الاسئلة و الأجوبة » الإمامة العامّة(المفهوم) » إشكالات على الأدلة العقلية والنقلية للإمامة والرد عليها


ام محمد / مصر
السؤال: إشكالات على الأدلة العقلية والنقلية للإمامة والرد عليها

لقد ارسل أخ لي هذة الرسالة لاثنائي عما وصلت اليه حول مذهب اهل البيت وأنا عندي الرد على بعض نقاطها وتحيرت في البعض الآخر وأريد أن يهديه الله معي للحق ولذلك أسألكم رداً وافياً في أقرب وقت ولكم الشكر

*************************

استدلّ الشيعة الإمامية بالأدلّة العقلية والنقلية على إثبات الإمامة، ونورد في ما يلي هذه الأدلّة:

الجزء الأوّل: الأدلّة العقلية:
أوّلاً: قالوا: إنّ اللطف واجب على الله تعالى, وتنصيب الإمام لطف؛ فيجب على الله تعالى.
ثانياً: إنّ الإمام يجب أن يكون حافظاً للشرع، عالماً بجميع أحكام الله المودعة في كتابه؛ لانقطاع الوحي بموت الرسول - (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وقصور ما يفهم الناس من الكتاب والسُنّة عن جميع الأحكام.
ثالثاً: إنّ فعل الأصلح واجب على الله تعالى، ووجود الإمام أصلح للعباد، فلا يتمّ انتظام أمر العباد في المعاش والمعاد والدين والدنيا إلاّ بنصب الإمام.
رابعاً: إنّ مرتبة الإمامة كالنبوّة، وكما لا يجوز للناس اختيار نبيّ، فلا يجوز لهم اختيار إمام ولا تعيينه؛ لأنّهم قاصرون عن معرفة ما يصلح به حالهم.
خامساً: كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا سافر عيّن على المدينة خليفة، فلا يجوز له أن يرحل عن الدنيا من غير أن يعيّن إماماً يرجع إليه الناس في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية.

مناقشة الأدلّة العقلية للشيعة والردّ عليها:
أوّلاً: يلاحظ أنّ أدلّة الشيعة الإمامية تقوم على وجوب اللطف على الله تعالى ووجوب بعثة الرسل، وقياس الإمامة على النبوّة.
وهذه الأدلّة تُبنى على أُصول المعتزلة في وجوب اللطف على الله تعالى, وهنا نقول لهم: هل قولكم: ((وجوب اللطف على الله تعالى))، أوجبه الناس على الله تعالى؟
فإن قالوا: نعم. فهذا هو الكفر والعياذ بالله, ولا شكّ أنّ هذا باطل لا ريب؛ لأنّ الله تعالى يقول: (( وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ )) (القصص:68), و(( فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ )) (هود:107)، فالله هو الربّ الخالق المالك المحمود، الذي له التصرّف المطلق في ما شاء من مخلوقاته.
وإن قالوا: بأنّ ((وجوب اللطف على الله)) هو: ما أوجبه الله على نفسه, وتنصيب الإمام لطف، فيجب على الله تعالى.
فنقول لهم: فأين الدليل على ذلك؟ وأدلّة الشيعة الإمامية في إثبات الإمامة كلّها دون المتشابه, وغير صالحة للاستدلال البتة, بل إنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ (محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم))، بل إنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وذلك لأنّ الشيعة الإمامية اعتبروا الإمامة من أُصول الدين، والتي تفوق مرتبتها مرتبة النبوّة, وصرّحوا بكفر منكرها..
وصرّح بذلك أكبر مرجع من مراجع الشيعة الإمامية في هذا العصر، وهو: أبو القاسم الخوئي؛ إذ نصّ صراحة على هذا الأمر، فقال: ((ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين, ووجوب البراءة منهم, وإكثار السبّ عليهم واتّهامهم, والوقيعة فيهم - أي غيبتهم - لأنّهم من أهل البدع والريب, بل لا شبهة في كفرهم, لأنّ إنكار الولاية والأئمّة، حتّى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم يوجب الكفر والزندقة, وتدلّ عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية)).
ويقول العلاّمة الحلّي: ((الإمامة لطف عامّ، والنبوّة لطف خاص، لإمكان خلوّ الزمان من نبيّ حيّ بخلاف الإمام؛ لما سيأتي، وإنكار اللطف العامّ شرّ من إنكار اللطف الخاص، وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة أصلاً ورأساً وهو شرّهم)).
ويقول يوسف البحراني: ((وليت شعري! أيّ فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله، وبين من كفر بالأئمّة(عليهم السلام)، مع ثبوت كون الإمامة من أُصول الدين؟!)).
ويقول الفيض الكاشاني: ((ومن جحد إمامة أحدهم - أي: الأئمّة الاثني عشر - فهو بمنزلة من جحد نبوّة جميع الأنبياء(عليهم السلام))).
ويقول المجلسي: ((اعلم أنّ إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من ولده(عليهم السلام)، وفضّل عليهم غيرهم، يدلّ أنّهم مخلدون في النار)).
قلت: أيّ لطف في هذه الإمامة التي تكفّر المسلمين, بل هي النقمة والبلاء؟ والله المستعان!!
ثانياً: لا توجد أيّ مصلحة دينية أو دنيوية في الإمامة بعد إكمال الله دينه وإتمام نعمته ببعثة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم):
لا توجد أي مصلحة دينية أو دنيوية من الاعتقاد بالإمامة؛ فالدين قد حفظه الله, وأُصول الدين مذكورة صراحة في القرآن الكريم. وأمّا فروعه فقد تكفّلت السُنّة النبوية بها, والله يقول في كتابه: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إنّه لم يكن نبيّ قبلي إلاّ كان حقّاً عليه أن يدلّ أُمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم).
ثالثاً: قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين:
إمامهم مجهول أو معدوم، فكيف يكون هذا الإمام لطفاً في مصالح دينهم ودنياهم ولا أثر ولا يسمع له حسّ ولا خبر؟ فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء، وأي من فرض إماماً نافعاً في بعض مصالح الدين والدنيا.
قال ابن تيمية: ((إنّ الإمام لطف وهو غائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلاً مع الغيبة وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفاً في الدين، وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم... لو كان اللطف حاصلاً في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن يستغنوا عن ظهوره ويتّبعوه إلى أن يموتوا، وهذا خلاف ما يذهبون إليه... وأمّا الغائب فلم يحصل به شيء، فإنّ المعترف بوجوده إذا عرف أنّه غاب من أكثر من أربعمئة سنة وستّين سنة، وأنّه خائف لا يمكنه الظهور فضلاً عن إقامة الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحداً ولا ينهاه، لم يزل الهرج والفساد بهذا)).
رابعاً: إلغاء دور النبيّ:
القول بالإمامة وأنّ الإمام له حقّ التشريع بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يناقض كتاب الله وسُنّة نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل يلغي دور النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), لذلك نجدهم يغفلون عن ذكر أحاديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويهتمون بروايات جعفر والباقر وبعض الأئمّة، ممّا أدّى إلى انتفاء وتعطيل وإلغاء دور النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأصبح جعفر الصادق هو البديل عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم). والله المستعان.
خامساً: يقولون بأنّ حبّ عليّ حسنة لا يضرّ معها سيئة؛ وإن كانت السيئات لا تضرّ مع حبّ عليّ فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هو لطف في التكليف؛ فإنه إذا لم يوجد إنّما توجد سيئات ومعاص، فإن كان حبّ عليّ كافياً، فسواء وجد الإمام أو لم يوجد.
سادساً: الواقع يخالف ما ذكروه:
قال ابن تيمية: ((ومن المعلوم بالضرورة أنّ حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة عليّ زمن القتال والفتنة والافتراق)).

الجزء الثاني: أدلّة الشيعة القرآنية على الإمامة:
استدلّ الشيعة الإمامية على وجوب تنصيب الإمام بآيات كثيرة من القرآن، ونورد في ما يلي أهمّها:

الآية الأُولى: قال تعالى: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7).
قالوا: إنّ الله عزّ وجلّ جعل لكلّ قوم إماماً ينصبه الله تعالى، كما روى الطبري في تفسيره عن ابن عبّاس(رضي الله عنهما): ((لمّا نزلت هذه الآية، وضع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يده على صدره، وقال: (أنا المنذر ولكلّ قوم هاد، ثمّ أومأ بيده إلى منكب عليّ، فقال: أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي) )).

الردّ:
أوّلاً: السند ضعيف ولا تقوم به حجّة، وقد ضعّفه الشيخ أحمد شاكر، فقال: ((في سنده الحسن بن الحسين الأنصاري العرني، كان من رؤوس الشيعة، ليس بصدوق ولا تقوم به حجّة، وقال ابن حبّان: يأتي عن الإثبات بالملزقات ويروي المقلوبات والمناكير، ومعاذ بن مسلم: مجهول، هكذا قال ابن أبي حاتم: وهذا خبر هالك من نواحيه)).
ثانياً: تفسير الآية كما يقول الآلوسي: (( (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ )) مرسل للإنذار من سوء عاقبة ما نهى الله تعالى عنه، كدأب من قبلك من الرسل، وليس عليك إلاّ الإتيان بما يعلم به نبوّتك، وقد حصل بما لا مزيد عليه ولا حاجة إلى إلزامهم وإلقامهم الحجر بالإتيان بما اقترحوه (( وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) )).
وقد بيّن الإمام الآلوسي ضعف هذه الروايات.
ثالثاً: لو سلّمنا جدلاً بصحّة هذه الرواية، فإنّها لا تدلّ على إمامة عليّ(رضي الله عنه) ونفيها عن غيره أصلاً؛ لأنّ كون أن يكون الرجل هادياً لا يستلزم أن يكون إماماً ولا نفي الهداية عن الغير, وإن دلّ بمجرّد الهداية على الإمامة تكون الإمامة المصطلحة لأهل السُنّة، وهي بمعنى القدوة في الدين, ومراده في غير محلّ النزاع, قال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )) (السجدة:24)، وقال (( وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ )) (آل عمران:104).

الآية الثانية: قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
قالوا: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بالإجماع لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع يصلّي, فصيّر الله نعمته عليه وبلّغه الإمامة.

الردّ:
أوّلاً: لا تثبت هذه الروايات عن أحد من آل البيت بسند صحيح حسب شروط الشيعة الإمامية الاثني عشرية في الحديث الصحيح, وقد جمع هذه الطرق وبيّن ضعفها الأخ الفاضل فيصل نور في كتابه (الإمامة والنص).
ثانياً: لا يثبت في هذه القصّة سند صحيح عند أهل السُنّة والجماعة، وكلّ طرقها ضعيفة، ورجالها مجهولون؛ قال ابن كثير(رحمه الله): ((ليس يصحّ منها بالكلّية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها)).
ثالثاً: أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ, وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، قال ابن تيمية: ((وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى، أنّ هذه الآية نزلت في حقّ عليّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة, وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل)).
رابعاً: ينقل الشيعة الإمامية هذه الأحاديث من (تفسير الثعلبي), وأجمع أهل العلم بالحديث أنّ الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة, وهو حاطب ليل، كما وصفه ابن تيمية وغيره؛ قال الدهلوي: ((وأمّا القول بنزولها في حقّ عليّ بن أبي طالب، ورواية قصّة السائل وتصدّقه بالخاتم عليه في حالة الركوع، فإنّما هو للثعلبي فقط، وهو متفرّد به، ولا يعدّ المحدّثون من أهل السُنّة روايات الثعلبي قدر شعيرة, ولقّبوه: حاطب ليل؛ فإنّه لا يميّز الرطب من اليابس, وأكثر رواياته عن الكلبي، عن أبي صالح, وهو من أوهى ما يروى في التفسير عندهم)).
خامساً: نطلب من الشيعة الإمامية أن ينقلوا لنا إسناداً واحداً صحيحاً فقط لهذه القصّة, وجمهور أهل الأُمّة لم تسمع هذا الخبر، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة، لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات، ولا شيء من الأُمّهات.
سادساً: قوله تعالى: (( الَّذِينَ )) صيغة جمع، فلا يصدق على عليّ(رضي الله عنه) وحده, وإن كان يمكن أن يذكر الجمع ويراد به المفرد, إلاّ أنّ الأصل أنّه إذا أُطلق الجمع أُريد به الجمع إلاّ بقرينة، ولا قرينة هنا.
سابعاً: إنّ الله لا يثني على الإنسان إلاّ بما هو محمود عنده: إمّا واجب، وإمّا مستحبّ, والصدقة والعتق والهدية والهبة وغير ذلك ليست واجبة، بل ولا مستحبّة في الصلاة، باتّفاق المسلمين.
ثامناً: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ ذلك يبطل الصلاة، وبذلك يعلم أنّ التصدّق في الصلاة ليس من الأعمال الصالحة, وإعطاء السائل لا يفوت, فيمكن للمتصدّق إذا سلّم أن يعطيه وإن في الصلاة لشغلاً، وعليّ(رضي الله عنه) غنيّ عن مدح الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فهم يذمونه في حقيقة الأمر، والله تبارك وتعالى يقول: (( قَد أَفلَحَ المُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُم فِي صَلاَتِهِم خَاشِعُونَ )) (المؤمنون:1-2)، فكيف نرضى لعليّ وهو من رؤوس الخاشعين وأئمّتهم أن يتصدّق وهو يصلّي ولا يخشع في صلاته.
تاسعاً: ثمّ لو قدّر أنّ هذا مشروع في الصلاة, لم يختص بالركوع, بل يكون في القيام والقعود أولى منه في الركوع, فكيف يقال: لا وليّ لكم إلاّ الذين يتصدّقون في كلّ ركوع, فلو تصدّق في حال القيام والقعود أما كان يستحقّ هذه الموالاة؟!
عاشراً: عليّ(رضي الله عنه) لم يكن ممّن تجب عليه الزكاة, على عهد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فإنّه كان فقيراً, وكان مهر فاطمة من عليّ درعاً فقط, لم يمهرها مالاً؛ لأنّه لم يكن له مال, ومثل عليّ لا تجب عليه الزكاة.
الحادي عشر: إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزئ عند كثير من أهل العلم, إلاّ إذا قيل: بوجوب الزكاة في الحليّ, وقيل: إنّه يخرج من جنس الحليّ, ومن جوّز ذلك بالقيمة, فالتقويم في الصلاة متعذّر.
الثاني عشر: إنّ هذا الحديث فيه إعطاء السائل, والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل, فالأفضل أن يبادر المرء بدفع الزكاة، لا أن يجلس في بيته وزكاته عنده حتّى ينتظر الناس يطرقوا بابه ثمّ يعطيهم الزكاة.
الثالث عشر: إنّ هذه الآية بمنزلة قوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ )) (البقرة:43)، وهو أمر بالركوع, وإشارة إلى إقامتها في الجماعة)).

*************************

الجواب:

الأخت ام محمد المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نجيب على الأخ بما يلي:
إنّ ما ذكرته من الأدلّة فيها بعض الخلط بين دليل العقل ودليل السمع؛ فالثاني يدخل في دليل السمع، كما أنّ الثالث يرجع إلى دليل اللّطف، والرابع والخامس دليل على وجوب النصب للإمام.
ثمّ إنّ اعتراضك على الإمامة في النقطة الأُولى من الأدلّة العقلية جاء من خلال عدّة إشكالات طرحتها، وهي:
1- لا يوجد دليل صريح أو محكم يثبت الإمامة وينصب الإمام.
2- الادّعاء أنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
3- أنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وللإجابة على ذلك نقول:
1- إنّ الأدلّة التي نذكرها لوجوب الإمامة وتنصيب الأئمّة كثيرة، منها ما ذكرته أنت بغضّ النظر عن الخلط الواقع فيها، وعمدة الأدلّة على وجوب الإمامة هو دليل اللّطف.
وإذا صار على الله للطفه الذي هو مقتضى حكمته وجوب تنصيب الإمام وبيّن سبحانه مراده بالآيات وبيّنه رسوله بالروايات بالإضافة إلى حكم العقل بذلك, لكن بعض المعاندين يرفض الإذعان للأدلّة الدامغة والصريحة، فلا يقال على الله: أنّه لم يبيّن مراده في الإمامة، وأنّه لم يلطف بعبادة, بل يقال لأُولئك المعاندين: إنّكم لا تريدون الإذعان بذلك، ولو جئنا لكم بألف دليل على الإمامة، لرفضتم ذلك ولرددتم اللّطف الذي فيها، فالمشكل فيكم لا في البيان ولا في المبيّن.

وأمّا دليل وجوب اللّطف، فلأنّ مقتضى حكمته تعالى أن يهيئ لعباده وسائل الطاعة ويصرفهم عن وسائل الفساد؛ إذ كانوا لا يصلون إلى كمالهم من دونها عادةً، وقد بحثه العدلية (المعتزلة والإمامية) في مظانّه من كتبهم الكلامية، وليس هنا متّسع لذكر مسائله وإدراج أدلّته، خاصّة وأنّك لم تذكر منها شيئاً ولم تناقشها ولم يظهر من عباراتك إنكار وجوبه إلاّ قولك: إنّه من أُصول المعتزلة، وهو ليس بردّ.. وما ناقشت إلاّ في معنى الوجوب على الله، وقد بيّناه.

وأمّا دليل كون الإمامة لطف، فهو: لمّا تقرّر في العقول من جريان العادة في صلاح الناس واتساق أُمورهم ومعاشهم على رئيس مبسوط اليد يحكمهم ويسوسهم، ويدعوهم إلى الصلاح والطاعات، وإنّهم متى ما فقدوا هذا الرئيس كانوا أقرب إلى الفساد، واختلّت أُمورهم ومعاشهم، ولعلا بعضهم على بعض، يأكل القوي منهم الضعيف، وانهمكوا في المعاصي والملذّات.
هذا، وإنّ تشقيقك الإشكال على (وجوب اللّطف على الله) بشقين، فيه خلط بين منهج الأشاعرة ومنهج المعتزلة؛ فإنّ سؤالك بـ((هل قولكم: (وجوب اللّطف على الله)، أوجبه الناس على الله تعالى؟)) مأخوذ من الأشاعرة؛ إذ لم يفهموا المراد من: (وجوب اللّطف على الله)، الذي يقول به العدلية، فسألوا هذا السؤال الساذج!!

وأمّا سؤالك في الشق الثاني بقولك: ((فنقول لهم: فأين الدليل على ذلك؟))، بعد أن قلت: ((وإن قالوا: بأنّ (وجوب اللطف على الله) هو ما أوجبه الله على نفسه, وتنصيب الإمام لطف، فيجب على الله تعالى))، فهو متّسق مع منهج المعتزلة، ولكن فيه تسليم بوجوب اللطف، ثمّ المطالبة بالدليل على كون الغمامة لطف.
فإنّك بين أمرين: أمّا أن تنكر وجوب اللطف كالأشاعرة، فلا مجال للشق الثاني من السؤال، وأمّا أن تقرّ بوجوب اللطف كمنهج المعتزلة، فلا مجال للشق الأوّل من السؤال.. وأمّا الخلط بينهما وجعلهما شقّين على نحو التقسيم الثنائي، فإنّه خلط في المنهج العلمي، ويعكس عدم القدرة على ترتيب المقدّمات العقلية بصورة صحيحة.

ثمّ إنّ المطالبة بالدليل على تنصيب الإمام في الشق الثاني والادّعاء بأنّ أدلّة الشيعة على الإمامة كلّها متشابهة، يستدعي التسليم وعدم المناقشة في وجوب اللّطف في عالم الثبوت والواقع، وهو تسليم بالدليل العقلي الذي يقوله الشيعة من حيث لا تشعر؛ لأنّ المطالبة بالدليل في عالم الإثبات بعد الادّعاء بعدم وجوده لا يصح إلاّ بعد تسليم الإمكان العقلي في عالم الثبوت؛ لأنّ عالم الإثبات متأخّر رتبة عن عالم الثبوت؛ فلاحظ!
وقد أجبنا في عنوان (الإمامة) على كثير من الأسئلة المتّصلة بالإمامة, ومنها الأدلّة على إثبات الإمامة وتنصيب الأئمّة؛ فراجع!
وكذلك أشرنا إلى الكثير من الكتب المشحونة بالأدلّة العقلية والنقلية لإثبات الإمامة، ولا يسعنا في هذا المختصر أن نذكر لك كلّ تلك الأدلّة، وحتّى لو ذكرناها فسيظل بعض المشكّكين لا يذعنون، ولا كلام لنا معهم.

2- لعلّك تشير بقولك: إنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قوله تعالى: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3).

لكن هذه الآية القرآنية نفسها تعطي دليلاً على إثبات الإمامة، لا كما تريد إثباته من عدم الدليل على الإمامة؛ فالآية نازلة في يوم الغدير، كما أوضح ذلك كلّ من:
1- الحافظ محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة (310هـ)، روى في كتاب (الولاية) بإسناده عن زيد بن أرقم نزول الآية يوم الغدير.
2- الحافظ ابن مردويه الأصفهاني، المتوفّى سنة (410هـ)، روى من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنّها نزلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الغدير، يوم قال لعليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه), وكذلك بسند آخر عن أبي هريرة.
3- الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، المتوفّى سنة (430هـ)، روى في كتابه (ما نزل من القرآن في عليّ)، قال في آخر الرواية: (فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، وبالولاية لعليّ(عليه السلام) من بعدي).
4- الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة (463هـ)، روى في تاريخه عن أبي هريرة، قال في آخرها: ((فقال عمر بن الخطّاب: بخٍ بخٍ يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم. فأنزل الله: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم )) )).
5- الحافظ أبو سعيد السجستاني، المتوفّى سنة (477هـ)، في كتاب (الولاية).
6- أبو الحسن ابن المغازلي الشافعي، المتوفّى سنة (483هـ).
7- الحافظ أبي القاسم الحاكم الحسكاني.
8- الحافظ أبو القاسم بن عساكر الشافعي الدمشقي، المتوفّى سنة (571هـ).
9- أخطب الخطباء الخوارزمي، المتوفّى سنة (568هـ) في كتابة (المناقب).
10- أبو الفتح النطنزي في كتابه (الخصائص العلوية).
11- أبو حامد سعد الدين الصالحاني.
12- أبو المظفّر سبط ابن الجوزي الحنفي البغدادي، المتوفّى سنة (654هـ).
ومن تلك الأخبار يتّضح أنّ إكمال الدين وإتمام النعمة صار بولاية عليّ(عليه السلام)، لا بما عداها(1).

3- أمّا قولك: إنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فنحن نقول: إنّ القول بالتوحيد أيضاً صار سبباً لتكفير كثير من الناس، وإنّ القول بالنبوّة صار أيضاً سبباً لتكفير أصحاب الديانات الأُخرى، وإنّ إنكار المعاد كذلك؛ فإذا كانت الإمامة سبباً لكشف صدق الادّعاء واختياراً لتمام الانقياد، فما المشكلة في ذلك؟!
على أنّنا لا نقول: بكفر من ينكر الولاية، بل نقول: إنّهم ارتدّوا عن القول بالولاية بعد إتمام البيعة لعليّ(عليه السلام) في يوم الغدير، ونتعامل مع هؤلاء على أساس الإسلام، وكفاية النطق بالشهادتين لتحقّق الإسلام.. وأمّا الجاهل بها فهو مسلم من المستضعفين، يُردّ أمره إلى الله.
نعم، هم لم يؤمنوا بما أراده الله فهم كفّار يوم القيامة.

وأمّا ما ذكره السيّد الخوئي(قدّس سرّه)، فهو يشير به إلى عالم الآخرة, وأنّه يتعامل معهم في ذلك العالم تعامل الكفّار بخلاف عالم الدنيا, ولو كان يحكم بكفرهم في عالم الدنيا، لقال بنجاستهم، وعدم الزواج منهم، وعدم حلّية ذبائحهم، وغير ذلك من أحكام الكفّار، وهذا ما لم يقله قطعاً.
وعلى ذلك تحمل أقوال بقية العلماء, أو أنّ مراد بعض العلماء من المخالفين: بعضهم، وهم الذين ينصبون العداء لأهل البيت(عليهم السلام).
ولو فرض أنّ هناك قول لأحد العلماء يكفّر به مطلق المخالفين، فهو رأي خاص به، ولا يحمل على كلّ المذهب، بل يبقى الأغلب إن لم نقل الجميع يفتون بطهارة المخالفين، وحلّية ذبائحهم، وجواز الزواج منهم، الدال على إسلامهم.
نعم، يفتون بحلّية غيبتهم والوقيعة فيهم لفسقهم.

وأمّا قولك: أيّ لطف هذه الإمامة التي تكفّر المسلمين؟
فإنّا نقول: لولا الإمامة واستمرارها لما بقي الدين الحقّ المتمثل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) حيّاً إلى هذا اليوم، بل لعادت جاهلية من أوّل يوم توفّي فيه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما أرادها البعض, وليست الإمامة هي التي أنتجت الكفر، بل هي التي خلّصت مجموعة كبيرة وأنقذتهم من الكفر، وبذلك صارت لطفاً، لأنّها قرّبت فعل هؤلاء من الطاعة وأبعدتهم عن فعل المعصية، وما قولك بهذا إلاّ اعتراض على الله، ولكن تستحي من التصريح به.. فأيّة نعمة بإرسال الأنبياء والرسل وقد كذّبهم أكثر الناس ودخلوا بسببهم إلى النار؟ فأين الرحمة المدّعاة؟ وكلامنا هنا على القياس؛ فلاحظ!

أمّا النقطة الثانية: وهي عدم وجود مصلحة دينية أو دنيوية في الإمامة بعد إكمال الله دينه وإتمام نعمته ببعثة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فنحن نقول: اتّضح لك سابقاً أنّ إتمام النعمة وإكمال الدين كان بولاية عليّ(عليه السلام), فمع الاعتقاد بالولاية كمل الدين، ومن دون الاعتقاد بالولاية يظلّ الدين ناقصاً, وأنّ إبلاغ الدين من قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا خلاف فيه، ولكن من الذي يستطيع حفظ هذا الدين من التلاعب به والتحريف؟
ونحن نقول: إنّ الذي يحفظ ذلك هو الإمام؛ لأنّه يعلم كلّ شيء، وهو معصوم من الخطأ والنسيان، فهو الحافظ للشريعة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

أمّا النقطة الثالثة: وهو كيفية حصول اللطف مع غيبة الإمام.
فقد أجاب السيّد المرتضى عن ذلك بقوله: ((لا يمتنع أن يقع هذا اللطف مع غيبته في هذا الباب أقوى؛ لأنّ المكلّف إذا لم يعلم مكانه، ولم يقف موضعه، ويجوِّز في من لا يعرفه أنّ الإمام يكون إلى أن لا يفعل القبيح، ولا يقصر في فعل الواجب، أقرب منه لو عرفه ولا يجوِّز فيه كونه إماماً))(2).
وفي (قواعد المرام) أجاب عن ذلك بقوله: ((إنّا نجوِّز أن يظهر لأوليائه ولا نقطع بعدم ذلك، على أنّ اللطف حاصل لهم في غيبته أيضاً؛ إذ لا يأمن أحدهم إذا همّ بفعل المعصية أن يظهر الإمام عليه فيوقع به الحدّ، وهذا القدر كافٍ في باب اللطف))(3).
وفي كتاب (الألفين) قال العلاّمة: ((الأوّل: إنّ الإمام لطف في حال غيبته وظهوره. أمّا مع ظهوره، فلما مرّ، وأمّا عند غيبته فلأنّه يجوِّز المكلّف ظهوره كلّ لحظة فيمتنع من الإقدام على المعاصي، وبذلك يكون لطفاً.
لا يقال: تصرّف الإمام إن كان شرطاً في كونه لطفاً وجب على الله تعالى فعله وتمكينه، وإلاّ فلا لطف.
لأنّا نقول: إنّ تصرّفه لا بدّ منه في كونه لطفاً، ولا نسلّم أنّه يجب عليه تعالى تمكينه؛ لأنّ اللطف إنّما يجب إذا لم يناف التكليف، فخلق الله تعالى الأعوان للإمام ينافي التكليف، وإنّما لطف الإمام يحصل ويتمّ بأُمور..
منها: خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلوم، والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا يجب عليه تعالى وقد فعله.
ومنها: تحمّل الأمانة وقبولها، وهذا يجب على الإمام، وقد فعله.
ومنها: النصرة والذبّ عنه، وامتثال أوامره، وقبول قوله، وهذا يجب على الرعية.
الثاني: المقرّب إلى الطاعة والمبعّد عن المعصية, والقهر والإجبار عليها ليس بلطف، لأنّه مناف للتكليف, ونصب الإمام والنص عليه وأمرهم بطاعته من الأوّل, وقهرهم على طاعته من قبيل الثاني؛ لأنّه من الواجبات، فلو جاز القهر عليها، لجاز على باقي الواجبات...))(4).
وقد يقال: إنّ تجويز المكلّف ظهوره كلّ لحظة لا نراه حاجزاً عن اقتحام الموبقات، فأين اللّطف فيه؟
فأجاب البعض على ذلك: بأنّ الأجدر أن يقال في تعليل اللطف حال الغيبة: أنّ نفس وجوده لطف؛ وذلك لأنّ فيه إقامة للحجّة على العباد، ولمّا كان خذلان الناس له هو الذي أوجب غيبته وعدم تمكينه كانت الحجّة عليهم أتم، فهم يعلمون بأنّ الحجّة بوجوده قائمة عليهم، والتكليف غير مرفوع عنهم، والعصيان مسؤولون عنه، فمن ثمّ يكون ذلك مقرّباً لهم إلى الطاعة، مبعّداً عن المعصية(5).
وفي (مكيال المكارم): إنّ غيبته لا تنافي اللطف الموجب لإظهار الإمام(عليه السلام), أمّا بالنسبة إلى المجرمين فلأنّهم السبب في خفائه, وأمّا بالنسبة إلى الصالحين فلوجهين:
الأوّل: إنّ الله تعالى قد أعطاهم من العقول والأفهام ما صارت الغيبة لهم بمنزلة المشاهدة، كما صرّح به سيّد العابدين(عليه السلام) وفي حديث الإمام الصادق(عليه السلام).
الثاني: إنّ مشاهدته (عليه السلام) غير ممنوعة عن بعض الصالحين(6).
وفي (محاضرات في الإلهيات) للسبحاني، قال: ((ولا ينافي اللطف في نصبه سلب العباد سلطانه وغيبته؛ لأنّ الله سبحانه قد لطف بهم بنصب المعد لهم وهم فوتوا أثر اللطف على أنفسهم, وإلى هذا أشار المحقّق الطوسي بقوله: الإمام لطف، فيجب نصبه على الله تحصيلاً للغرض... ووجوده لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه منّا))(7).

أمّا النقطة الرابعة: وهي: إلغاء دور النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
فإنّا نقول: إنّ أحاديث الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) هي أحاديث جدّهم(صلّى الله عليه وآله وسلّم), يقول الإمام الصادق: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين(عليه السلام)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ)(8).
ثمّ لماذا تجعل حديث الصادق(عليه السلام) حديثاً بديلاً عن حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا تجعل مثلاً حديث البخاري أو مسلم أو أحمد حديثاً بديلاً عن حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟!!
وحتّى لو لم يكن هذا الحديث، فإنّا نقول بصحّة الأخذ عن الإمام؛ لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي أرجعنا إليه، وهو معصوم لا يصدر منه الخطأ والنسيان, فلا معنى لعدم الرجوع إليه بعد كلّ هذا.

أمّا النقطة الخامسة: وهو: قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة)(9).
فقد شرح هذا الحديث بعدّة وجوه، منها: أنّ الضرر المنفي ينزل على الضرر الحقيقي الكامل الذي هو الخلود في النار، أعاذنا الله تعالى منها، بفضله الكامل ولطفه الشامل، فإنّ حبّ عليّ(عليه السلام) كمال الإيمان وتمام الدين، كما قال عزّ من قائل: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي... )) (المائدة:3), ومع كمال الإيمان وتمامه بشرط الموافاة عليه لا يكون الخلود في النار, فإنّ عذاب صاحب الكبيرة منقطع، وأمّا بغضه وعدواته(عليه السلام) فهو كفر موجب للخلود في العذاب ودوام العقاب، فلا تنفع معه حسنة نفع النجاة والتخلّص من النار.
ومن الوجوه المحتملة لهذا الحديث: أن يكون خلوص حبّه سبباً لأن يغفر الله بفضله بعض الذنوب، ولأن يعصم ويحفظ عن الإتيان بالبعض.
ومن الوجوه أيضاً: أن يكون حبّه باعثاً على شفاعته التي لا تردّ(10).
وعلى كلّ هذه الوجوه، فليس المعنى أنّ السيئات مهما كانت لا تضرّ بحيث لا يحتاج معها إلى الإمام وإلى اللطف الحاصل بوجوده, بل إنّ اللطف الحاصل من وجود الإمام ينفع في التقرّب إلى كلّ طاعة والبعد عن كلّ معصية, وبذا يضمن عدم دخول النار أصلاً لا الخلود فيها, ويضمن العصمة من جميع الذنوب لا بعضها, ويضمن كونه شافعاً لا مشفّعاً.

أمّا النقطة السادسة:
فابن تيمية يريد القول: أنّ الاتحاد على الباطل في زمن الثلاثة كان أفضل من تفريق الحقّ عن الباطل وتمييز الخبيث من الطيّب الذي حصل في زمن خلافة الإمام عليّ(عليه السلام)‍!
وكأنّه ينظر في مقياسه للأفضلية باستقرار الدولة الإسلامية وسعة مواردها المادية حتّى لو كان الخليفة فيها أظلم الظالمين، وأجهل المسلمين، وأبعد الناس عن الدين! فأيّ لطف يحصل من وجود هكذا خليفة؟!
ثمّ إنّنا كما قلنا سابقاً: أنّ اللطف يحصل بوجود الإمام، والإمام موجود بينهم واحتياج المسلمين إليه والخلفاء مشهور معروف، وبه جعل اللطف لا بالخلفاء.
هذه هي كلّ المناقشات التي ذكرتها على الأدلّة العقلية.

وأمّا ما اعترضت به في النقطة الثاثية على الأدلّة النقلية:
فإنّك ذكرت دليلين قرآنيين فقط، ونحن عندنا العشرات من الأدلّة النقلية، فلماذا اقتصرت على اثنين؟! ثمّ إنّنا نردّ على ما اعترضت به على الاستدلال بالآيتين بما يلي:

الآية الأُولى:
1- الحديث الذي ذكرته عن الطبري ليس هو الحديث الوحيد (مع إنّ ابن حجر قد حسّن سنده)(11)، بل هناك غيره، وقد صحّح الحاكم ذلك الحديث؛ فقال: ((أخبرنا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن السمّاك، ثنا عبد الرحمن بن محمّد بن منصور الحارثي، ثنا الحسين بن حسن الأشقر، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن عليّ: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7) قال عليّ: (رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنذر، وأنا الهادي). هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))(12).

ثمّ إنّ الحديث روي عن ابن عبّاس بأسانيد غير طريق الطبري، منها: ما رواه الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل): عن ليث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس..
وسند آخر: عن حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس.
وعن غير ابن عبّاس، منها: عن أبي داود، عن أبي برزة.
وسند آخر: عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وسند آخر: عن أبان بن تغلب، عن نفيع بن الحارث، عن أبي برزة الأسلمي، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وسند آخر: عن حمزة الزيات، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه.
وسند آخر: عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ(عليه السلام)، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بلفظ: (ورجل من بني هاشم)، وعليّ هنا يعني نفسه, وقد صحّح صاحب (مجمع الزوائد) الحديث الوارد بهذا اللفظ من رواية عبد الله بن أحمد في مسند أحمد(13).
وبسند آخر: عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد، عن عليّ(عليه السلام).
وسند آخر: عن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن حكيم بن جبير، عن أبي برزة الأسلمي.
وسند آخر: عن عراك بن خالد، عن يحيى بن الحارث، عن عبد الله بن عامر، عن الزرقاء الكوفية.
وسند آخر: عن الحسن بن الحسين العرني، عن علي بن القاسم، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه(14)..
وقد قال الحسكاني بحقّ الحسن بن الحسين الأنصاري: ((وكان ثقة معروفاً، يعرف بالقرني))(15).
فليس من الصحيح أن تضعّف سنداً واحداً وتترك كلّ هذه الأسانيد، التي ربّما تصل بمجموعها إلى التواتر.

2- ذكرت قول الآلوسي، ولم تذكر قول غيره، فلماذا هذا التفريق؟!!
فهذا ابن جرير الطبري في (جامع البيان) يقول: ((و (( وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) .. يقول: ولكلّ قوم إمام يأتمّون به، وهاد يتقدّمهم فيهديهم, إمّا إلى خير وإمّا إلى شرّ))(16).
ثمّ إنّه لا معنى لإيراد أقوال المفسّرين، وهي مجرّد آراء، إذا ثبت عندنا صحّة تلك الأحاديث المتقدّمة عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو تواترها.

3- أجاب المظفّر في (دلائل الصدق) عن دلالة الآية على إمامة عليّ(عليه السلام) دون غيره بقوله: إنّ الله تعالى جعله في قرن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنّ له الإنذار ولعليّ الهداية, أي: إراءة الطريق، وعمّم هدايته لكلّ قوم، وذلك من آثار الإمامة؛ لا سيّما وقد قال له رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (وبك يهتدي المهتدون من بعدي)، فإنّه بمقتضى تقديم الجار والمجرور دال على حصر الهداية به بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أنّه قد أثنى عليه في رواية الحسكاني بما يناسب الإمامة(17)، [فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنت منادي الأنام، وغاية الهدى، وأمير الغرّ المحجّلين، أشهد لك أنّك كذلك) ))(18).

الآية الثانية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
أوّلاً: وثانياً: وثالثاً: ارجع إلى ما اجبنا في عنوان: آية الولاية: (رواية صحيحة تحكي واقعة التصدّق)، و(في مصادر الشيعة والسُنّة)، و(أسانيد نزول الآية في عليّ(عليه السلام) ومفادها)؛ فقد صحّحنا هناك الروايات، وأثبتنا تواترها، ورددنا على ما قيل من ضعف أسانيدها.
رابعاً: قد ذكرنا في تلك الإجابات السابقة الروايات دون الاحتياج إلى تفسير الثعلبي.
وأمّا قول الدهلوي، فهو إمّا أن يكون غير مطّلع على كلّ الروايات, وإمّا أنّه يكذب في قوله ذاك.
خامساً: ارجع إلى الإجابة المذكورة سابقاً: أسانيد نزول الآية في عليّ ومفادها.
سادساً: أجاب المظفّر في (دلائل الصدق) عن صيغة الجمع في الآية، وأنّها: لا تصرف إلى الواحد إلاّ بدليل, وقول المفسّرين: (نزلت في عليّ)، لا يقتضي الاختصاص, ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنيّة على جعل (( وَهُم رَاكِعُونَ )) حالاً من ضمير (( يُؤتُونَ ))، وليس بلازم، بل يحتمل العطف، بمعنى: أنّهم يركعون في صلاتهم، لا كصلاة اليهود خالية من الركوع, أو بمعنى: أنّهم خاضعون, أجاب المظفّر على ذلك بقوله: إنّ الحالية متعيّنة لوجهين:
الوجه الأوّل: بُعد الاحتمالين المذكورين؛ لاستلزام أوّلهما التأكيد المخالف للأصل؛ لأنّ لفظ الصلاة مغنٍ عن بيان أنّهم يركعون في صلاتهم؛ لتبادر الركوع منها، كما يتبادر من الركوع ما هو المعروف، فيبطل الاحتمال الثاني أيضاً.
الوجه الثاني: إنّ روايات النزول صريحة بالحالية وإرادة الركوع المعروف.

ثمّ أورد بعض الروايات، وقال: ثمّ إنّ الفائدة في التعبير عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو فرد، بصيغة الجمع هي: تعظيمه والإشارة إلى أنّه بمنزلة جميع المؤمنين المصلّين المزكّين؛ لأنّه عميدهم، ومن أقوى الأسباب في إيمانهم ومبرّاتهم، كما أشار إلى ذلك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله يوم الخندق: (برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه).
وجعل الزمخشري الفائدة فيه: ترغيب الناس إلى مثل فعله؛ لينبّه على أنّ سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان(19).
سابعاً: أجاب عن تلك الشبهة أبو طالب التجليل التبريزي: بأنّ الآية في مقام تعيين الولي، لا في مقام الثناء على التصدّق في الصلاة, وإنّما ذُكر في الآية للإشارة به إلى عليّ(عليه السلام)؛ لأنّ واقعة إعطائه للصدقة في حال الركوع في الصلاة اشتهرت بينهم(20).
ثامناً: وأمّا ما ذكره من أنّ الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة, فإنّما هو إذا كان مستلزماً للفصل الكثير، وأمّا إعطاء الخاتم الذي في إصبعه بالإشارة إلى السائل ليأخذه من يده فلا, ولا يؤثّر ذلك الفعل القليل على الخشوع في الصلاة. وقد أجبنا عن ذلك مفصّلاً في عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع!
تاسعاً: أُجيب عن ذلك: بأنّ الآية في مقام تعيين الولي، وهي غير ناظرة إلى من يتصدّق في حال الركوع، أو إلى من يتصدّق في حال القيام والعقود.
عاشراً، والحادي عشر: إيتاء الزكاة أعمّ من الواجبة والمندوبة، وإذا لم تكن عليه زكاة واجبة فإنّه أعطى ذلك ندباً.
الثاني عشر: قد تبيّن الجواب بعد ملاحظة أنّ الزكاة هي ليست الزكاة الواجبة، بل المندوبة.
الثالث عشر: لم يتّضح وجه هذا الإشكال! فهل تريد القول: أنّ دلالة آية الولاية كدلالة: (( وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ )) في إفادة الأمر بالتصدّق بالركوع كما أفادت هذه الآية أمر بالركوع؟

ونحن نقول: أنّ هناك فرق بين الآيتين فلا صيغة للأمر في آية الولاية ولا يستفاد من صيغة المضارع المذكورة في الآية الأمر, فأين وجه التشابه؟!
وهذه الأقوال التي ذكرتها هي أقوال ابن تيمية، الذي يستميت من أجل صرف دلالة الآيات النازلة في حقّ عليّ(عليه السلام) عنه(عليه السلام)، ليظهر بذلك نصبه وعداءه لأهل البيت(عليهم السلام).
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: الغدير للأميني 1: 230 وما بعدها.
(2) رسائل الشريف المرتضى 3: 145 (32) أجوبة من مسائل متفرّقة من الحديث وغيره، فصل: في الغيبة.
(3) قواعد المرام في علم الكلام: 191 القاعدة الثامنة، الركن الثالث، البحث الخامس.
(4) كتاب الألفين: 65 المسألة الأُولى، البحث السادس، النظر الخامس، الوجه التاسع والعشرون.
(5) كتاب الألفين: 65 الهامش (1).
(6) انظر: مكيال المكارم 1: 123 الباب الرابع، حرف الغين المعجمة، الأمر السادس.
(7) محاضرات في الإلهيات (تلخيص علي الرباني): 364 الباب السادس، الفصل الرابع.
(8) الكافي للكليني 1: 53 كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث.
(9) ينابيع المودّة للقندوزي 1: 375 الباب (42) الحديث (6).
(10) انظر: تكملة مشارق الشموس: 391 وجوب قضاء الصوم على كلّ تارك للصوم.
(11) فتح الباري شرح صحيح البخاري 8: 285 سورة إبراهيم.
(12) المستدرك على الصحيحين 3: 129 - 130 كتاب معرفة الصحابة.
(13) مسند أحمد بن حنبل 1: 126 مسند عليّ، المعجم الأوسط للطبراني 2: 94، المعجم الصغير للطبراني 1: 261.
(14) شواهد التنزيل 1: 385 - 395 الحديث (403 - 416) الآيات النازلة في أهل البيت(عليهم السلام).
(15) شواهد التنزيل 1: 384 الحديث (400).
(16) جامع البيان 13: 139 سورة الرعد.
(17) دلائل الصدق 4: 431 - 433 مباحث الإمامة، المبحث الرابع، الآية العاشرة.
(18) شواهد التنزيل 1: 392 الحديث (414).
(19) دلائل الصدق 4: 308 - 312 مباحث الإمامة، تعيين إمامة عليّ بالقرآن.
(20) تنزيه الشيعة الاثني عشرية عن الشبهات الواهية 2: 184 ردّ على ما أورده القفاري في ص679.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال