الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » دور العقل في التشريع


مطوّع إبراهيم
السؤال: دور العقل في التشريع
السلام عليكم
نحن نقوم بأداء الأعمال على أساس أنّها أمر العقل بها، أو أن تكون تعبّدية لا دور للعقل فيها إلاّ أنّها من سُنّة وأحاديث وروايات أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك كما أشار سيّد الشهداء(عليه السلام): (شيعتي أصبر منّا، نحن نصبر على ما نعلم، وشيعتنا يصبرون على ما لا يعلمون).
عندما أعلم بأضرار السمّ القتال فإنّي ببساطة أتجنّبه، ولكن عندما تغيب الحكمة عنّي فإنّي آخذه على أساس الحكم الظاهري، واختلاف المراجع دليل واضح.
مضمون من مقالة للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء(رحمه الله): ((عند خروج الإمام(عليه السلام) سوف تعلم حكمة الصلاة معنىً وتوقيتاً و عدداً، إلاّ أنّها الآن تؤدّى امتثالاً)).
أُمور كثيرة كانت سابقاً تحمل صيغة التعبّد فقط، واليوم أصبحت ذات معنى وهدف واضح، وحكمة ظاهرة.
السؤال: هل لنا أن ننتظر خروج الإمام المهدي(عليه السلام) حتّى نعلم بكلّ ما تعنيه الأُمور التعبدية من معنى؟
ولماذا لم تكن ذات رؤية واضحة كي يتسنّى للكلّ العبادة، وأن تكون العبادة متقبّلة من قبل الكلّ، وبصورة سليمة عن قناعة وإدراك؟
الجواب:

الأخ مطوع المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقول: السؤال غير واضح بشكل دقيق ومحدّد, وإن فهمنا المراد منه بصورة مجملة؛ فإنّ في عباراته عدّة أُمور مختلطة.
ولكي نرفع الغموض وتداخل المسائل في ذهن السائل لا بدّ أن نقدّم عدّة مقدّمات:

المقدّمة الأولى: إنّ الشريعة، أيّ شريعة، تنقسم إلى قسمين: قسم واجب الاعتقاد به، وهي: الاعتقاديات، ويبحث عنها في أُصول الدين. وقسم لا بدّ من العمل بها، وهي: العمليات، التي تسمّى: الفقهيات، ويُصطلح عليها بـ(فروع الدين).

والقسم الأوّل: فيه أركان لا بدّ من العلم والاعتقاد بها عن طريق العقل - أو لا بدّ من الجزم بها على الاختلاف - ولا يكفي الالتزام بها بتقليد الآخرين، وإن كانت جملة من تفاصيلها غير مطلوب العلم بها عقلاً، وهذه الأركان مثل: أصل التوحيد والنبوّة والعدل والإمامة والمعاد، وبعض ما يدخل فيها.

أمّا القسم الثاني: وهي الأحكام التشريعية، فيجوز بها التقليد والأخذ من الآخرين، على أن يكون الآخذ مستنداً إلى حجّة قطعية ثابتة.
وهذه الأحكام تنقسم إلى الأقسام الخمسة: من الواجب والمستحبّ والمباح والمكروه والحرام, وهي يجب أن نأخذ حكمها من الشارع المقدّس, وإن ترك لنا الخيار في قسم المباح، فيمكن للعقل، أو العرف، أو قانون تنظيم الجماعات من التدخّل فيه، على أن لا يخرجه من المباح الشرعي، وإن أصبح واجباً عقلياً أو عرفياً... الخ.
ونعتقد أنّ سؤال السائل عندما قال: ((نقوم بأداء الأعمال على أساس أنّها أمر العقل بها))، يشمل هذا القسم، الذي يدخل فيه مثلاً: اختيار المهنة، أو أُسلوب الحياة، أو الوطن، وغيرها.
نعم، يمكن أن تدخل هذه الأُمور في الأقسام الأُخرى بعناوين وجهات أُخرى.

المقدّمة الثانية: قسّم العلماء العقل إلى قسمين، بالنسبة إلى ما يتعلّق به:
فالعقل النظري: يتعلّق بما يجب أن يَعلم، مثل: اجتماع النقيضين محال.
والعقل العملي: يتعلّق بما يجب أن يعمل، مثل: العدل حسن والظلم قبيح، فالأوّل يجب أن يفعل، والثاني يجب أن يترك.
وقد بحث علماء الأُصول عن دور العقل وحجّيته في استنباط الأحكام, ثمّ عدّه من الأدلّة في الأحكام أو لا، واختلفوا في ذلك!
وما عليه جمهور علماء الإمامية الأُصوليون: اعتبار العقل حجّة شرعاً، وأنّه أحد الأدلّة. ولكن ليس العقل بكلا قسميه، فإنّهم أنكّروا الملازمة بين حكم العقل النظري وحكم الشارع، وذلك لقصور العقل النظري عن إدراك العلل الواقعية للأشياء، والإحاطة بكلّ تفاصيلها وجزئياتها إلاّ لخالق الأشياء. ولكنّهم التزموا بذلك في العقل العملي، وبحثوه في البحث المعنون بـ(التحسين والتقبيح العقليين في علم الكلام).

وأمّا دور العقل في الاستنباط، فقد بحثه علماء الأُصول ضمن عنوان (الملازمات العقلية)، التي هي قسمين: المستقلاّت العقلية، وغير المستقلاّت العقلية. واختصّت المستقلاّت بمسألة التحسين والتقبيح العقليين؛ إذ قالوا: بأنّه يمكن للعقلاء، بما هم عقلاء، أن يحكموا على بعض الأفعال بأنّها: حسنة، يجب أن تُعمل، كالعدل. وأنّها: قبيحة، يجب أن تُترك، كالظلم. وأنّ الشارع المقدّس بما أنّه أعقل العقلاء فإنّه يحكم بما حكموا أيضاً، ولذا يمكن أخذ الحكم الشرعي فيما لو حكم العقل بذلك من هذه الجهة, والتفصيل ليس محلّه هنا!

وأمّا غير المستقلاّت، فهي التي تعتمد على مقدّمة عقلية، تثبت من ملازمة عقلية، ومقدّمة أُخرى شرعية، حتّى يؤلّف منها قياس أرسطي، لينتج نتيجة تدخل في الاستنباط الفقهي، كما في: هل مقدّمة الواجب واجبة شرعاً بعد أن ثبتت عقلاً أو لا؟ وغيرها.
والبحوث في القسمين طويلة الذيل في كتب أُصول الفقه، خلاصتها: إثبات حجّية العقل في استنباط الحكم الشرعي في بعض الموارد، أو عدم الحجّية في موارد أُخرى.. وهل يكون العقل أحد الأدلّة الشرعية مقابل القرآن والسُنّة والإجماع أو لا؟
ويجب أنّ نلاحظ أنّ علماء الإمامية يأخذون بالقياس الأرسطي هنا فقط، ولا يعتبرون قياس التمثيل، المعني عند علماء العامّة بـ(القياس)؛ فإنّ قياس العامّة ليس حجّة عندنا؛ لأنّا نُهينا عنه شرعاً.
 
المقدّمة الثالثة: تنقسم الأحكام إلى قسمين: أحكام واقعية، وأحكام ظاهرية.
والواقعية: هي الحكم الواقعي الصادر من الشارع، والتي يخبر بها الرسول(صلّى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام).
والظاهرية: هي التي يستنبطها الفقيه من الأدلّة الشرعية الثابتة بالحجّة القطعية.

وأمّا ما هو الفرق بين الواقعية والظاهرية, فإنّه بعد تمادي الزمان بين صدور الحكم الشرعي من قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والائمّة(عليهم السلام) وبيننا، أدّى ذلك إلى وصول أكثر الأحكام الشرعية إلينا بطرق ظنّية، من الخبر الواحد وظواهر القرآن والسُنّة، أو ما يصطلح عليه أهل الأُصول بـ(الأمارات والأُصول العملية)؛ فإنّ الفقيه يبذل جهده في هذه الأمارات والأُصول التي ثبتت حجّيتها، كطريق للوصول إلى الحكم الشرعي عبر قواعد مقرّرة في علم الأُصول؛ فإنّه يفتي عبر هذه القواعد، وتكون فتواه كحكم ظاهري.

ففي الواقع إنّ لكلّ مسألة حكمين: حكم واقعي، نحن لا نعلمه بالقطع؛ لانقطاعنا عن أصل التشريع. وحكم ظاهري، مستخرج عبر هذه القواعد، ومعتمد على الأدلّة الفقهية. وقد يكون الحكم الظاهري موافقاً للواقع أو مخالفاً، وعلى كلّ فهو حجّة ما لم ينكشف الخلاف.
وهذا لا يعني أنّه لا توجد أحكام واقعية معروفة الآن|؛ فإنّ وجوب أصل الصلاة والصوم والحجّ قطعي ثابت في أصل الإسلام، وهو حكم واقعي، أمّا ما يتضمّن فيها من فروع ومسائل ففيها أحكام ظاهرية، وهي مورد الخلاف بين العلماء.

المقدّمة الرابعة: إنّ الشيعة الإمامية يعتقدون أنّ للأحكام الشرعية مصالح وملاكات يعلمها الشارع المقدّس، وأنّ لكلّ حكم مصلحته وملاكه الخاص به الذي يحثّ المولى العبد على فعله من أجله.
وهذه المصالح لا يمكن للعقل البشري أن يدركها بتمامها ويحيط بها؛ لعدم قدرة العقل على الإحاطة بكلّ الجزئيات والتفاصيل، وإنّما من يحيط بها هو خالق الإنسان وأفعاله؛ لأنّ علم الله محيط به وبها.
وبالتالي لا يمكن للإنسان أن يطّلع على العلّة الحقيقية للأحكام الشرعية.. نعم، يمكن أن يطّلع على جزء العلّة أو أحد نواحيها، ونسمّيها: الحكمة، ولكنّها غير كافية لإسناد الحكم الشرعي إليها، ولذلك أبطلنا القياس التمثّلي المعتمد عند أهل السُنّة، والمعروف بـ(قياس أبي حنيفة)، لأنّه يعتمد على التشابه بين الفروع، ولا يمكن أن يكون التشابه علّةً للحكم الشرعي، وهناك روايات واستدلالات من الأئمّة(عليهم السلام) في إبطاله.
ومن هنا قلنا: أنّه لا يثبت التلازم بين مدركات العقل النظري والحكم الشرعي.

نعم، ندّعي أنّه في بعض الأفعال - التي هي مورد لحكم العقل العملي - يكون حكم العقلاء هو العلّة التامّة للحكم، فيوافقه الشرع، كما في حسن العدل؛ فلاحظ! وتفصيل الاستدلال عليه في محلّه.
فإذاً لم يبق أمام الإنسان الذي ثبت له بالقطع وجود الله وإرساله الرسل بتشريعات غايتها تنظيم حياة الإنسان وإيصاله إلى الكمال من جهة, وأنّ عقله لا يستطيع أن يدرك العلل التامّة لهذه التشريعات من جهة أُخرى، لم يبق أمامه إلاّ أن يأخذ هذه التشريعات من مصدرها المشرّع لها عن طريق الرسل، ويتعبّد بما يأمرونه به عن الله، وهو ما نسمّيه بـ(التعبّد). الذي هو حقيقة التسليم، بعد أن ثبت للعقل بصورة قطعية حجّيته.
فليس التسليم والتعبّد هكذا بدون دليل، وإنّما بعد أن ثبت أنّ خالق الكون أعلم بمصالح العبد ومتطلّباته، وأنّ العقل قاصر عن إدراكها مستقلاًّ.
وبعد أن توضّحت هذا المقدّمات، يتّضح أنّه لا صحّة للقول: بأنّ هناك أُموراً تعبّدية لا دور للعقل فيها!

نعم، علّة تشريع هذه العبادات بانفرادها لا دور للعقل فيها, وأمّا استناد التسليم على حجّج عقلية ثابتة لا يمكن إنكاره.
وأصبح من الواضح أنّ ما يكشفه تطوّر العقل البشري والعلوم بالتبع لا يكفي للحكم الشرعي؛ لأنّه لا يتعدّى الحكمة، وليس العلل الحقيقية للأحكام الشرعية.

نعم، هناك علل نصّ عليها الشارع المقدّس، كما في علّية السُكر للحرمة، فهي يمكن أن تستخدم كدليل لأخذ الحكم الشرعي, كما أصبح واضحاً إمكانية معرفة الحكم الواقعي عند ظهور الحجّة(عجّل الله فرجه).
وأصبح واضحاً أيضاً عدم إمكانية إحاطة العقل البشري بالعلّة الحقيقية للأحكام، حتّى تصبح ((الرؤية واضحة ويتسنّى للكلّ العبادة، وتكون متقبّلة من الكلّ بصورة سليمة وعن قناعة))؛ فالقصور ذاتي في البشر، مع أنّ الله تعالى لم يغلق الباب على الإنسان في طريق الكمال حتّى يصل إلى العقل الكامل، كما في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن ليس للكلّ مثل هذه القدرة، فلا بدّ من اللطف بهم من قبل خالقهم، فيرسل لهم رسول كواسطة من أجل صلاحهم.

ولا بدّ من التنبيه على شيء مهم، وهو: أنّ العلم التجريبي في حال تطوّر مستمر، ولا يمكن لأيّ أحد أن يقطع بنتائجه على أنّها حقيقة ثابتة لا تتبدّل، وإنّما أكثر ما متداول هو نظريات قامت على نظريات أخر اندثرت، وسوف تأتي فوقها نظريات أخر، وهكذا.. ولذا لا يمكن الجزم بصحّة ما وصل إليه العلم بجزئية معيّنة على أنّه العلّة الحقيقية التامّة مثلاً اعتماداً على تفسير نظرية معيّنة، أو تجربة معيّنة أو استقراء ناقص كذلك..

فمثلاً لا يمكن للعقل أن يحكم بأنّ علّة تحريم لبس الذهب على الرجال هو أنّه يفكّك بعض الكريات الدموية لديهم.. نعم، له أن يحتمل ذلك، أو يعتقد لا أقل بأنّها جزء العلّة، والتي تسمّى بالفقه: الحكمة، ولذلك نقول: لعلّ سبب التحريم هو ما كشفه العلم، ولا يمكن القطع بذلك.

وإنّما العقل يحكم بوجوب الالتزام بهذا التشريع من جهة أُخرى، وهي: ثبوت مقدّمات قطعية، من إثبات التوحيد والربوبية لله، وأنّه العالم بمصالح البشر، ولطفه بهم بإرساله الرسول بالتشريعات حتّى يصل الإنسان إلى كماله, وأحد جزئيات هذه التشريعات الصادرة من الحكيم الواجب طاعته، هو: حرمة لبس الذهب، وأنّ العقل يحكم أنّ بعصيان هذا الأمر يستحقّ المكلّف العقاب.

وبجواب ثانٍ بعبارة أبسط:
قسّم العلماء الشريعة إلى قسمين: (أُصول الدين، أو الاعتقادات): والمطلوب فيها الاعتقاد والمعرفة عن طريق العقل، أو الجزم، ولا يكفي التقليد، و(فروع الدين، أو العمليات): وهي الوظائف الشرعية العملية للمكلّف، والتي لا يجب فيها المعرفة العقلية وإنّما يكفي فيها التقليد.
ونعتقد أنّ سؤالك ينصبّ على القسم الثاني, وقبل أن ندخل في الجواب لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحديث الذي ذكرت عن سيّد الشهداء(عليه السلام) لا علاقة له بالمقام، وإنّما له معنى آخر ليس هنا محلّه!

ولنبدأ بالكلام من حيث المثال الذي ضربت:
نعم، إنّي إذا عرفت أنّ هذا سمّ وأنّ السمّ قاتل فإنّي سأتجنّبه قطعاً, ولكن لا بدّ أن أُلاحظ أنّي لا أعرف كلّ السموم، ولا أعرف التمييز بين ما هو سمّ وغيره، بل لا أعرف ما هو مضرّ وغير مضرّ، وقد ميّز بين السموم، وذلك لقلّة باعي في مثل هذا التخصّص، أو لعدم القدرة العقلية لديّ، أو لأنّ الأمر يحتاج إلى وقت طويل من الدراسة لعدّة سنوات حتّى أتعرّف على كلّ السموم وأحصرها، بل لأنّ الأمر يحتاج إلى تراكم خبرات أجيال عديدة، كما هو الواقع. هذا لو أمكن فعلاً حصر كلّ السموم. (وهذا يوضّح لك كيفية ومدى قدرة العقل على المعرفة).

والآن إذا شخّصنا جوانب الموضوع, فلو أبتليتُ بعمل، أو مكان، لا بدّ فيه من التعامل بالسموم مثلاً، وأنا على جهلي بها، وكان هناك غيري مشفق علَيَّ يريد صلاحي ونجاتي، وهو عالم عارف محيط بالسموم، موثوق منه، قد دلّت الأدلّة على صدقه وعلمه من شهادة الشهود والتجربة والآثار التي تركها, بحيث أصبح عندي يقين بأنّه لا يوردني مورد التهلكة، بل هو حقّاً وصدقاً مشفق علَيَّ رحيم بِي, فإنّ عقلي لا بدّ أن يقول لي أن تأخذ بكلامه وتتبعه في ما يقول ويرشدني إليه في كيفية التحرك والتصرّف, بل إنّ كلّ العقلاء سيوافقوني عليه، بل يحثّوني على اتّباعه، بل هم أيضاً سيفعلون فعلي لو كانوا مكاني, ولا يرد إلى ذهن أيّ منهم الإشكال والتردّد في هذا الاتّباع لهذا العالم، وهذا التسليم والتعبّد بأوامره وإرشاداته, بعد أن شخّصوا الموضوع كما شخّصت.. (هذا يوضّح لك معنى التعبّد ولماذا).

ثمّ إنّ هذا الشخص سوف يعطيك التشخيص الصحيح والواقعي لكلّ سمّ، أو دواء، وأنت تأخذه من فمه مباشرة، أو عن طريق تلميذه المأمون؛ لأنّك ملازم لهذا التلميذ تستطيع الوصول إليه، وهو مأمون ثقة لا تشكّ فيه, ولكن الأمر لا ينحصر فيك؛ فإنّ هناك آخرين أيضاً سيبتلون بلائك نفسه (وبالأصحّ: نعمتك)، وهم غير معاصرين لهذا العالم، أو لتلميذه، بل سيأتون بعده بسنوات، وهم لا يعرفون أراء وعلم هذا العالم إلاّ عن طريق الكتب وإخبار المخبرين، ومن الطبيعي أنّه سينال هذه الأخبار الكثير من عدم الدقّة أو الإجمال أو الإرباك، نتيجة انتقالها من فم إلى فم عبر السنين الطوال. وقد كان هذا العالم مدركاً لهذا الأمر، وهو من رحمته ولطفه لا يستطيع أن يحرم هؤلاء الناس من هذا العلم والفائدة، فأخذ التدابير اللازمة لوصول علمه وتعاليمه إليهم، ووضع قواعد عامّة جعلها كطريقة لهؤلاء الناس القادمين عبر الزمن، من أجل أن يصلوا إلى علمه وتعاليمه التي تصبّ في مصلحتهم، وهذه القواعد تقلّل إلى الحدّ الممكن الطبيعي من نسبة الخطأ في وصول هذه التعاليم عبر السنين، وقال: إنّكم لو اتّبعتموها فإنّها ستوصلكم إلى تعاليمي بنسبة 80% مثلاً، وفي المحصلة الكلّية الشاملة سوف لا تخرجون عن المنهج الشامل الذي رسمت، وما أخطأتم فيه فإنّه لا يؤثّر ولا يضرّكم وأنتم معذورون فيه.

وجاء الناس بعد مئات السنين فقالوا: لنسمّي ما وصلنا من هذا الحكيم بالقطع واليقين: (الحكم الواقعي)، ولنسمّي ما يصلنا من خلال هذه القواعد: (الحكم الظاهري)، وأنّه لا بدّ أن يأتي يوم سيظهر تلميذ موثوق أمين صادق من تلاميذ هذا الحكيم، قد ادّخره لنا الحكيم لنجاتنا وإخبارنا بالتعاليم الحقيقية لهذا الحكيم بتمامها 100%.

نعم، إنّ هؤلاء الناس قد درسوا علم السموم عبر هذه السنين الطوال، ووصلوا إلى تشخيص بعضها، أو النزر القليل منها، ولو طال بهم الزمن أكثر لوصلوا إلى أكثر من ذلك, ولكن لا يمكن لهذه الأجيال التي مضت، أو التي ستأتي، أن تبقى تنتظر حتّى ذلك اليوم الذي ستتوصّل فيه البشرية إلى معرفة كلّ السموم، ولعلّ هذا اليوم سيطول كثيراً, وأمامها طريق مفتوح يوصل للحقيقة بنسبة 80% إذا كانوا غير معاصري للعالم، أو 100% إذا كانوا معاصرين لذلك العالم أو تلميذه, فإنّ العقل يحكم، ولا حريجة في حكمه، أنّ: التعبّد والتسليم لأقوال الحكيم وتلميذه، وتلميذ تلميذه، وهكذا، هو أنجح الطرق وأسلمها.
هذا المثل يا أخي! قرّبناه لك، فاستفد منه وقس عليه ما أشكل عليك.

وقبل الختام لا بدّ من الإشارة إلى بعض الأُمور تتمّة للجواب:
1- إنّ ما تطلق عليه: تعبّداً وتسليماً، ناظر إلى أخذنا بهذه الجزئيات وسلوكنا لها كلّ بانفرادها, أمّا لو أردنا الدقّة وأخذنا سلوكنا والتزامنا بهذه الجزئيات ككلّ شامل وبناء متكامل، فإنّه جاء عن طريق الدليل العقلي القاطع بثبوت وجود الخالق، وأنّه رؤوف بعباده، أرسل لهم من يعلّمهم ويهديهم، وأنّ النجاة باتّباعه في ما يفعل ويأمر، وهذا لا يمتّ إلى التعبّد بشيء، بل هو عين حكم العقل.

2- إنّ العلماء قسّموا العقل بحسب ما يتعلّق به إلى قسمين:
العقل النظري: وهو الحاكم في القضايا التي يجب أن تُعلم، مثل: اجتماع النقيضين محال.
والعقل العملي: وهو الحاكم في ما يجب أن يعمل، وأنّ فاعله يُمدح ويستحقّ الثواب، مثل: العدل حسن، والظلم قبيح.
وقالوا: إنّه لا قدرة للعقل النظري على الإحاطة بكلّ ما يتعلّق بالأشياء ويعرف عللها، والمصالح التي تدور عليها، بينما يمكن للعقل العملي أن يأمر بحسن فعل بعض الأفعال، وأنّ حكم الشارع سيوافق حكم العقل العملي؛ لأنّ مدار حكم العقل العملي هو: اتّفاق العقلاء، كاتّفاقهم بأنّ الإحسان حسن، والشارع من العقلاء، بل هو أعقلهم، فلا يخرج عنهم.

3- إنّ علماءنا أجمعوا على أنّ للأحكام الشرعية مصالح وملاكات هي المناط في حكم الحاكم, ولكن هذه المصالح لا يعلمها إلاّ من أحاط علمه بها، وهو: الخالق لكلّ شيء وخالقها, فلذا لا يمكن للإنسان بعقله النظري أن يعلم تمام العلل والمصالح للأحكام الشرعية حتّى يحكم بها، بل يتّبع ويتعبّد بما أمر به من أحكام من قبل العارف بمصالحها. نعم، يمكن له أن يعرف بعض العلّة والمصلحة (جزء العلّة)، وتسمّى: الحكمة، ولكنّها غير كافية للحكم الشرعي على طبقها, إلاّ إذا جاء خبر من العالم بعلل ومصالح الأحكام، بأن يقول: أنّ علّة الحكم الفلاني هذا الأمر، فيمكن أن نحكم بالحكم كلّما جاءت العلّة، كما في: ((الخمر حرام؛ لأنّه مسكر))، فنعرف بأنّ علّة حرمة الخمر هي إسكاره، فنحكم بحرمة كلّ شيء يسكر. نعم، يمكن أن نستفيد من أحكام العقل البديهية، أو النظرية القطعية، سواء في العقل النظري، أو العملي، في طريق استنباط الحكم الشرعي، وذلك لأنّ حكم العقل القطعي حجّة لا يمكن العمل على خلافه, والبحث في كلّ ذلك مفصلاً في كتب أُصول الفقه.

وفي الختام نرجو أن نكون قد استطعنا أن نوصل الجواب بأبسط فكرة وعبارة.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال