم ترتّبون أحكاماً شرعية وفق هذا التمييز، فما هو ذنب من لم يكن سيّداً - أي نسبه يرجع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) - تحترمون السيّد وتخصّوه بكلمة السيّد بخلاف غيره - من لا يرجع نسبه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) - أليس هذا من التفرقة، والدين الإسلامي دين المساواة؟
الجواب:
الأخ احسان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الملاك في الإسلام التقوى، وذلك بصريح القرآن الكريم: (( إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم )) (الحجرات:13)، وإنّما يوجّه المسلمون محبّة خاصة للسادة من ذرّية الرسول (صلى الله عليه وآله) تكريماً لجدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ويعظّمون السادة تعظيماً لجدّهم.

وهذا التعظيم والتبجيل يظهر جليّاً بتحريم الصدقة عليهم، وتعويضهم بالخمس: (( وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ )) (الأنفال:41).
كما توضّح الآية الواردة في سورة الشورى أهمّية احترام وتعظيم السادة من نسل الرسول: (( قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23).

والخلاصة: إنّ تكريم السّادة الأشراف من نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه الدنيا، يكون في واقع الأمر تكريماً لجدّهم واحتراماً خاصّاً له.
ولعلّ السرّ في ذلك: أن يكون هذا العمل باعثاً حثيثاً للتمسّك بتعاليم النبيّ (صلى الله عليه وآله) واستمرار شريعته، حيث الأُمّة تمسي وتصبح وتشاهد ذرّية رسولها بين ظهرانيها، تحترمهم وتجلّلهم لأجل جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وبذلك يتذكّرون الرسول طيلة حياتهم، فيكون سبباً للاستمرار بالتمسّك بتعاليمه.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » لماذا حرّمت الصدقة عليهم؟


ابراهيم / السعودية
السؤال: لماذا حرّمت الصدقة عليهم؟
لماذا حرّم النبيّ عليه الصلاة والسلام الصدقة على بني هاشم؟
الجواب:
الأخ ابراهيم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الصدقة شرّعت لأجل تطهير الأموال وتزكيتها، قال تعالى: (( خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا... )) (التوبة:103)، والتطهير يتضمّن وجود الدنس والوسخ، فكأنّ هذا المال عند بلوغه حدّاً معيّناً، فإنّه كما يتكاثر من حيث المالية يتكاثر معه الدنس والوسخ ويصبح ملوّثاً، ولا يطهر ولا يرتفع عنه التلوّث إلّا بإخراج الصدقة منه، فهذه الصدقة هي اللوّث الذي عرض على مال الغني عند بلوغه حدّاً معيّناً؛ ولأجل ذلك كرّم الله سبحانه وتعالى بني هاشم من أن يأخذوا هذا المال، والعيش بهذه الأوساخ.

وهذا ملحوظ - أيضاً - في السياق القرآني لآية الزكاة وآية الخمس، فنجد أنّ التعبير بلفظ التطهير ورد في آية الصدقة دون آية الخمس، بل نجدها تشرّع الخمس والأنفال مع حفظ مقام النبوّة والإمامة بمستوى من الإجلال والتقدير.
روى الكليني في (الكافي) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قوله: (نحن والله الذين عنى الله بذي القربى، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه (صلى الله عليه وآله) فقال: (( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهلِ القُرَى... )) (الحشر:7) منّا خاصّة، ولم يجعل لنا سهماً من الصدقة، أكرم الله نبيّه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس)(1).

ويمكن أن يكون السبب في تحريم الصدقة على بني هاشم باعتبار أشرفية المقام النبوي، فهو (صلوات الله عليه) منهم، إذ أنّ النفس النبوية لها مرتبتها الخاصّة، وقداستها المميّزة عن بقية النفوس، كما هو الملحوظ في الروايات والزيارات، والمعطي يكون أكمل من المعطى، بعد ملاحظة كون الزكاة هي أوساخ ما في أيدي الناس، فأراد الله إكرامهم من أجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فلا يكونوا محلّاً لأوساخ الناس، ولا لهم عليهم فضل.

وهذه المسألة من مختصّات النبيّ (صلى الله عليه وآله) في رهطه وذرّيته تكريماً له، وذلك كجعل نسائه أُمّهات المؤمنين من باب تحريم نكاحهن من بعده، وذلك تكريماً للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، لأنّهن قد نسبن إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فيقال: زوجات النبيّ، وكذلك هو الأمر فيهم، حيث يُنسبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
ودمتم في رعاية الله
(1) الكافي 1: 539 أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » كيفية انتشار النسل الهاشمي


محمد علي
السؤال: كيفية انتشار النسل الهاشمي
كلّنا يعلم بأنّ النسل الهاشمي انتشر في أصقاع الأرض.. هل لنا أن نعرف بالتفصيل كيف انتشر في البلاد التي تقع شرق الجزيرة العربية؟
الجواب:
الاخ محمد علي المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
إنّ نسل الرسول (صلى الله عليه وآله) قد انتشر وشاع من أولاد عليّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام)، وهذا ممّا لا خلاف فيه.

وأمّا كيفية الانتشار فهو يختلف باختلاف الموارد والبقاع، فبعضهم قد التجأ إلى مناطق نائية حذراً من بطش حكّام الجور، وبعضهم هاجر إلى البلدان البعيدة للتبليغ والدعوة، أو حفظاً لعقيدته، أو نفسه، أو عياله عندما كانت تطاردهم الحكومات الأموية والعبّاسية وغيرها، وبعضهم سافر إلى بقاع كان يراها موالية لأهل البيت (عليهم السلام) ، أو انتقل إلى أماكن خاصّة من البلاد الإسلامية في سبيل القيام بالثورة في وجه الطغيان والتعدّي الحاكم آنذاك، لما فيها من أرضية اجتماعية مؤيّده لهم ومهيئة للثورة.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » هل حدثت منازعات بين أبناء الأئمّة والأئمّة (عليهم السلام) ؟


أسامة أبو مطر / لبنان
السؤال: هل حدثت منازعات بين أبناء الأئمّة والأئمّة (عليهم السلام) ؟
قرأت في بعض المواقع الشيعية بأنّ جعفراً - عمّ الإمام المهدي (عليه السلام) وعجّل الله فرجه الشريف -، يلقّب بجعفر الكذّاب.. لأنّه ادّعى الإمامة لنفسه كما هو معروف.. في حين أنّي علمت أنّ الشيعة الجعفرية.. وهي غير الشيعة الإمامية.. هي شيعة جعفر (الكذّاب)، ولكن الكثيرين لا يعلمون هذا، بل يعتقدون أنّ الاسم نسبة إلى فقه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) .. في حين أنّ الذين يدركون هذا الأمر يعتبرون السبب هو أنّ عمّ الإمام المهدي (عليه السلام) كان يحاول حمايته.. وبالمقارنة مع أقارب آل البيت من نسل محمّد بن إسماعيل يصبح لدي التساؤل التالي:
هل اختلف آل البيت (غير الأئمّة (عليهم السلام) ) فيما بينهم ونازعوا الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ؟ أم أنّ الموضوع يدخل ضمن مسألة الحماية؟
الجواب:
الأخ اسامة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما ذكرتموه من نسبة الشيعة الجعفرية إلى جعفر بن عليّ الهادي الموصوف بـ(الكذّاب) لا يوجد له أثر أو عين في كتب الملل والنحل التي ذكرت الفِرق والمذاهب.
وأيضاً دعوى أنّ ما فعله (الكذّاب)، هو لحماية الإمام المهدي (عليه السلام) فهي على مدّعيها، والوقائع والمنقولات تكذّب هذه الدعوى.

أمّا الاختلاف بين أبناء الأئمّة والأئمّة (عليهم السلام) ، فقد كانت هناك بعض الضغوطات التي تعرّض لها بعض أبناء الأئمّة (عليهم السلام) من قبل حكّام زمانهم، دعتهم إلى الإقدام على مواجهة هؤلاء الحكّام ومحاربتهم، ولم يوافقهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على هذه المواجهة لعدم توفّر شروط الانتصار فيها، كما حدث لأبناء عبد الله بن الحسن بن الحسن في أيام الإمام الصادق (عليه السلام) ، والتي انتهت بمقتل إبراهيم ومحمّد ابني عبد الله بن الحسن وموته هو وإخوته من بني الحسن في سجن المنصور، وقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) يحذّرهم من هذا الخروج ومواجهة الحاكم في زمانهم، إلّا أنّهم أصرّوا عليه، حتّى انتهوا إلى تلك النتيجة المؤلمة، ولم يحقّقوا ممّا أملوا شيئاً..

وهناك مواقف أُخرى دافعها الطمع والتصدّر للإمامة، مثل ما وقع بين الإمام الرضا (عليه السلام) وإخوته في صدقة الإمام الكاظم (عليه السلام) وإرثه، وكادّعاء عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق (عليه السلام) الإمامة مقابل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ، ومحاولة جعفر ابن الإمام الهادي (عليه السلام) التصدّي لذلك مستغلاً غيبة الإمام الحجّة بن الحسن (عليه السلام) .
إلّا أنّ الباقي من أبناء الأئمّة (عليهم السلام) كان يدين بالطاعة لأئمّة الهدى من آل البيت (عليهم السلام) .
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » روايات يظهر منها الذم ّ لبعض بني هاشم وبعض أولاد الأئمّة (عليهم السلام)


احمد الشايب / سوريا
السؤال: روايات يظهر منها الذم ّ لبعض بني هاشم وبعض أولاد الأئمّة (عليهم السلام)
أرجو إفادتي بمدى صحّة هذه الروايات المسيئة لأهل البيت من كتب الشيعة:
عن محمّد الباقر أنّه قال عن العبّاس عمّ النبيّ وعقيل أخي عليّ: (بقي مع عليّ - أي: بعد موت النبيّ (صلى الله عليه وآله) - رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام، عبّاس وعقيل).
وفي رواية أنّه قال: (بقيت بين خلَفين خائفين ذليلين حقيرين، عبّاس وعقيل).(حياة القلوب للملا باقر المجلسي ص756 ج2 ط الهند). (الفروع من الكافي/ كتاب الروضة).
وقوله تعالى: (( وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً )) (الإسراء:72)، وقوله تعالى: (( وَلاَ يَنفَعُكُم نُصحِي إِن أَرَدتُّ أَن أَنصَحَ لَكُم )) (هود:34)، نزلتا فيه. (52-53).
وروى الكشي أيضاً: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دعا على عبد الله بن العبّاس وأخيه عبيد الله، فقال: (اللّهمّ العن ابني فلان - يعني عبد الله وعبيد الله - واعم أبصارهما كما عميت قلوبهما الأجلين في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليلاً على عمى قلوبهما).(52).
وأمّا الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين، فقد روى الكليني: أنّ يزيد بن معاوية سأله أن يكون عبداً له، فرضي (عليه السلام) أن يكون عبداً ليزيد، إذ قال له: (قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك، وإن شئت فبع).(الروضة من الكافي 8/235).
عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنّه قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قالوا: لا.قال: زعم ابن عبّاس أنّه من الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا - وذكر كلاماً طويلاً - ثمّ قال: فاستضحكت، ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله.(الكافي1/247).
عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنّه قال: (وعندي الجفر الأحمر).فقال له عبد الله بن أبي يعقوب: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟ قال: (إي والله، كما يعرفون الليل أنّه ليل، والنهار أنّه نهار، ولكنّهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار).(الكافي 1/240).
فرووا عن عليّ أنّه جمع الناس لإقامة حدّ الزنا على امرأة، ثمّ قال: (لا يقيم الحدّ مَن لله عليه حدّ). يعني: لا يقيم عليها الحدّ إلّا الطاهرون. قال: فانصرف الناس يومئذ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين. وانصرف فيمن انصرف محمّد ابن أمير المؤمنين.(الكافي 7/187).
عن حنان بن سدير، قال: كنت جالساً عند الحسن بن الحسن، فجاء سعيد ابن منصور وكان من رؤساء الزيدية، فقال: ما ترى في النبيذ؟ قال: إنّ زيداً كان يشربه عندنا. قال: ما أُصدق على زيد أنّه شرب مسكراً. قال: بلى قد شربه. قال: فإن كان فعل، فإنّ زيداً ليس بنبيّ ولا وصي نبيّ، إنّما هو رجل من آل محمّد.
عن صفوان الجمّال أنّه قال: وقع بين أبي عبد الله وبين عبد الله بن الحسن كلام، حتّى وقعت الضوضاء بينهما واجتمع الناس فتفرّقا - وذكر قصّة طويلة - قال المحقّق في الحاشية: فيه دلالة على حسن رعاية الرحم وإن كان بهذه المثابة، وإن كان فاسقاً ضالاً.(الكافي 2/155). 
عن جعفر الصادق والده أنّه قال له: (أفعلتها يا فاسق؟ أبشر بالنار).(الكشي 211).
وذكروا عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنّه قال عن ولده إسماعيل: (إنّه عاص، لا يشبهني ولا يشبه أحداً من آبائي).(بحار الأنوار 47/247).
عن يعقوب بن المثنى، قال: كان المتوكّل يقول: أعياني أمر ابن الرضا - يعني: محمّد بن عليّ الجواد - أبى أن يشرب معي. فقالوا له: فإن لم تجد منه، فهذا أخوه موسى قصَّاف عزَّاف يأكل ويشرب ويتعشّق.(الكافي 1/502).
الجواب:
الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل الجواب على ما ذكرت، نودّ أن نقول: إنّ هذه الروايات جمعها المدعوّ عثمان الخميس ليشنع بها على الشيعة، وقبله ذكر جملة منها إحسان إلهي ظهير، ثمّ ذُكر بعضها في الكتاب المختلق المطبوع في الكويت (لله ثمّ للتاريخ).

أمّا الجواب، فنقول:
هناك جواب إجمالي بغض النظر عن مدى صحّة الروايات من عدمها، فهذه الروايات ليس فيها ذمّ لأهل البيت (عليهم السلام) المخصوصين الذين أرادهم الله في قرآنه، وذكرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أحاديثه، والذين تتوالاهم الشيعة، فإنّ أهل البيت المعنيون جماعة خاصّة، وهم النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين (عليهم السلام) ، وهؤلاء هم المعصومون الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأوجب الله موالاتهم، ولا يدخل فيهم العبّاس، ولا عقيل، ولا محمّد بن الحنفية، ولا عبد الله بن عبّاس، ولا عبيد الله بن عبّاس، ولا زيد، ولا إسماعيل، ولا غيره من أبناء الأئمّة، وإذا انحرف أحد هؤلاء لا يعد ذلك إساءة إلى أهل البيت (عليهم السلام) ، كما هو الحال في عمّ النبيّ أبي جهل إذ كان كافراً، ولكن هذا لا يحطّ من قدر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بقدر ما يرفعه، إذ كان بهذا المحيط واستطاع أن يكون بهذا المستوى من العصمة والدرجة العالية من القرب من الله تعالى.
وكذا لا يحطّ من قدر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ما ينسب من ذمّ وإساءة في بعض الروايات لبعض من يقربهم بالنسب؛ وإلّا لو كان في ذلك ما يشين لسرى الإشكال إلى كلام الله تعالى، إذ يذمّ أبا لهب عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ويذكر ابن نبيّ الله نوح (عليه السلام) بالكفر، ويضرب المثل بامرأتي نوح ولوط (عليهما السلام).
فما قاله هذان وغيرهما لا يعدو كونه تدليس لخداع الناس، إذ لا يلزم الشيعة شيء من ذلك وهم يعلنون بأعلى أصواتهم أنّهم يوالون الأربعة عشر معصوماً، النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وفاطمة (عليها السلام)، والاثني عشر إماماً، عليّ وولده إلى المهدي (عليهم السلام) ، وإنّهم يقصدون بأهل البيت هؤلاء (عليهم السلام) لا غير.

وأمّا تفصيل الجواب على هذه الروايات:
أوّلاً: الرواية الأُولى رواها الكليني في (الكافي)، قال: ((محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن سدير، قال: كنّا عند أبي جعفر (عليه السلام) فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم (صلى الله عليه وآله) واستذلالهم أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال رجل من القوم: أصلحك الله، فأين كان عزّ بني هاشم وما كانوا فيه من العدد؟!
فقال أبو جعفر (عليه السلام) : ومن كان بقي من بني هاشم، إنّما كان جعفر وحمزة فمضيا، وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام: عبّاس وعقيل، وكانا من الطلقاء، أما والله، لو أنّ حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما))(1). وقد حسّن المجلسي سندها(2)، وصحّحه السيّد الخوئي (رحمه الله)(3).
والرواية التي بعدها، رواها سليم بن قيس في كتابه من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في آخر سنة من حياته، وفيها: (ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أمّا حمزة فقتل يوم أحد، وأمّا جعفر فقتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين عاجزين: العبّاس وعقيل، وكانا قريبي العهد بكفر)(4)، ولكن وقع الكلام في كتاب سليم ومدى الاعتماد عليه خاصّة في نسخه المتأخّرة.

وأورد الطبرسي هذه الخطبة في (الاحتجاج) باختصار واختلاف: عن إسحاق ابن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) ، وفيها: (فأنشدتهم حقّي، ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلّا أربعة رهط: سلمان، وعمّار، والمقداد، وأبو ذرّ، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين الله من أهل بيتي، وبقيت بين خفيرتين قريبي العهد بجاهلية عقيل والعبّاس)(5)، ولكنّه حذف سندها، فجاءت مرسلة.
وروى السيّد ابن طاووس في (كشف المحجّة) من (كتاب الرسائل) للكليني، عن علي بن إبراهيم، كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى شيعته بعد منصرفه من النهروان، وفيه: (فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا معي مساعد، إلّا أهل بيتي فظننت بهم عن الهلاك، ولو كان لي بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمّي حمزة وأخي جعفر، لم أبايع كرهاً، ولكنّني بليت برجلين حديثي عهد بالإسلام العبّاس وعقيل، فظننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى...)(6)، ولكنّه S أورده منقطعاً مرسلاً.
فلا بدّ من إرجاع هذه الروايات إلى ما ورد من نصّ في صحيحة الكافيS المتقدّمة، والاقتصار على كونهما (أي: العبّاس وعقيل) ضعيفان ذليلان، أي لم يكن لهما من القوّة والعزّة والعزيمة ما لحمزة وجعفر(رضوان الله عليهما)، وأمّا حداثة العهد بالإسلام، فقد اتّفقت عليه متون هذه الروايات، ولا يوجد طعن في شخصهما من جهة الوثاقة أو الديانة أو عدم معرفة حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ؛ نعم لم يكونا بصلابة واستماتة حمزة وجعفر في الدفاع عن الدين.

ثانياً: أمّا رواية الكشي بسنديه عن الإمام الباقر (عليه السلام) من أنّ قوله تعالى: (( وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً )) (الإسراء:72)، وقوله تعالى: (( وَلاَ يَنفَعُكُم نُصحِي إِن أَرَدتُّ أَن أَنصَحَ لَكُم )) (هود:34) ، نزلتا في العبّاس.
فسنده الأوّل: عن جعفر بن معروف، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد الأنباري، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال:...الخ(7)، ففيه جعفر بن معروف اعتمد عليه الكشي كثيراً؛ وترجمه الطوسي في رجاله بعنوان: ((جعفر بن معروف يكنى أبو محمّد من أهل كش، وكيل وكان مكاتباً))(8)، ولم يوثّقه؛ وقال فيه ابن الغضائري: ((جعفر بن معروف، أبو الفضل السمرقندي، يروي عنه العيّاشي كثيراً، كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه يعرف تارة وينكر أُخرى))(9)، وظاهرهما الاتّحاد من مراجعة رواياتهما وشيوخهما. وهو غير متّهم في هذه الرواية لوجود طرق أُخر لها، منها:

ما ورد في (الاختصاص) المنسوب للشيخ المفيدS: عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال:... الخ(10)، كما عن الكشي باختلاف يسير. والسند صحيح، أورده الصدوقS في توحيده مختصراً في وصف العرش(11).

ومنها: ما رواه (علي بن إبراهيم القمّي) في (تفسيره): عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال:... الخ(12)، باختلاف في بعض عباراته.
ورواه (النعماني) في (الغيبة) مختصراً باختلاف: عن علي بن أحمد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى العلوي، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين (عليه السلام) ، قال:... الخ(13)، وليس فيه الآيتان النازلتان في العبّاس، وسنده ضعيف بعلي بن أحمد بن نصر البندنيجي.
ورواه مرسلاً (العيّاشي) في تفسيره مختصراً وباختلاف أيضاً: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال:... الخ(14).
وعند الثلاثة أبو الطفيل بدل الفضيل بن يسار، وظاهره اشتباه الرواة بين الطفيل والفضيل.

وأمّا سند الكشي الثاني، قال: حدّثني أبو الحسن علي بن محمّد بن قتيبة، قال: حدّثنا الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير، عن أحمد بن محمّد بن زياد، قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين (عليهما السلام)...(15). ففيه أحمد بن محمّد بن زياد الرواي عن الإمام السجّاد (عليه السلام) مجهول.

ثالثاً: أمّا رواية الكشي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (16)، فيقول السيّد الخوئي: إنّها ضعيفة بالإرسال أوّلاً بجهالة طريق الكشي إلى محمّد بن يحيى بن عبيد، وبمحمّد بن سنان وموسى بن بكر الواسطي ثانياً(17).

رابعاً: أمّا رواية الكليني في (الكافي) بخصوص إقرار الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) بالعبودية ليزيد(18)، فهو مردود معلول، للقطع تاريخياً بعدم ذهاب يزيد إلى الحجاز أيام خلافته، بل عدم مغادرته الشام إلى أن هلك.

خامساً: أمّا رواية الكليني في (الكافي) بخصوص كلام الإمام الصادق (عليه السلام) مع ابن عبّاس وضحك الإمام (عليه السلام) منه، ففي سندها الحسن بن العبّاس بن حريش ضعيف جدّاً، أُتّهم بالوضع، قال فيه ابن الغضائري: ((الحسن بن العبّاس بن حريش الرازي أبو محمّد، ضعيف، روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فضل: (( إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ )) (القدر:1)، كتاباً مصنّفاً فاسد الألفاظ، تشهد مخايله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه))(19). وقال فيه النجاشي: ((الحسن بن العبّاس ابن حريش الرازي أبو علي، روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ، ضعيف جدّاً له كتاب: (( إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ )) ، وهو كتاب رديء الحديث مضطرب الألفاظ))(20).
وهذه الرواية من صنف ما أورده في الكتاب المذكور.

وقد ردّ علماؤنا أعلى الله مقامهم هذه الرواية:
قال السيّد الخوئي (رحمه الله): وهذه الرواية مضافاً إلى ضعفها بالحسن بن العبّاس بن حريش، آثار الوضع عليها ظاهرة، فإنّ الظاهر من ضحك الباقر (عليه السلام) أنّ الأمر وقع قريباً، والمفروض في الرواية أنّه (عليه السلام) كان جالساً وعنده نفر، فكانت هذه القصّة زمان إمامته (عليه السلام) ، ولا أقلّ أنّها كانت زمان كبره (عليه السلام) ، مع أنّ ابن عبّاس مات سنة ثمان وستّين، وولد أبو جعفر (عليه السلام) سنة سبع وخمسين، فالقضية مكذوبة لا محالة(21).

وقال الشيخ التستري في (الأخبار الدخيلة): ((ويشهد لوضعه أُمور:
الأوّل: إنّ المفهوم منه أنّ محاجّة الباقر (عليه السلام) مع ابن عبّاس كان في زمان إمامته، مع أنّ إمامته كانت بعد خمس وتسعين، وابن عبّاس مات بالطائف في فتنة ابن الزبير سنة ثمان وستّين، وإنّما أدركه الباقر (عليه السلام) في صغره.

فروى الكشّي عن الصادق (عليه السلام) : (إنَّ أبي كان يحبّ ابن عبّاس حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب، فأتاه بعدما أصيب بصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك من لا يعرفك فلا عرفك).

الثاني: أنّه دالٌّ على نصب ابن عبّاس، مع أنّ استبصاره من المتواترات، ومحاجّاته في الإمامة مع عمر ومعاوية وعائشة وابن الزبير وغيرهم مشهورة معروفة.

الثالث: أنّه مشتمل على أنّ عمى ابن عبّاس كان من صفقة جناح جبرئيل لجحده ليلة القدر على أمير المؤمنين (عليه السلام) ، مع أنّ المسعودي، قال: ((كان ذهاب بصر ابن عبّاس لبكائه على عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) )).

ولِمَ لَم يعم جبرئيل مبغضي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعمى من كان في أوّل المحامين عنه (عليه السلام) ، فإنّه لم يعط أحد لسانه بعد المعصومين (عليهم السلام) ؟!
ولِمَ لَم يعم معاوية الذي كان يعيّر بني هاشم بالعمى؟! ففي معارف ابن قتيبة: ((ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن العبّاس، وأبوه العبّاس، وأبو العبّاس: عبد المطّلب. قال: ولذلك قال معاوية لابن عبّاس: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال ابن عبّاس: وأنتم يا بني أُميّة تصابون في بصائركم)).

وروى (الاستيعاب): أنّ سبب عماه رؤيته لجبرئيل، فروى عنه أنّه قال: رأيت رجلاً مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلم أعرفه، فسألته عنه؟ فقال لي: أرأيته؟ قلت: نعم، قال: ذاك جبرئيل، أما أنّك ستفقد بصرك، قال: فعمى بعد ذلك في آخر عمره.
قلت: لو صحّ خبر (الاستيعاب) يكون محمولاً على عدم استعداد ابن عبّاس لرؤية جبرئيل، ولعلّ الجاعل سمع بمثل ذلك فبدّله بما قال.

وممّا يوضّح أنّ ابن عبّاس كان في كمال الخصوصية مع أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنّ معاوية أمر بعد التحكيم باللعن في القنوت على ابن عبّاس، كما أمر باللعن في القنوت على أمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام) ، ومالك الأشتر.

الرابع: أنّ عبارات الخبر مختلّة منحلّة، بحيث لا يكاد يفهم منها محصّل، ولا يتكلّم بمثلها أدنى رجل من العامّة، فكيف يتكلّم بمثلها أئمّة هم أمراء الكلام، وفيهم انتشبت عروقه، وتشعّبت غصونه.
بل لم ينحصر الاختلال بهذا الخبر، بل جميع أخبار ذاك الباب، التي هي أخبار تسعة كلّها بسند واحد عن كتاب ابن حريش المذكور في آخر السند مختلّة منحلّة.
ولله درّ ابن الغضائري في وصف كتابه، حيث قال - بعد عنوان الرجل - : ((كتابه فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنّه موضوع)).
وكذلك تلميذه النحرير النجاشي، فقال - بعد عنوانه - : ((كتابه رديّ الحديث مضطرب الألفاظ))، ولا غروّ في رواية سهل الآدمي له، فتقدّم عن النجاشي أنّ الأشعري يشهد على سهل بالغلوّ والكذب، وإخراجه من قمّ إلى الرّي، وقال الكشّي: إنّ الفضل بن شاذان كان لا يرتضي سهل الآدمي، ويقول: ((إنّه أحمق))، وإنّما العجب من رواية أحمد الأشعري له! اللّهمّ إلّا أن يكون ذكر أحمد خلطاً من النسّاخ، أو وهماً من الكليني، حيث أنّه فيما يأتي اقتصر في روايته على سهل الآدمي.

الخامس: أنّ ما اشتمل عليه الخبر من حكم الحدّ وحكم الدِّية خلاف ما اشتهر به الإمامية، ولم يعمل به الكليني نفسه، حيث ذكره في النوادر - والنوادر ما لا يعمل به - فقال في كتاب ديّات كافيه (باب نادر): ((عدّة من أصحابنا، عن سهل، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ، قال: قال أبو جعفر الأوّل (عليه السلام) لعبد الله بن العبّاس: أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف - إلى قوله - هذا حكم الله))، كما مرّ.
ولم يروه الفقيه الذي تضمّن بصحّة ما يرويه فيه، ولم يعمل به إلّا الشيخ في نهايته، وتبعه تلميذه القاضي، وردّه الحلّي بكونه خرقاً للإجماع، وقال: ((هذه الرواية مخالفة لأُصول المذهب؛ لأنّه لا خلاف بيننا أنّه يقتصّ من العضو الكامل للناقص)).
و(المختلف) نقل الرواية مستنداً للشيخ، وقال: ((في طريقه سهل))، وذهل عن كون ابن حريش أضعف، كما غفل عن طريق الخبر الآخر))(22).

سادساً: أمّا رواية الصادق (عليه السلام) عن بني الحسن، فقد رواها الكليني في (الكافي)، قال: ((عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ عندي الجفر الأبيض.
قال: قلت: فأيّ شيء فيه؟
قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم (عليهم السلام) والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أنّ فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتّى فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش. وعندي الجفر الأحمر.
قال: قلت: وأيّ شيء في الجفر الأحمر؟
قال: السلاح، وذلك إنّما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل.
فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟
فقال: إي والله، كما يعرفون الليل أنّه ليل، والنهار أنّه نهار، ولكنّهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحقّ بالحقّ لكان خيراً لهم))(23). وسندها حسن(24)، بل إلى الصحّة أقرب؛ لوقوع الاختلاف في الحسين ابن أبي العلاء بين المدح والتوثيق(25).

ومن أشكل بهذه الرواية على الشيعة كـ(إحسان إلهي ظهير، وعثمان الخميس، ومن أخذ منهما)، قطعها من أوّلها، وما ذاك إلّا لدلالتها على ما لدى الأئمّة (عليهم السلام) من علم، وإنّ ما في مصحف فاطمة (عليها السلام) ليس بقرآن؛ وحذف بعضهم ما ورد من قول الإمام بعد قوله: (وعندي الجفر الأحمر)، كما فعل المستشكل هنا، لما فيه من الدلالة على معنى الجفر الأحمر، وأنّ صاحبه الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) ، وأنّه سيخرج بالسيف.
وفي الرواية تعريض ببعض بني الحسن (عليه السلام) المعاصرين للإمام الصادق (عليه السلام) ، وهم عبد الله بن الحسن بن الحسن وبنيه؛ لما هو ثابت في كتب التاريخ من ادّعائهم المهدوية لمحمّد بن عبد الله بن الحسن، وعدم مبايعة الإمام الصادق (عليه السلام) له، وإخبارهم بأنّ الملك سيناله المنصور، وأنّه يقتلهم.

سابعاً: أمّا خبر عليّ (عليه السلام) : (لا يقيم الحدّ من لله عليه حدّ)، ففي الكافي، وفي آخره: ((وانصرف فيمن انصرف يومئذ محمّد بن أمير المؤمنين (عليه السلام) ))(26)، فسنده الأوّل ضعيف بعلي بن أبي حمزة البطائني.
وقد رواه البرقي في (المحاسن) بطرقه إلى البطائني أيضاً، من دون هذه الزيادة في آخره(27).

وأمّا سنده الثاني إلى خالد بن حمّاد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) ، فهو صحيح؛ ولكن يبعد رواية خالد بن حمّاد الأسدي عن الصادق (عليه السلام) ، فقد عدّوه من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) (28).
ورواه الشيخ الطوسي في (التهذيب) بمثل ما في (الكافي) سنداً ومتناً(29)، ولكن رواه الصدوقS في (من لا يحضره الفقيه) من قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) المفرّقة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) من دون هذه الزيادة(30)، وطريقه إليها صحيح(31)، ورواه علي ابن إبراهيم القمّي في (قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) ) عن أبي جعفر (عليه السلام) (32)، بسند كالصحيح من دون هذه الزيادة أيضاً.

فلم تثبت الزيادة بسند صحيح، مع أنّ فيها غرابة! فقد أمرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتلثّم حتّى لا يعرف بعضهم بعضاً وألّا يفتضحوا، فكيف عُرف محمّد بن الحنفية من بينهم؟! وهل هذا إلّا نقض لغرض أمير المؤمنين (عليه السلام) بافتضاح ابنه!!
إلّا أن نقول: إنّ هذه الزيادة من فهم الراوي بعد أن لم يبق إلّا أمير المؤمنين والحسنان (عليهم السلام) . ولكن هذا غير لازم؛ لعدم العلم بحضور محمّد بن الحنفية الحادثة، خاصّة وقد كان الكلّ متلثّماً.. وإلّا فالإشكال وارد على بقية أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفيهم من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومن التابعين الأخيار، إذا التزمنا بحضور الكلّ، وهذا ما لا يلزم.

مع أنّ التعمّق في فقه الرواية يدفع كلّ احتمال للإشكال، فإنّ فيها من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : (أيّها الناس! إنّ الله تبارك وتعالى عهد إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله) عهداً وعهد نبيّه إليَّ بأنّه لا يقيم الحدّ من لله عليه حدّ، فمن كان لله عليه حدّ مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحدّ عليها). وقد فهم الفقهاء منه ومن غيره مطلق الحدّ - لأنّ الحدود متماثلة في أصل العقوبة - وعقدوا مسألة في كراهة إقامة الحدّ ممّن عليه حدّ، ومطلق الحدّ يشمل حتّى التعزير، ولا يخلو مكلّف على الغالب إلّا المعصوم ممّا يوجب التعزير، ولم يقل أحد بأنّ محمّد بن الحنفية معصوم؛ فتأمّل(33).
ومع ذلك فمقام محمّد بن الحنفية عالٍ، فهو من الذين لا يرضون أن يعص الله، كما ورد في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) (34)، ولا مستند لحضوره الحادثة وانصرافه إلّا هذه الأسانيد الضعيفة بهذه الزيادة.

ثامناً: أمّا خبر سعيد بن منصور، في أنّ زيداً كان يشرب النبيذ المروي في (رجال الكشي)(35)، فإنّ المتّهم لزيد بذلك هو سعيد بن منصور وهو من رؤساء الزيدية، كما في الخبر، فأين الشيعة الإمامية من ذلك؟! ثمّ إنّ سعيد هذا قال عنه السيّد الخوئي (رحمه الله): ((لا اعتماد على قول سعيد بن منصور، فإنّه فاسد المذهب، ولم يرد فيه توثيق ولا مدح))(36).

تاسعاً: أمّا رواية صفوان الجمّال، المروية في (الكافي)، فيما وقع بين أبي عبد الله (عليه السلام) وعبد الله بن الحسن من كلام، حتّى ارتفعت الضوضاء بينهما(37)، فهي صحيحة، وليس فيها إساءة للذي يقرأها بكاملها.
وأمّا ما نقله عن المعلّق على الرواية في الهامش، فهو يحسب عليه وليس في الرواية شيء منه، وهو حكم مبنيّ على ما كان يظهره عبد الله بن الحسن من إمامة ابنه محمّد ذو النفس الزكية، وأنّه المهدي من دون وجه حقّ.

عاشراً: أمّا الرواية عن الصادق (عليه السلام) المروية في الكشي(38)، وتوهّم توجه الخطاب فيها لإسماعيل بقوله: (أفعلتها يا فاسق...)، فهو توهم غير صحيح! قال السيّد الخوئي: إنّ الخطاب متوجّه إلى جعفر المنصور بتنزيله منزلة الحاضر، كما يظهر بأدنى تأمّل، على أنّ السند ضعيف، ولا أقلّ من جهة محمّد بن نصير(39).

الحادي عشر: أمّا الرواية عن الحسن بن راشد عن الصادق (عليه السلام) بحقّ إسماعيل: (إنّه عاص...)، المروية في (إكمال الدين) للصدوق(40)، فقد قال السيّد الخوئي (رحمه الله) في فقهها: إنّ الحسن بن راشد سأل الإمام (عليه السلام) عن إسماعيل من جهة لياقته للإمامة على ما هو المرتكز في أذهان العامّة من الشيعة، فأجابه الإمام (عليه السلام) بأن لا يشبهه ولا يشبه آباءه في العصمة، فإنّه تصدر منه المعصية غير مرّة، وهذا لا ينافي جلالته، فإنّ العادل التقيّ أيضاً قد تصدر منه المعصية ولو كانت صغيرة، لكنّه يتذكّر فيتوب(41).

الثاني عشر: أمّا الرواية الأخيرة المروية في (الكافي) بخصوص مكر المتوكّل بابن الرضا الإمام عليّ الهادي (عليه السلام) والتي فيها أنّ أخاه موسى ((قصاف عزاف))(42)، فهي ضعيفة بيعقوب بن ياسر المجهول(43).
وهذا الجواب على نحو الاختصار مراعاةً للصناعة في علم الحديث والرجال، وبإمكانك أن تجد أجوبة أُخر لبعض هذه الروايات بالتحليل ودراسة التاريخ الإسلامي المرتبط بهذه الروايات، لتجدها بعيدة كلّ البعد عن الإساءة لأهل البيت (عليهم السلام) حسب ما يوحيه عنوان المشنّع بعد أن جمعها وجعلها في إطار واحد ليخدع نظر القارئ بصحّة العنوان، فإنّ كلّ رواية لها وضع منفصل عن غيرها، حاول الكاتب تقطيعها وجمعها بطريقة معينة، خداعاً وتمويهاً للقارئ، بأسلوب مستخدم معروف من أساليب الدعاية.
فمثلاً استخدام عنوان أهل البيت (عليهم السلام) موحياً بمعناه عند الشيعة، مع أنّه عامله في موارد الروايات بمصطلح أهل السُنّة، وأدخل في أهل البيت (عليهم السلام) من ليس فيهم مخادعة للقارئ غير المنتبه، وكذلك أبرز المعنى الظاهر الأوّلي لبعض الألفاظ، مثل (خائفين، ذليلين) دون إبراز القرائن على المراد منها ودون شرح المعنى كما شرحه غيره، وذكره لرواية ((ظلم يزيد للإمام السجاد (عليه السلام) ))، دون بيانه للحكم الشرعي في مثل ذلك، وإيراده لبعض أفعال أبناء الأئمّة (عليهم السلام) وكأنّهم لا يخطئون، متناسياً أنّ بعض أبناء الأنبياء هكذا، وعلى كلّ فإنّ الواقع سيتبيّن لك بأدنى مراجعة.
ودمتم في رعاية الله
(1) الكافي 8: 190 الحديث (216).
(2) مرآة العقول 26: 83 الحديث (216).
(3) معجم رجال الحديث 10: 254 (6189).
(4) كتاب سليم بن قيس: 216 خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) في السنة الأخيرة من عمره.
(5) الاحتجاج 1: 281 احتجاجه (عليه السلام) في الاعتذار من قعوده عن قتال من تأمّر عليه من الأوّلين.
(6) كشف المحجّة لثمرة المهجة: 180 الفصل الخامس والخمسون والمائة.
(7) اختيار معرفة الرجال 1: 274 (103) عبد الله بن عبّاس.
(8) رجال الطوسي: 418 (6041).
(9) مجمع الرجال، للقهباني 2: 45 جعفر بن معروف.
(10) الاختصاص: 71 عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب.
(11) التوحيد: 324 باب (51).
(12) تفسير القمّي 2: 23 سورة بني إسرائيل.
(13) الغيبة: 205 الحديث (12) باب (11).
(14) تفسير العيّاشي 2: 305، الحديث (129) سورة بني إسرائيل.
(15) اختيار معرفة الرجال 1: 275 (104).
(16) اختيار معرفة الرجال 1: 269 (102)، و330 (180).
(17) معجم رجال الحديث 11: 225 (6954) عبد الله بن عبّاس.
(18) الكافي 8: 234 الحديث (313).
(19) مجمع الرجال، للقهباني 2: 118 الحسن بن العبّاس بن الحريش.
(20) رجال النجاشي: 60 (138).
(21) معجم رجال الحديث 11: 256 (6954) عبد الله بن عبّاس.
(22) الأخبار الدخيلة 1: 234 - 238 الباب الثاني، الفصل الرابع.
(23) الكافي 1: 240 الحديث (3)، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمةI.
(24) مرآة العقول، للمجلسي 3: 57 الحديث الثالث: باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمةI.
(25) معجم رجال الحديث 6: 200 (3276).
(26) الكافي، للكليني 7: 186 الحديث (1) كتاب الحدود، باب آخر منه.
(27) المحاسن 2: 309 الحديث (23) كتاب العلل.
(28) مرآة العقول، للمجلسي 23: 282 الحديث (1) كتاب الحدود، باب آخر منه.
(29) تهذيب الأحكام 10: 9 الحديث (23، 24) كتاب الحدود، باب حدود الزنى.
(30) من لا يحضره الفقيه 4: 32 الحديث (5018).
(31) من لا يحضره الفقيه 4: 526 المشيخة، معجم رجال الحديث 18: 181 (1165).
(32) قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام): 80 الحديث (23).
(33) انظر: الدرّ المنثور في أحكام الحدود، للكلبايكاني 1: 436 لا يرجم من كان لله عليه حدّ.
(34) اختيار معرفة الرجال 1: 281 (112).
(35) اختيار معرفة الرجال 2: 499 (420).
(36) معجم رجال الحديث 8: 362 (4880).
(37) الكافي، للكليني 2: 155 الحديث (23)، باب صلة الرحم.
(38) اختيار معرفة الرجال 2: 513 (449).
(39) معجم رجال الحديث 4: 41 (1316).
(40) إكمال الدين وإتمام النعمة: 70 اعتراض آخر للزيدية.
(41) معجم رجال الحديث 4: 42 (1316).
(42) الكافي، للكليني 502:1 باب ولد أبي الحسن علي بن محمّد (عليه السلام).
(43) معجم رجال الحديث 20: 82 (12869).

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » زواج فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام)


بو حسين / الكويت
السؤال: زواج فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام)
احتجّ علينا أحد المخالفين بأمر زواج السيّدة فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، وقال: كيف تتزوّج من ابن عفّان الذي تقولون، إنّه ملعون، وأنّهم من الشجرة الملعونة، وقد جاء بمصادر شيعية؟
نرجوا منكم إعلامنا بمدى صحّة هذه المصادر، وكيف نردّ عليه شبهته، 
مع جزيل الشكر لكم..
وهذا نصّ كلامه:

*************************

فاطمة بنت الحسين الشهيد ابن عليّ بن أبي طالب: تزوّجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان.
وولدت له محمّد الديباج قتل سنة 145هـ في سجن المنصور الدوانيقي مع إخوته لأمّه عبد الله المحض والحسن المثلث وغيرهم من أهل البيت، وقد كانت فاطمة من قبل تحت الحسن المثنى، ولدت له عبد الله المحض والحسن المثلث وإبراهيم الغمر.
وعلماء الشيعة الإمامية يتغافلون عن هذا النكاح، وينكرونه أحياناً كما فعل علي محمّد علي دخيل في كتابه (فاطمة بنت الحسين)، إذ يرى أنّها لم تتزوّج إلّا من الحسن المثنى ابن الحسن السبط وولدت له.
ومن الذين يتغافلون عن ذكر هذا النكاح، الشيخ محمّد رضا الحكيمي في كتابه (أعيان النساء عبر العصور النساء المختلفة)، إذ ترجم لفاطمة بنت الحسين وذكر زواجها من الحسن المثنى وأولادها منه وسجنهم في حبس المنصور الدوانيقي وقتلهم بعد ذلك في الحبس، ولكنّه لم يذكر أنّه قتل معهم محمّد الديباج أخوهم من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان.
إلّا أنّه مع ذلك يقرّ علماء الشيعة الإمامية جميعاً بأنّ فاطمة بنت الحسين أُمّها أُمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وأُمّ إسحاق هذه كانت زوجة الحسن السبط أيضاً وولدت له، وقبل موته أوصى الحسن أخاه الحسين بأن يتزوّجها فتزوّجها وولدت له فاطمة بنت الحسين، وهذا مسطور في كافة المراجع والمصادر؛ ولكن انظر من مصادر الشيعة الإمامية: (الإرشاد للشيخ المفيد ص194، والأنوار النعمانية للسيّد نعمة الله الجزائري 1/374، ومنتهى الآمال للشيخ عبّاس القمّي ص651 الفصل 12 في بيان أولاد الحسين)، وانظر في ترجمة فاطمة بنت الحسين من مصادر الشيعة الإمامية: (تاريخ اليعقوبي 1/374، الأصيلي 65 - 66، وعمدة الطالب ص118)، ومن كتب الأنساب: (أنساب الأشراف 4/607، جمهرة أنساب العرب 41 - 83، ونسب قريش ص51).
وماتت فاطمة بنت الحسين سنة 117هـ، وهي السنة نفسها التي ماتت فيها أختها سكينة بنت الحسين وفاطمة الكبرى بنت عليّ بن أبي طالب.
ولعلّ القارئ الكريم في شوق لما يشفي العلّة، ويودّ أن يقرأ النصوص الصريحة من مصادر علماء الشيعة الإمامية المثبتة لزواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، وهاك البيان:ــ
1- ذكر ابن الطقطقي (ت709هـ) - وهو نسابة شيعي من أكابر علماء الشيعة - في كتابه (الأصيلي في أنساب الطالبيين) هذا الزواج، قال: ((خلف فاطمة بنت الحسين عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان فولدت له)).
2- ذكر ابن عنبة (ت828هـ) - وهو نسّابة شيعي معروف - في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب) هذا النكاح ص188 هامش الكتاب قال المحقّق: ((وكانت فاطمة تزوّجت بعد الحسن المثنى عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان الأموي... فولدت له أوّلاداً منهم محمّد المقتول مع أخيه عبد الله بن الحسن ويقال له: الديباج، والقاسم ورقية بنو عبد الله بن عمرو))(عمدة الطالب ص11 الهامش).
والخلاصة: إنّ زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن عفّان ثابت في مصادر الشيعة الإمامية وأهل السُنّة وقد ذكر ذلك في (27) سبعة وعشرين مرجعاً، منها ثلاثة مراجع للشيعة الإمامية وهي: (الأصيلي في أنساب الطالبيين لابن الطقطقي (ت709هـ) ص65 - 66، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة (ت748هـ) ص118، وتاريخ اليعقوبي 2/374).
ومن مراجع وكتب التاريخ والأنساب نشير إلى: (المعارف لابن قتيبة 
(ت276هـ)، وتاريخ الإسلام للذهبي (ت748هـ) ص442 أحداث 120 - 101هـ، والمنتظم في تاريخ الأُمم والملوك لابن الجوزي (ت597هـ) 17/182 رقم630، وأنساب الأشراف لأحمد بن يحيى البلاذري 2/198، والبداية والنهاية لابن كثير (ت774هـ)، والعقد الفريد لابن عبد ربّة، وتقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني 2/482 - 609، وتهذيب التهذيب لابن حجر (ت852هـ) 12/442 رقم2863 و10/496 رقم8948، وتاريخ دمشق لابن عساكر 272 - 279 - 280، ونسب قريش لمصعب الزبيري (ت236هـ) ص51، الطبقات الكبرى لابن سعد 8/473 - 474، والتاريخ لابن معين 2/739، والثقات لابن حبّان 3/216، والمعرفة والتاريخ 3/265، والكامل في التاريخ لابن الأثير (ت630هـ) 5/518 - 523، 6/216، وتهذيب الكمال للمزّي (ت742هـ) 3/1192 - 392، والكاشف للذهبي 3/432 رقم110، وجامع التحصيل 394 رقم1032، وخلاصة تهذيب التهذيب ص494، والتذكرة الحمدونية 1/482، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص41 - 83).

*************************
الجواب:
الأخ بو حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
أوّلاً: إنّ هذا الكاتب متناقض في كلامه، فهو يتّهم علماء الشيعة بالتغافل عن ذكر هذا الزواج، وأنّهم ينكرونه أحياناً.. ثمّ بعد أسطر يقول: ((والخلاصة أنّ زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان ثابت في مصادر الشيعة الإمامية))!
فإذا كان ثابتاً في مصادرهم، فكيف يصحّ أن ينسب إليهم إنكاره؟! مع أنّ هذه القضية تخص علماء النسب - أعم من كونهم من الشيعة أو من أهل السُنّة - ذكروها في كتبهم.
ثمّ إنّ هناك مغالطة في قوله: ((وعلماء الشيعة يتغافلون عن هذا النكاح وينكرونه أحياناً...))، واللذان ذكرهما لا يعدّان من علماء الشيعة، بل هما كاتبان لهما مؤلّفات في بعض المسائل! وكذلك هما ليسا كلّ علماء الشيعة، فكان حري على الكاتب أن يقول: ((وبعض كتّاب الإمامية يتغافلون عن هذا النكاح وينكرونه أحياناً)).
هذا وأنّ من أنكر هذا الزواج قد أبدى رأيه، ورأي الواحد حتّى وإن كان من العلماء لا يحسب على كلّ الطائفة!! كيف والقائل ليس كذلك؟ مع أنّه مصيب في ردّ الروايات غير المعقولة والمتناقضة في كيفية زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان.

ثانياً: إنّ الأخبار التي ذكرت كيفية الزواج متعارضة فيما بينها! وبعضها لا يمكن التصديق به.
فمنها ما يذكر أنّها نذرت أو حلفت للحسن بن الحسن حين موته أنّها تعتق كلّ مملوك لها إن هي تزوّجت بعده، ثمّ إنّها خالفت نذرها ويمينها وتزوّجت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان بعد أن أرسل لها وصيفاً له، وهي على جنازة الحسن تضرب وجهها، قائلاً: ((يقول لك مولاي: اتّقي على وجهك فإنّ لنا فيه مأرباً))، فأرسلت يدها وما لطمت حتّى دفن، ثمّ خطبها وأخلف لها عن يمينها الضعفين، نقل ذلك مصعب الزبيري في (نسب قريش)(1)، ومصعب هذا لا يؤمن على أخبار العلويين لاشتهاره وأبيه بالعداوة لهم، مع أنّ هذه القصّة مردودة بما رواه البخاري من أهل السُنّة(2)، والمفيد من الشيعة(3)، من أنّ فاطمة بنت الحسين ضربت على قبر الحسن بن الحسن فسطاطاً لمدّة سنة كانت تقوم الليل وتصوم النهار(4).
ثمّ هل يعقل من فاطمة - وهي المعروفة بعقلها وكمالها وشرفها ودينها - أن تقبل الزواج منه في الأيام الأولى للوفاة وهي في العدّة، وتتزوّج به بعد العدّة، بل هل يعقل أن يدخل عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان وهي على جنازة زوجها تضرب وجهها حاسرة، حتّى يرسل لها من يقول لها ما قال؟! إنّ هذا لا يحدث عند عوّام الناس، فكيف في بيوت الرفعة والشرف كبيوت بني هاشم وآل عليّ؟!

ومن ثمّ روى ابن عساكر بسنده، قال: ((فلمّا حلّت للأزواج خطبها الرجال، فقالت: على ابن عمّي ألف ألف - زاد ابن البغدادي: دين - وقالا: فلست أتزوّج إلّا على ألف ألف أقضي بها دينه، قال: فخطبها ابن عمرو بن عثمان، فاستكثر الصداق، فشاور عمر بن عبد العزيز، فقال: ابنة الحسين وابنة فاطمة انتهزها، قال: فتزوّجها على ألف ألف، قال: ثمّ بعث - زاد الجنيد - إليها، وقالا: بالصداق كاملاً فقضت دينها، ثمّ دخل بها))(5)، فعلم أنّ ما أعطاها كان من الصداق لا لحلّ يمينها.
بل أنّها لم ترض أن تتزوّج عبد الله بن عمرو بن عثمان بعد أن خطبها إلّا بعد أن حرّجت عليها أُمّها، كما نقل أبو الفرج الأصفهاني بسنده: ((أنّ فاطمة بنت الحسين لمّا خطبها عبد الله أبت أن تتزوّجه، فحلفت أُمّها عليها أن تتزوّجه، وقامت في الشمس وآلت ألّا تبرح حتّى تتزوّجه، فكرهت فاطمة أن تحرج فتزوّجته))(6).
ومن هنا يعلم أن هذا الزواج حاله حال غيره من الزيجات التي أضطر إليها بنو هاشم وآل بيت عليّ (عليه السلام) بالخصوص آنذاك، نتيجة للضغوط الكبيرة المالية والاجتماعية والسياسية التي تعرّضوا لها بعد مقتل الحسين (عليه السلام) .

فهذه سكينة بنت الحسين تقول لهشام بن عبد الملك، لمّا دخلت عليه هي وفاطمة بنت الحسين - عند زواجه من بنت فاطمة من عبد الله بن عمرو بن عثمان وجرى بينهم الكلام - : ((والله، يا أحول لقد أصبحت تهكم بنا، أما والله ما أبرزنا لك إلّا يوم الطفّ...))(7).
وهذا والي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك الفهري خطب فاطمة بنت الحسين بعد وفاة عبد الله بن عمرو بن عثمان، فأبت ذلك، فألحّ عليها حتّى هدّدها إن لم تقبل فإنّه يأخذ أكبر ولدها وهو عبد الله بن الحسن ويتّهمه بشرب الخمر ويجلده أمام الناس، وما استطاعت التخلّص منه إلّا بشكواه إلى يزيد بن عبد الملك(8).
فهذه الزيجات وقعت في مثل هكذا ظروف، نقل لنا التاريخ بعضها وسكت عن بعض!

ثمّ إنّه ليس هناك مانع شرعي من مثل هكذا زواج، ومجرّد أن تكون تلك الشجرة - شجرة بني أُميّة - ملعونة لا يمنع من صحّة الزواج منها، وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد تزوّج أُمّ حبيبة وهي بنت أبي سفيان بن حرب بن أُميّة، إذ الزواج يصحّ على ظاهر الإسلام وإن كان نتيجة ضغوط وظروف معيّنة تضطر أحد الأطراف على القبول، وما أكثر ما يقع مثل ذلك عند المسلمين منذ بدأ الإسلام إلى الآن.
ودمتم في رعاية الله
(1) نسب قريش: 52 ولد الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
(2) صحيح البخاري 2: 90 باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور.
(3) الإرشاد 2: 26 باب ذكر ولد الإمام الحسن (عليه السلام).
(4) انظر: الهواتف، لابن أبي الدنيا: 92 الحديث (131)، تغليق التعليق، لابن حجر 2: 482، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 70: 19 (9400).
(5) تاريخ مدينة دمشق 70: 20 (9400).
(6) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 139 محمّد بن عبد الله بن عمرو الديباج، والأغاني 21: 79 ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن.
(7) تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 70: 21 (9400).
(8) انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 312 أيام يزيد بن عبد الملك، تاريخ الطبري 5: 367 أحداث سنة 104هـ، الكامل في التاريخ، لابن الأثير 5: 113.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » السيدة نفيسة


حمد / الامارات
السؤال: السيدة نفيسة
1- هل السيّد نفيسة من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) ؟
2- أليس قول السيّدة للإمام الشافعي: ((متعك الله بالنظر إلى وجهه الكريم))، إشارة بصحّة مذهب الشافعي؟
3- هل كانت معاصرة لأحد الأئمّة؟
الجواب:
الأخ حمد المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السيّدة نفيسة من ذرّية الحسن المجتبى (عليه السلام)، فهي نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الإمام الحسن (عليه السلام) بن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(1)، وكانت سيّدة جليلة لها كرامات، كان زوجها إسحاق بن جعفر الصادق (عليه السلام) من أهل الفضل والصلاح والورع والاجتهاد، وكان يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)(2)، وهو أحد الشهود على الوصيّة للرضا (عليه السلام)(3)، ومن البعيد أن لا يعرّفها زوجها ولاية الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، وأن لا تقبل منه مع ما معروف من صلاحها وعبادتها وكراماتها، وقد نقل مدى طاعتها لزوجها وأنّها ما كانت تأكل إلّا من مال زوجها.

وأمّا ما نقل من دخول الشافعي عليها وسماعها منها وأنّه كان يطلب منها الدعاء له عند مرضه، وأنّها قالت لمن أرسله في مرض موته: ((متّعك الله بالنظر إلى وجهه الكريم))، وأنّه عرف أنّها نعت إليه نفسه، وأنّ جنازته أدخلت بيتها فصلّت عليه، أو صلّت عليه مأمومة، وغير ذلك من النقولات(4)، فكلّها لم تثبت، ونقلت على وجه القيل، ولم نجد فيها وجهاً مُسنّداً.
قال ابن حجر: ((حضور الإمام (الشافعي) الوليمة عندها لا أعرفه، بل ورد أنّ الشافعي لمّا مات مرّوا بجنازته عليها فصلّت عليه، ولم يثبت هذا أيضاً(5).
وإن صحّ النقل في كلّ ذلك فهو لا يدلّ على صحّة مذهب الشافعي، بل حتّى حسن حاله، فإنّ هذه الأُمور في نفسها لا تدلّ على ذلك، فسماع الحديث والتحديث لا يدلّ على صحّة مذهب المحدّث أو السامع، والدعاء لشخص بالشفاء أو الصلاة على جنازته يكون للصالح والطالح، ولو سلّمنا الملازمة في مثل هذه الأُمور.. لكنّها لم تصدر عن الإمام المعصوم حتّى تثبت لها الحجّية.
هذا وفي ما نقل من قولها: ((متّعك الله بالنظر إلى وجهه الكريم))، نحو إشكال! فإنّ الأخذ بظاهر هذا الدعاء مشكل؛ لما تعتقد الإمامية من عدم إمكان رؤية الله 
عزّ وجلّ، فلا يصدر هذا الدعاء إلّا من صاحب عقيدة أشعرية أو حشوية. نعم يمكن تصحيحه بالحمل على النظر إلى رحمة الله، كما في قوله تعالى: (( وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )) (القايمة:22-23)؛ فلاحظ!

وقد عاصرت هذه السيّدة الكريمة الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام)، فإنّها ولدت سنة (145هـ)، وتوفّيت في سنة (208هـ)(6).
ودمتم في رعاية الله
(1) أخبار الزينبيات، للعبيدلي: 24 ترجمة زينب بنت يحيى بن الحسن بن زيد، الطبقات الكبرى، للشعراني: 102 (137) السيّدة نفيسة بنت الحسن بن زيد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، للمقريزي 4: 324 مشهد السيّدة نفيسة، مرشد الزوار إلى قبور الأبرار، للشارعي 1: 160 ذكر الأشراف الذين قدموا مصر ومن دفن بها منهم، السيّدة نفيسة، سير أعلام النبلاء، للذهبي 10: 106 نفيسة.
(2) الإرشاد، للمفيد 2: 211 أولاد الإمام الصادق (عليه السلام).
(3) الكافي، للكليني 1: 316 الحديث (15) كتاب الحجّة، باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا (عليه السلام).
(4) مرشد الزوار إلى قبور الأبرار، للشارعي 1: 171 السيّدة نفيسة.
(5) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر 2: 949، الباب السادس، الفصل السادس في نبذة من فتاويه، القاهريات، السيّدة نفيسة بنت الحسن والإمام الشافعي.
(6) مرشد الزوار إلى قبور الأبرار، للشارعي 1: 159 السيّدة نفيسة.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » الحسين صاحب فخ


عبد الله / السعودية
السؤال: الحسين صاحب فخ
من هو الحسين الفخّي، ومن هو محمّد بن عبد الله؟
وما صحّة ما ذكر (علي عبد السلام): بأنّ أئمّتنا كانوا تابعين لثوراتهم. نقله من كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني؟
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحسين الفخي: هو الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالب (عليهم السلام).
وذكر القاضي النعمان في (شرح الأخبار): إنّه خرج سنة تسع وستّين ومائة بالمدينة وبايعه فيها كثير من الشيعة، ثمّ خرج إلى مكّة فدخلها، فسار إليه سليمان ابن جعفر والتقى الطرفان بفخٍ، فتقاتلا، فقتل الحسين في يوم التروية سنة تسع وستّين ومائة، وجلب رأسه إلى الهادي الخليفة العبّاسي(1).
وفي (التعليقة على منهج المقال) للوحيد البهبهائي: ((قوله: الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ... آخر دعاة الزيدية، قتل في زمن الهادي موسى بن المهدي العبّاسي وحُمل رأسه إليه. نقل البخاري النسابة عن الجواد (عليه السلام) أنّه قال: (لم يكن لنا بعد الطفّ مصرع أعظم من فخّ)، وفي (الوجيزة): فيه ذمّ أيضاً، وفي (البلغة): ممدوح، وفيه ذمّ أيضاً، والظاهر أنّ الوجيزة مثل البلغة))(2).

وروى أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبين) بإسناده عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ(صلوات الله عليهما) حديث بكاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمّا مرّ بفخ ونزول جبرئيل، وقوله: يا محمّد! إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين.
وروى أيضاً بإسناده عن الصادق (عليه السلام) في حديث نزوله بفخ وصلاته فيه وقوله: (يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة).
وروى أيضاً عن زيد بن عليّ، قال: (انتهى النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى موضع فخ فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة، ثمّ قال: (يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، ينزل لهم بأكفان وحنوط من الجنّة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة))(3).
ولكن قال السيّد الخوئي (رحمه الله) في (معجم رجال لحديث): ورد في عدّة روايات ما يدلّ على حسنه، ولكنّها بأجمعها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها.

روى محمّد بن يعقوب الكليني عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن رنجويه، عن عبد الله بن الحكم الأرمني، عن عبد الله بن جعفر ابن إبراهيم الجعفري، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: لمّا خرج الحسين بن عليّ المقتول بفخ واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا بن عمّ! لا تكلّفني ما كلّف ابن عمّك عمّك أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان. ثمّ ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام) حين ودّعه: يا بن عمّ! إنّك مقتول فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثمّ خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم كما قال (عليه السلام)(4). ثمّ قال: وهذه الرواية ضعيفة السند أيضاً، ولا يعتمد عليها(5).

نقول: الروايات المادحة التي ضعّفها السيّد الخوئي (رحمه الله) كلّها من طرق الزيدية(6)، والرواية من طرقنا التي يشم منها الذمّ ضعيفة أيضاً كما عرفت.

ولكن اتّفق طريق الكليني وطرق الزيدية إلى عبد الله بن إبراهيم الجعفري، عن عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أنّ الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) قال للحسين صاحب فخ عندما عزم على الخروج: إنّك مقتول فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً (عند أبي الفرج الأصفهاني: ويضمرون نفاقاً وشركاً) وإنّا (فأنا) لله وإنا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة (عند أبي الفرج: وعند الله عزّ وجل أحتسبكم من عصبة)(7). فهذا نوع مدح له ولمن معه يثبت به حسنه؛ ولكن يبقى الكلام في الأخذ بهذا النصّ الواصل بطرق ضعيفة من الطرفين وإن اتّفقت عليه؛ والله أعلم.

ومن يميل إلى مدحه يمكن له الاستئناس بما رواه أبو الفرج الأصفهاني، وابن جرير الطبري، من أنّ الحسن بن علي الفخي دعا إلى الرضا من آل محمّد في بيعته(8)، وما رواه أبو الفرج من قول الحسين بن علي الفخي ويحيى بن عبد الله: ((ما خرجنا حتّى شاورنا أهل بيتنا وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج))(9)، وما رواه السيّد ابن طاووس في قصّة دعاء الجوشن عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، من أنّ موسى الهادي العبّاسي قال متوعّداً الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بعد مقتل الحسين الفخي: ((والله، ما خرج حسين إلّا عن أمره، ولا اتبع إلّا محبّته؛ لأنّه صاحب الوصية في أهل هذا البيت، قتلني الله إن أبقيت عليه))(10)، وإن كانت الأوّلتان ضعيفتا السند، والأخيرة شهادة من طاغية فاسق، والله أعلم.

وأمّا محمّد بن عبد الله وهو ابن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وهو الملقّب بالنفس الزكية، فقد جاء في روايات متعدّدة أنّه ادّعى الخلافة ودعا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إلى البيعة، وتكلّم معه بكلام غليظ حتّى بلغ الأمر إلى أنّه أمر بحبسه (عليه السلام)، وكان (عليه السلام) يعظه ويصرفه عمّا يريد ويخبره بأنّ الأمر لا يتم له، ولم يصغ إلى ذلك.. حتّى انتهى الأمر إلى قتله(11).
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: شرح الأخبار 3: 327 الجزء الرابع عشر، صاحب فخ.
(2) التعليقة على منهج المقال: 144 قوله: الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، وانظر: سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر: 14 أولاد الإمام الحسن (عليه السلام)، رجال المجلسي (الوجيزة): 196 (568).
(3) مقاتل الطالبيين: 289 الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ.
(4) الكافي 1: 366 كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة الحديث (18).
(5) معجم رجال الحديث، للخوئي 7: 44 (3524).
(6) انظر: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 285 الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة، لأبي العبّاس (مخطوط): 263 ذكر خروج أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن الفخّي.
(7) الكافي 1: 366 كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة الحديث (18)، مقاتل الطالبيين: 298 الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، وانظر: أخبار فخ، لابن سهل: 135 خبر الحسين بن علي الفخي.
(8) مقاتل الطالبيين: 299 الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، تاريخ الطبري 6: 412 ذكر خروج الحسين بن علي بن الحسن المقتول بفخّ.
(9) مقاتل الطالبيين: 304 ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخّ.
(10) مهج الدعوات: 218 الدعاء المعروف بدعاء الجوشن.
(11) انظر: معجم رجال الحديث، للخوئي 17: 250 (1111).

عبد الله / السعودية
تعليق على الجواب (3)
ذكرتم هنا حينما سألنا عن الحسين الفخّي:
((ولكن قال السيّد الخوئي في (معجم رجال لحديث): ورد في عدّة روايات ما يدلّ على حسنه، ولكنّها بأجمعها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها.
روى محمّد بن يعقوب الكليني عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن رنجويه، عن عبد الله بن الحكم الأرمني، عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: لمّا خرج الحسين بن عليّ المقتول بفخ واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا بن عمّ! لا تكلّفني ما كلّف ابن عمّك عمّك أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان. ثمّ ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) حين ودّعه: 
يا بن عمّ! إنّك مقتول فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثمّ خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم كما قال (عليه السلام) )).
فكيف روايات تدلّ على حسنه إلّا أنّ السيّد الخوئي قال: ((إنّها ضعيفة))؟
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هكذا يذكر في كتب الرجال، فأوّلاً يتم عرض الروايات، وبعد ذلك يتم البحث في سندها، فإذا كانت ضعيفة فلا يأخذ بها ولا تناقض فيما ذكر، فدلالة الحديث يوصلنا إلى حسن الرجل، ولكن أسانيد تلك الروايات ضعيفة، فلا يأخذ بالرواية من جهة ضعف سندها، أمّا من يرى خلاف ما يراه السيّد الخوئي من قبول تلك الروايات أو بعضها لقرائن مختلفة يستطيع القول بحسن الرجل، وما ذكرناه كان عرضاً لحال الرجل، دون الجزم بحاله.
ودمتم في رعاية الله

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » إدريس الأوّل مؤسّس دولة الأدارسة


علي / المغرب
السؤال: إدريس الأوّل مؤسّس دولة الأدارسة
نعلم أنّ أوّل دولة شيعية كان تأسيسها بالمغرب من قبل المولى إدريس الأوّل الذي يحظى باحترام كبير لدينا، فهل كانت هذه الدولة بإذن من الإمام آنذاك، أم أنّ الأمر كان بمبادرة شخصية من المولى إدريس؟
وإن كان الأمر كذلك فهل يجوز هذا الأمر؟
الجواب:
الأخ علي المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
كما تعلمون فإنّ إدريس الأوّل - إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) توفّي في الربع الأخير من المائتين للهجرة - قد أتى المغرب بعد ما شهد واقعة فخ وشارك فيها، وهذا الأمر يساعدنا كثيراً في تفسير حركته.
إذ أنّ قائد حركة فخ - الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) - قد صرّح في خطبته أبّان خروجه على العبّاسيين بأنّه يدعو إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)(1).
ونقل إبراهيم بن إسحاق القطّان عنه وعن يحيى بن عبد الله بن الحسن إنّهما قالا: ((ما خرجنا حتّى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج))(2).
وقد أبّنه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عندما جاؤوا بالرؤوس أمام موسى بن عيسى العبّاسي، بقوله: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً، صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله)(3).

وعلى ضوء ما ذكرنا فإنّ حركة إدريس في المغرب بما أنّها كانت امتداداً لحركة فخ واستمراراً لها، فإنّها كانت تحظى بتأييد غير مباشر من الأئمّة (عليهم السلام) - كما هو سيرة الأئمّة (عليهم السلام) في تأييد الحركات الثورية السليمة في وجه أعداء الدين في ظروف التقيّة - فهم (عليهم السلام) وإن كانوا لم يشاركوا في هذه النهضة ونظائرها - لمصالح كانت تفرض عليهم - ولكن دعموها بأقوالهم تصريحاً أو تلويحاً.
فمثلاً روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال في حقّ ابنه: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله)(4)، حتّى أنّه جاءت رواية مرسلة على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (عليكم بإدريس بن إدريس فإنّه نجيب أهل البيت وشجاعهم)(5).

ولا يخفى في المقام أنّ سيرة الأدارسة - وعلى الأخصّ إدريس الأوّل والثاني - خالية من ادّعاء الخلافة أو الإمامة، ممّا يؤيّد علاقتهم بأئمّة زمانهم (عليهم السلام)، كما هو ظاهر بأدنى تأمّل!
وعلى هذا فإنّ حركتهم حتّى لو قلنا أنّها كانت بمبادرة شخصية وتشخيص للموضوع، فإنّها جاءت لتأييد خطّ الإمامة والولاية لا الدعوة إلى أنفسهم.

نعم، وإن كان هذا لا يدلّ على تصحيح كافّة تصرفاتهم في الحكم من جانب الأئمّة (عليهم السلام)، ولكن يشير إلى مشروعية حركتهم في الأساس.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 299 أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ.
(2) مقاتل الطالبيين: 304 ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخ.
(3) مقاتل الطالبيين: 302 أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ.
(4) سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر: 13 أولاد الإمام أبي محمّد الحسن (عليه السلام).
(5) مجالس المؤمنين، للقاضي نور الله الشوشتري 2: 286 ذكر أولاد الحسن المجتبى (عليه السلام).

علي الادريسي / المغرب
تعليق على الجواب (4)
فيما يتعلّق بتعليقنا على ما جاء في جوابكم على السؤال الذي يخصّ تأييد الأئمّة (عليهم السلام) لحركة إدريس وإضفاء الشرعية عليها، فإنّنا نسجل الملاحظات التالية:
1- إنّ حديث: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله) الذي نسب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) فإنّه لا يستقيم مع الحقيقة التاريخية! لأنّ إدريس توفّي بعد الرضا (عليه السلام) سنة 213 هجرية، وفي روايات أُخرى 214 هجرية، أمّا الرضا (عليه السلام) فقد توفّي في سنة 203 هجرية، هي محط شبه إجماع المؤرّخين والمحدّثين، باستثناء بعض الروايات التي تذكر أنّه توفي في عام 206 هجرية. (انظر: دائرة المعارف الشيعية حسن الأمين ج1 حياة الرضا).
وفي كلّتا الحالتين فيبقى تاريخ وفاة الرضا (عليه السلام) متقدّماً بقرابة عقد من الزمن، فكيف يمكن أن يترحّم على إدريس بن إدريس وهو توفّى قبله؟! هذا إذا كان يفهم من عبارة رحم الله إدريس بن إدريس بالدعاء بالرحمة للميت؟

2- نطلب من السيّد الذي تفضل بسرد حديث: (عليكم بإدريس بن إدريس فإنّه نجيب أهل البيت وشجاعهم)، أن يمدّنا إذا أمكن ذلك بسند الحديث، فعلى ما يبدو فإنّ الحديث ضعيف من جانبين.
- لأنّه مرسل، ولقد تفضلتم بالإشارة إلى ذلك.
- ولأنّه غريب ولم تأت الكتب المعتبرة الحديثية لدى أهل البيت (عليهم السلام) والفرق الأُخرى على ذكره.
سؤال أخير: هل يوجد لقولة الصادق (عليه السلام) لموفده السفياني والحلواني للمغرب من أجل الدعوة لأهل البيت ذكر وتأييد في المصادر الإمامية؟
أمّا قولته، فهي جاءت كما ذكرها كلّ من القاضي النعمان في (دعوة الافتتاح)، والمقريزي (اتّعاظ الحنفا)، وابن خلدون، وابن الأثير، على النحو التالي: قال لهما: ((إنّ المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثاها حتّى يأتي صاحب البذر)).

أمّا باقي المقال من إجابتكم فهو - وكما أشرنا إلى ذلك في رسالتنا السابقة لكم - جيّد ويزيل الغبار عن بعض الإشكالات التي يطرحها بعض الباحثين بالمشرق والمغرب.
ومرّة أُخرى نكرّر لكم شكرنا الجزيل، وفي انتظار جوابكم، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
الجواب:
الأخ علي الإدريسي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: بالنسبة للحديث المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) : (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم...)، فإنّ أصله في (سرّ السلسلة العلوية لابن نصر البخاري - كان حيّاً سنة 341هـ - والمطبوع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، بتعليق السيّد محمّد صادق بحر العلوم)، وجاء فيه: ((وأبو عبد الله إدريس بن عبد الله الأصغر بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، هرب إلى بلد فاس وطنجة مع مولاه راشد، فاستدعاهم إلى الدين؛ فأجابوه وملّكوه، فأغّتم الرشيد لذلك حتّى امتنع من النوم، ودعا سليمان بن جرير الرقّي، متكلّم الزيدية وأعطاه سمّاً، فورد عليه متوسّماً بالمذهب، فسرّ به إدريس بن عبد الله، ثمّ طلب منه غرّة ووجد خلوة من مولاه راشد فسقاه السمّ وهرب.
فخرج راشد خلفه، فضربه على وجهه ضربة منكرة وهرب، وفاته وعاد، وقد مضى إدريس لسبيله، وكانت له جارية حامل فوضعت المغاربة التاج على بطنها، فولدت بعد أربعة أشهر ابناً سمّوه إدريس بن إدريس بن عبد الله.
(سرّ) قد خفي على الناس حديث إدريس بن إدريس؛ لبعده عنهم، ونسبوه إلى مولاه راشد، وقالوا: هو احتال في ذلك لبقاء الملك له، ولم يعقّب إدريس بن عبد الله، وليس الأمر كذلك، فإنّ داود بن القاسم الجعفري - وهو أحد كبار العلماء، ومن له معرفة بالنسب - حكى أنّه كان حاضراً هذه القصّة.
وولد إدريس بن إدريس على فراش أبيه، وقال: كنت معه بالمغرب، فما رأيت أشجع منه، ولا أحسن وجهاً ولا أكرم نفساً.
وقال الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) : (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله).
ثمّ أورد شعراً لإدريس بن إدريس، رواه داود بن القاسم(1).

وقد نقل هذا الكلام عن أبي نصر البخاري، ابن عنبة في (عمدة الطالب)، ثمّ نقل عن (العمدة) الآخرون، مثل صاحب (أعيان الشيعة)، والشيخ عبّاس القمّي في (منتهى الآمال).
ولكن في (عمدة الطالب)، عندما نقل رواية الرضا (عليه السلام)، نقلاً عن أبي نصر البخاري، أورد قوله هكذا: ((وقال الرضا بن موسى الكاظم (عليه السلام) : (إدريس بن إدريس بن عبد الله، من شجعان أهل البيت، والله ما ترك فينا مثله)))(2).
وأنت تلاحظ عدم وجود جملة (رحم الله)، ووجود اختلاف في الجملة الثانية أيضاً! ومن هذا نستطيع أن نستنتج:

1- ربّما يوجد تصحيف في أحد الكتابين (سرّ السلسلة العلوية)، أو (عمدة الطالب). إذا اعتبرنا ما في (عمدة الطالب) كنسخة أُخرى، خاصّة وإنّ (سرّ السلسلة العلوية) طبع على نسختين مخطوطتين الأُولى بتاريخ (1333هـ) والثانية بتاريخ (ذي القعدة 967هـ)، وتاريخ وفاة صاحب (عمدة الطالب) ابن عنبة في 828 هـ، وقد طبعت (العمدة) في المطبعة الحيدرية على ثلاث نسخ، أحدها بخطّ حسين بن مساعد الحائري فرغ منها يوم 29 ربيع الأوّل سنة 893هـ، كتبت على نسخة: بخط المؤلّف في سنة 812 هـ.
فلاحظ تقدّم تاريخ نسخة (عمدة الطالب) على نسخة (سرّ السلسلة العلوية)!

2- لو لاحظت بدقّة العبارة المنقولة عن (سرّ السلسلة العلوية)، هكذا: ((قال الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) : (رحم الله إدريس بن إدريس...)))، وأنت تعلم أنّ جملة: ((عليه السلام)) تضاف من النسّاخ، فخطر في ذهننا أنّ عبارة أبو نصر البخاري الأصلية كانت هكذا: ((قال الرضا عليّ بن موسى رحمه الله: إدريس ابن إدريس...)).
فعبارة: (رحم الله)، كانت: (رحمه الله)، وهي راجعة إلى الرضا (عليه السلام)، ومثل هذا غير بعيد في الخطوط القديمة؛ فلاحظ!

3- الظاهر أنّ مراد الإمام الرضا (عليه السلام) من كلامه هذا، هو إثبات نسب إدريس ابن إدريس لأهل البيت (عليهم السلام)، لما تعرف من الكلام في ذلك، خاصّة في مثل زمان الإمام (عليه السلام) زمن الدولة العبّاسية، فإنّ التهمة في مثل هذا التشنيع نسبت إليهم وإلى الأغالبة.

4- إنّ الرواية قد نقلها أبو نصر البخاري مرسلة.

5- وقد يكون التصحيف من جهة إضافة كلمة (إدريس) الثانية، إذ ربّما كان الأصل هو: رحم الله إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله، على ما احتمله السيّد الأمين في (الأعيان)، كما هو ظاهر كلامه(3). فعند ذلك ينحل الإشكال لتأخّر تاريخ شهادة الإمام الرضا (عليه السلام) عن تاريخ موت إدريس بن عبد الله مسموماً كما هو واضح.

ثانياً: لم يتيسّر لنا كتاب (مجالس المؤمنين) حتّى نراجع ما نقله من الحديث المرسل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولكن قد نقله عنه الشيخ عبّاس القمّي في (منتهى الآمال)؛ فراجع!

ثالثاً: إنّ الأصل الوحيد لهذه المقولة، بل كلّ حكاية الحلواني وأبي سفيان والنسبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام) هو القاضي النعمان، وقد نقلها من نقلها من المؤرّخين عنه، ولكنّه عندما أوردها في رسالته التي يؤرّخ بها بداية ظهور الدعوة الإسماعيلية المسمّاة (افتتاح الدعوة)، نسبها إلى (القيل)، ومن دون سند.

قال في (ذكر السبب الذي تقدّم إلى المغرب قبل قدوم الداعي إليه): ((قدم إلى المغرب في سنة خمسة وأربعين ومائة رجلان من المشرق، قيل: إنّ أبا عبد الله جعفر ابن محمّد(صلوات الله عليه) بعثهما وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمّة من آل محمّد (عليها السلام) وينشروا فضلهم...
إلى أن قال: وكان يقول - أي الحلواني - : بعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا: اذهبا إلى المغرب، فإنّما تأتيان أرضاً بوراً، فاحرثاها، واكرباها، وذلّلاها، إلى أن يأتيها صاحب البذر، فيجدها مذلّلة فيبذر حبّه فيها))(4).

وقال في (شرح الأخبار) ما هو مختصر ممّا ذكره في (افتتاح الدعوة)، من ابتداء الدعوة: ((ولكنّا نذكر في هذا الكتاب طرفاً من ذلك لما جرى للمهدي [المقصود: المهدي الإسماعيلي] ونبتدئ انّه قدم إلى المغرب من قبله مدّة طويلة رجلان من أهل المشرق يعرفان [الأوّل] بالحلواني، والثاني: بأبي سفيان...
إلى أن قال: وممّا كان يؤثّر أنّه [أي: الحلواني] قال: ((بعثت أنا وأبو سفيان إلى هذه الجهة، ووصف لنا، وقيل لنا: إنّكما تأتيا أرضاً بوراً واحرثاها وذللاها إلى أن يأتي صاحب البذر فيبذر، وكان يقول: سيأتي داعي المهدي، ووصف أبا عبد الله بصفته...))(5) الخ.
والمقصود من أبي عبد الله: هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زاكي (زكريا) الكوفي داعي المهدي الإسماعيلي.

فلاحظ! أنّه لم يذكر فيه نسبة بعثهما إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، وحتّى قول الحلواني لم يذكر له سنداً، وإنّما قال: هو المأثور عنه، مع اختلاف المتن بعض الشيء عمّا في (افتتاح الدعوة)، ممّا يشعر أنّه من تعبير النعمان نفسه عمّن سمعه وليس رواية مسندة محفوظة.
ولكن هذا القيل في (افتتاح الدعوة) تحول إلى جزم وإثبات عند من نقل عن القاضي النعمان من المؤرّخين إلى يومنا هذا! مع أنّ القاضي ذكر أنّ بين دخول أبي عبد الله الكوفي داعي الإسماعيلية إلى المغرب، وبين أبي سفيان والحلواني مئة وخمسة وثلاثون سنة، فإنّهما دخلا المغرب سنة مئة وخمس وأربعون للهجرة، ودخل أبو عبد الله الكوفي سنة مائتين وثمانين للهجرة، فمن البعيد أن تتصل أخبارهما وموتهما بداعي اليمن حتّى يرسل أبي عبد الله الكوفي بدلاً عنهما، إلّا إذا كانا قد أرسلا ابتداءً من قبل دعاة الإسماعيلية، وكان على اتصال مستمر بهم، وهذا يبعدهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) .
وهناك احتمال آخر، من أنّهما لم يكن لهما علاقة أصلاً بالدعوة الإسماعيلية، وإنمّا هما من شيعة جعفر الصادق (عليه السلام) هاجرا إلى المغرب.
نعم، عندما وصل أبو عبد الله الكوفي إلى المغرب وسمع بهما استغلّ دعوتهما وحرفها من التشيّع إلى الدعوة الإسماعيلية، وتقوّل على لسانهما ما ينال به الاتصال والشرعية من الإمام الصادق (عليه السلام) .

وأمّا ما طلبته من وجود هذه المقولة في كتب الشيعة الإمامية، فلم نعثر عليه، وإن عدّ بعض المحقّقين القاضي النعمان من الشيعة.
ودمتم في رعاية الله
(1) سرّ السلسلة العلوية: 12 - 13 أولاد الإمام أبي محمّد الحسن (عليه السلام).
(2) عمدة الطالب: 158.
(3) انظر: أعيان الشيعة 3: 231 إدريس العلوي الحسني.
(4) افتتاح الدعوة: 54 - 58 ذكر السبب الذي تقدّم إلى المغرب قبل قدوم الداعي إليه.
(5) شرح الأخبار 3: 414 بدء الدعوة الفاطمية في شمال أفريقيا.

أيوب / المغرب
تعليق على الجواب (5)
من الذي قتل إدريس الأوّل؟
الجواب:
الأخ أيوب المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أجمعت المصادر الأوّلية في النصف الأوّل من القرن الرابع على أنّ الرشيد دسّ إليه من يسمّه، ولكن النقولات اختلفت في من باشر ذلك بين سليمان بن جرير الزيدي، والشماخ اليمامي مولى المهدي:
فرواية إخباري بغداد عن العبّاسيين، أنّ من أرسله الرشيد هو الشماخ اليمامي:
نقل ذلك الطبري (ت310هـ) في تاريخه، قال: ((وقال عبد الله بن عمرو الثلجي: حدّثني محمّد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي، قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب من وقعة فخ في خلافة الهادي، فوقع إلى مصر وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور، وكان رافضياً خبيثاً، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها: وليلة، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه، ويقال: إنّ الرشيد الذي ضرب عنقه، وأنّه دسّ إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي، وكتب له كتاباً إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على أفريقية، فخرج حتّى وصل إلى وليلة، وذكر أنّه متطبّب، وأنّه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه، وأقبل الشماخ يريه الإعظام له، والميل إليه، والإيثار له، فنزل عنده بكلّ منزلة، ثمّ إنّه شكا إليه علّة في أسنانه، فأعطاه سنوناً مسموماً قاتلاً، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته، فلمّا طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون وجعل يردّه في فيه ويكثر منه، فقتله وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر وأخباره))(1).

وعبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى من بني العبّاس، فهو عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى بن محمّد بن عبد الله بن عبّاس(2). وهذا الطريق هو طريق إحدى روايتي أبي الفرج الأصفهاني أورده عن علي بن إبراهيم العلوي (وهو الجواني صاحب كتابي أخبار صاحب فخ وأخبار يحيى بن عبد الله بن حسن)(3)، قال: كتب إليّ محمّد بن موسى (وهو محمّد بن موسى بن حمّاد البربري ت294هـ)(4)، عن محمّد بن يوسف (وهو محمّد بن يوسف يعقوب الهاشمي، كما في الطبري)، عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى (وهو عبد الله بن عبد الرحمن ابن عيسى العبّاسي)، وينقل عنه خبر الشماخ، كما سيأتي(5). والرواية في تتمة (المصابيح) لعلي بن بلال تلميذ صاحب (المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة الميامين من ولدهما الطاهرين) للسيّد أبي العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسيني (ت353هـ)، رواها عن أُستاذه أبو العبّاس مقطوعة السند، وهي إحدى روايتيه، والظاهر أنّها من رواية الطبري(6)؛ ونقلها البلاذري (ت279هـ) في (أنساب الأشراف)(7) مع بعض الاختلاف البسيط.

ونقل الرواية أيضاً بنصّ ما وردت عند الطبري ابن الفقيه أحمد بن محمّد ابن إسحاق الهمداني (الربع الأوّل من القرن الرابع) في كتابه (البلدان) عن صالح بن علي(8)، فإذا كان صالح هذا هو صالح بن علي بن يحيى بن عبد الله ابن محمّد بن عبيد الله بن عيسى بن موسى بن محمّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس، فهو من أبناء عمّ عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى في رواية الطبري(9)، فهي عبّاسية أيضاً من هذا الطريق.
ونقل الرقيق القيرواني (ت425هـ) في (تاريخ أفريقية والمغرب) رواية الطبري أيضاً(10).
ونقلها البكري الأندلسي (ت487هـ) في (المسالك والممالك) عن أحمد بن الحارث بن عبيدة اليماني، وهذا طريق عبّاسي بغدادي أيضاً، فأحمد بن الحارث (هو أحمد بن الحارث بن المبارك الخرّاز ت257هـ مولى أبي جعفر المنصور، راوية المدائني وصاحب الكتب منها (المسالك والممالك)(11).
هذا ولكن في هذه الرواية التي تَنسُب المباشرة إلى الشماخ شيءٌ، من جهة أنّ ابن الأغلب لم يكن تولّى أفريقية بعدُ حين سُمّ إدريس بن عبد الله في سنة (177هـ)، أو (179هـ)، وإنّما كان على الزاب، أو فيه ولم يتولّه بعد.

وأمّا رواية إخبار الشيعة ومن له ارتباط بالعلويين، هي تذكر أنّ المرسل من قبل الرشيد هو سليمان بن جرير، فقد رواها أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ) عن النوفلي، وهي إحدى روايتيه مع روايته العبّاسية الطريق التي رواها الطبري - وذكرناها آنفاً - :
قال أبو الفرج الأصفهانى: ((حدّثني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدّثني علي بن محمّد بن سليمان النوفلي، قال: حدّثني أبي وغيره من أهلي، وحدّثني به أيضاً علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلَيَّ محمّد بن موسى يخبرني، عن محمّد بن يوسف، عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى: أنّ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أفلت من وقعة فخ ومعه مولى يقال له: راشد، فخرج به في جملة حاجّ مصر وإفريقية، وكان إدريس يخدمه ويأتمر له حتّى أقدمه مصر، فنزلها ليلاً، فجلس على باب رجل من موالي بني العبّاس، فسمع كلامهما وعرف الحجازية فيهما، فقال: أظنّكما عربيين؟ قالا: نعم. قال: وحجازيين؟ قالا: نعم. فقال له راشد: أريد أن القي إليك أمرنا على أن تعاهد الله أنّك تعطينا خلّة من خلتين: إمّا أن تؤوينا وتؤمننا، وإمّا سترت علينا أمرنا حتّى نخرج من هذا البلد. قال: أفعل: فعرّفه نفسه وإدريس بن عبد الله، فأواهما وسترهما. وتهيّأت قافلة إلى إفريقية فأخرج معها راشداً إلى الطريق، وقال له: إنّ على الطريق مسالح ومعهم أصحاب أخبار تفتّش كلّ من يجوز الطريق، وأخشى أن يعرف، فأنا أمضي به معي على غير الطريق حتّى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام، وهناك تنقطع المسالح. ففعل ذلك وخرج به عليه، فلمّا قرب من إفريقية ترك القافلة ومضى مع راشد حتّى دخل بلد البربر في مواضع منه يقال لها فاس وطنجة، فأقام بها واستجابت له البربر.

وبلغ الرشيد خبره فغمّه، فقال النوفلي خاصّة في حديثه وخالفه علي بن إبراهيم وغيره فيه، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد فقال: أنا أكفيك أمره. ودعا سليمان بن جرير الجزري، وكان من متكلّمي الزيدية البترية ومن أُولي الرياسة فيهم، فأرغبه ووعده عن الخليفة بكلّ ما أحبّ على أن يحتال لإدريس حتّى يقتله، ودفع إليه غالية مسمومة، فحمل ذلك وانصرف من عنده، فأخذ معه صاحباً له، وخرج يتغلغل في البلدان حتّى وصل إلى إدريس بن عبد الله فمت إليه بمذهبه وقال: إنّ السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك فأنس به واجتباه، وكان ذا لسان وعارضة، وكان يجلس في مجلس البربر فيحتجّ للزيدية ويدعو إلى أهل البيت كما كان يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس إلى أن وجد فرصة لإدريس، فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق، ليس في هذا البلد من هذا الطيب شيء. فقبلها وتغلل بها وشمّها وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعدّ فرسين، وخرجا يركضان عليهما. وسقط إدريس مغشيّاً عليه من شدّة السمّ فلم يعلم من بقربه ما قصّته. وبعثوا إلى راشد مولاه فتشاغل به ساعة يعالجه وينظر ما قصّته، فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتّى قضى عشياً، وتبيّن راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه فما لحقه غير راشد وتقطّعت خيل الباقين، فلمّا لحقه ضربه ضربات منها على رأسه ووجهه، وضربة كتعت أصابع يديه وكان بعد ذلك مكتعاً. هذه رواية النوفلي.

وذكر علي بن إبراهيم، عن محمّد بن موسى أنّ الرشيد وجّه إليه الشماخ مولى المهدي، وكان طبيباً، فأظهر له أنّه من الشيعة وأنّه طبيب، فاستوصفه، فحمل إليه سنوناً وجعل فيه سمّاً، فلمّا استنّ به جعل لحم فيه ينتثر، وخرج الشماخ هارباً حتّى ورد مصر. وكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر وأجازه.
حدّثني أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثني داود بن القاسم الجعفري: أنّ سليمان بن جرير أهدى إلى إدريس سمكة مشوية مسمومة فقتله، رضوان الله عليه ورحمته))(12).
فالنوفلي هو علي بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشمي (ت254هـ)(13)، روى عن الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام)(14)، وعدّه البرقي والطوسي من أصحاب الهادي (عليه السلام) (15)، وكان له كتاب في الأخبار(16)، وأكثر ما يرويه من هذه الأخبار عن أبيه محمّد بن سليمان بن عبد الله الهاشمي الذي سكن البصرة، وكان له ولأبيه سليمان بن عبد الله الهاشمي اتصالاً بالعبّاسيين(17). والظاهر أنّ محمّد بن سليمان الهاشمي كان يتّقي في إظهار تشيّعه عن العبّاسيين(18).

وأمّا ابنه علي بن محمّد النوفلي فقد غمزه أبو الفرج الأصفهاني في ما يرويه من هذه الأخبار في الثورات الحسنية والزيدية، فقال عندما نقل عنه بعض أخبار أبي السرايا: ((لأنّ علي بن محمّد كان يقول بالإمامة، فيحمله التعصّب لمذهبه على الحيف فيما يرويه، ونسبة من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال، وأكثر حكاياته في ذلك، بل سائرها عن أبيه موقوفاً عليه لا يتجاوزه، وأبوه حينئذ مقيم بالبصرة لا يعلم بشيء من أخبار القوم، إلّا ما يسمعه من ألسنة العامّة على سبيل الأراجيف والأباطيل، فيسطّره في كتابه عن غير علم، طلباً منه لما شان القوم، وقدح فيهم))(19).
وروايته في من سمّ إدريس بن عبد الله من هذا الباب! فإنّها عن أبيه، وذكر فيها أنّ سليمان بن جرير هو من سمّه، وهو من رؤوس الزيدية، تنسب له الفرقة البترية منهم، ففي خبر النوفلي طعن على الزيدية وتزكية لإدريس بن عبد الله وقيامه، وهذا فيه نوع من التأييد لما اخترناه في قيام إدريس وأنّه كان بإذن من الأئمّة (عليهم السلام) (20).
هذا ونقل البكري الأندلسي (ت487هـ) في كتابه (المسالك والممالك) رواية النوفلي من دون ذكر سنده في النقل(21).

أقول: ولكن النوفلي لم ينفرد بذلك، فقد نقله أبو الفرج أيضاً عن شاهد عيان هو داود بن القاسم الجعفري - كما في آخر كلامه - إذ نقل أبو نصر البخاري (ت341هـ) عن داود الجعفري هذا أنّه كان حاضراً قصّة ولادة إدريس ابن إدريس بن عبد الله بالمغرب وأنّه كان معه(22). وأمّا ما ذكره أبو نصر من أنّ سليمان بن جرير هو من سمّ إدريس بن عبد الله فهو عين ما نقله النوفلي، مع احتمال أنّه نقله عن داود بن القاسم الجعفري أيضاً.
وداود الجعفري هذا هو: داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبو هاشم الجعفري، كان عظيم المنزلة عند الأئمّة (عليهم السلام)، قاله النجاشي(23)، فهو شيعي آخر وطالبي قريب من أخبار العلويين، والراوي عنه يحيى بن الحسن هو: يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ ابن الحسين بن أبي طالب (عليهم السلام)، العالم الفاضل الصدوق روى عن الرضا (عليه السلام)، قاله النجاشي(24)، وهذا علوي آخر، والراوي عنه أحمد بن محمّد بن سعيد، وهو أبو العبّاس المعروف بابن عقدة، كان زيدياً جارودياً له مكانة جليلة عند أصحاب الحديث(25)، فهو زيدي يروي عن أصحابنا ويروون عنه.
فهذا الطريق الأخير عند أبي الفرج برجاله الثقات لم يخرج عن دائرة العلويين والطالبيين بنقل شاهد عيان منهم، وهو داود الجعفري.

وهناك خبر آخر يتّهم سليمان بن جرير بسمّ إدريس، أورده علي بن بلال تلميذ أبي العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسني (كان حيّاً سنة 353هـ) في تكملة كتاب أُستاذه (المصابيح)، قال: ((قال محمّد بن منصور المرادي: قلت لأحمد ابن عيسى بن زيد بن عليّ (عليه السلام)، حدّثني رجل عن أبي الرعد، عن أبي البركة، عن هرثمة، عن هارون الملقّب بالرشيد: أنّه أعطى سليمان بن جرير مائة ألف درهم على أن يقتل له إدريس بن عبد الله. فحدّثني أبو عبد الله أحمد بن عيسى ابن زيد، قال: كنت عند عمّي الحسين بن زيد بمنى في مضربه، إذ جاءه جماعة من البربر من أهل المغرب من عند إدريس، فجلسوا ناحية، وجاء رجل منهم إلى الحسين فسلّم عليه وأكبّ عليه فناجاه طويلاً، ثمّ إنّ الرجل خرج، وقال لنا عمّي: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا رجل من أهل المغرب من عند إدريس، قال لي: جاء رجل من عندكم يقال له سليمان بن جرير، فكان مع إدريس فخالفه في شيء، ودخل إدريس إلى الحمّام، فلمّا خرج أرسل إليه سليمان بسمكة، فحين أكل منها أنكر نفسه، وقال: بطني، أدركوا سليمان في منزله، فطلب سليمان في منزله فلم يوجد، فسألنا عنه؟ فقالوا: قد خرج، فأعلمناه، فقال: أدركوه فردّوه، قال: فأدركناه فامتنع علينا، فقاتلناه وقاتلنا، فضربناه على وجهه ضربة بالسيف، وضربناه على يده فقطعنا إصبعه، وفاتنا هرباً، ثمّ قال لنا الحسين بن زيد: رأيتم هذا الأثر؟ قال أحمد بن عيسى: رأيته مضروباً على وجهه شبيهاً بما وصف البربري، وأومأ أحمد بن عيسى من حد موضع السجود إلى الحاجب، ورأيناه وفي يده ضربة قد قطعت إصبعه الإبهام. قال أحمد بن عيسى: وهو قتل إدريس لا شكّ فيه. وسليمان هذا كان من رؤساء الشيعة ومتكلّميهم، فمن يوثق بعده من الناس))(26).
وهذا الخبر أيضاً لا يخرج عن دائرة العلويين عن رجال من المغرب من عند إدريس بن عبد الله.
فالحسين بن زيد هو الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، ذو الدمعة ربيب الصادق (عليه السلام)، مات بعد المائة والتسعين(27).
وأمّا ابن أخيه: فهو أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) (157هـ - 247هـ)(28).
وأمّا محمّد بن منصور المرادي: فهو محمّد بن منصور بن زيد المرادي، راوي أمالي أحمد بن عيسى، صاحب الأئمّة الزيدية(29).
ومحمّد بن منصور هذا نقل الخبر أوّلاً عن طريق أحد قادة العبّاسيين، وهو هرثمة الذي تولّى أفريقية لهارون العبّاسي، وقت اغتيال إدريسS كما هو الأرجح، على ما نقله أحمد بن سهل الرازي في (أخبار فخّ) كما سيأتي، وإن كان الطريق فيه مجاهيل لم نحصل على تراجمهم.

وهناك خبر يتسق مع هذه الأخبار نقله زيدي آخر هو الإمام الموفق بالله الحسين بن إسماعيل الجرجاني (ت430هـ) في كتابه (الاعتبار وسلوة العارفين)، قال: ((ولمّا ضاق على هارون ظهور إدريس بن عبد الله الحسني بأرض المغرب بعد وقعة فخ واجتماع الناس إليه، دخل يحيى بن خالد فرآه كئيباً حزيناً استغرقه القلق، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كان حادثاً ندفع [ندفعه] بأموالنا وأرواحنا فهي لك؟ فقال: وردت علَيَّ ملطفة عامل أفريقية بظهور إدريس بالمغرب واجتماع الناس عليه، وأنت تعلم ما بيننا وبين الفاطمية. فقال: أنا أكفيكه، فنُدلي بغالية مسمومة على يد بعض شيعهم [شيعتهم] حتّى يشمّها، فكانت نفسه فيها))(30).
وعلى كلّ حال فإنّ الأخبار المنتهية إلى العلويين والطالبيين وبعضها من جهة المغرب متّفقة على أنّ سليمان بن جرير هو الذي سمّ إدريس بن عبد الله(رحمة الله)، ومن هنا قال ابن أبي الرجال في (مطلع البدور) على هذه الرواية إنّها متظاهرة مقابل الرواية التي تتّهم الشماخ(31).

فنحن في الواقع أمام نقلين للحدث من طرفين متباعدين، أحدهما من أقصى الغرب الإسلامي وهو القريب من الحدث، والآخر من الشرق الإسلامي وقريب من مركز السلطة العبّاسية وأعوانها، وظاهرهما التنافي، لا يلتقيان على بعد المسافة بينهما، ولكن هناك خبر جاء من منتصف المسافة منهما يمكن أن يقرّب بينهما ويرفع الالتباس..
وهو الخبر المصري الذي رواه أحمد بن سهل الرازي (الربع الأوّل من القرن الرابع) في كتابه (أخبار فخ)، قال: ((حدّثني محمّد بن عمرو بن خالد أبو علاثة، قال: حدّثنا أخي أبو خيثمة علي بن عمر بن خالد، قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي أيوب، قال: لمّا قَدِم إدريس إلى مصر يريد المغرب بلغ هارون الرشيد خبره، فجمع القواد وشاورهم، وقال: حدث من أمر إدريس كذا وكذا، فأشيروا عليَّ في أمره؟ فقالوا: نرى أن تبعث في طلبه العساكر. فقال: ليس هذا برأي. ولكن أطلبوا لي رجلاً ثقة ناصحاً لهذه الدولة أولّيه بريد مصر. فأشاروا عليه بشماخ اليمامي، فقدم الشماخ مصراً وعلى بريدها واضح.

قال أبو علاثة في خبره: قال: فقال له الرشيد: انطلق إلى مصر، نسأل عن خبر إدريس وابحث عنه، فإن قدرت عليه فذاك، وإن خُبّرت أنّه قد نفذ إلى المغرب فاطلب رجلاً تعطيه ثلاثين ألف دينار على أن تجعل له منها خمسة عشر ألفاً وتواضعه الباقي، على أن يشتري بها جهازاً ويخرج إلى المغرب، على أنّه إذا جاوز رأس الجسر ربط في وسطه كشتبر، ويقول: إنَّه يهودي. قال: فقدم الشَّماخ إلى مصر وموسى بن عيسى عليها...))(32) الخ.
فإبراهيم بن أبي أيوب هو إبراهيم بن أبي أيوب عيسى المصري (ت260هـ)(33).
وأبو خثيمة علي بن عمرو بن خالد (ت273هـ)، وأبو علاثة محمّد بن عمرو بن خالد (ت292هـ) ولدا عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد التميمي الحنظلي، أبو الحسن الجزري الحرّاني نزيل مصر(34).
والخبر يبيّن أنّ الشماخ تولّى بريد مصر بدل واضح صاحب البريد السابق الذي قتله الرشيد بعد ذلك؛ لأنّه ساعد إدريس بن عبد الله في الهرب إلى المغرب وقبل أن يُسم إدريس بسنتين، حيث أنّه وصل مصر في زمن ولاية موسى بن عيسى العبّاسي الأولى التي استمرّت من ربيع الأوّل سنة 171هـ إلى رمضان سنة 172هـ(35)، وكان صاحب البريد وقت ذاك عيناً للخليفة ينقل له أخبار الولايات ويؤدّي مهمات خاصّة، ومنه يظهر أنّ الشماخ كان المدبّر لعملية الاغتيال بتكليف من هارون العبّاسي، وأنّ المباشر للعملية شخص آخر من أعوانه أو من كلّفه بذلك بعد أن أغراه بالمال، ومن هنا فالمقرّبين من السلطة العبّاسية وأجهزتها ينسبون العملية إلى رأسها المدبّر إذ لا يعرفون سواه، أمّا المغاربة فيعرفون المنفّذ لأنّهم خالطوه وعرفوه عن قرب.

ورواية أحمد بن سهل الرازي تذكر أيضاً أنّ إدريس كان لا يزال في مصر حين قدم الشماخ وسعى للقبض عليه ولكنّه أفلت، فمن البعيد أن لا يعرف إدريس الشماخ ويخفى عليه حتّى يتقرّب إليه بدعوى التطبيب في المغرب ويسمّه، كما أنّه من البعيد أن يجرأ الشماخ على الذهاب إلى المغرب متخفّياً وهو صاحب منصب خطير في مصر.

وروى الرازي: ((عن عيسى بن إدريس، عن أبيه، عن إسحاق، عن راشد مولاهم خبراً فيه بعض ما وقع لإدريس بن عبد الله بالمغرب، وذكر أنّ هارون استعمل على المغرب هرثمة بن أعين - وكان أشد رجلاً في عصره، وأحسنهم تدبيراً في الحرب - وأكّد عليه في الحيلة في إدريس بالسمّ، ووجه معه الأموال والجيوش، وأمره أن لا يرجع ما بقيَ إدريس في المغرب. فأقام هرثمة بالمغرب حتّى سمّ إدريس وقُتل...
- إلى أن قال - : وصار هرثمة إلى القيروان في جمادي سنة تسع وسبعين ومائة، فلم يزل يدسّ إلى إدريس ويحتال عليه ويوجّه إلى النفر الذين كان هارون وجههم إلى إدريس، إلى طنجة يسقوه السمّ حتّى فعلوا))(36).
وهذا الخبر الذي يظهر من سنده أنّ رواته من الأدارسة أنفسهم يبيّن أنّ اغتيال إدريس كان في زمن ولاية هرثمة على أفريقية، وأنّه اشترك في تدبير الاغتيال مع من أرسلهم هارون الرشيد.

كما أنّ هناك خبراً آخر متقدّماً في القرن الثالث أورده أبو جعفر محمّد بن حبيب (ت245هـ) في كتاب (أسماء المغتالين) أنّه: ((لمّا ولي هارون الرشيد وولّى هرثمة أفريقية، دسّ هرثمة رجلاً من أهل المدينة لإدريس وجعل له بقتله مائة ألف درهم، فقدم المدني عليه فأنس به إدريس وجعل يسأله عن أهله فيخبره بمعرفة، حتّى غلب عليه ووثق به، وجعل يهتبل الفرصة ويضع الخيل في القرى فيما بينه وبين أفريقية، وأنّ إدريس اشتهى سمكاً طرياً، فقال له المدني: أنا حسن العلاج فيه، فعالجه فسمّه، ثمّ خرج يريد حاجة، ودعا إدريس بالسمك، فلمّا أكله واستقر في جوفه ركب فجعل يركب من قرية إلى قرية ويحلف [يلحف] ما تحته حتّى وصل إلى أفريقية))(37).
فهذا الخبر يؤكّد دخالة هرثمة وأنّ المباشر رجل من المدينة.

وفي (لباب الأنساب) للبيهقي: ((تقرّب إليه واحد من العراق حتّى أفتى [اختلى] به فسقاه السمّ، وكان الذي قتله سليمان بن جرير الجزري))(38).
ومن المقارنة والجمع بين هذه الأخبار نستطيع أن نخرج بتصوّر جامع لقصّة اغتيال إدريس بن عبد اللهS، وهو أنّ المصادر اتّفقت على أنّ هارون كان هو الآمر والباذل للأموال والمرسل للقتلة، وأنّه أرسل الشماخ اليمامي على بريد مصر ليكون هو المدبّر والمشرف على عملية الاغتيال ويعاونه الوالي القريب من المغرب هرثمة ابن أعين والي أفريقية، وأنّ المباشر أو المباشرين للاغتيال جاءوا بتكليف من هارون الرشيد من الشرق، وتذكر الأخبار: منهم سليمان بن جرير، وأنّه باشر بسمّ إدريس مقابل أموال طائلة بذلها له هارون.

نعم، هناك رواية واحدة في القرن الثامن تتّهم يحيى بن عبد الله أخو إدريس بإرسال سليمان بن جرير إلى أخيه، نقلها صاحب (المجدي في أنساب الطالبيين) عن النسابة ابن أخي [أبي] طاهر الحسيني، أنّه قال في كتابه المعروف: ((لمّا ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن، أرسل سليمان بن جرير إلى أخيه إدريس يدعوه، فقال له سليمان: إلى غلام حدث! وإن لم يطعني قتلته، فأرسله إليه، فقال ليحيى أخوه موسى الجون: اتّق الله، تبعث مثل هذا الفظ إلى غلام حدث، لعلّه يخالفه فيقتله، ومضى سليمان فلم يجد عند إدريس ما يحبّ، فسمّه في سمكة فقتله))(39).
ولكن هذا الخبر متأخّر في القرن الثامن ونقل على نحو القيل، وما ذكر من أنّ الرشيد هو من أرسل سليمان أصحّ وأكثر طرقاً وأقدم نقلاً بأربعة قرون، فهو المعوّل عليه.
ولا يستبعد ذلك من جهة؛ أنّ سليمان بن جرير زيدي متكلّم كان رئيساً لإحدى فرقهم، وهارون الرشيد خليفة العبّاسيين، فهما لا يجتمعان، لأنّ سليمان كان له صلة بيحيى بن خالد البرمكي، وطلبه منه مناظرة هشام بن الحكم معروف(40)؛ والله العالم.
ودمتم سالمين
(1) تاريخ الطبري 6: 416 خروج الحسين بن علي بن الحسن المقتول بفخ.
(2) انظر: أخبار الدولة العبّاسية: 168، أخبار الإمامة.
(3) فهرست النجاشي: 262 (678).
(4) تاريخ بغداد، للخطيب 4: 6 (1642).
(5) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج 1: 324 إدريس بن عبد الله بن الحسن.
(6) المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة (مخطوط): 305.
(7) أنساب الأشراف 3: 137 (146).
(8) البلدان 1: 133.
(9) نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري 25: 263 ذكر خبر القرامطة.
(10) تاريخ أفريقية والمغرب: 129.
(11) تاريخ بغداد، للخطيب 4: 345 (2109)، فهرست ابن النديم: 117، أخبار أحمد بن المبارك الخرّاز صاحب المدائني، معجم الأًدباء، للحموي 3: 3 أحمد ابن الحارث بن المبارك الخرّاز.
(12) مقاتل الطالبيين: 324 - 326 إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
(13) معجم الأُدباء، للحموي 18: 32 (11) ترجمة محمّد بن بحر الرهين، الفرج بعد الشدّة، للتنوخي 2: 175، الباب الخامس، العلوي الصوفي يحتال للخلاص من سجن المعتصم، طبقات النحويين، للزبيدي: 44 عيسى بن عمر، تاريخ الطبري 6: 418 أحداث نة تسع وستّين ومئة.
(14) معجم رجال الحديث، للخوئي 13: 155 (8440)، و157 (8441).
(15) رجال البرقي: 60 أصحاب أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، رجال الطوسي: 388 (5715) أصحاب أبي الحسن الثالث (عليه السلام).
(16) مروج الذهب، للمسعودي 1: 21 الباعث على تأليف الكتاب، مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 344 ذكر سبب خروج أبي السرايا.
(17) تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 53: 126 (6418) محمّد بن سليمان بن عبد الله النوفلي، تاريخ الطبري 6: 280 وقائع سنة 147هـ، و347 وقائع سنة 158هـ بيعة المهدي.
(18) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق 1: 83 الحديث (10)، باب جمل من أخبار موسى بن جعفر (عليه السلام) مع هارون الرشيد ومع موسى المهدي.
(19) مقاتل الطالبيين: 344 ذكر سبب خروج أبي السرايا.
(20) راجع ما ذكرناه آنفاً في أصل الجواب على السؤال.
(21) المسالك والممالك 2: 799 ذكر بني إدريس.
(22) سرّ السلسلة العلوية: 13 أولاد الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام).
(23) رجال النجاشي: 156 (411) باب الدال.
(24) رجال النجاشي: 441 (1189) باب الياء.
(25) رجال النجاشي: 94 (233) باب أحمد.
(26) المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة، لأبي العبّاس (مخطوط): 306 خبر إدريس بن عبد الله الحسن.
(27) المجدي في أنساب الطالبيين، لعلي العلوي: 159 ولد الحسين بن زيد الشهيد، تاريخ الإسلام 12: 122 تراجم الطبقة التاسعة عشر، حرف الحاء.
(28) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 408 أحمد بن عيسى بن زيد، المجدي في أنساب الطالبيين، لعلي العلوي: 188 ولد عيسى بن زيد الشهيد.
(29) فهرست ابن النديم: 244 المرادي، الفلك الدوّار، لابن الوزير: 56 ذكر بعض ما اشتمل على الحديث من كتب الزيدية، مطلع البدور، لابن أبي الرجال 4: 351 محمّد بن منصور المقرئ المرادي.
(30) الاعتبار وسلوة العارفين: 177، باب آخر في احتضارهم الموت.
(31) مطلع البدور ومجمع البحور 1: 423 (226) ترجمة إدريس بن إدريس بن عبد الله.
(32) أخبار فخ: 170 خبر إدريس بن عبد الله.
(33) تاريخ الإسلام، للذهبي 19: 73 الطبقة السادسة والعشرون، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، للقاضي عياض 4: 187 الطبقة الثانية بعد هؤلاء، من أهل مصر.
(34) تهذيب الكمال، للمزّي 21: 601 (4356)، تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، لأبي سليمان الربعي 2: 592 سنة ثلاثة وسبعين ومائتين، تاريخ الإسلام 22، للذهبي: 286 الطبقة الثلاثون.
(35) كتاب الولاة وكتاب القضاء، لأبي عمر الكندي: 100موسى بن عيسى العبّاسي.
(36) أخبار فخ: 182 - 189 خبر إدريس بن عبد الله.
(37) نوادر المخطوطات/كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام 2: 197 إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
(38) لباب الأنساب والألقاب والأعقاب 1: 412 في تفاصيل الطبقة العاشرة والعقد الأخير.
(39) المجدي في أنساب الطالبيين، لعلي العلوي: 62 نسب بني إدريس، مطلع البدور ومجمع البحور، ابن أبي الرجال 2: 300 سليمان بن جرير الزيدي.
(40) اختيار معرفة الرجال، للطوسي 2: 53 (477).

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » الأدراسة سُنّة أم شيعة؟


حسين علي / الكويت
السؤال: الأدراسة سُنّة أم شيعة؟
في سؤال وجهته لسماحتكم بشأن إدريس بن عبد الله الذي نجا من واقعة فخ... طلبوا منّي مصدراً يقول بأنّه يتّبع المذهب المالكي.
حيث يقول الكاتب: 

*************************

مذهب الدولة الإدريسية ودوره في توحيد الربوع المغربية، إذا كان الشائع في بعض الدراسات التاريخية أن تعد الدولة الإدريسية دولة شيعية، على أساس أنّ مؤسّسيها وأئمّتها كانوا من أهل البيت، فمن الثابت تاريخياً أنّ الأدارسة كانوا أهل سُنّة وجماعة. حيث تروي الكتب التاريخية روايات عن الإمام إدريس الأكبر تصبّ في هذا الاتجاه، فيروى عنه أنّه قال مشيراً إلى مالك: نحن أحقّ باتّباع مذهبه وقراءة كتابه، يعني: الموطأ، وأمر بذلك في جميع معاقله. ولم يعرف الأدارسة في بلادهم غير المذهب المالكي، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار مختلف الروايات التي تؤكّد أنّ المذهب المالكي قد دخل المغرب في هذا العهد، وقبله كان دخول كتاب الموطأ.

*************************
الجواب:
الأخ حسين المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
إنّ هذا الكلام مستل من مقال منشور على صفحات الأنترنيت في عدّة مواقع، يصر كاتبه على أنّ المذهب الفقهي للدولة الإدريسية هو المذهب المالكي، وأنّ الأدارسة هم أوّل من أدخل هذا المذهب إلى المغرب العربي، فأصبح المذهب السائد في ربوعه من ذلك الوقت إلى الآن، بل يدّعي أنّ الأدارسة كانوا من أهل السُنّة والجماعة ودولتهم دولة سُنّية.
والانطباع الأوّل المتبادر عن هذا المقال، هو أنّه موجّه وجه مذهبية، وأنّ كاتبه مدفوع من خلفية مذهبية.
فمع أنّه أقرّ كما هو صريح كلامه أنّ الشائع في الدراسات التاريخية أنّ الدولة الإدريسية كانت دولة شيعية - ونحن نضيف: إنّ المؤرّخين نصّوا على أنّ أوّل دولة شيعية في المغرب كانت دولة الأدارسة، إذ تأسست وبسطت نفوذها على المغرب في أواخر القرن الثاني الهجري - ولكنّه ادّعى في قبال ذلك أنّ الأدارسة كانوا أهل سُنّة وجماعة، وهو ادّعاء لم يأت عليه بدليل ثابت مقبول من النصوص التاريخية المعتمدة المعول عليها في مثل هذه الأُمور.

نعم، ذكر بصورة مرسلة أنّ الكتب التاريخية تروي عن الإمام إدريس الأكبر أنّه قال عن مالك: ((نحن أحقّ باتباع مذهبه وقراءة كتابه))، ولكن مثل هكذا إرسال في الدعاوى لا يحقّق علماً ولا يثبت حقائق، مع أنّ النصّ أورده عبد الحيّ الكتاني (ت1382هـ) في كتابه (التراتيب الإدارية)(1)، ونسبه إلى كتاب (كنز الأسرار ومعدن الأبرار) المطبوع باسم (زهرة الأخبار في تعريف أنساب آل بيت النبيّ المختار)، ولا يوجد فيه على ما استقصيناه، مع ما موجود فيه من خبط وخلط في التواريخ والسير والنقل بما لا يمكن الاعتماد عليه، فضلاً عن الاختلاف في تعيّن مؤلّفه المسمّى أحمد بن محمّد بن عبد الله الكلبي التلمساني المقري(2)، ومثل هذه النسبة في الدعوى تظهر أنّها نشأت متأخّرة بقرون كثيرة، فالتمسك بها والدفاع عنها لم يكن له منشأ علمي يخرجه عن المذهبية.

وهناك نصّ تاريخي يقطع هذا الجدل، وهو ما أخبر به أبو الحسن الأشعري (ت324هـ) في (مقالات الإسلاميين) عند ذكره فرق الإمامية الرافضة، قال: ((والتشيّع غالب على أهل قم، وبلاد إدريس بن إدريس وهي طنجة وما والاها، والكوفة))(3).
وهذا الإخبار له أهمية بالغة؛ من حيث معاصرة قائله لأواخر حكام الدولة الإدريسية في وقته، وهم من أحفاد إدريس بن عبد الله(رحمه الله)، وبعد مضي حوالي مئة وخمسون سنة على قيام هذه الدولة، وأنّ بلادها حتّى وقته كانت تنتحل التشيع وسمّاها: بلاد إدريس بن إدريس، بما يقطع أي مجال لمن يحاول التشكيك، ثمّ إنّه أدخلهم في فرقة الشيعة الإمامية التي يسمّيها (الرافضة)، حيث ذكرهم تحت عنوانها من بين أصناف الشيعة الثلاثة الذين ذكرهم، ثمّ خصّهم بالطائفة المعروفة بالاثنى عشرية، إذ عدهم مع شيعة قم والكوفة، وهم معروفون باثني عشريتهم.

وبالمقابل فإنّ ابن خلدون يقرّ بأنّ ظهور التشيّع في المغرب كان في زمان إدريس الأوّل وابنه إدريس الثاني، فقد قال في مقدّمته في سياق ذكره لمحاولة العبّاسيين القضاء على الدولة الإدريسية باغتيال إدريس الأوّل: ((ووقع خبر مهلكه من بني العبّاس أحسن المواقع؛ لما رجوه من قطع أسباب الدعوة العلوية بالمغرب واقتلاع جرثومتها، ولمّا تأدّى إليهم خبر الحمل المخلف لإدريس، فلم يكن لهم إلّا وكلا ولا، وإذا بالدعوة قد عادت والشيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بإدريس بن إدريس قد تجدّدت...))(4).
وبه يتحقّق بأنّ دعاوى المتأخّرين بمالكية الدولة الإدريسية، وأنّ الأدارسة كانوا من أهل السُنّة والجماعة هواء في شبك.
خاصّة وأنّ نماذج من السكّة التي ضُربت من زمن إدريس الثاني إلى من بعده، نُقشَ على وجهها اسم عليّ (عليه السلام)(5)، وهو دليل مادّي على شيعية الدولة.

ثمّ إنّ دخول المذهب المالكي إلى بلاد المغرب في ذلك الوقت - لو سلّمنا بصحّته، فإنّ المعروف أنّه دخل المغرب في بدايات القرن الرابع - فإنّه لا يدلّ على أنّ الأدارسة من أتباع ذلك المذهب، بل يدلّ على وجود اتجاهين فكريين: أحدهما المذهب المالكي في بدايات انتشاره، والثاني مذهب الدولة الإدريسية الشيعي السائد(6).
ودمتم في رعاية الله
(1) التراتيب الإدارية أو نظام الحكومة النبوية 1: 8 القسم الأول.
(2) انظر: دليل مؤرخ المغرب، لعبد السلام بن سودة: 68 (348) القسم الثاني، أعلام المغرب العربي، لعبد الوهاب بن منصور 5: 369 (1552)، أحمد بن محمّد المقري القرشي.
(3) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين، لأبي الحسن الأشعري: 64 ذكر البلاد الغالب عليها التشيع.
(4) تاريخ ابن خلدون المقدّمة 1: 24 فصل.
(5) انظر: المغرب عبر التاريخ 1: 112 - 113 الأدارسة، الحضارة في عهد الأدارسة.
(6) للمزيد انظر: المغرب عبر التاريخ 1: 114الأدارسة، مذهب الدولة.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) المدفونة في قُم


مصطفى / السعودية
السؤال: فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) المدفونة في قُم
لماذا خصّت زيارة السيّدة المعصومة(سلام الله عليها) (في قُم) بميزة: أنّ من زارها كأنّما زار الزهراء (عليها السلام)، كما جاء في الخبر (بما معناه)، أو بمعنى آخر؟ ما هي العلاقة بين الزهراء (عليها السلام) والسيّدة المعصومة(سلام الله عليها)؟
الجواب:
الأخ مصطفى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه المكانة أو الميزة للسيّدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مستفادة من رؤيا صادقة أو مكاشفة منقولة عن السيّد محمود المرعشي(رحمه الله) والد آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي(رحمه الله)، حيث أنّ هذا السيّد - وكما هو منقول على لسان ابنه آية الله المرعشي - عندما كان في النجف الأشرف عمل ختماً مجرّباً لمدّة أربعين يوماً بقصد معرفة قبر سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أجل زيارتها، وبعد أربعين يوماً رأى في المنام أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) أو الإمام الصادق (عليه السلام) قال له: (عليكم بكريمة أهل البيت)، فتصوّر أنّ الإمام يقصد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ولكن الإمام (عليه السلام) بين له أنّ مقصوده قبر السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، وأنّه من أجل مصالح شتّى أخفى الله قبر الزهراء (عليها السلام)، وأنّ قبر فاطمة المعصومة (عليها السلام) يقوم مقام قبر الزهراء (عليها السلام)(1).

ووصولها لهذا المقام ليس بمستغرب، فإنّ من ذراري الأئمّة (عليهم السلام) عدّة ممّن بلغوا المراتب العالية في الطاعات والقرب من الله سبحانه وتعالى، فكان لهم المقام العالي والكرامة العظيمة عند الله، كما هو الشأن في زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام)، وأبي الفضل العبّاس (عليه السلام)، وغيرهما.. ومنهم فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) الملقّبة بالمعصومة، فقد جاء في زيارتها المروية أنّ لها شأناً من الشأن، ولا مانع أن يكون لهذا الشأن الذي نجهل حقيقته ومرتبته المدخلية في حصول علاقة ومقاربة خاصّة بينها وبين جدّتها فاطمة الزهراء (عليها السلام).
ودمتم في رعاية الله
(1) زندكاني كريمة أهل البيتI: 81 الفصل الأوّل: شخصية برجسته حضرت معصومة سلام الله عليها (فارسي).

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » مَن أوّل من لقّب السيّدة فاطمة في قُمّ بالمعصومة)


محرم حسن
السؤال: مَن أوّل من لقّب السيّدة فاطمة في قُمّ بالمعصومة)
من الذي لقّب لأوّل مرّة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) المدفونة في قم بـ(المعصومة)؟
الجواب:
الأخ محرم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أورد الميرزا محمّد تقي خان سپهر (ت1297هـ) في كتابه (ناسخ التواريخ) رواية مرسلة عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (من زار المعصومة بقمّ فقد زارني)(1).
ولكن هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها، لإرسالها وتأخّر زمان راويها عن عصر النصّ بقرون عديدة، فإنّ محمّد تقي سپهر متأخّر جدّاً وقريب من عصرنا.

ولذا استقرب بعض الكتّاب أنّ هذا اللقب نشأ من وسط الواقع الشيعي الموالي في إيران واشتهر على الألسن لمناسبته وموافقته مع ما لفاطمة المعصومة (عليها السلام) من طهارة وقداسة، وما لها من مكانة وكرامة وشأن عند الله، ولِما جرى على الألسنة الأئمّة (عليهم السلام) من الحثّ على زيارتها والبشارة بالجنّة لمن زارها، وأنّ لها مقام الشفاعة يوم القيامة. 
ودمتم في رعاية الله
(1) ناسخ التواريخ 3: 68.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » السيّد عبد العظيم الحسني ولقاؤه الرضا (عليه السلام)


م / محي الدين / الكويت
السؤال: السيّد عبد العظيم الحسني ولقاؤه الرضا (عليه السلام)
هل أدرك السيّد عبد العظيم الحسني الإمام الرضا (عليه السلام) والتقى به؟
وما معنى هذه العبارة التي قالها بحقّه الإمام الهادي (عليه السلام) : (أما إنّك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار الحسين (عليه السلام) ).(كامل الزيارات: 537 الباب107 ح828)؟
الجواب:
الأخ المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
لم تذكر مصادرنا الرجالية تاريخ ولادة السيّد عبد العظيم بن عبد الله بن علي ابن الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى (عليه السلام) ولا مقدار عمره الشريف.
ولكن ربّما يمكن التوصل إلى زمن تقريبي لولادته؛ فإنّ جدّ أبيه الحسن بن زيد بن الحسن تولّى المدينة للمنصور سنة 150هـ(1)، وعزله سنة 155هـ(2)، ثمّ خافه فحبسه، وأطلقه المهدي العبّاسي عندما تولّى سنة 158هـ، وكان معه ابنه علي في الحبس، فمات في الحبس(3). وبيعت له جارية كانت حامل، فردّها المشتري على أبيه الحسن بن زيد، فولد عبد الله بن علي بن الحسن، فشكّ فيه جدّه، ثمّ استلحقه بالقافة. فتكون ولادة عبد الله بن علي وهو والد عبد العظيم الحسني قريباً من سنة (158هـ)(4).
فإذا كان سنّ الزواج عادةً سبعة عشر سنة، فإنّ أقرب تاريخ لولادة السيّد عبد العظيم يكون في سنة (175هـ)، لأنّ عمر أبيه عبد الله سيكون فيها قريباً من سبعة عشر سنة. ولكن ذكر أنّ لعبد الله ستّة أو تسعة أولاد، ولا نعلم ترتيب السيّد عبد العظيم بينهم. ومع ذلك فهناك مدّة كافية بين سنة (175هـ) وسنة (203هـ) - وهي سنة شهادة الإمام الرضا (عليه السلام) - لولادته، وعليه يمكن أن يكون ممّن أدرك الرضا (عليه السلام) ؛ وممّا يقرّب ذلك روايته عن هشام بن الحكم المتوفّى سنة (199هـ)(5)، والرواية صحيحة عند المجلسي(6)، وحسنة عند بعض المتأخّرين(7).

نعم، لا تثبت روايته عن الإمام الرضا (عليه السلام) بما نقل عن (الاختصاص) المنسوب للمفيد، وفيه: ((وروي عن عبد العظيم، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : قال: يا عبد العظيم أبلغ عني أوليائي السلام...))، الرواية(8)، فإنّها مرسلة، ولا يبعد وقوع الاشتباه من الرواة أو النسّاخ في أنّ أبا الحسن هو الثالث، أي الإمام الهادي (عليه السلام)، وليس الإمام الرضا (عليه السلام)(9).
مع أنّه يروي عن الرضا (عليه السلام) بواسطة إبراهيم بن أبي محمود، وسهل بن سعد، في غيرها، وهو ظاهر عبارة الصاحب بن عبّاد في رسالته في حال عبد العظيم الحسني، قال: ويروي عن جماعة من أصحاب موسى بن جعفر، وعليّ بن موسى (عليه السلام)(10). ومن هنا لا يعد في أصحاب الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، كما عليه أكثر رجاليينا، حيث عدّوه في أصحاب الإمام الجواد، والإمام الهادي (عليهما السلام) ويروي عنهما، كما هو ظاهر من رواياته، ونص على ذلك الصاحب بن عبّاد، قال: يروي عن أبي جعفر محمّد بن علي بن موسى، وعن ابنه أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام)، ولهما إليه الرسائل(11).

وأمّا ما ورد في ثواب زيارته عن الإمام الهادي (عليه السلام) المروية في (كامل الزيارات) لابن قولويه: ((حدّثني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، عن محمّد ابن يحيى العطّار، عن بعض أهل الري، قال: دخلت على أبي الحسن العسكري (عليه السلام)، فقال: أين كنت؟
فقلت: زرت الحسين بن عليّ (عليهما السلام).
فقال: أما أنّك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار الحسين (عليه السلام) ))(12).
ورواها الصدوق في (ثواب الأعمال) بطريقه إلى محمّد بن يحيى العطّار(13).
فهي ضعيفة لجهالة الراوي عن الإمام! وضعّفها السيّد الخوئي (رحمه الله) لهذه العلّة(14)، ولا يرد عليه ما التزمه  (رحمه الله) من توثيق شيوخ ابن قولويه في (كامل الزيارات)؛ لأنّ الراوي هنا عن الإمام لا يعرف اسمه حتّى يشمله التوثيق العام لكلّ شيوخ ابن قولويه، أو أنّه  (رحمه الله) تراجع عن مبناه هنا، كما نقل عنه.

ثمّ إنّه لا يمكن الالتزام بمفاد الرواية على إطلاقه، فهو لا يقاوم المضامين العالية المتكثّرة في فضل زيارة الحسين الشهيد (عليه السلام)، إذ كيف يقارن بمثل ما ورد عنهم (عليهم السلام) : (من زار قبر أبي عبد الله (عليه السلام) بشط الفرات كان كمن زار الله فوق عرشه)(15).
ومن هنا يجب أن نصرف التشبيه في هذه الرواية إلى بعض جهات التشبيه، لا المساواة من جميع الجهات، أو حمل الرواية على أنّ مراد الإمام أبي الحسن (عليه السلام) بيان فضل زيارة هذا السيّد الجليل(رحمه الله) في الري لعموم الشيعة في عهد قريب من وفاته، كما احتمله بعض الفضلاء، أو حملها على خصوص المورد، وهو هذا الرجل من أهل الري، لا عموم زيارة السيّد عبد العظيم؛ لما ورد من اختلاف درجات الزائرين حسب معرفتهم. والله العالم.
ودمتم في رعاية الله
(1) تاريخ الطبري 6: 288 حوادث سنة 150.
(2) تاريخ الطبري 6: 300 حوادث سنة 155.
(3) تاريخ الطبري 6: 347 حوادث سنة 158، سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر البخاري: 22، مقاتل الطالبين، لأبي الفرج: 265 علي بن زيد، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، لابن عنبة: 70، 94 عقب زيد بن الحسن المجتبى (عليه السلام)، تاريخ بغداد، للخطيب 7: 320 (3825).
(4) سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر البخاري: 24، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، لابن عنبة: 74 زيد بن الحسن المجتبى (عليه السلام).
(5) الكافي، للكليني 1: 414 الحديث (63)، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية.
(6) مرآة العقول 5: 79 الحديث (63).
(7) تنقيح المقال، للمامقاني 8: 171 (1655).
(8) الاختصاص: 247 موعظة رواها عبد العظيم الحسني عن الرضا (عليه السلام).
(9) قاموس الرجال، للتستري 6: 193 (4136).
(10) خاتمة المستدرك، للنوري 4: 404 (173).
(11) المصدر نفسه.
(12) كامل الزيارات: 537 الحديث (828) باب (107) زيارة عبد العظيم بن عبد الله الحسني بالري.
(13) ثواب الأعمال: 99 ثواب زيارة قبر عبد العظيم الحسني بالري.
(14) معجم رجال الحديث 11: 53 (6591) عبد العظيم بن عبد الله بن علي.
(15) كامل الزيارات: 278، الباب (59) من زار الحسين (عليه السلام) كان كمن زار الله في عرشه.

الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » جعفر بن عليّ الهادي (عليه السلام)


المفكّر العربي / البحرين
السؤال: جعفر بن عليّ الهادي (عليه السلام)
لقد وردت في مصادرنا الحديثية المباركة مقاطع تتناول شخصية (جعفر الكذّاب) ابن الإمام الهادي، أخ الإمام العسكري، عمّ الإمام المهدي (سلام الله عليهم) بالنقد، وتنعته بالانحراف العقيدي والسلوكي!
ولكن هناك باحثون وخطباء بارزون يقفون موقف الريبة من تلكم الأخبار، وبعض منهم يتوقّف في قبولها، لورود أخبار أخر تقول بأوبته وعودته للمذهب الحقّ.
والسؤال: ما هو الموقف العلمي من تلكم المذاهب؟!
الجواب:
الأخ المفكر العربي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ من الثابت حسب الروايات الكثيرة أنّ جعفر هذا ادّعى الإمامة لنفسه بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وقد خرجت بخبره التوقيعات من الناحية المقدّسة، ولكن اختلفت الأقوال في أنّه هل تاب، أو بقي على الدعاوى الكاذبة التي كان يدّعيها لنفسه؟

والظاهر أنّه تاب بحسب ما أورده الشيخ الصدوق في (إكمال الدين)، حيث روى توقيعاً عن محمّد بن عثمان العمري بخطّ صاحب الأمر (عليه السلام) ظاهراً في توبته، وأنّ سبيله سبيل إخوة يوسف بن يعقوب (عليه السلام)(1).
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة: 484 الباب 45 الحديث 4.
This page downloaded from http://www.aqaed.com/faq/