الاسئلة و الأجوبة » النکاح » الزواج من الصغيرة


عبد الله الحسين
السؤال: الزواج من الصغيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا أدرس خارج البلد وتعرفت على أشخاص أسلموا وتشيعوا من فترة قريبة وبعدما تشيعوا أخذوا بالقراءة عن الإسلام وكانت عندهم بعض الأسئلة ما قدرت أجيب على بعض منها بطريقة تلائم تفكيرهم الغربي فأحببت أن أضع المسائل بين يديكم.
السؤال عن الزواج بالصغيرة.. ورد عن السيد الخميني رحمه الله أنه يجيز معاشرة الصغيرة أو مفاخذتها بالأصح، وعن طريف البحث تبين لنا أن حتى عامة المسلمين يؤمنون بنفس الشيء، ولكن الأخوة البريطانيين ماتقبلو هذه الفكرة بتاتا ووجدوها منافية للمنطق. فأحببنا توضيحكم هنا
ودمتم بكل خير وعافية
الجواب:

الاخ عبد الله حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بالنسبة لمسألة الزواج من الصغيرة فإن هذه المسألة من فروع وجزئيات الاحكام الفقهية التي يجب على المسلم إما التسليم بها تعبداً بعد العلم بثبوتها أو النظر في حكمة تشريعها وفوائد تطبيقها ومن ثم النظر الى سلبياتها وايجابياتها والموازنة بين ذلك والحكم بعدها بأنها منطقية أو غير منطقية. وينبغي تقديم شيء من التفصيل لتوضيح ذلك:

الاول: بشكل عام لا يمكن فهم قانون جزئي بمفرده وبمعزل عن منظومته القانونية كاملة وكوحدة واحدة متناسقة ومنتظمة لتكون بكاملها شيئاً إيجابياً معقولاً منطقياً مقبولاً فيفهم ويقدر على واقعه الحقيقي.
وفي مثالنا هذا يمكن تطبيق ذلك من حيث فهم منظومة قوانين النكاح مثلاً واستعراض أحكامه وغاياته وفلسفة تشريعاته ليتسنى بعد ذلك الحكم على هذه الاحكام وهذه المنظومة التي تنظم الحياة الاجتماعية والعلاقات الاسرية بكل تفاصيلها وتعالج أدق مشاكلها وتبين الحقوق والواجبات لكل الاطراف وكيفية التعامل من الالف إلى الياء.
فنرى غايات الزواج مثلاً وفلسفته فنعرف الحكمة من تشريعه وملاكه، فإن الله تعالى جعل فينا تلك الشهوة العارمة وإعطانا معها عقلاً وإرادة يمكننا من خلاله تهذيب تلك الشهوة المودعة فينا منه تعالى والتي لولاها لما حصلت الرغبة في الزواج ومن ثم تحمل تربية الابناء بعد الحمل بهم وصعوبة إنجابهم من قبل الام وصرف الاموال والاوقات والجهد والتحمل للاعباء من الآباء لأجل ذلك. فجعل الله تعالى أحكاماً خاصة لذلك بعدما جعله فينا جزءاً حيوانياً وجزاءاً ملائكياً ، فأصدر تعالى أحكامه المناسبة لنا مع تقدير هاتين المسألتين اللتين أودعهما فينا (الشهوة والعقل) فلم يبح لنا كل شيء نزولاً عند الرغبة والشهوة الحيوانية، ولم يرد منا في المقابل أن نكون ملائكة وهو يعلم أنه أعطانا شهوة حيوانية عارمة ، فبالتالي فإن الموازنة بين هاتين الصفتين هو ما حصل في أحكام الحلال والحرام.
وبما أن البشر ليسوا بمرتبة واحدة وإنما بمراتب وطبقات مختلفة فقد تنوعت الاحكام، بحيث توفر الارضية المقبولة لجميع الفئات بحسب طاقتهم وتحملهم للاحكام ، مع وجود الصفتين اللتين أشرنا إليهما آنفاً.
فشرّع الاسلام نوعين من أنواع الزيجات وهي: الزواج بعقد، والزواج بملك يمين (شراء، كما كان متيسراً للاغنياء في الزمان الماضي).
أما الزواج بعقد، فقد نوعه أيضاً وجعله زواجاً دائماً، ومؤقتاً، وكذلك بالنسبة الى العدد والتعدد, وكذلك قسمه الى زواج بصغيرة وزواج بكبيرة, والزواج بالكبيرة, أيضاً متنوع وهو الزواج بالبكر وبغير البكر, وملك اليمين أيضاً له أنواع وأقسام كتزويجها من غيره أو إباحتها لغيره أو كونها مكاتبة أو مدبرة أو أم ولد وغير ذلك .فلكل هذه الانواع ولكل هذه الاقسام أحكام خاصة تختلف بها عن غيرها وتتشابه ببعض الاحكام الاساسية والحقوق والواجبات وروح الزواج وغاياته.
فالزواج له غايات ومبررات وملاكات عند توفرها يكون أمراً مستحسناً مستحباً بل قد يجب، فمن غاياته حفظ النسل البشري والبقاء لبني البشر لا ستمرار الحياة وإلا لانقرض الجنس الانساني مع الموت المستمر والامراض والحروب من دون الزواج والانجاب.
والامر الآخر من الغايات، هو الحفاظ على النفس من الانزلاق إلى حضيض الفساد والافساد والدعارة والامراض واختلاط النسب وضياعه بين هذا وذاك، فلا يعرف هذا إبن من وهذا أبٌ لمن لو لم يقنن الجنس بالزواج وبأحكام الزواج والطلاق والعدة، واقتصار الزوجة على زوج واحد ما دامت عنده ويستطيع إتيانها انى شاء فبذلك تحفظ الانساب وتقوى علاقات الاسرة والابوة والبنوّة بأحسن صورها.
وبعد معرفتنا لهذه المقدمات من غاية عدم الوقوع في الحرام والفساد والافساد, ومن ثم الانتظام في منظومة مقبولة محصنة, وكذلك لكون البشر مختلفي الطبقات ومتعددي الحالات والرغبات والقابليات, فتح الاسلام هذه الابواب المتعددة والانواع المختلفة لضمان حاجات الانسان دون السقوط في هاوية الحرمان أو الانزلاق في مهاوي الشيطان.
فشرّع الزواج بالصغيرة سواء بين صغيرة وصغير أو كبيرة وصغير أو صغيرة وكبير لقضاء بعض الحاجات وتحصيل بعض الغايات وتأمين بعض المصالح والفوائد التي تصب في حفظ الانسان وتأمين حياته وحاجياته المادية والروحية والجنسية كما سنشير إلى بعض ذلك في النقاط الآتية إنشاء الله تعالى.
فالنتيجة، أنه ليس من الصحيح الحكم على مسألة فرعية لمنظومة كبيرة وقوانين عامة ونظام متكامل لوحدها دون منظومتها ودون وضعها في مكانها وحجمها الحقيقي داخل تلك المنظومة، ومن ثم يجب وضعها في مكانها وفهمها من خلال كل المنظومة وأحكامها ثم مقارنة ذلك بالسلبيات إن كانت لها!

الثاني: يجب أن نعلم أن الجواز والاباحة في التشريع الاسلامي لا يعني وجوب فعل ذلك الشيء أو لزوم تطبيقه أبداً, فإن المشرّع أي مشرّع عندما يعطي حرية الاختيار للاشخاص في قضية معينة كمسألتنا هذه على سبيل المثال فإنه يبين أنه لا يمنعها ولا يجبر الناس عليها, وهذا معناه أنه ترك تشخيص المصلحة والتقبل وبالتالي الاقدام أو عدم الاقدام على ذلك الفعل للشخص نفسه (المكلف أو المواطن) فتكون الاستفادة من هذا القانون بالجواز تابعة للظروف الشخصية والبيئة الاجتماعية والعرف وكذلك النفس وتقبلها لذلك الفعل لاختلاف الظروف والطبقات والمراتب كما أسلفنا.
فذلك التشريع بالجواز والاباحة هو في الحقيقة معالجة لبعض المشاكل تمر بالانسان ولا تحل إلا بحلول إستثنائية تقدر بقدرها!
فمثلاً لو أننا تخيلنا أن فتاة صغيرة ذات السبع أو الثمان سنوات قد وجدت في بيت بائس لا أباً لها يصرف عليها ولا أخ لها يحميها ولا قدرة لها على العيش الرغيد، فهل نقول: إنها لا يجوز لها الارتباط المقدس برجل غني ينتشلها من الضياع والتشرد ويصرف عليها الكثير من المال ويوفر لها اللقمة الهنيئة السائغة الطيبة بدل الاستجداء كما هو منتشر في العالم الثالث؟!! ولا تقل توجد ملاجئ أيتام جيدة . فهذه لا تتوفر في كل مكان! ولا تقل ماذنبها. لأن ذلك واقع ومشكلة موجودة يجب حلها. وهذا الحل لا بأس به بالقياس الى ما هي عليه أو خروجها الى الشارع أو الدعاره مثلاً.
وبالتالي يجب مع ذلك الحفاظ على الفتاة من الضرر. فحرم الدخول بها حفاظاً عليها! فهذا المقدار يضمن حل المشكلة مع الحفاظ على خصوصية كونها صغيرة.
وهذه واحدة من فوائد ذلك، ولها فوائد أخرى: منها العقد على البنت الصغيرة لايجاد سبيل الى التقارب السببي بواسطة ذلك العقد لان أم الصغيرة سوف تحرم مؤبداً على ذلك الرجل فيستطيع الدخول والخروج بحرية أكثر، ويجب عليه حينها النفقة بمجرد العقد فتتم التوسعة على تلك الصبية وأهلها أما بالمهر وأما بالانفاق فكلاهما واجب عليه, وكذلك سوف تنتفع من الارث إذا مات.
هذا بالاضافة الى فائدة جواز قضاء الشهوة دون الدخول ولو كان ذلك نادراً أو شاذاً ولكنه يوفر الحصانة من الوقوع في الحرام والفساد.
فلا يمكن الجزم بعد ذلك كله بأن هذا الحكم مجحف ومقزز وغير منطقي! مع الاخذ بنظر الاعتبار اختلاف سن البلوغ وتباينه من فتاة لأخرى، واختلاف قابلية الانسان وتقبله ومزاجه ونفسيته بين شخص وآخر، وحالة تقديم بعض الأباء ذلك الحل على غيره مثل الخلاص من البؤس والضياع عن طريق ذلك التزويج وتلك العلقة الاجتماعية المقدسة والمحترمة لدى الجميع. هذا كله بشرط كون ذلك التزويج لا يضر بمصلحة الفتاة!
وبالتالي فهذا النوع من الزواج يعتبر أفضل وأكثر عقلاً ومنطقاً وملائمة للفطرة من مثل الزواج المثلي والشذوذ الجنسي.
وبالمقابل لا يمكن الاقتصار على بعض أنواع الزواج كما هو عند إخواننا من السنة في الوقت الحاضر، فلا يجوز الزواج عندهم إلا الدائم! فاغلاق الباب غير صحيح, مثلما أن فتحه على مصراعيه غير صحيح, ولكن التقنين والتنظيم واشتراط شروط معينة لحفظ النظام والنسل مع عدم التسبب بالكبت والحرمان وغلق الابواب هو الحل الأنجع على ما يقتضيه العقل والمنطق كما نرى والله العالم.

الثالث: نحب أن ننبه أخيراً بأن هذا الحكم الفقهي الجزئي لم نر له تطبيقاً واسعاً في العالم الاسلامي، فلا نرى مبرراً أو داعياً للتقزز منه لانعدام تطبيقه تقريباً, وبالتالي فأحكام الاماء والجواري وكذلك نكاح الصغيرة والزواج بأربع نسوة لا نرى له وجوداً يذكر في العالم الاسلامي، فمن الغريب حقاً إثارة مثل هذه المسائل النادرة جداً!
وقد بينا آنفاً بأن الشريعة نظام حياة كامل لكل البشر على مختلف مستوياتهم وتباين قابلياتهم, فهو تشريع كامل لمجتمع متكامل ليتخذ بعضكم بعضاً سخرياً, فقد لا توافق أن تكون ساعي بريد وقد لا أوافق أن أعمل منظفاً أو خادماً أو إسكافياً, ولكن هناك في المجتمع من يقوم بذلك، والاسلام أوجب ذلك أيضاً وحض عليه, وهذا ما سماه في تشريعاته بالوجوب الكفائي فأوجب وجود طبيب في البلد وكذلك الخباز وبائع الخضر والمعلم وشرطي المرور وما إلى ذلك, ومع ذلك قد لا يرضى الكثير فعل ذلك ولكن قد يفعله البعض سواء رضوا أم اضطروا لعدم توفر عمل أفضل أو لقناعته بذلك العمل ورضاه بل لحبه له بسبب طبقته أو مستواه المعيشي أو الاقتصادي أو الثقافي المتدهور, فتسد بذلك حاجاتنا جميعاً ويتكامل المجتمع ويتوفر العيش لكل أحد بحسبه.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال