الاسئلة و الأجوبة » الإمام علي (عليه السلام) » الوجوه الممكنة لفهم خطبة البيان بالرغم من ضعف سندها


علي البهادلي / العراق
السؤال: الوجوه الممكنة لفهم خطبة البيان بالرغم من ضعف سندها
من يقرأ خطبة البيان التي نسبها اعلام الشيخية ومؤسسوها الى الإمام علي (ع) يكفر عليا والعياذ بالله وليس من آمن وصدق ماجاء فيها. فعين الكفر فيها.
طالعها وانت تعرف مدى انحراف مصدقها والمؤمن بما جاء فيها .
والله الحافظ من الزلل
الجواب:

الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اختلف العلماء في صحة نسبة هذه الخطبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، والأكثر ينفي صحة نسبتها إليه، ولعل مرد ذلك إلى أمرين: الأول: ضعف إسنادها. والثاني: ما تحمله من مضامين, حيث يرى هؤلاء أنها تستلزم الغلو وأن ظاهر كثير من عباراتها لا ينسجم مع العقيدة.

ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني في (الذريعة): أنها من الخطب المشهورة نسبتها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ولها نسخ مختلفة بالزيادة والنقصان، والأتم منها يقرب من الخمسمائة بيت أنشأها بالكوفة كما في بعض رواياتها أو بالبصرة كما في أخرى، لم يذكرها الرضي في (نهج البلاغة) وكذا لم يذكرها ابن شهر آشوب في المناقب في عداد خطبه المشهورة، نعم ذكر فيه من خطبه التي لا توجد في النهج خطبة الافتخار... ولعل المراد منها هذه الخطبة، فإن أولها ما يقرب من سبعين من أوصافه وخصاله بعنوان (أنا كذا أنا كذا) مفتخراً بذلك كله... وقد أورد الشيخ علي اليزدي الحائري في كتابه (إلزام الناصب) ثلاث نسخ من هذه الخطبة، ذكرت في أحداها أسماء أصحاب الحجة المهدي (عج) ، وذكرت الأخرى أسماء ولاة الحجة على البلاد، ونقل إحدى تلك النسخ عن (الدر المنظم في السر الأعظم) تأليف محمد بن طلحة الشافعي المتوفي(652هـ). ونقل الشيخ سراج الدين حسن بعضها عن (الدر المنظم) أيضاً .
وجملة من فقرات هذه الخطبة مذكورة في كتاب (مشارق أنوار اليقين) لرجب البرسي، لكن من غير أن يسميها بخطبة البيان.

وأورد القاضي سعيد القمي المتوفى بعد (1103هـ) نسخة مختصرة من هذه الخطبة في شرحه لحديث الغمامة، وقد ذكرها الشيخ أحمد الأحسائي في بعض رسائله في (جوامع الكلم)، واستظهر من أسلوب نظمها وبلاغة عباراتها أنها من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكر تأويل ما قصده أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: أنا كذا أنا كذا مما يلزم أخذه على ظاهر الكفر أو الغلو، ووضع تلميذه السيد كاظم الرشتي رسالة أسماها (الرسالة الحملية) يبين فيها أنواع القضايا التي يستعملها أهل البيت (عليه السلام) في مخاطباتهم وأقوالهم، ورفع الإشكالات المترتبة على الفهم الظاهري لتلك المخاطبات. وذلك بذكره لأصناف الحمل الممكنة بين الموضوع والمحمول في القضايا الحملية غير ما هو مذكور في كتب المنطق.
وخطبة البيان والخطبة الافتخارية والخطبة التطنجية ورد فيها ما يوهم نسبة أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه إلى الألوهية، كقوله (عليه السلام) في خطبة البيان: (أنا المخبر عن الكائنات أنا مبين الآيات.. أنا مفيض الفرات... أنا مظهر المعجزات أنا مكلم الأموات.. أنا ولي الأصفياء أنا الظاهر مع الأنبياء.. أنا صاحب الأديان.. الخ) .
وكقوله في الخطبة التطنجية: (أنا الأول، أنا الآخر، أنا الظاهر أنا الباطن، أنا مع الكور قبل الكور، أنا مع الدور قبل الدور، أنا مع القلم قبل القلم، أنا مع اللوح قبل اللوح، أنا مدبر العالم الأول حين لا سماؤكم هذه ولا غبراؤكم..).
والحق أن هذه المضامين في نفسها قابلة للتأويل، لوجود قرائن صارفة كقوله (عليه السلام) في الخطبة التطنجية: (أنا أنا لا إله إلا الله ربي ورب الخلائق أجمعين، له الخلق والأمر... كأني بضعيفكم يقول: ألا تسمعون إلى ما يدّعيه ابن أبي طالب في نفسه...الخ). وكقوله في خطبة البيان: (أنا شقيق الرسول أنا بعل البتول أنا عمود الإسلام، أنا مكسر الأصنام...الخ.)

وقد ورد في بعض زياراته (عليه السلام) قريب من هذه المعاني، كما عن كتاب (المزار): ((السلام عليك يا عين الله الناظرة في العالمين ويده الباسطة ولسانه المعبر عنه في بريته))، بل وردت في بعض الأدعية مضامين لا تقل في قوتها عما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة البيان، كقول الحجة (عليه السلام) في دعاء شهر رجب وهو دعاء مشهور يقراه الشيعة في كل يوم من أيام شهر رجب وفيه: (أسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك وأركاناً لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلاّ أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك...الخ) الدعاء.
وظاهر هذه الكلمات قد يستلزم الغلو المتسرع كما ترى ، ومع ذلك لم ينكر أحد من العلماء صحة هذا الدعاء ولا رتبوا عليه ذلك اللازم.
ثم إنه قد ورد في بعض الروايات عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه وما أشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد ، وإنما الهالك أن يفحدَّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله فيقول: والله ما كان هذا).
وعن محمد بن النعمان الأحول عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا، إن كلامنا ينصرف على سبعين وجهاً).

ونحن لا نرى أيها الأخ الكريم من مبرر لاشمئزازك من هذه الخطبة سوى عدم معرفتك بلحن حديث آل محمد (عليهم السلام) وأصناف خطاباتهم ، ومن هنا فإننا ننصحك بكثرة مطالعة أخبارهم (عليهم السلام) في مصادر الحديث. ونقول لك: أن مقتضى الاحتياط في الدين أن لا تسارع إلى إنكار هذه الخطبة ونظائرها، فلعل لها محاملاً ووجوهاً من المعنى لم تدركه ولم تلتفت إليه، وقد سمعت الضابطة التي ذكرناها لك في الأحاديث الآنفة الذكر أعني حديث جابر وحديث محمد بن النعمان، فعليك بها فاحفظها واعمل بها فإنها من أنفع المرتكزات للتعامل مع حديث آل محمد (عليه السلام).

ولا بأس أن نذكر لك شاهداً مما تدّل عليه أقوال أمير المؤمنين (عليه السلام) التي استنكرتها في خطبة البيان, يبين فيه إمامنا علي (عليه السلام) ما يقصده بتلك الأقوال: فقد روى الشيخ المفيد في (الاختصاص): قال: روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان قاعداً في المسجد وعنده جماعته, فقالوا له : حدثنا يا أمير المؤمنين؟ فقال لهم : ويحكم إن كلامي صعب مستعصب لا يعقله الإّ العالمون, فقالوا : لابدّ من أن تحدّثنا, قال : قوموا بنا فدخل الدار, فقال : أنا الذي علوت فقهرت, أنا الذي أحيي وأميت, أنا الأول والآخر والظاهر والباطن, فغضبوا وقالوا : كفر, وقاموا, فقال علي صلوات الله عليه للباب : يا باب استمسك عليهم, فاستمسك عليهم الباب فقال : ألم أقل لكم إن كلامي صعب مستعصب لا يعقله الإّ العالمون؟ تعالوا أفسّر لكم, أما قولي : أنا الذي علوت فقهرت, فأنا الذي علوتكم بهذا السيف فقهرتكم حتى آمنتم بالله ورسوله, وأما قولي : أنا الذي أحيي وأميت : فأنا أحيي السنة وأميت البدعة, وأما قولي : أنا الأول : فأنا أول من آمن بالله وأسلم, وأما قولي : أنا الآخر : فأنا آخر من سجّى النبي ثوبه ودفنه, وأمّا قولي : أنا الظاهر والباطن : فأنا عندي علم الظاهر والباطن, قالوا : فرّجت عنا فرّج الله عنك.

وأما قولك أن خطبة البيان نسبها أعلام الشيخية ومؤسسوها إلى الإمام علي (عليه السلام)، فمجرد زعم لا أصل له وقول بلا دليل! لأن خطبة البيان ونظائرها مثبتة في الكتب قبل ظهور هذه الجماعة التي نسبتها إلى الكفر، فمهلاً لا تتجعل ولا يحملك البغض لهؤلاء على الخروج عن الأنصاف والموضوعية .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال