الاسئلة و الأجوبة » الصوفية والتصوف » التصوف


علي حمود الجابري / الامارات
السؤال: التصوف
بسمه تعالى
ارجو توضيح واعطاء فكرة شاملة عن الدراويش الذين يقومون باعمال خارقة مثل ادخال الالات الحادة في اجسامهم بدون ان يصابوا باذى ويتعرضون للتيار الكهربائي الخ.
هل هذه الاشياء لها اصل وما هو اصلها ومنشأها ومن مؤسسها ومتى تأسست وهل هي مباحة شرعا ام هي سحرحرام؟
وما معنى ان يقال ان فلان شارب طريقة ويقوم بهذه الاعمال؟
وما علاقتها بالسيد أحمد الرفاعي المدفون في الناصرية في العراق؟
الشيخ عبد القادر الجيلاني المدفون في بغداد وهل لها اصل من الشريعة الاسلامية الصحيحة؟
ومن زعمائها القدامى والحاليين.ارجو تزويدي بفكرة شاملة عنهم وعن الطريقة واذا كان لها ربط مع العرفان؟
والسلام عليكم
الجواب:
الأخ علي حمود الجابري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ان المسلك الذي يتبعه الدراويش هو التصوف , ومن خلال هذا الطريق تظهر عندهم بعض القابليات التي لا توجد عند غيرهم ففي كتاب نظرات في التصوف والكرامات. يقول محمد جواد مغنية ما هذا ملخصه: والتصوف غير الزهد ذلك أن معنى الزهد يتحقق بمجرد الاعراض عن الدنيا ومتاعها, أما التصوف فقد أخذ في مفهومه مجاهدة النفس وترويضها وان الزهد ثمرة من ثمرات التصوف وليس التصوف من الشعائر والعقائد الدينية ولا من التقاليد السائدة والنظم الاجتماعية ولا هو حقيقة طبيعية تفرض نفسها فرضاً وإنما هو بأساليب التربية أشبه , نقول هذا, مع العلم بأن التصوف بمعناه الشامل لكل فئة تتسم به وتنتهي إليه لا يجمعه حد ولا رسم لأن المتصوفة على أنواع فمنهم من هام بحب الله ومنهم الذي يدعى الاتصال المباشر بالله ومنهم القائل بالاتحاد مع الله وآخر قال بحلول الله فيه وفي غيره ومنهم من يقول بالكشف والاشراق وما إلى ذلك فالتصوف اذن بمعناه الشامل لجميع النزعات والاتجاهات ليس مذهبا محدود المعالم والمقاصد وبالتالي فلا يمكن الإشارة إليه بحد جامع مانع.
وقد ذكر له تعاريف شتى أنهاها بعضهم إلى نيف وسبعين تعريفاً ومهما يكن فنحن نشير إليه بأنه الانتصار على النفس والتغلب على ميولها وأهوائها عن طريق التدريب والتهذيب تماماً كترويض الحيوان المفترس على الوداعة فيصبح وادعاً مسالماً بعد أن كان شريراً مخاصماً. أما الغاية المقصودة من التصوف فتختلف تبعاً لأنظار المتصوفين, فمن اعتبره سبباً من أسباب المعرفة فتكون الغاية عنده ثقافية, ومن رآه طريقاً الى الكمال فتكون الغاية أخلاقية, ومن اتخذه وسيلة للخلاص من عذاب الآخرة فتكون دينية, وبعضهم يرى التصوف سبباً لهذه مجتمعة.
ان التصوف بمعناه الشامل لجميع أنواعه وصوره وكما تبحثه كتب الفلسفة ليس من المسائل والموضوعات الإسلامية الخالصة التي يرجع فيها إلى القرآن والحديث النبوي, بل ان التصوف بمعنى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود ينكره الإسلام وينفيه نفياً قاطعاً, وان تاريخ التصوف يمتد إلى ما قبل الإسلام وقد تسرب إلى الفكر الإسلامي واندمج به كغيره من الأفكار الأجنبية, فوحدة الوجود والحلول قد جاءا من الفلسفة الهندية والافلاطونية الحديثة كما ان البوذية ترتكز تعاليمها على تهذيب النفس وتحريم الملذات.وقال الباحثون في التصوف: ان الصوفية المسلمين كانوا في أول أمرهم يتلون القرآن ويكثرون من العبادة وذكر الله ثم تكلم أبو يزيد البسطامي في الفناء بالله وهذه الفكرة توجد في البوذية وتسمى عندهم (نرفانا).
وقال الباحثون أيضاً: ان النصرانية أحد منابع التصوف وعنها أخذ لبس الصوف إذ كان كثير من الرهبان يلبسونه وإلى النصرانية يسند الكلام في حب الله.
وقال بعض المستشرقين: ان الرهبانية المسيحية أحد منابع التصوف الإسلامي, وتبعه على ذلك جماعة من المصرين, منهم الدكتور زكي مبارك قال في الجزء الثاني من كتاب التصوف الإسلامي: (ان المسلمين كانوا يرون المسيح قوة في الشؤون الروحية... والتشابه كبير جداً بين مذاهب النصارى ومذاهب الصوفية في التعبد فالنصراني المتبتل يدخل الكنيسة وفي جيبه كتاب يشتمل على طوائف من الأدعية والصلوات والصوفي المخلص يدخل المسجد وفي يده كتاب يشتمل على طوائف الاستغاثات والأحزاب والأوراد).
والآن ما هو موقف الإسلام من التصوف؟ هل ينكره أو يقره؟
نقول: ما كان من نوع مجاهد ة النفس ومراقبتها والاقبال على الله وعمل الحق فهو من صميم الإسلام بل سماه النبي (ص) بالجهاد الأكبر وسمى الجهاد بالسيف بالجهاد الأصغر.
وما كان بمعنى الاتصال بالله مباشرة وبلا واسطة أو الاتحاد والحلول فهو كفر والحاد.
وما كان من نوع الشعوذة والمراء وادعاء السحر وعلم الغيب والكرامات فهو فسق ونفاق, وقد جاء من طرق الشيعة أحاديث كثيرة في ذم التصوف والمتصوفين بهذا المعنى والمعنى الذي قبله وان الصوفية قطاع طريق المؤمنين والدعاة الى نحلة الملحدين, وانهم حلفاء الشيطان ومخربوا قواعد الدين يتزهدون لراحة الأجسام ويتهجدون لصيد الأنام ولا يتبعهم إلاّ السفهاء ولا يعتقد بهم إلاّ الحمقاء. أمّا أن يكون التصوف سبباً من أسباب المعرفة وطريقاً لبعض المجهولات، بأن يلهم القلب الزكي بنوع من الحقائق فله مصدر واضح في الإسلام ويسمى هذا التصوف بالتصوف النظري وبعلم القلب ولعلاقته بالمعرفة دخل في الفلسفة وكان باباً من أبوابها وموضوعاً من موضوعاتها ويشهد لهذا الارتباط قول الرسول الأعظم: (من علم وعمل أورثه الله علم ما لم يعلم) حيث جعل العمل سبباً للعلم تماماً كالعلم الذي هو سبب معد للعمل, ويتفق هذا الحديث مع النظرية القائلة ان المعرفة تخضع للنشاط العملي كما يخضع العمل للمعرفة. أمّا المعرفة التي يؤدي إليها التصوف، فهي معرفة السبب الأول لهذا الكون وأوصافه وأفعاله ومعرفة أسرار العالم والحكمة المودعة في نظامه وجميع أشيائه بخاصة معرفة حقيقة والغاية من وجوده والوجهة التي يجب عليه ان يتجه اليها في حركاته وسكناته.
كما ان المعرفة تقسم باعتبار أسبابها إلى أربع أقسام:1. المعرفة بالحس.2. المعرفة بالعقل.3. المعرفة بالوحي (دليل النقل).4. المعرفة بالقلب. وهي ظاهرة فريدة وغريبة عن أذهاننا لأنها لا تنشأ من الحس والتجربة ولا من العقل واقيسته المنطقية ولا من الوحي والأحاديث النبوية لا من كتاب ولا من استاذ لا من شيء سوى الهام القلب وحدسه واشراقه وتنبوئه الصادق وهذه هي طريقة أهل التصوف حيث قالوا: العلم علمان: علم الكسب وعلم الوهب, والأول يأتي من الحس والتجربة والعقل ويختص بالعلوم الدنيوية كالعلوم الطبيعية والرياضية, والثاني يأتي من الإلهام والإلقاء في القلب ولا يحصل هذا الالقاء إلا للصفوة الخلص, ويختص بالعلوم الدينية وما يتصل بها كمعرفة الله وصفاته وحقيقة النبوة والوحي والرسالة والحياة والآخرة وصفات الجنة والنار وأسرار العالم وخلقه من بدايته إلى نهايته ومعرفة الخير والشر وحقيقة الإنسان والغاية من وجوده... وان الحس الصائب لا يحصل للقلب إلا بعد رحلة طويلة وخطيرة وهي أن يجاهد الإنسان بنفسه ويروضها على التوجه إلى الله وحده والالتجاء إليه في جميع الأمور والابتعاد بها عن النقائص والرذائل حتى تحصل لها طهارة اللسان بالتعبير عن الصدق والعدل وطهارة الفرج عما حرم الله وطهارة اليد عن العدوان وطهارة العين عن النظر بريبه وسوء نية وطهارة السمع عن الكذب والغيبة وطهارة العقل من الجهل والتقليد وطهارة القلب عن الحسد والحقد وطهارة الخيال عن الأماني والأفكار السوداء ومتى تم للإنسان هذه الفضائل القى الله النور في قلبه وأصبح صادقاً في حديثه كأنه الوحي لا يقبل الشك والريب. ان حصول الكرامات على أيدي الأولياء أمر ممكن يقره الدين ولا يأباه العقل وقد فرق علماء الكلام بين المعجزة والكرامة بأن الأولى يشترط فيها التحدي كأن يقول النبي لمن بعث إليهم: ان لم تقبلوا قولي فافعلوا مثل هذا, أما الثانية وهي الكرامة فلا يشترط فيها التحدي.
ونسبت إلى بعض مشايخ الصوفية مجموعة من الكرامات, ونحن على علم اليقين بأن بعضها نسب إلى رجال لا عهد لهم بها ولا علم, وبعضها الآخر انتحله مدلسون للتمويه على البسطاء والبلهاء.
فمثلاً نسب إلى عبد القادر الجيلاني انه كان طفلاً رضيعاً يمسك في نهار رمضان لأنه صائم, وصادف أن غم الهلال على الناس في آخر الشهر فسألوا أم عبد القادر: هل رضع اليوم؟ فقالت: نعم فعلموا أنه العيد!!... ومن كراماته أنه بقي سنة يأكل ولا يشرب وسنة يشرب ولا يأكل وسنة لا يأكل ولا يشرب ولا ينام!!...
... وكان انتشار مثل هذه الكرامات عاملاً قوياً في القضاء على التصوف والمتصوفين, فلقد كان لهم مكانة في القلوب ووجاهة عند الناس ثم انتكسوا وضعف أمرهم حيث انتسب إليهم الادعياء الذين تجاوزوا كل حد في الكذب والتدليس, فبعد أن كانت الكرامات معقولة مقبولة كاستجابة الدعاء في شفاء مريض والنجاة من بعض المخاطر وما إلى ذاك مما يتفق للصالحين وغيرهم من ذوي النوايا الحسنة أصبحت من النوع الذي ينفر منه السمع ويأباه الطبع.
ومن الأسباب التي عجلت بانقراض الصوفية انغماس المنتسبين إليهم في المحرمات والشهوات وظهور أمثال القلنديه حتى لم يبق معنى للتصوف عند هؤلاء ومن إليهم إلا التكدي واستعمال البنج والأفيون.
... ان لفظ التصوف بالذات لم يرد في الكتاب ولا في السنّة فما من آية أو رواية نصت على ان التصوف خير محبوب أو شر مكروه, ولكن الله ورسوله قد أمرا بالتقوى والصدق والاخلاص ونهيا عن النفاق والرياء والخيانة.
اذن فكل ما ينطبق عليه الصدق والاخلاص فهو من الإسلام في الصميم, وكل ما ينطبق عليه الرياء والنفاق فليس من الإسلام في شيء, وبهذا المقياس وحده يجب أن نقيس التصوف وكل موضوع حديث من الوجهة الدينية. ومن أثبت فكرة التصوف في الإسلام نظر إلى المتصوفين المخلصين ومن نفاها عن الإسلام نظر إلى تصوف الدجالين والانتهازيين, فالنزاع ناشئ من سوء التفاهم والاشتباه في القصد والمرام. ولما كان في ربط المعرفة بالتصوف الكثير من العمق والدقة والغموض لذا تستطيع ايراد الأدلة على ان الكشف الصوفي أو الحس أو الذوق مهما شئت فعبر ليس محالاً ولا ممتنعاً. (انظر كتاب نظرات في التصوف والكرامات لمحمد جواد مغنية).
أمّا عبد القادر الكيلاني فهو أحد كبار المتصوفين مؤسس الطريقة القادرية. وأمّا أحمد الرفاعي فهو أيضاً من كبار المتصوفين ومؤسس الطريقة الرفاعية.
وقال العلاّمة الأميني في كتابه (الغدير ج 11 ص 174) بعد ذكر مجموعة من ما يسمى بالكرامات لعبد القادر الكيلاني قال: هذه نماذج من أوهام جاء بها الغلو في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني ونحن لو ذهبنا لنجمع ما عزوه إلى الشيخ من الكرامات وإن شئت قلت من الخرافات مما لا يوافقه العقل ولا يصافق عليه المنطق ولا يساعده الشرع الإسلامي الأقدس ولا يدعيه بحجة ولا تصدقه البرهنة لاريناك موسوعة ضخمة تبعثك إلى الضحك تارة وإلى البكاء أخرى.
ومن كبار المتصوفين القدماء الذين اشتهروا أيضاً بالاضافة إلى الجيلاني والرفاعي اثنان آخران وهما الدسوقي والبدوي.
ومن المتصوفين المتأخرين الذي توفى مؤخراً السكتزاني.
ودمتم في رعاية الله

داود السعدي / الدنمارك
تعليق على الجواب (1)
جاء في ردكم الكريم ان استخدام بعض الصوفية للبنج او الأفيون قد عجل بانقراضهم.
وسؤالي هو: قد انتشر منذ زمن بعيد وصف بعض الناس بانه "شارب طريقة"، كما يقال عن احدهم بانه قد "لزمه الحال" ، والذي يُوصف من أحوال هؤلاء من "شاربي الطريقة "عندما" يلزمهم الحال "يوحي بتناولهم، عن طريق الشرب(ولا غيره من طريقة قديما لتناول مادة او دواء على الاغلب) لمادة ما هي اشبه بالمخدر، وثمة مادة قد عُرفت في الهند من قديم بتناولها بهدف إحداث حالة ذهنية غير طبيعية قد يمكن ان توصف بانها بين العقل وما هو اشبه بالجنون. متطلب انتباهي استخدام كلمة "الشرب"(علماً بان كلمة "الطريقة "هي اصطلاح معروف ومخصوص
الجواب:
الأخ داود المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاشراب في اللغة هو الممازجة ولذلك قالوا في الابيض الممزوج حمرة بالابيض المشرب حمرة وبالممزوج صفرة بالمشرب صفرة وهكذا نعم اشتقاقه من الفعل ( شرب) يشير الى ما تفضلتم ولعل اخذ المشرب بمعنى الطريقة لوحظ فيه هذا الاشتقاق ولكن لا دليل على ان الشرب المأثور عن اصحاب الطريقة هو المناسبة في اطلاق لفظ المشرب على هذا المعنى .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال