الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(العدل الإلهي) » مناقشة بعض أدلّة واعتراضات الأشاعرة


احمد البحراني / الكويت
السؤال: مناقشة بعض أدلّة واعتراضات الأشاعرة

أولاً: أفعال الله سبحانه وتعالى ومتعلّقاتها هي نفس الواقع الخارجي، وإنّما ينظر إلى أفعال المخلوقات ومطابقتها للواقع الخارجي، فإن وافقتها كانت متوافقة مع المصلحة، وإن خالفتها وافقت المفسدة، فإن صحّ ما سبق فهو المقصود من أنّ أفعال الله سبحانه تابعة للمصالح والمفاسد، وإن كان الأصحّ هو أنّ الأفعال الإلهية متبوعة المصلحة وليست تابعة المصلحة؟

ثانياً: إذا كان من لوازم العدل تصرّف الفاعل بما يملكه، ومن لوازم الظلم تصرّف الفاعل بما لا يملكه، ومن هذا المنطلق لا يمكن صدور الظلم التكويني منه تعالى، حيث أنّ الأفعال مملوكة له، هل هذا الكلام صحيح أم لا، ولماذا؟

ثالثاً: هل يصحّ القول: أنّ لله تعالى أن يتصرّف فيما يشاء بما يشاء من غير أن يتبع ذلك قبحاً أو ذمّاً أو شناعة من عقل أو غيره، ولا يصحّ الاستدلال بانحصار أفعاله بما وراء القبائح العقلية، بأنّا نرى المالك لعبد إذا عذّب عبده بما لا يجوزه العقل استقبحه وذمّ العقلاء عليه عمله، فهو من قبيل الاستدلال على شيء بحكم ما يباينه. هذا من ناحية..
ومن ناحية أُخرى: كيف يوجب العقل على الله سبحانه شيئاً وهو عزّ وجلّ خالق العقل؟

رابعاً: ما معنى قولنا: بأنّه تعالى لا يصدر منه القبيح وهو قادر عليه إلاّ إنّه لا يفعله لحكمته، مع ملاحظة أنّ صفاته عين ذاته والاختلاف بينها إنمّا يكون بالمفهوم، فلا معنى للتفريق بينها بالواقع. هذا من جهة..
ومن جهة أُخرى: فإنّ صدور القبيح والظلم نقص، وهو كمال مطلق، وبين الكمال المطلق والنقص تناقض واضح، ممّا يعني استحالته على سبحانه وتعالى وعدم إمكانه، وبه يكون الله فاعلاً موجباً وليس فاعلاً مختاراً، فكيف يكون الجواب عن هذه الشبهة؟

خامساً: ما الحكمة من إيجاب الله عزّ وجلّ أُموراً على نفسه كالرحمة والعدل وغيرها؟

الجواب:

الاخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: يمكننا الإجابة عمّا فهمناه من سؤالكم الأوّل بالجواب التالي:
إنّ الذي عليه المتكلّمين من الإمامية والمعتزلة وبعض الأشاعرة: أنّ أفعاله سبحانه تابعة للمصالح وإن كنّا غير عالمين بها، وكذا الأحكام الشرعية فهي تابعة للمصالح والمفاسد؛ فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، وقد استشهدوا لذلك بجملة آيات، منها: قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ فِي الخَمرِ وَالمَيسِرِ وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ )) (المائدة:91)، فالآية الكريمة تعلّل حرمة الخمر والميسر باستتباعهما العداوة والبغضاء وصدّهما عن ذكر الله. وأيضاً قوله سبحانه: (( وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنهَىٰ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ )) (العنكبوت:45).
وأيضاً ورد من النصوص عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): أنّ الأحكام الشرعية تخضع لملاكات؛ قال الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شراباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد)(1).
والقدر الذي فهمناه من كلامك أنّه محاولة لتقرير اعتراض الأشاعرة بقولهم: ((أنّ غرض الفعل خارج عنه، يحصل تبعاً للفعل وبتوسّطه؛ إذ هو تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداءً، فلا يكون شيء من الكائنات إلاّ فعلاً له لا غرضاً لفعل آخر لا يحصل إلاّ به ليصلح غرضاً لذلك الفعل، وليس جعل البعض غرضاً أولى من البعض))(2).
وجوابه واضح: فإنّ ترتّب الموجودات والأفعال بعضها على بعض، وكون بعضها غرضاً للبعض الآخر أصل عقلي مسلّم لا يمكن إنكاره، والغرض من الكلّ هو الوصول إلى غايتها العليا والسامية، وهي: كمالها، وهذه الغاية لا تعود إلى الفاعل، وهو الله جلّ جلاله حتّى يلزم النقص له - نعوذ بالله - وإنّما تعود إلى الفعل، وهو مخلوقاته ليخرج فعله بذلك عن العبث واللغو؛ لأنّه فاعل حكيم لا يختار من الأفعال إلاّ ما يناسب شأنه وكماله.

ثانياً: وهذا أيضاً أحد أدلّة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين، ونقول في جوابه: يعرف العدل - كما في المتون الكلامية - بأنّه: عدم فعل القبيح، وعدم الإخلال بالواجب، وعدم التكليف بما لا مصلحة فيه(3).
فما ذكرتموه من اللازم، وهو ليس لازم حقيقة، مشروط بما تقدّم من التعريف، فإن شمله فهو، وإلاّ فلا يُعّد عدلاً، لأنّ تصرّف الفاعل في ما يملكه ينبغي أن يكون وفق الضوابط المشار إليها وإلاّ عُدّ ظالماً لنفسه، وإن لم يكن في فعله ظلم للغير؛ فإنّ العقلاء يذمّون من يرمي ماله في البحر بلا غرض قطعاً، ويحكمون بسفاهته وقبح فعله.

ثالثاً: وهذا السؤال بيان آخر لما تقدّم من دليل الأشاعرة، وجوابه: إنّ الله سبحانه لا يفعل القبيح، فهو لا داعي له إلى فعل القبيح، وكلّ من كان لا داعي له إلى فعل القبيح امتنع وقوعه منه.. وبيان ذلك:
إنّ علمه سبحانه بقبح القبيح وغناه عنه صارف له عن فعله، ومع تحقّق الصارف يمتنع الداعي؛ لاجتماع الضدّين.
وأمّا قولكم: أنّه كيف يوجب العقل على الله سبحانه شيئاً وهو عزّ وجلّ خالق العقل، فهذه دعوى الأشاعرة التي ردّوا بها التحسين والتقبيح العقليين، والواقع أنّ العقل لا يوجب على المولى شيئاً، وإنمّا هو يدرك الحقائق لا غير، ومن الحقائق التي أدركها أنّ الله سبحانه لا يفعل القبيح ولا يقع منه القبيح؛ لما تقدّم بيانه من الاستدلال السابق.
وقد أثبت الفلاسفة أنّ للعقل قدرة على إدراك ما من شأنه أن يُعمل، ويسمّى حينئذ: عقلاً عملياً، أو حكمة عملية، وأيضاً إدراك ما من شأنه أن يُعلم، ويسمّى حينئذ: عقلاً نظرياً، أو حكمة نظرية(4).
وهذه المدركات هي ممّا أنعم بها المولى سبحانه على هذه القوّة، المسمّاة: عقلاً، المودعة عند الإنسان، والتي بها يستطيع الإنسان أن يميّز بين الحقّ والباطل، والخير والشرّ، والنافع والضار.
وقد أثبت العلماء بأدلّة وافية التحسين والتقبيح العقليين قبال المنكرين له، والمصرّين على أنّ: الحسن هو: ما حسنّه الشارع، والقبيح هو: الذي قبّحه الشارع، لا غير.. ويمكنكم أن تراجعوا في هذا الجانب ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (رسالة في التحسين والتقبيح).

رابعاً: قد تقدّم بيان علّة عدم صدور القبيح من المولى تعالى، وقد بيّنا أنّ القبيح ممتنع على الله سبحانه من جهة عدم الداعي لاستحالة وجود المعلول بدون العلّة. وكون المولى قادراً على القبيح - والقدرة صفة كمال له - وهو في نفس الوقت يستحيل وقوعه منه لعدم الداعي إليه، لا يُعّد هذا الأمر نقصاً في الصفة فيحصل بذلك التنافي، كما تصوّرتموه، بل هو - أي: عدم وقوع القبيح وصدوره منه - محض كمال للصفة بلحاظ الصفات العينية الأُخرى، كالعلم، والتي نعتقد بأنّ صفاته عين ذاته، فهو علم من حيث هو قدرة، وهو قدرة من حيث هو علم.. وهكذا بقية الصفات..
وما تخيّلت من لازم بكونه فاعلاً موجباً ليس بصحيح؛ فإنّ قدرته تامّة على فعل الحسن والقبح، ولكنّه لا يفعله لحكمته، فهو لا يفعل إلاّ ما يناسب شأنه وكماله من دون إيجاب موجب عليه - نعوذ بالله -.
ألا ترى أنّنا - نحن البشر - قادرون على فعل القبائح، كالقتل بغير حقّ، والكذب، وسرقة مال الغير، وأمثال ذلك، ولكن الامتناع عنها وعدم صدورها منّـا يُعّد كمالاً لنا، وحسنة تامّة من حسناتنا.. وهذا الكمال وتلك الحسنات إنمّا اعتبرت بلحاظ الإيمان والحكمة وتمام المروءة في الإنسان، الذي يعدّ فعل القبائح خرّماً ونقصاً لها.
ثمّ إنّه يظهر من كلامك أنّك تعّد صفة الحكمة من الصفات الثبوتية الذاتية، وهذا غير صحيح؛ فالحكمة من الصفات الفعلية؛ فلاحظ!

خامساً: إنّ المولى سبحانه وتعالى أوجب على نفسه الرحمة والعدل ليتمّ نعمته على عباده، بأن يجمعهم في يوم لا ريب فيه، ليعطي كلّ ذي حقّ حقّه بما أوجبه عليه من الطاعات والتكاليف، وليفوز في ذلك اليوم المؤمنون ويخسر المبطلون، وتلك غاية الغايات في خلق الخلق وإيجاده.
وليس قولنا: أنّه أوجب على نفسه الرحمة والعدل، أنّ هناك ما هو خارج عن ذاته أوجب عليه ذلك، بل المراد: أنّ تمام هذه الصفات هو مقتضى كماله وحكمته، وممّا يناسب شأنه.
ودمتم في رعاية الله

(1) فقه الرضا: 254 باب (37): باب النفقة والمآكل والمشارب والطعام.
(2) المواقف في علم الكلام: 332 الموقف الخامس، المرصد السادس، المقصد الثامن، شرح المواقف 8: 203 المقصد الثامن.
(3) انظر: خلاصة علم الكلام للفضلي: 141، العدل.
(4) انظر: شرح منظومة السبزواري: 310 الفريدة السادسة، غرر في العقل النظري والعملي.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال