الاسئلة و الأجوبة » أبو طالب (عليه السلام) » آية عدم الاستغفار للمشركين لم تنزل في حقّه


ابراهيم عبد الله / السعودية
السؤال: آية عدم الاستغفار للمشركين لم تنزل في حقّه
هل صحيح أنّ آية: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ )) (التوبة:113) نزلت في أبي طالب؟
الجواب:

الاخ ابراهيم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يخفى عليكم: أنّ معاوية بن أبي سفيان أنفق الكثير من بيت مال المسلمين في سبيل تزوير الأحاديث، وتحريف الآيات النازلة في حقّ أهل البيت(عليهم السلام)، فوضع في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) وأبيه أبي طالب(عليه السلام) الأراجيف والتهم انتقاماً منهما.
ومن تلك التهم التي وضعها هي: أنّ أبا طالب(عليه السلام) مات مشركاً، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يستغفر لعمّه، فنزلت الآية الشريفة لتنهاه عن الاستغفار له، وذلك من خلال وضع الأحاديث المحرّفة في شأن نزول هذه الآية، والتي ترويها بعض كتب أهل السُنّة..
منها: ما جاء في (صحيح البخاري): ((عن ابن المسيّب، عن أبيه: إنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعنده أبو جهل، فقال: (أي عمّ، قل: لا إله إلاّ الله، كلمة أحاج لك بها عند الله).
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملّة عبد المطّلب. فلم يزالا يكلّمانه، حتّى قال آخر شيء كلّمهم به: على ملّة عبد المطّلب.
فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنه)، فنزلت: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا... )) ))(1).
وبهذا المضمون وردت روايات أُخرى بأسانيد مختلفة.
والجواب عن هذه الشبهة، تارة يقع عن الحديث، وأُخرى عن الآية.
أمّا الحديث، ففيه: إنّ رواته ورواة الأحاديث الأُخرى بين ضعيف ومجهول ومطعون به، فالروايات - إذاً - ضعيفة السند، خصوصاً وأنّ راويها سعيد بن المسيّب، الذي اختلف فيه اختلافاً كبيراً، بين التعديل والتجريح، ومن القادحين فيه ابن أبي الحديد في (نهج البلاغة)، إذ سلكه في عداد المنحرفين عن عليّ(عليه السلام)، وأنّ في قلبه شيئاً منه(2).
إذاً كيف نستطيع أن نأخذ حديثاً في قدح عليّ(عليه السلام) من شخص متّهم فيه؟
وإذا عرفنا أنّ سعيداً هو القائل: ((من مات محبّاً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد للعشرة بالجنّة، وترحّم على معاوية، كان حقيقاً على الله أن لا يناقشه الحساب))(3)، فحينئذ نعرف - بعدما أوضح موقفه من معاوية - قيمة هذا الحديث الذي وضعه في حقّ أبي طالب(عليه السلام).

وأمّا الآية، ففيها:
أولاً: تدلّنا رواية البخاري على أنّ الآية نزلت عند احتضار أبي طالب، ولكنّا إذا رجعنا إلى وقت نزولها وجدناها مدنية، فبين وفاة أبي طالب وبين نزول هذه الآية، ما يزيد على ثمانية أعوام.
فمجرى الحديث يدلّ على استمرار استغفار الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعمّه - وهو كذلك - ولم ينقطع إلاّ عند نزول هذه الآية: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ... )).
وهنا نتساءل: كيف جاز للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يستغفر لعمّه في الفترة التي بعد موته حتّى نزول هذه الآية؟ وكانت قد نزلت على الرسول آيات زاجرة تنهاه وتنهى المؤمنين أن يستغفروا للمشركين، قبل نزول هذه الآية بأمد طويل، من تلك الآيات قوله: (( لاَ تَجِدُ قَوماً يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءهُم ))(4) فهل يجوز للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يستغفر لعمّه، ولديه آيات ناهية وزاجرة عن الاستغفار للمشركين؟

ثانياً: هناك روايات وأقوال تنقض حديث البخاري وغيره في وجه نزول الآية، على سبيل المثال:
روي عن الإمام عليّ(عليه السلام) أنّه قال: (سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان.
فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟
فذكرت ذلك للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فنزلت الآية: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ ... تَبَرَّأَ مِنهُ )) (التوبة:113-114) )(5).
وفي رواية أُخرى: (وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم؟ فنزلت)(6).

ثالثاً: اختلف في تفسير الآية، فبعضهم قال: تحمل معنى النفي لا معنى النهي، أي: أنّ الآية تنفي عن الرسول أنّه كان يستغفر للمشركين، لا أنّها تنهاه عن الاستغفار.
إذاً كلّ من استغفر له الرسول فهو مؤمن ما دمنا نقرّ له بالنبوّة والعصمة والعمل الحقّ.

رابعاً: لو سلّّمنا بحديث البخاري، فإنّ قول أبي طالب: على ملّة عبد المطّلب، ليس سوى دليل على إيمانه، أليست ملّة عبد المطّلب هي الحنيفية، ففي الحقيقة آمن أبو طالب طبقاً لهذه الرواية، وأنّه أعلن عن إيمانه بطريق التورية، حتّى لا يشعر به الكفّار من قريش آنذاك.
والخلاصة: إنّ الآية لم تنزل بحقّ أبي طالب(عليه السلام)، وإنّه مات مؤمناً لا مشركاً.
ودمتم في رعاية الله

(1) صحيح البخاري 4: 247.
(2) شرح نهج البلاغة 4: 101 فصل في ذكر المنحرفين عن عليّ.
(3) تاريخ مدينة دمشق 59: 207 معاوية بن صخر أبي سفيان، البداية والنهاية لابن كثير 8: 148 ترجمة معاوية.
(4) المجادلة: 22، وقوله في سورة النساء: 139 و 144، وآل عمران: 28، والمنافقون: 6، وغيرها.
(5) الغدير 8: 12، مسند أحمد 1: 99 و 130 مسند عليّ بن أبي طالب، سنن الترمذي 4: 344 حديث (5099) سورة التوبة، سنن النسائي 4: 91 النهي عن الاستغفار للمشركين، المستدرك على الصحيحين 2: 335 سورة براءة و2: 552، فتح الباري 8: 391 باب إنّك لا تهدي من أحببت، مسند أبي يعلى 1: 457 حديث (619)، وغيرها.
(6) فتح الباري 8: 391 باب إنّك لا تهدي من أحببت، المحرّر الوجيز 3: 90 سورة التوبة، تفسير المحيط 5: 108.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال