الاسئلة و الأجوبة » نهج البلاغة » رد وتعليق على بعض الإستفادات من مقاطع النهج في مدح الخلفاء


ياسين / الجزائر
السؤال: رد وتعليق على بعض الإستفادات من مقاطع النهج في مدح الخلفاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة والسلام على أشرف خلق الله وعلى آله وصحبه الاطهار
1- ورد في النهج أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما استشار عليا رضي الله عنه عند انطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال ، أجابه : ( إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله تعالى الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده ، حتى بلغ مابلغ وطلع حيثما طلع ، ونحن على موعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه (( وعد الله الذين آمنوا )) وتلى الآية ، والله تعالى منجز وعده وناصر
جنده ، ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق الخرز ، ورب متفرق لم يجتمع ، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالإجتماع ، فكن قطباً ، واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انقضت عليك من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك .
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا : هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكَلَبهم عليك وطمعهم فيك .
فأما ماذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه وتعالى هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره .
وأما ماذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة ) ( نهج البلاغة ص257 ، 258 شرح محمد عبده / دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع / بيروت). انتهى بلفظه .
فتدبروا منصفين لهذا الثناء والحب والخوف على عمر من علي رضي الله عنه !
فأين ذلك كله ممن يكفر عمر رضي الله عنه ويسبه .
2 - وأيضا في النهج لما استشار عمر بن الخطاب عليا رضى الله عنهما في الخروج إلى غزوة الروم ، قال : ( وقد توكل الله لهذا الدين بإعزاز الحوزة ، وستر العورة ، والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون ، حي لا يموت ، إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك ، فتلقهم فتنكب ، لاتكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم ، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه . فابعث إليهم رجلاً مجرباً ، واحفز معه أهل البلاء وإلن صيحة ، فإن أظهر الله فذاك ما تحب ، وإن كانت الأخرى ، كنت ردْءاً للناس ومثابة للمسلمين ) (نهج البلاغة ص246،247. شرح محمد عبده / دار الاندلس لملطباعة والنشر والتوزيع).
تأملوا يا أخوتي المسلمين والمنصفين قوله: (كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين) فلو كان عمر رضي الله عنه كافراً مرتداً لم يقل علي ردءا للناس ومثابة للمسلمين فهل علي رضي الله عنه كان يقول كلاما لا يعتقده أم أنها الحقيقة التي عميت على أهل الأهواء ؟! .
3- وأورد المرتضى في النهج عن علي رضي الله عنه من كتابه الذي كتبه إلى معاوية رضي الله عنهما :
( إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ماخرج منه فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ) (نهج البلاغة ص 446. شرح محمد عبده / دار الاندلس لملطباعة والنشر والتوزيع !).
وهنا يستدل الإمام على رضي الله عنه على صحة خلافته وانعقاد بيعته بصحة بيعة من سبقه ، وهذا يعني بوضوح أن عليا رضي الله عنه كان يعتقد بشرعية خلافة أبى بكر وعمر وعثمان ، كما يذكر في هذا النص الواضح في معناه والذي كتبه إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، بأن الإمامة والخلافة تنعقد باتفاق المسلمين واجتماعهم على شخص ، وخاصة في العصر الأول باجتماع الأنصار والمهاجرين فإنهم اجتمعوا على أبى بكر وعمر ، فلم يبق للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد .
4- وفى النـهج أيضـا - عن علي رضي الله عنه ( لله بلاء فـلان لقـد قـوم الأود ، وداوى العمد ، وأقام السنة ، وخلف البدعة ، وذهب نقي الثوب ، قليل العيب ، أصاب خيرها واتقى شرها ، أدى لله طاعة واتقاه بحقه ، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي إليها الضال ، ولا يستيقن المهتدي ) (نهج البلاغة ص430 شرح محمدعبده).
الشرح: لله بلاء فـلان : ( لله بلاد فلان )، وقال شارح نهج البلاغة الشيعي المعتزلى (ابو الحديد) في (ج 12ص3) :( أي لله ما صنع فلان ، والمكنى عمر بن الخطاب ، (وقال ابو الحديد) : وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر ) .
ويقول أبو الحديد في شرحه لنهج البلاغة : سألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي هو عمر بن الخطاب ، فقلت له : أيثني عليه أمير المؤمنين هذا الثناء ؟ فقال : نعم .ويقول أيضا في (ج 2 ص 4) : اذا اعترف أمير المؤمنين بأنه اقام السنة وذهب نقي الثوب قليل العيب وأنه أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه فهذا غاية ما يكون المدح .
لقـد قـوم الأود : الأود : العوج وداوى العمد : العمد بالتحريك : العله (انظر صبحي الصالح في تعليقه على نهج البلاغة ص671). وقد حذف الشريف صاحب النهج حفظا لمذهبه لفظ ( أبي بكر أو عمر ) وأثبت بدله (فلان ) ، ولهذا الإبهام اختلف الشراح فقال البعض هو أبو بكر والبعض عمر ، ورجح الأكثر الأول وهو الأظهر ، فقد وصفه من الصفات بأعلى مراتبها فناهيك به وناهيك بها ، وغاية ما أجابو أن هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لإعتقادهم بالشيخين أشد الإعتقاد ولا يخفى على المنصف أن فيه نسبة الكذب لغرض دنيوي مظنون الحصول ، بل كان اليأس منه حاصلا قاطعا ، وفيه تضييع غرض الدين بالمرة ، فحاشا لمثل الإمام أن يمدح مثلهما (أي إلا من اعتقاد بصدق ما يقوله)، لو كانا كما يزعمون ، وأيضا أية ضرورة تلجأه إلى هذه التأكيدات والمبالغات ؟
وأيضا في هذا المدح العظيم الكامل تضليل الأمة وترويج الباطل ، وذلك محال من المعصوم - حسب اعتقاد الشيعة - بل كان الواجب عليه بيان الحال لما بين يديه ، فانظر وأنصف .
وقد احتار الإمامية الإثنا عشرية بمثل هذا النص ، لأنه في نهج البلاغة وما في النهج عندهم قطعي الثبوت ، وصور شيخهم ميثم البحراني (ميثم بن علي البحراني ( كمال الدين ) من شيوخ الإمامية ، من أهل البحرين ، من كتبه : (شرح نهج البلاغة ) ، توفي في البحرين سنة 679 س (معجم المؤلفين :13/55) ) ذلك بقوله :
( واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالا فقالوا : إن هذه الممادح إلتي ذكرها . في حق أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة ، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه ، وإما أن يكون إجماعنا خطأ ) .
ثم حملوا هذا الكلام على التقية وأنه إنما قال هذا المدح - من أجل ( استصلاح من يعتقد صحة خلافة الشيخين . واستجلاب قلوبهم بمثل هذا الكلام ) (ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة : 4/98).
أى : إن عليا رضي الله عنه - في زعمهم - أظهر لهم خلاف ما يبطن ونحن نقول أن قول علي رضي الله عنه هو الحق والصدق ، وهو الذي لا يخاف في الله لومة لائم (أصول مذهب الشيعة / د ناصر القفاري ص 764).
هل هذا الكلام ايضا نسب لكتابكم يرويه أهل العامة (السنة) كما تدعون ?!
حتى كتبهم التي تخالف أهواءكم ومعتقداتكم خالفتموها ونهج البلاغة من الكتب الصحاح عندكم
والسلام على من اتبع الهدى

الجواب:

الأخ ياسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نشكر لكم المتابعة والاهتمام ونسأل المولى سبحانه أن يمنَّ عليكم بدوام السعي لاستخلاص الحق الصراح الذي لا باطل بعده والذي يكون مصداقاً للفرقة الناجية التي بشر بها المصطفى (صلى الله عليه وآله).. وبعد.
1- لا يوجد في النصين اللذين ذكرتهما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه لعمر بن الخطاب عندما استشاره للخروج على قتال الفرس والروم ما يستفاد منه المحبة أو الاعتراف بخلافة عمر بن الخطاب. وإنما كان (عليه السلام) يتحدث بلسان من خبر الحروب وأجواءها ـ وهذا سر عودة عمر بن الخطاب إليه في هذه المسألة بالذات ـ بأن خروج رأس القوم وزعيمهم يكون سبباً لانتكاسة الجيوش فيما إذا أصابه مكروه له في الحرب ، الأمر الذي نهى عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وكان (عليه السلام) في كلامه يخبر على لسان القوم عندما قال: (ان الاعاجم إذا نظروا إليك غداً يقولون: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم). فهذه الحقيقة التي يخبر عنها الإمام (عليه السلام) عمر بن الخطاب إنما هي لقضية خارجية معلومة من أجواء الحروب وظروفها نهاه (عليه السلام) ان يتمثل بها.
وكذلك النص الثاني الذي كان يركز على جانب الاستقرار في المسلمين بوجود رأس يرجعون إليه يكون عنواناً للمَّ الشمل ودرء الخطر...
فهذا الكلام منه (عليه السلام) بعيد عن مسألة المحبة أو مسألة الاعتراف بالخلافة، بل هو خاضع لمصالح عليا وهي مصلحة الإسلام التي كان الإمام (عليه السلام) ينظر إليها كمصلحة حاكمة على كل المصالح الاخرى ومتقدمة عليها . وكان يتحدث عن هذا الأمر بصريح العبارة فيقول ، كما في (نهج البلاغة 3: 119 بتحقيق الشيخ محمد عبده) : ((فما راعني إلا انثيال الناس على فلان ـ يريد أبا بكر ـ يبايعونه، فأمسكت يدي)) وهذا تصريح واضح منه (عليه السلام) في عدم مبايعته لابي بكر أول الأمر إذ مسك اليد خلاف بسطها للمبايعة. وقد صريح البخاري بانه (عليه السلام) لم يبايع إلا بعد ستة أشهر!!! وسيأتي بيان علة ذلك في هذا النص أيضاً: ((حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد(صلى الله عليه وآله) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولا يتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل...)) (انتهى). فانظر وتدبر.
وفي نص آخر، تراه (عليه السلام) يقول عندما عزموا على مبايعة عثمان: ((لقد علمتم إني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصّة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه..)) (نهج البلاغة: 1: 124).
فهذه النصوص وغيرها كثير كثير في (نهج البلاغة) تؤكد حقه الصراح في الخلافة وانه لم يكن ليوادع أو يسالم الخلفاء الذين ترشحوا عن بيعة السقيفة إلا لمصلحة الإسلام والردء عنه ان يرى فيه ثلماً أو مصيبة يكون اعظم عليه من فوت خلافته التي يراها متاع أيام قلائل لا غير.
وكذلك يرد على المدّعين من أهل السنة بمحبة علي (عليه السلام) لأبي بكر وعمر النقض بما ورد عن عمر بن الخطاب في (صحيح مسلم) بصريح العبارة عن موقف علي (عليه السلام) منه ومن أبي بكر قال عمر ـ وهو يخاطب العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ـ : فقال أبو بكر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما نورث ما تركنا صدقة) فرأيتماه كاذباَ آثماً غادراً خائناً والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى أبو بكر وأنا ولي رسول الله(صلى الله عليه وآله) وولي أبي بكر فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق...)) (صحيح مسلم 5: 152 باب حكم الفئ، وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا نورث ما تركنا فهو صدقة)).
فهاهنا إن كان عمر بن الخطاب صادقاً فيما ينقله من واقع أمير المؤمنين (عليه السلام) في حقه وحق أبي بكر بانه يراهما كاذبين آثمين غادرين خائنين، فهذا يتناقض مع دعوى المحبة كما ترى، وإن كان عمر كاذباً بقوله هنا بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو ليس أهلاً لمحبة مؤمن واحد فضلاً عن أمير المؤمنين وإمام المتقين(صلوات الله وسلامه عليه)... فتدبر تتبصر.
2- وأما النص الذي يقول: ((فانه قد بايعني القوم...الخ))، فهو كتاب كان قد بعثه الإمام (عليه السلام) إلى معاوية وتحدث فيه وفق قاعدة الالزام، وهي القاعدة التي تستعمل في مقام الاحتجاج على الخصوم وإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم من قبل..
بمعنى: إن كان معاوية يرى صحة الذين سبقوا الإمام (عليه السلام) بأن المسلمين قد بايعوهم، فما يكون لمعاوية بعد هذا إلا الانصياع للأمر الذي ألزم به نفسه ويبايع للإمام (عليه السلام) لأنه قد بايع الإمام (عليه السلام) القوم الذين بايعوا السابقين عليه، والا يكون حال معاوية ممن يتبع هواه وليس له أساس يستند عليه فيما يقول أو يفعل.
وهذا الكلام الصادر عن الإمام (عليه السلام) قد جرى وفق مقتضى الحال، وهي القاعدة البلاغية التي تلزم بالاتيان للمنكر بكل الوسائل الممكنة للإثبات، وقاعدة الالزام هنا هي أحدى الوسائل النافعة في المقام، بل وجدنا من يذكر هذا الإلزام بصريح العبارة عنه(عليه السلام). فقد روى الخطيب الخوارزمي الحنفي في كتابه (المناقب ص202) قائلاً: ومن كتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قبل نهضته إلى صفين، إلى معاوية، لأخذ الحجة عليه: أما بعد.. فإنه لزمتك بيعتي بالمدينة وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين...الخ.
وكذا قوله: ((إنما الشورى للمهاجرين والانصار...)) لا يتصور أحد أن هذا خلاف ما يعتقده (عليه السلام) أو تعتقده شيعته عن الخلافة بأنها تتم بالنص الالهي دون الشورى، وإنما كلامه (عليه السلام) قد ورد هنا وفق القاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل. فكأن كلامه (عليه السلام) هنا هو: ان كنت يا معاوية لا ترى الخلافة بالنص الالهي، وإنها تتم عندك بالاختيار واجتماع أهل الحل والعقد، فأمرها لا يعدو المهاجرين والأنصار، فهم أهل الشورى، وها هم قد بايعوني كما بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان من قبل، فما كان لك يا معاوية أن ترد هذه البيعة أو تحتال عليها بأي حال.
وأما قوله (عليه السلام): ((فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً، كان ذلك لله رضا..)) فهو يشتمل على دلالة لطيفة، وهو أقرب للتعريض منه بالإقرار. فمن المعلوم أنه (عليه السلام) قد ناهض الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه جمع كبير من المهاجرين والأنصار، كما هو الثابت تاريخياً في هذه القضية (انظر تاريخ الطبري 2: 445، وتاريخ ابن الأثير 2: 325، وتاريخ ابن كثير 5: 265).
ويشير (عليه السلام) إلى أنه الوحيد الذي اجتمع عليه المهاجرون والأنصار بأغلبية غالبة في المدينة، وقد قال (عليه السلام) يصف هذه الحالة في خطبة له: (( فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليَّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشقَّ عطفاي، ومجتمعين حولي كربيضة الغنم)) (نهج البلاغة 1: 36).
ويقول في نص آخر: ((وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم عليَّ تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى انقطعت النعل وسقط الرداء ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب)) (نهج البلاغة 2: 222).
قال أبو جعفر الاسكافي المعتزلي ـ المتوفى سنة 220هـ ـ في كتابه (المعيار والموازنة ص50): ((فلما قتل عثمان تداك الناس على علي بن أبي طالب بالرغبة والطلب له بعد أن أتوا مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحضر المهاجرون والأنصار واجمع رأيهم على علي بن أبي طالب بالاجماع منهم أنه أولى بها من غيره ، وأنه لا نظير له في زمانه، فقاموا إليه حتى استخرجوه من منزله، وقالوا له: أبسط يدك نبايعك. فقبضها ومدّوها، ولمّا رأى تداكهم عليه واجتماعهم، قال: لا أبايعكم إلا في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) ظاهراً، فإن كرهني قوم لم أبايع، فأتى المسجد وخرج الناس إلى المسجد، ونادى مناديه.
فيروى عن ابن عباس أنّه قال: إنّي والله لمتخوّف أن يتكلم بعض السفهاء، أو من قتل عليّ أباه أو أخاه في مغازي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيقول: لا حاجة لنا بعلي بن أبي طالب، فيمتنع عن البيعة.
قال: فلم يتكلم أحد إلا بالتسليم والرضا)). (انتهى).
فكما ترى أن البيعة الوحيدة التي اجتمع عليها المهاجرون والأنصار بأغلبية غالبة كانت بيعته (عليه السلام) فهي الوحيدة التي لله فيها رضى ـ بحسب هذا النص الذي جئت به من (نهج البلاغة) ـ وهو الوحيد من الخلفاء الذي كان يسمى (إماماً).فتدبر.
3- وأما ما ذكرته من النص ((لله بلاء فلان ...الخ)). فقد ذكرنا لك سابقاً الأقوال المختلفة التي ذكرها الشرّاح لبيان المراد بـ (فلان) في القول المتقدم. فالعبارة مجملة بحسب النص الوارد في (نهج البلاغة)، وما نقله ابن ابي الحديد عن النقيب العلوي فهو لا يعدو اجتهاد منه وهو ليس بحجة إلا عليه، وما وجده ابن أبي الحديد ـ الذي وصفته بأنه شيعي وهو ليس كذلك لأنه يقول بخلافة الشيخين والشيعة لا تقول بذلك ـ وأنه بخط الرضي بأن تحت كلمة فلان اسم عمر.. فهذه دعوى على مدّعيها لا تثبت شيئاً في المقام..فمن اين عرف ابن أبي الحديد أن الذي أمامه هو خط الرضي وليس غيره، ثم من قال بعدم التلاعب في نقل النسخ، ولو سلم فهو اجتهاد من الرضي لا يعدو رأي نفسه ولا يلزم غيره ممن يرون خلاف ذلك ـ بحسب الاقوال الواردة في شرح هذه العبارة ـ، أو الذين يتوقفون في ذلك ويقولون باجمال هذه العبارة.
وأيضاً دعوى حذف الرضي اسم عمر من الخطبة دعوى بلا دليل، ولا تثبت شيئاً سوى لمدّعيها إن صدّق بها.
وقد ذكرنا لكم فيما سبق ما ينافي هذه الدعوى ـ أن المراد بـ فلان عمر ـ بأدلة صريحة، فراجعوا واغتنموا الفرصة في البحث والمناقشة ونحن بخدمتكم دوماً.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال