الاسئلة و الأجوبة » الملائکة » العلة في توسيط الملائكة في التدبير


محرم البياتي / العراق
السؤال: العلة في توسيط الملائكة في التدبير
بسم الظاهر والباطن.
السلام على إخوتنا في الدين ونظرائنا في الخلق.
مطلقاً الله سبحانه، وتبارك جدّه، إلى ما يشاء قدير ــ وإنّما أمره كن فيكون ــ والأشياء قائمة به سبحانه ــ وهو مالك الملك والملكوت وهو لا يحتاج إلى ظهير ولم يتّخذ وزير.
السؤال: إذن ما هي العلّة في تسخير وتوكيل ملك السحاب والمطر، وخازن النار والجنّة، وملك الموت، والكرام الكاتبين، وبقيّة الملائكة الموكّلين بأمور الكون والوجود بصورة عامّة؟
وهل يمكن تصوّر الملائكة الموكّلين بإدارة هذه الشؤون (حقيقة أو تقريباً وتشبيهاً) بقوانين ونواميس القوى المستودعة منه سبحانه في علاقات مكونات الوجود؟
وما علاقة الملائكة الكرام بهذه القوى والقوانين الكونية؟
مع دعائنا لكم منه عزّ اسمه بالعافية في الدنيا والآخرة.
أرجو الافاضة في الإجابة ومع شكري وتقديري لكم
الجواب:
الأخ محرم البياتي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله سبحانه وتعالى مثل ما أثبت أنّ له القدرة على ايجاد الأشياء فقال: ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ))(يس (36): 82) من دون واسطة وبغير الأسباب والعلل الطبيعية، كذلك أثبت في غير ذلك أنّ هناك نظاماً وأسباباً، وأثبت لبعض الموجودات العلاقة مع تلك الأسباب، كما قال ذلك عن الملائكة، فقال تعالى: ((فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرا))(النازعات (79): 5).
ولرفع التعارض بين كون الله هو المدبّر الوحيد للأشياء، وكون هناك مدبّرات غيره كالملائكة مثلاً، ذكرت عدّة نظريات أرجحها أنّ جميع الأشياء غير الله التي نسب إليها التدبّير أو الخلق أو الغنى والقوّة أو الإماتة ونحو ذلك، إنّما هي مظاهر وتجلّيات وآيات لخالقية الله وتدبيره وآمريته وولايته سبحانه، وهذه النظرية ترفض بصراحة أن يكون لهذه الموجودات تدبير في عرض تدبير الله، لأنّ هذا من الشرك الجليّ، كما ترفض النظرية ذاتها أن يكون التدبير في طول تدبير الله على النحو الذي تنتهي مدبّرية الله سبحانه عند حدّ معين لتبدأ مدبّرية المخلوق، لأنّ هذا يرجع إلى الشرك الخفيّ وإلى افتراض محدودية الله جلّ جلاله.
ولكي تتّضح فكرة التجلّي والظهور والآيتيه نستعين بمثال يكثر استعماله في كلمات أهل المعرفة مستلهم من استدلالات أهل البيت(عليهم السلام)، ونعني به مثال الصورة التي تنعكس في المرأة، ففي مثال الصورة المرآتيه التي تعكس صاحبها من الواضح أنّ الصورة التي في المرآة غير صاحبها وهي ليست عينه، لكنّها في الوقت ذاته هي آية وعلامة دالّة على صاحبها وليست شيئاً بأزاء صاحب الصورة.
فيتبيّن بأنّ أفعال الخلق والإحياء والإماتة وغير ذلك ممّا ينسبه القرآن الكريم إلى الله ويحصره به ثمّ يعود نسبتها إلى مخلوقات أخرى إنّما هو على نحو الصورة المرآتيه، فهذه المخلوقات حيث ينسب إليها الخلق مثلاً فإنّما يكون بما هو مظهر لخالقيه الله جلّ جلاله وتجلّ لها، وبما هي آية لخالقيتة سبحانه ولولايته وقدرته ونحو ذلك، لا أنّ هذه المخلوقات تملك شيئاً قبال الله لا عرضاً ولا طولاً، فكلّ ما تملكه هذه المخلوقات وتمام ما يوجد لديها إنّما هو إرادة لما هو موجود لله سبحانه، فالمالك والقادر هو الله، وما عند غيره من عنده، فهو المالك كما ملكّك، والقادر على ما قدّرك.
ولا يستخدم القرآن في وصف هذه المخلوقات مصطلح المعلومات، بل يعبَر عنها بأنّها آيات وتجلّيات وظهورات لأسمائه الحسنى وصفاته العليا. فأيّما مخلوق من مخلوقات عالم الإمكان وجوداته هو تجلّ الاسم من أسمائه الحسنى سبحانه وهو يعكس آية من آياته.
وايضاح ذلك بالمثال: أنّ من أسماء الله سبحانه المحيي والمميت، فإذا ما جئنا إلى ملك الموت فإنّه مظهر لاسم الله المميت، حيث يظهر منه الفعل نفسه الذي يظهر من ذلك الاسم وذات الأثر الذي يرتب عليه, لكن لا بالمعنى الذي يفيد أنّ لملك الموت قدرة على الإماتة هي في عرض إماتة الله أو في طولها، كلا ملك الموت يفتقد لهذه القدرة على النحوين الطولي والعرضي، وما يبرز منه من فعل الإماتة إنّما هو مظهر إماتة الله سبحانه.
وقد ذكرنا في أوّل الكلام أنّ الله جلّ وعلا ينجز الأفعال بنحوين: إمّا مباشرة، أو بلا توسط شيء، وأخرى ينجزها بتوسط بعض مخلوقاته، وهذا هو دور الأسباب والوسائط في نظام عالم الإمكان, والوسائط والأسباب تؤدي دورها بإذن الله لكن لا على النحو الذي تكون فيه من عرض إرادة الله أو في طولها، بل على نحو الظهور والآية والتجلّي، فهي مظاهر وآيات وتجلّيات لله سبحانه، وهذه الموجودات هي مظهر لأسماء الله سبحانه وصفاته، فملك الموت هو مظهر لاسمه المميت، وعيسى بن مريم(عليه السلام) هو مظهر لاسمه المحيي، وهكذا.
ثمّ بعد هذا الفهم وبعد رفع التعارض لا داعي لانكار حقيقة الملائكة بعد ما ثبت وجودها بأدلّة كثيرة وصريحة، وأنّ صرف كلّ تلك الأدلّة إلى كون المراد من الملائكة فيها هي القوانين المودعة بين الموجودات تكلّفاً، وقد لا ينسجم مع الكثير من سياقات الكلام المذكور فيه.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال