الاسئلة و الأجوبة » النبي محمد (صلى الله عليه وآله) » آية (عبس وتولى)


عبد الله / الكويت
السؤال: آية (عبس وتولى)
فيمن نزلت الآية : (( عبس وتولى )) ؟
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد ذهب أبناء العامة في هذه القضية إلى أنها نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله) - العياذ بالله - واعتمدوا في ذلك على أحاديث يضعف سندها، لانها تنتهي الى من لم يدرك أحد منهم هذه القضية أصلاً، لانه إما كان حينها طفلاً أو لم يكن ولد.
وورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أنها نزلت في رجل من بني أمية.
والقرائن أيضا تدل على أنها بعيدة عن ساحة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك أن الآية تصف المعاتب بصفاتن منها أنه يتصدى للاغنياء لغناهم ويتلهى عن الفقراء لفقرهم، وهذه الصفات بعيدة عن سجايا نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ هو الذي وصفه الله بأنه (( بالمؤمنين رؤوف رحيم )) (التوبة: 128) .
وقال الله عن نبيه في سورة القلم التي نزلت قبل سورة عبس: (( وانك لعلى خلق عظيم )) (القلم:4)، فكيف يصدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الامر المنافي للأخلاق؟!! ولقد نزلت آية الانذار: (( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )) (الشعراء:215) قبل سورة عبس بسنتين فهل نسي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك؟! وإذا كان نسي فما الذي يؤمننا من أن لا يكون قد نسي غير ذلك أيضا ؟!! وفي قوله تعالى عن الرسول: (( ولقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة )) (الاحزاب:21).
ومن يتمعن هذه الآيات يجد أنها خبر محض ولم يصرَّح فيها بالمخبر عنه وقوله تعالى: (( وما يدريك )) (عبس:3) ليس الخطاب فيها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وانما هو التفات من الغيبة الى الخطاب مع العابس نفسه ، فالآية في ظاهرها لا تدل أنها فيمن نزلت وانما يفسرها لنا أهل البيت(عليهم السلام) وهم الثقل الثاني الذي به نعتصم من الضلال، فورد عنهم: أنها نزلت في رجل من بني أمية.
وعن الصادق (عليه السلام) قال : ان رسول الله كان اذا رأى ابن مكتوم وهو الرجل الاعمى الذي وفد على النبي يقول : (مرحباً مرحباً ، لا والله لا يعاتبني الله فيك أبدا).
وكان يريد الرسول بذلك التعريض بمن صدر منه ذلك في حق ابن أم مكتوم كأنّه يقول له : والله أنا لا اعاملك كما عاملك فلان .
فمدلول الآية يكون كالتالي :
(( عبس وتولى )) ذلك الرجل من بني أمية (( أن جاءه الأعمى * وما يدريك )) هذا التفات من الغيبة الى الخطاب مع العابس نفسه (( لعله يزّكى * او يذكر فتنفعه الذكرى * اما من استغنى فانت )) أيها العابس الغني (( له تصدى )) لاهداف دنيوية (( وما عليك )) أيها العابس (( الا يزكى )) على يد شخص أخر ممن هو في المجلس كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (( واما من جاءك يسعى وهو يخشى فانت )) ايها العابس (( عنه تلهى )) لاهداف دنيوية .
هذا، ولكن الأيدي غير الأمينة قد حرّفت هذا الموقف لتدافع عن بني أمية غفلة منها أن ذلك يكون سبب ليتشبث به المخالفون للاطاحة بمكانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
ودمتم في رعاية الله

حسين أحمد مطر / البحرين
تعليق على الجواب (1)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لدي سؤال وهو : انّ أهل السنة وعلمائهم يفسرون الآيات الأولى من سورة (عبس) في الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) , فيقولون : ان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي عبس بوجهه وولّى عن ابن أم مكتوم , إلى نهاية الحادثة التي يروونها .
أما مرادي من حضرتكم الغالية : هل جميع أهل السنة يقولون بهذا القول ؟ وإذا وجد من يقول بخلاف هذا القول الرجاء منكم ارشادي الى المصدر إن أمكن .
هذا ودمتم مسددين إن شاء الله لكل خير .
الجواب:
الأخ حسين أحمد مطر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن هناك جملة من كبار علماء السنة ومفسريهم , لا يسلّم أن خطاب (( عبس وتولى )) متوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) , لأنه ليس من صفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العبوسة , ومن هؤلاء :
1- الامام فخر الدين الرازي , المتوفى 606 هـ , في كتابه (عصمة الانبياء ص 137 ـ ط دار الكتب العلمية ـ بيروت) .
2- القاضي عياض اليحصبي , المتوفى 544 هـ , في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/161 ـ ط دار الفكر ـ بيروت) .
3- الزركشي , المتوفى 794 هـ , في كتابه (البرهان في علوم القرآن 2/242 ـ ط دار احياء الكتب العربية ـ القاهرة) .
4- الصالحي الشامي , المتوفى 942 هـ , في كتابه (سبل الهدى والرشاد 11/474 ـ ط دار الكتب العلمية ـ بيروت) .
ودمتم في رعاية الله

السيد يوسف البيومي / لبنان
تعليق على الجواب (2)
لقد قرأت جوابكم الكريم عن مسألة آية (( عبس وتولى )) , وقد دخلت في مناقشة مع أحد المشايخ السنة, وطلب مني شيئاً تفصيلاً عن الموضوع، فهل تستطيعون أن تساعدوني على هذا, ولكم الأجر والثواب
الجواب:
السيد يوسف البيومي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد بحث هذه المسألة بشكل مفصّل المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه (الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص) ج 3 ص 155) ننقل لكم نصّه :
ويذكر المؤرخون بعد قضية الغرانيق ، القضية التي نزلت لأجلها سورة عبس وتولى ، المكية ، والتي نزلت بعد سورة النجم .
وملخص هذه القضية : أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يتكلم مع بعض زعماء قريش ، ذوي الجاه والمال ، فجاءه عبد الله بن أم مكتوم ـ وكان أعمى ـ فجعل يستقرئ النبي (صلى الله عليه وآله) آية من القرآن ، قال : يا رسول الله ، علّمني مما علّمك الله .
فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعبس في وجهه وتولى ، وكره كلامه ، وأقبل على أولئك الذين كان (صلى الله عليه وآله) قد طمع في إسلامهم ، فأنزل الله تعالى : ((عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى ، وما يدريك لعله يزكى ، أو يذكر فتنفعه الذكرى ، أما من استغنى ، فأنت له تصدى ، وما عليك ألا يزكى ، وأما من جاءك يسعى ، وهو يخشى ، فأنت عنه تلهى )) (عبس:1 ـ 10) .
وفي رواية : أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كره مجيء ابن أم مكتوم وقال في نفسه : يقول هذا القرشي : إنما أتباعه العميان والسفلة ، والعبيد ، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم) إلخ .. ( وكأن ذلك الزعيم لم يكن يعلم بذلك !! وكأن قريشاً لم تكن قد صرحت بذلك وأعلنته !! ) .
وعن الحكم : ما رؤي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هذه الآية متصدياً لغني ، ولا معرضاً عن فقير .
وعن ابن زيد : لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتم شيئاً من الوحي ، كتم هذا عن نفسه .(راجع في هذه الروايات : مجمع البيان 10 / 437 ، والميزان عن المجمع ، وتفسير ابن كثير 4 / 470 عن الترمذي ، وأبي يعلى ، وحياة الصحابة 2 / 520 عنه ، وتفسير الطبري 30 / 33 ، والدر المنثور 6 / 314 ).
وأي تفسير قرآن آخر لغير الشيعة ؛ فإنك تجد فيه الروايات المختلفة التي تصب في هذا الاتجاه ، فراجع الأخير على سبيل المثال .
فابن زيد يؤكد بكلامه هذا على مدى قبح هذا الأمر ، وعلى مدى صراحة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتى إنه لم يكتم هذا الأمر ، رغم شدة قبحه وشناعته ! .
لقد أجمع المفسرون ، وأهل الحديث ، باستثناء شيعة أهل البيت (عليهم السلام) على أصل القضية المشار إليها .
ونحن نرى : أنها قضية مفتعلة ، لا يمكن أن تصح ، وذلك:
أولاً : لضعف أسانيدها ، لأنها تنتهي : إما إلى عائشة ، وأنس ، وابن عباس ، من الصحابة ، وهؤلاء لم يدرك أحد منهم هذه القضية أصلاً ، لأنه إما كان حينها طفلاً ، أو لم يكن ولد . (راجع : الهدى إلى دين المصطفى 1 / 158) . أو إلى أبي مالك - الظاهر أن المراد به أبا مالك الأشجعي ، المشهور بالرواية ، وتفسير القرآن ، وهو تابعي – والحكم ، وابن زيد ، والضحاك ، ومجاهد ، وقتادة ، وهؤلاء جميعاً من التابعين فالرواية مقطوعة ، لا تقوم بها حجة .
وثانياً : تناقض نصوصها (راجع : الهدى إلى دين المصطفى 1 / 158) حتى ما ورد منها عن راو واحد ، فعن عائشة في رواية : إنه كان عنده رجل من عظماء المشركين ، وفي أخرى عنها : عتبة وشيبة . وفي ثالثة عنها : في مجلس فيه ناس من وجوه قريش ، منهم أبو جهل ، وعتبة بن ربيعة . وفي رواية عن ابن عباس : إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يناجي عتبة ، وعمه العباس ، وأبا جهل . وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس : إنهم العباس ، وأمية بن خلف ، وصفوان بن أمية . وعن قتادة : أمية بن خلف . وفي أخرى عنه : أبي بن خلف . وعن مجاهد : صنديد من صناديد قريش ، وفي أخرى عنه : عتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف .
هذا ، عدا عن تناقض الروايات مع بعضها البعض في ذلك ، وفي نقل ما جرى ، وفي نص كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونص كلام ابن أم مكتوم .
ونحن نكتفي بهذا القدر ، ومن أراد المزيد فعليه بالمراجعة والمقارنة .
وثالثاً : إن ظاهر الآيات المدعى نزولها في هذه المناسبة هو أنه كان من عادة هذا الشخص وطبعه وسجيته وخلقه : أن يتصدى للغني ، ويهتم به ولو كان كافراً ويتلهى عن الفقير ولا يبالي به أن يتزكى ، ولو كان مسلماً .
وكلنا يعلم: أن هذا لم يكن من صفات وسجايا نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ولا من طبعه وخلقه .
كما أن العبوس في وجه الفقير ، والإعراض عنه ، لم يكن من صفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى مع أعدائه ، فكيف بالمؤمنين من أصحابه وأودائه ، (راجع : الهدى إلى دين المصطفى 1 / 158 ، والميزان 20 / 203 ، وتنزيه الأنبياء 119 ، ومجمع البيان 1 / 437 ). وهو الذي وصفه الله تعالى بأنه (( بالمؤمنين رؤوف رحيم )) (التوبة:128). بل لقد كان من عادته (صلى الله عليه وآله وسلم) مجالسة الفقراء ، والاهتمام بهم ، حتى ساء ذلك أهل الشرف والجاه ، وشق عليهم ، وطالبه الملأ من قريش بأن يبعد هؤلاء عنه ليتبعوه ، وأشار عليه عمر بطردهم ، فنزل قوله تعالى : (( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون جهه )) (راجع : الدر المنثور 3 / 12) .
ويظهر : أن الآية قد نزلت قبل الهجرة إلى الحبشة لوجود ابن مسعود في الرواية ، أو حين بلوغهم أمر الهدنة ، ورجوعهم إلى مكة .
ولكن يبقى إشكال أن ذكر عمر في هذا المقام في غير محله ، لأنه لم يكن قد أسلم حينئذ لأنه إنما أسلم قبل الهجرة إلى المدينة بيسير .
كما أن الله تعالى قد وصف نبيه في سورة القلم التي نزلت قبل سورة عبس وتولى بأنه على خلق عظيم ، فإذا كان كذلك ، فكيف يصدر عنه هذا الأمر المنافي للأخلاق ، والموجب للعتاب واللوم منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهل كان الله ـ والعياذ بالله ـ جاهلاً بحقيقة أخلاق نبيه ؟ أم أنه يعلم بذلك ، لكنه قال هذا لحكمة ولمصلحة اقتضت ذلك ؟ نعوذ بالله من الغواية ، عن طريق الحق والهداية .
ورابعاً : إن الله تعالى يقول في الآيات : (( وما عليك ألا يزكى )) ، وهذا لا يناسب أن يخاطب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنه مبعوث لدعوة الناس وتزكيتهم . وكيف لا يكون ذلك عليه ، مع أنه هو مهمته الأولى والأخيرة ، ولا شيء غيره ، ألم يقل الله تعالى : (( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )) (البقرة:129) . فكيف يغريه بترك الحرص على تزكية قومه (تنزيه الأنبياء 119) .
خامساً : لقد نزلت آية الإنذار : (( وأنذر عشيرتك الأقربين ، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )) (الشعراء:214 ـ 215) قبل سورة عبس بسنتين، فهل نسي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه مأمور بخفض الجناح لمن اتبعه ؟ وإذا كان نسي ، فما الذي يؤمننا من أن لا يكون قد نسي غير ذلك أيضاً؟ وإذا لم يكن قد نسي ، فلماذا يتعمد أن يعصي هذا الأمر الصريح ؟!
سادساً : إنه ليس في الآية ما يدل على أنها خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل الله سبحانه يخبر عن رجل ما أنه : ( عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى ) ثم التفت الله تعالى بالخطاب إلى ذلك العابس نفسه ، وخاطبه بقوله : (( وما يدريك لعله يزكى... )) إلخ .
سابعاً : لقد ذكر العلامة الطباطبائي : أن الملاك في التفضيل وعدمه ليس هو الغنى والفقر ، وإنما هو الأعمال الصالحة ، والسجايا الحسنة ، والفضائل الرفيعة ، وهذا حكم عقلي وجاء به الدين الحنيف ، فكيف جاز له (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخالف ذلك ، ويميز الكافر لما له من وجاهة على المؤمن ؟ (الميزان 20 / 303) .
والقول : بأنه إنما فعل ذلك لأنه يرجو إسلامه ، وعلى أمل أن يتقوى به الدين ، وهذا أمر حسن ، لأنه في طريق الدين ، وفي سبيله ، لا يصح ، لأنه يخالف صريح الآيات التي تنص على أن الذم له كان لأجل أنه يتصدى لذاك الغني لغناه ، ويتلهى عن الفقير لفقره ، ولو صح هذا ، فقد كان اللازم أن يفيض القرآن في مدحه وإطرائه على غيرته لدينه ، وتحمسه لرسالته ؛ فلماذا هذا الذم والتقريع إذن .
ونشير أخيراً : إلى أن البعض قد ذكر : أنه يمكن القول بأن الآية خطاب كلي مفادها : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا رأى فقيراً تأذى وأعرض عنه .
والجواب :
1- إن هذا يخالف القصة التي ذكروها من كونها قضية في واقعة واحدة لم تتكرر .
2- إذا كان المقصود هو الإعراض عن مطلق الفقير ؛ فلماذا جاء التنصيص على الأعمى ؟! .
3- هل صحيح أنه قد كان من عادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك ؟ !! .
المذنب رجل آخر :
فيتضح مما تقدم : أن المقصود بالآيات شخص آخر غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤيد ذلك : ما روي عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، أنه قال : (كان رسول الله إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال : مرحباً ، مرحباً ، والله لا يعاتبني الله فيك أبداً . وكان يصنع به من اللطف ، حتى يكف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما كان يفعل به) ( تفسير البرهان 4 / 428 ، وتفسير نور الثقلين 5 / 509 ، ومجمع البيان 10 / 437) .
فهذه الرواية تشير إلى أن الله تعالى لم يعاتب نبيه في شأن ابن أم مكتوم ، بل فيها تعريض بذلك الرجل الذي ارتكب في حق ابن أم مكتوم تلك المخالفة ، إن لم نقل : إنه يستفاد من الرواية نفي قاطع حتى لإمكان صدور مثل ذلك عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بحيث يستحق العتاب والتوبيخ ؛ إذ لا معنى لهذا النفي لو كان الله تعالى قد عاتبه فعلاً .
هذا، ولكن الأيدي غير الأمينة قد حرفت هذه الكلمة ؛ فادعت أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول : (مرحبا بمن عاتبني فيه ربي)!! . فلتراجع كتب التفسير ، كالدر المنثور وغيره . والصحيح هو ما تقدم .
سؤال وجوابه :
ولعلك تقول : إنه إذا كان المقصود بالآيات شخصاً آخر ؛ فما معنى قوله تعالى : (( فأنت له تصدى ))، وقوله : (( فأنت عنه تلهى )) فإن ظاهره : أن هذا التصدي والتلهي من قبل من يهمه هذا الدين ؛ فيتصدى لهذا ، ويتلهى عن ذاك؟
فالجواب : أنه ليس في الآيات ما يدل على أن التصدي كان لأجل الدعوة إلى الله أو لغيرها . فلعل التصدي كان لأهداف أخرى دنيوية ، ككسب الصداقة ، أو الجاه ، أو نحو ذلك . وقوله تعالى : (( لعله يزكى )) ليس فيه أنه يزكى على يد المخاطب ، بل هو أعم من ذلك ، فيشمل التزكي على يد غيره ممن هم في المجلس ، كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيره .
ثم لنفرض : أنه كان التصدي لأجل الدعوة ، فإن ذلك ليس محصوراً به (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فهم يقولون : إن غيره كان يتصدى لذلك أيضاً ، وأسلم البعض على يديه ، لو صح ذلك ! .
الرواية الصحيحة :
وبعد ما تقدم ، فإن الظاهر هو أن الرواية الصحيحة ، هي ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فجاءه ابن أم مكتوم .
فلما جاءه تقذر منه ، وعبس في وجهه ، وجمع نفسه ، وأعرض بوجهه عنه ، فحكى الله سبحانه ذلك عنه ، وأنكره عليه) (مجمع البيان 10 / 437 ، وتفسير البرهان 4 / 428 ، وتفسير نور الثقلين 5 / 509) .
ويلاحظ : أن الخطاب في الآيات لم يوجه أولاً إلى ذلك الرجل ؛ بل تكلم الله سبحانه عنه بصورة الحكاية عن الغائب : إنه عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى . ثم التفت إليه بالخطاب ، فقال له مباشرة : وما يدريك . ويمكن أن يكون الخطاب في الآيات أولاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، من باب : إياك أعني واسمعي يا جارة ، والأول أقرب ، وألطف ذوقاً .
إتهام عثمان :
وبعض الرويات تتهم عثمان بهذه القضية ، وأنه هو الذي جرى له ذلك مع ابن أم مكتوم (تفسير القمي 2 / 405 ، وتفسير البرهان 4 / 427 ، وتفسير نور الثقلين 5 / 508) . ولكننا نشك في هذا الأمر ، لأن عثمان قد هاجر إلى الحبشة مع من هاجر فمن أين جاء عثمان إلى مكة ، وجرى منه ما جرى ؟! .
إلا أن يقال : إنهم يقولون : إن أكثر من ثلاثين رجلاً قد عادوا إلى مكة بعد شهرين من هجرتهم كما تقدم ، وكان عثمان منهم ثم عاد إلى الحبشة (سيرة ابن هشام 2 / 3) .
وعلى كل حال ، فإن أمر اتهام عثمان - ونحن نجد في عثمان بعض الصفات التي تنسجم مع مدلول الآية ، كما يشهد له قضيته مع عمار حين بناء المسجد في المدينة - أو غيره من بني أمية ، لأهون بكثير من اتهام النبي المعصوم ، الذي لا يمكن أن يصدر منه أمر كهذا على الإطلاق ، وإن كان يهون على البعض اتهام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها أو بغيرها ، شريطة أن تبقى ساحة قدس غيره منزهة وبريئة !! .
تاريخ هذه القضية :
ونسجل أخيراً : تحفظاً على ذكر المؤرخين لرواية ابن مكتوم ونزول سورة عبس ، بعد قضية الغرانيق ؛ فإن الظاهر هو أن هذه القضية قد حصلت قبل الهجرة إلى الحبشة لأن عثمان كان قد هاجر إلى الحبشة قبل قضية الغرانيق بشهرين كما يقولون ، إلا أن يكون عثمان قد عاد إلى مكة مع من عاد بعد أن سمعوا بقضية الغرانيق كما يدعون .
أعداء الإسلام وهذه القضية :
ومما تجدر الإشارة إليه هنا : أن بعض المسيحيين الحاقدين قد حاول أن يتخذ من قضية عبس وتولى وسيلة للطعن في قدسية نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) (راجع : الهدى إلى دين المصطفى 1 / 158 ) ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .
فها نحن قد أثبتنا : أنها أكاذيب وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان .
ودمتم في رعاية الله

جاسم علي / الكويت
تعليق على الجواب (3)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أرجوا من كرمكم أن تبينوا المصادر الضعيفة حول موضوع ( عبس وتولى ) ومع الأدلة الصحيحة غير القرآن إن أمكن .
وشكرا .
الجواب:
الأخ جاسم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك بيانات وافية حول علّة ضعف الروايات الواردة في تفسير هذه الآية بالنبي (صلى الله عليه وآله) وابن أم مكتوم.. ويمكنكم للإطلاع على مظان الروايات المشار إليها في الجواب أعلاه مراجعة كتاب (فتح الباري ـ لأبن حجر 15: 37)، و(تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي 4: 155) أو بالعودة إلى المصادر الأم وهي (سنن الترمذي 5: 103، المستدرك للحاكم 2: 514، 3: 634، صحيح أبن حبان 2: 294، مسند أبي يعلى 5: 431، المعجم الأوسط 9: 155، المعجم الكبير 8: 224).
ودمتم في رعاية الله

ياسر / مصر
تعليق على الجواب (4)
اللهم صل على محمد وال محمد
اود ان اعرف هل هناك ايات اخرى فى كتاب الله تشابه هذه الايات ويوجه فيها الله خطابه الى شخص اخر غير النبى بهذه الطريقة؟
وهل هناك من علمائنا من يرى ان الايات نزلت فى النبى الاعظم ام هناك اجماعا على نزولها فى غير النبى.؟
ودمتم فى رعاية الله
الجواب:
الأخ ياسر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إننا لا نسلّم بأن آية (عبس وتولى) يراد بها النبي (صلى الله عليه وآله)  كما يوحي إليه سؤالك وقولك (بهذه الطريقة) ... فالآية منذ البدء  لم تكن نازلة بحق النبي (صلى الله عليه وآله) حتى نأتيك بآية شبيهة لها.
نعم, قد وردت آيات كثيرة في القرآن على طريقة (إياك أعني واسمعي يا جارة) مثل قوله تعالى: (( وَلَقَد أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكَ لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ )) (الزمر:65), مع علم المولى سبحانه ان نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله) لا يشرك ولن يشرك لمحل العصمة عنده.
وأما سؤالك الثاني فنرجو مراجعة موقعنا على الإنترنيت وتحت العنوان: (الأسئلة العقائدية/حرف النون/ النبي محمد(ص)/ السؤال الخاص بآية عبس وتولى).
ودمتم في رعاية الله

احمد محمد / الامارات
تعليق على الجواب (5)
ولكن لعلّ لسائل أن يسأل: كيف ينزل الله ما يقارب ثمان آيات يخاطب فيها شخص غير رسول الله بقوله (( فأنت له تصدى ))، و (( فأنت عنه تلهى )).. وغيرها من الآيات التي تستعمل ضمير المخاطب؟
هل القرآن منزّل على الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلّم) أم على عثمان؟
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- انّه لا غرابة في أن يخاطب الله تعالى شخصاً غير رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بثمان آيات أو أكثر. فلطالما تكون الآيات الكريمة في صدد الإرشاد الى الصواب والخير فما المانع من ذلك.
2- انّ من أوضح الواضحات نزول القرآن الكريم على النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم). ولا غرابة في أن يخاطب القرآن الكريم عثمان أو غيره.

أما سمعت قوله تعالى: (( كَيفَ تَكفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُم أَموَاتًا فَأَحيَاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُحيِيكُم ... )) (البقرة:28), (( فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ )) (يونس:35), (( مَا لَكُم إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدُّنيَا... )) (التوبة:38), (( وَكَيفَ تَكفُرُونَ وَأَنتُم تُتلَى عَلَيكُم آيَاتُ اللَّهِ...)) (آل عمران:101), (( فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُم تَكفُرُونَ )) (آل عمران:106), (( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ * اصلَوهَا اليَومَ بِمَا ... )) (يس:63-64).
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال