الاسئلة و الأجوبة » الفطرة » هل تكفي الفطرة عن وجوب المعرفة


عبدالزهرة الحلفي / العراق
السؤال: هل تكفي الفطرة عن وجوب المعرفة
ما هي فلسفة نظرية وجوب النظر والاستدلال في عقيدة التوحيد دون الاعتماد على الفطرة وجوباً عقلياً وشرعياً - كما أرشد إليه القرآن والسنة - على كل مكلف قبل العمل بالفقهيات ؟ نأمل الاجابة المفصلة ولكم الاجر والثواب.
الجواب:
الاخ عبد الزهرة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ان العلماء فسروا الفطرة على معنيين أو أكثر, فمن فسرها بالقوى الكامنة, والاستعداد الذي أودعه الله في الانسان ليعرف خالقه ويتوجه اليه, يكون ايجاب المعرفة عنده امتداداً ومرحلة اعلى لما فطر عليه الانسان, واخراجاً للقوة الاستعدادية الى الفعل, وتوظيفاً للفطرة لما خلقت له.
ولكن يكون لسؤالك الوارد موضوعية فيما لو اخترنا ما مذكور في ظاهر الروايات كتفسير للفطرة من انها التوحيد أو الاسلام أو الحنيفية, فاذا كان الانسان مفطوراً عليها, فلماذا تجب عليه المعرفة بالتحصيل؟
فنقول: ان الفطرة لا تنافي الاشتباه أو الانحراف أو التلوث, فهي معرفة مجملة في جبلة الانسان لا معرفة تفصيلية كالمعرفة التحصيلية (العلم الحصولي عندنا) المحرزة بالعقل, وربما صح أن نقول أنها كامنة في {اللاشعور الانساني} تظهر ويشعر بها البشر في ظروف معينة عندما تنجلي عنه حجب الدنيا ومؤثرات البيئة من التربية والمجتمع والحس المادي.
فكونها لا تنافي الاشتباه أو الانحراف يظهر من قول رسول الله (صلى الله عليه وآلة): (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه) وفي رواية (ويمجسانه).
كما ويظهر من بعض الروايات التي تربط بين الفطرة والميثاق الذي أخذ على بني آدم في عالم الذر, أن هذا الميثاق قد نسي في عالم الدنيا وغطته حجبها وعلته غشاوة من الاوهام, فقد سئل الباقر (عليه السلام) عن قوله تعالى: ((واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى))[الاعراف :172] قال: ثبتت المعرفة ونسوا الموقف, وسيذكرونه يوماً, ولولا ذلك لم يدر احد من خالقه ولا من رازقه (علل الشرائع: 118).
نعم، قد يرجع الانسان الى فطرته ويتذكر أذا أنقطعت به السبل, فقد قال رجل للصادق (عليه السلام): يا بن رسول الله دلني على الله ماهو؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني, فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم, قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ فقال: نعم, قال فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئاً من الاشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم, قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو الله القادر على الانجاء حيث لا منجي وعلى الاغاثة حيث لا مغيث... ألخ (توحيد الصدوق: 231).
فاذا عرفت ذلك تعرف دور المعرفة: إذا كانت صحيحة فهي مجلية ومثبتة للفطرة فتظهر ويقوى إيمانه فهو مؤمن, واذا كانت خاطئة فهي طامة لها وحاجبة فيكفر ويظهر عليه الكفر والجحود.
ومما مضى يظهر لك سبب عدم الاكتفاء بالفطرة عن وجوب السعي لمعرفة الله, فالفطرة السليمة غير محرزة في عالم الدنيا لعموم البشر, نعم إلاّ الأوحدي كالانبياء والاوصياء والأولياء, فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعبد قبل البعثة كالحنيفية كما قيل, وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (أما البراءة فلا تتبرأوا مني فاني ولدت على الفطرة) وهؤلاء القلة بقوا على الذكر من الميثاق والمعرفة بالله ولذلك نقول أنهم لم يشركوا بالله طرفة عين, فالمعرفة حاصلة عندهم حاضرة, ووجوبها عليهم بالتحصيل (العلم الحصولي) ربما يكون من تحصيل الحاصل.
وأخيراً فان الدافع للنظر والمعرفة والسعي لها فطري أيضاً في الانسان بما جبل عليه وما أودع فيه من العقل الذي يدفعه في مرحلة من المراحل للبحث عن اجابة للاسئلة الخالدة: انه من أين والى أين ولماذا؟ يحثه في ذلك غريزة شكر المنعم ودفع الضرر المحتمل.
ولا يكون الشكر للمنعم الا بمعرفته, فوجبت معرفته قبل أداء حقه الذي هو شكره وعبادته, ولا يتم دفع الضرر المحتمل والتحرز منه الا بمعرفة الضرر ايضاً. ومن هنا نفهم قول العلماء بان وجوب المعرفة عقلي لا سمعي وان ورد في النقل (القرآن والسنة) ما يدل عليه, ولكنه كما ذكرت انت ارشاد اليه, والا لم يجب النظر في دعوى مدعي النبوة, ولم يرد نقل بعد.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال