الاسئلة و الأجوبة » التوسل والاستغاثة » هل هناك فرق بين الحي والميت؟


علي حمود الجابري / الامارات
السؤال: هل هناك فرق بين الحي والميت؟
ارجو توضيح الايات والاحاديث التي تفيد وتؤكد على جواز التوسل والاستغاثة للميت وشرحها من الناحية اللغوية وذلك لوجود حوارات كلامية بيني وبين زملائي في العمل والسكن حيث يقول امثلهم طريقة انه يجوز التوسل بالحي ولكن لايجوز التوسل بالميت
وجزاكم الله خير الجزاء
الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: هنالك فرق بين التوسل والاستغاثة، فالتوسل طلب أمر بوسيلة ما أي بشفيع ما, أما الاستغاثة فهي طلب الغوث وهو النصره ومنها الاعانه فالاستعانة هي الاستغاثة... غالباً وقد يطلق التوسل عليها إذا نظر الى حقيقة الاشياء وكون كل الاسباب هي بيد مسببها وفاعلها الحقيقي وهو الله تعالى لانه لا تأثير لأي سبب مهما كان إلا بإذنه تعالى، فيمكن تصوير كل طلب من غير الله بأنه توسل وشفاعة لله تعالى بهذا المعنى وهو المعنى الدّقي الصحيح للعقيدة الاسلامية.

ثانياً: وبذلك نعلم الفرق بين المشروع من التوسل والاستغاثة والاستعانة وبين غير المشروع أو الشرك في بعض صور التوسل والاستغاثة والاستعانة.
فالفرق واضح بين من يجوز التوسل بهم والاستغاثة والاستعانة بهم بشرط أن يكون ذلك باذن الله تعالى وأمره وسلطانه وبين من لا يجوز التوسل والشفاعة الى الله بهم أو الاستغاثة والاستعانة بهم حينما يكون ذلك دون اذن الله تعالى أو أمره أو سلطانه (( إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ )) (النجم:23) فالاعتقاد الصحيح هو التفريق بين ما شرع وما لم يشرعه الله تعالى وما جعلهم شفعاء وما لم يجعلهم كذلك والأهم من ذلك أن يتشفع أو يستغاث بمن جعله الله تعالى أهلاً لذلك بشرط الاعتقاد بأن الله تعالى أذن له بذلك وإعطاه تلك الشفاعة ولو شاء الله تعالى منعه من ذلك وعدم تأثيره منعه وأزال تأثيره فيبقى كل شيء تحت المشيئة والإرادة والأذن الالهي لا ان يعتقد بذلك الشفيع أو المستغاث به بأنه مؤثر في الاشياء بذاته وباستقلال وغنى عن الله تعالى وإلا كان شركا صريحا ً وواضحاً ومخالفاً للعقيدة الصحيحة.

ثالثاً: أما تفريقهم بين الحي والميت في ذلك فلا مجال له حينئذ وإلا فان تفريقهم هذا يكون أخطر من قولنا في عدم الفرق لان قولهم يكشف عن اعتقادهم بان الحي له القدرة في التأثير فينفع في التوسل والاستغاثة فيرد عليهم القول بالشرك حينئذ (لانهم سوف يعتقدون بأن الحي لانه قادر على النفع فيجوز الاستغاثة به والميت عاجز عن ذلك لعدم قدرته الذاتية على التأثير فلا يجوز الاستغاثة به) فيلزم من قولهم هذا نسبتهم التأثير الذاتي للحي لانه قادر يستطيع غوثك بخلاف الميت العاجز (العدم) الذي لا يملك نفعا ولا ضراً.
والحقيقة أننا بحسب العقيدة الصحيحة يجب أن نعلم بأن كل الاشياء والاسباب متساوية في القدرة والعجز لان الله تعالى هو مسبب الاسباب فإن شاء اعجز القادر وإن شاء أقدر العاجز وهذه هي عقيدة التوحيد الصحيحة لا كما يتوهمون .

رابعاً: إذا علمنا ذلك فالايات والاحاديث في ذلك كثيرة جداً لان القرآن الكريم تكلم في التوحيد والشرك في أكثر آياته وقصصه وبياناته ولم يدع هذا الامر المهم بل الاهم مجملاً أو غامضاً فركز على وجوب نسبة كل شيء لله تعالى وكل تأثير وقدرة كذلك وكونه تعالى مسبب الاسباب والمتفرد بالخلق والامر والتأثير ومع ذلك يثبت التأثير لمخلوقاته من جهة اخرى ولكن بشرط الاذن فقد قال تعالى (( قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا )) (الزمر:44) وقال عز وجل (( مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذنِهِ )) (البقرة:255) وقوله تعالى (( وَلَا يَملِكُ الَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُم يَعلَمُونَ )) (الزخرف:86) فأثبت الشفاعة لغيره ولكن بالشروط التي ذكرناها من قبوله لهؤلاء الشفعاء لتأهلهم لها وكون الشفاعة باذنه تعالى.
وفي نفس الوقت ينفي تعالى شفاعة شفعاء لا تتوفر فيهم تلك الشروط إما بكونهم غير مقبولين عند الله وإما لكون الاعتقاد بهم الاستقلال عن الله تعالى والتأثير الذاتي لهم فأنكر تعالى ذلك فقال عز من قائل: (( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُل أَوَلَو كَانُوا لَا يَملِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعقِلُونَ )) (الزمر:43) وهذا مخالف للشرط الثاني في كون اعتقادهم بأن شفعائهم يملكون التأثير الذاتي ودون الحاجة الى اذن الله تعالى لهم وإقدارهم على الشفاعة.
وقال تعالى أيضاً (( وَلَم يَكُن لَهُم مِن شُرَكَائِهِم شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِم كَافِرِينَ )) (الروم:13) وهذه الآية تحكي مخالفتهم للشرط الاول وهو عدم جعل الله لهؤلاء هؤلاء الشفعاء وإنما اتخذوا هؤلاء شفعاء دون إذن الله تعالى ورضاه وسلطانه بذلك, فهذه روح المسألة وفلسفتها.

خامساً: أما ادلتها فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلَةَ )) (المائدة:35). وكذلك قوله عز وجل (( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُم أَقرَبُ وَيَرجُونَ رَحمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ )) (الاسراء:57) بخلاف استدلالهم بهذه الآية الكريمة فالمدح واضح لمن يبتغي أقرب وسيلة الى الله تعالى وهم محمد وآل محمد (عليهم السلام).
وقال تعالى في الحض على التوسل وبيان فائدته وأفضلية سلوك طريقه (( وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللَّهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )) (النساء:64) وقوله تعالى (( وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا )) (النساء:41) فشهادته (صلى الله عليه وآله) على الامة لا معنى لها لو لا حضوره بينها وعرض اعمالها عليه (صلى الله عليه وآله). ...الخ وقوله تعالى عن موسى (عليه السلام): (فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذكر الله تعالى لذلك دون نكير بل إن نبي الله (عليه السلام) قد أجاب استغاثته فأغاثه مباشرة ودون ان يقول له يا مشرك لا يجوز الاستغاثة بغير الله!!.
وأما الاحاديث الشريفة فمنها حديث الاعمى عن عثمان بن حنيف قال: (إن رجلا ضريراً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال إدعو الله أن يعافيني فقال ان شئت أخرت لك وهو خير وإن شئت دعوت قال فادعه فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة, يا محمد إني توجهت بك الى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في) رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه والطبراني والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الالباني في صحيح الجامع والترمذي كذلك في سننه.

سادساً: وهناك رواية لهذا الحديث بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي زمن عثمان بن عفان وعن نفس هذا الصحابي الجليل عثمان بن حنيف وهو يطبق هذا الحديث ويستعمله بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وتقضى حاجة من أخذ به, فقد روى الطبراني عنه ذلك الحديث وذكر في أوله قصة (كما قال المباركفوري السلفي في تحفة الاحوذي شرح سنن الترمذي (ج10/ 24) وهي: ان رجلا كان يختلف الى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت اليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك اليه فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم أئت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل (اللهم إني اسألك وأتوجه اليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني اتوجه بك الى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك ورح إليَّ حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم اتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال ما حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال ما كانت لك من حاجة فأتنا ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت الي حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه رجل ضرير فشكا اليه.... الى اخر الحديث.
وهذا يدل على عمل هذا الصحابي بذلك بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) ولم يقصره على حال حياته (صلى الله عليه وآله) وفهمه لعدم الفرق بين حاليه (صلى الله عليه وآله) وبالتالي لا يوجد فرق بين الحي والميت في ذلك بدليل قضاء حاجة هذين الرجلين في الحالين دون فرق وبواسطة صحابي يعرف الشرك جيداً.
ونرجو مراجعة كلام للشوكاني السلفي الذي نقله المباركفوري هنا من ص(24ـ 27) ففيه تفصيل جيد ونافع في ذلك.
وكذلك نذكر بعض ما قاله أئمة السنة في هذا الحديث وفهمه منهم المناوي في شرح الجامع الصغير فقد قال في فيض القدير (ج2/ 169ـ 170) (يامحمد إني توجهت بك) أي استشفعت بك (إلى ربي) قال الطيبي: الباء في بك للاستعانة. ثم قال المناوي: قال السبكي: ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي الى ربه ولم ينكر ذلك احد من السلف ولا من الخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم قبله وصار بين أهل الاسلام مثله انتهى وفي الخصائص يجوز ان يقسم على الله به وليس ذلك لأحد ذكره ابن عبد السلام لكن روى القشيري عن معروف الكرخي انه قال لتلاميذه إذا كان لكم الى الله حاجة فاقسموا عليه بي فاني الواسطة بينكم وبينه الآن. انتهى. وهؤلاء كلهم ليسوا بشيعة!!
ودمتم في رعاية الله


رضا / ايران
تعليق على الجواب (1)
السلام عليکم و رحمة الله
رجاء اطلب منکم ان تردوا عليّ و على صديقي ( السني) حول قضية التوسل لانني کنت قد ارسلت جوابکم في هذه الصفحة:
(التوسل : هل هناك فرق بين الحي والميت؟) اليه ثمّ استلمت هذه الرسالة منه و هو رد عليّ هکذا:
*************************
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الله سبحانه وحده هو القادر على كل شئ ، لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء ، أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، ولكنه سبحانه جعل لخلقه قدرة على قدرهم كعبيد ومخلوقين ، وجعل قدرتهم وإرادتهم منوطة بقدرته سبحانه ومشيئته فلا يقدرون إلا على ما قدرهم عليه ولا يشاءون إلا أن يشاء هو سبحانه (( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ))
ومع ذلك فقد أمرنا الله بمباشرة الاسباب الصحيحة مع عدم تعلق القلب بها ولكن تعلق القلب به سبحانه وحده لا شريك له ، فأنت مثلا تعمل ولكنك تعتقد أن الله هو الذي يرزقك وليس عملك ومديرك ، و في نفس الوقت فإنه لابد أن يكون السبب معقولا في صحة كونه سببا في المسبب ، فلا يعقل أن يذهب المريض إلى فلاح أو نجار يقول له عالجني لأنه ليس سببا صحيحا للشفاء وعلى هذين الأساسين-وهما تعلق القلب وصحة السبب- فرق العلماء بين التوسل المشروع والممنوع:
فمثلا استغاثة الرجل بموسى جائزة لقدرة موسى على نصرته ، وذهاب الصحابه إلى النبي عند وقوع أحدهم في الذنب كان صحيحا لتوفر الشرطين الأول تعلق قلوبهم بالله أنه الذي سيغفر لهم بدليل تقديم استغفارهم الله على طلب الاستغفار لهم من النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال (( وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللَّهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ))
والشرط الثاني وهو قدرته صلى الله عليه وسلم على الاستغفار لهم و الدعاء لهم حال حياته ، وهذا منفي عنه صلى الله عليه وسلم بعد موته وهذا الأمر فهمه الصحابة جيدا وطبقوه عمليا فقد قحط الناس في خلافة عمر بن الخطاب فكان يطلب من العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لهم من الله تعالى حتى إذا كانوا في المصلى قال عمر: (( اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا... فيسقون )).
فجعل العباس يدعو وهم يؤمنون. ومعنى ذلك أنهم كانوا يتوسلون بدعائه حال حياته ولما كان هذا غير ممكن بعد موته توسلوا بالعباس فدعا وأمنوا خلفه.
وكذلك في قصة الأعمى فإنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له ،والدليل على دعاء النبي له أنه علمه أن يقول في دعائه (( اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي اللهم شفعه فيّ )) ومعنى: (( اللهم شفعه في )) أي :استجب دعاءه لي ، وبالفعل استجاب الله دعاء نبيه وأبصر الرجل.
وأما قصة الرجل الذي أبطأ عثمان رضي الله عنه في قضاء حاجته هذه القصة ضعيفة الإسناد منكرة لا يجوز الاحتجاج بها ، أما من ناحية المتن فليس فيه حجة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لأن عثمان بن حنيف - لو صحت هذه القصة عنه - لم يعلم ذلك الرجل دعاء الضرير بتمامه ، فإنه أسقط منه جملة : (( اللهم فشفعه في، وشفعني فيه )) ، لأنه يعلم أن ذلك القول يستلزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا لذلك الرجل ، كما كان داعيا للأعمى ، ولما كان هذا غير ممكن شرعا ولا عقلا لم يذكر هذه الجملة .
وأيضا لو قدر ثبوت هذه القصة عن عثمان بن حنيف لكان هذا مما تفرد به ذلك الصحابي عن غيره ، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة على ذلك ، ومثل هذا لا تثبت به سنة يمكن العمل بها .
أما قصة الأعرابي وما سمعه الرجل في المنام فمن أعجب العجب أن يأخذ الناس دينهم من المنامات .
والثابت عن أكابر الصحابة عدولهم عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى التوسل بدعاء غيره .
وما معنى كون النبي صلى الله عليه وسلم قد مات إذا كان حاضرا معنا مشاهدا لأحوالنا ألا ترى أن ذلك ذريعة إلى جعله شريكا لله في العلم والاحاطه، نعم النبي شهيد على أمته يوم القيامه بما يطلعه الله من أحوالهم عامة وليس معنى ذلك علمه بحال كل واحد منهم.
كما يمكننا القول بأن الله أطلع نبيه على كثير من أخبار أمته وأحوالهم وقد أخبرنا بها صلى الله عليه وسلم وكثير منها وقع كما قال ألا يكفي هذا لشهادته على أمته.
وفي الآية الكريمة ما يكفي في الدلالة على ذلك :قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (( وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِم وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيد ))
ثم إذا كان هذا الأمر من الأهمية بمكان ، فلماذا لم يرد نص واحد عنه صلى الله عليه وسلم يأمر أمته أن أتوا قبره عند المصائب يتوسلون به ويدعونه، ولكن الغريب أنه صلى الله عليه وسلم أمر أمته بالصلاة عليه وأخبر أن صلاتهم معروضة عليه ، وأنه من صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة بعد كل أذان وجعل ذلك سببا في نيل شفاعته.
فحقيق بمن أراد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر من الصلاة عليه :ففي الحديث: (( إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثركم علي صلاة في الدنيا من صلى علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة ، قضى الله له مائة حاجة ، سبعين من حوائج الآخرة ، وثلاثين من حوائج الدنيا ، ثم يوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبره
كما يدخل عليكم الهدايا ، يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة بيضاء )) ، وفي الحديث: (( مَن قَالَ حِينَ يَسمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ وَابعَثهُ مَقَامًا مَحمُودًا الَّذِي وَعَدتَهُ حَلَّت لَهُ شَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَة )).
الخطر في التوسل بالأموات ودعاءهم وطلب الشفاعة منهم:- كما لا يخفى على كل ذي لب ونظر أن هذا الأمر إن لم يكن شركا بنفسه-على سبيل الافتراض- فهو ذريعة ووسيلة إلى الوقوع في الشرك والخروج من دائرة التوحيد ، وهذا الأمر لا يحتاج ما يدل عليه أكثر من الواقع المشاهد عند هذه الأضرحة والمقامات من نذر لغير الله وذبح لغيره ودعاء وطواف وبكاء وتضرع وتمسح و تبرك بالحديد والتراب!
ولما كان الشرك -كما تعلم- هو أكبر الكبائر وصاحبه مخلد في النار لا يخرج منها أبدا ، فهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله ولا يرحم صاحبه ، ولما كان هذا الذنب من الفظاعة بهذه الدرجة سد الإسلام كل ذريعة أو وسيلة تؤدي إليه ، كيف لا وذنب كالزنى- وهو أقل بكثير من الشرك –حرم الله كل وسيلة إليه ابتداء من النظرة فصاعدا...فالشرك أولى وأحرى باهتمام الشارع بسد كل وسيلة إليه وقطع كل طريق يوصل إليه..
أما الأدلة من القرآن والسنة على سد كل ما هو وسيلة إلى الشرك فأكثر من أن تحصى نورد منها على سبيل المثال قوله تعالى: (( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ مَا نَعبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى إِنَّ اللَّهَ يَحكُمُ بَينَهُم فِي مَا هُم فِيهِ يَختَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهدِي مَن هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ))
فإنه لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به فقال: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ )) أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، (معتذرين) عن أنفسهم وقائلين: (( مَا نَعبُدُهُم إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى )) أي: لترفع حوائجنا للّه، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئا.
أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر اللّه به من الإخلاص، وتجرءوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن اللّه تعالى كذلك.
وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلا ونقلا وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم. فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يستعطفه عليهم (ويسترحمه لهم) ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر.
وأما الرب تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وأخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط.
وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها.
فبهذه الفروق يعلم جهل المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه.
وقال تعالى: (( وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُم وَلا يَنفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُل أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرضِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ )) .
يقول تعالى: (( وَيَعبُدُونَ )) أي: المشركون المكذبون لرسول الله (صلى الله عليه وسلم). (( مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُم وَلا يَنفَعُهُم )) أي: لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا.
(( وَيَقُولُونَ )) قولا خاليا من البرهان: (( هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ )) أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى -مبطلا لهذا القول-: (( قُل أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرضِ )) أي: الله تعالى هو العالم، الذي أحاط علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه، أفأنتم - يا معشر المشركين- تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء؟ أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتموه؟ ءأنتم أعلم أم الله؟ فهل يوجد قول أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه: (( سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ ))
وقال الله عز وجل: (( يَا أَهلَ الكِتَابِ لَا تَغلُوا فِي دِينِكُم وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ )) (النساء:171) .
فعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تطرون كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد . فقولوا : عبد الله ورسوله )). أخرجاه.
وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إياكم والغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو )).
وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، قال : (( انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقلنا : أنت سيدنا ، فقال : ((السيد الله تبارك وتعالى))، قلنا : وأفضلنا فضلا ، وأعظمنا طولا ، فقال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان )). رواه أبو داود بسند جيد.
وعن أنس رضي الله عنه : (( أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا ، فقال : يا أيها الناس قولوا بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )). رواه النسائي بسند جيد .
وقال تعالى: (( وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبدُ اللَّهِ يَدعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا * قُل إِنَّمَا أَدعُو رَبِّي وَلَا أُشرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُل إِنِّي لَا أَملِكُ لَكُم ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُل إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَن أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلتَحَدًا ))
روى مالك في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )).
وفي الصحيح عن عائشة أن أم سلمة (( ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح- أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله )). فهؤلاء جمعوا بين فتنتين : فتنة القبور وفتنة التماثيل .
ولهما عنها قالت : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : (( لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) يحذر ما صنعوا ، ولولا ذلك أبرز قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا . أخرجاه .
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول : (( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ، فإن الله قد اتخذني خليلا ، كما اتخذ إبراهيم خليلا . ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك )).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم )). رواه أبو داود بإسناد حسن . ورواته ثقات .
ولمسلم عن أبي الهياج قال : قال لي علي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أن لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته )).
وعن علي بن الحسين رضي الله عنه : أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيدخل فيها فيدعو فنهاه ، وقال ، ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم )). رواه في المختارة .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج )). رواه أهل السنن .
فهذه ثلاثة أحاديث عن أئمة من آل البيت فيها النهي عن الغلو وسد الذرائع المؤدية إليه.
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد : (( أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّى )) (النجم:19) .
قال : كان يلت لهم السويق ، فمات فعكفوا على قبره .
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس : كان يلت لهم السويق للحاج .
وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى : (( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُم وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسرًا )) (نوح:23) قال : (( هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ولم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسي العلم ، عبدت )).
وقال ابن القيم : قال غير واحد من السلف : لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم .
في هذا القدر كفاية وفي المرة القادمة- إن شاء الله –أرسل إليك بالأدلة على وقوع الغلو المفرط والمؤدي إلى الشرك وذلك من كتب الشيعة وأصولهم المعتمدة بما لا يدع مجالا للشك، وإن شئت أرسلت إليك معها بما يؤيد كلامي من صور وتسجيلات واقعية حيه تدل على صحة ما ذكرت لك لتكون العينة بيّنة ولا سبيل بعدها للإنكار أو المراوغة والله من وراء القصد ، وهو وحده المستعان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
*************************
وهکذا انتهي کلامه و الان ارجو منکم ان تبسطوا المسالة کي يبيّن لنا الامر.
جزاکم الله خيرا و جزاکم الله خيراً
الجواب:

الأخ رضا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- نشكر لصاحبك السلفي اعترافه بقوانين الأسباب والمسببات والعلة والمعلول ونواميس الطبيعة التي أودعها الله تعالى في خلقه ، ولكن لا نسلم بتفاصيل ما ذكره من شروط للأخذ بالأسباب والمسببات إن كان يقصد بشرطيه الإطلاق والاطراد ، لأن الاعتراف بوجود هذا القانون (السببية) يجعلنا نؤمن بأن لهذه الأسباب وجوداً حقيقياً ودوراً فاعلاً ولكن لا على نحو الاستقلال ، أما كلام السلفي فيشم منه رائحة الجبر وإلغاء السبب بعد الاعتراف بوجوده وهذا تهافت.
ويدل على صحة ما قلناه نفس ما نقله هو بنفسه من قوله تعالى: (( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ )) ، فأثبت تعالى المشيئة للإنسان ودورها ومدخليتها وتأثيرها الحقيقي ولكنها مرهونة بإذن الله تعالى وإمداده وتوفيقه ومشيئته فلا يمكن إثبات السبب ثم التنصيل عنه وإلغائه بل يجب أن نسلم بأن للسبب تأثير ذاتي واقعي حقيقي ولكن لا على نحو الاستقلال هذا بالنسبة للشرط الأول الذي اشترطه.

2- أما كلامه عن الشرط الثاني وهو قدرة ذلك السبب على الشفاعة فقد ذكر بأن النبي (ص) كان قادراً على الاستغفار والدعاء في حياته أما بعد موته فلا يوجد هذا الشرط،فلنرى الدليل إلى كفة من سيميل ولنر هذه الدعوى هل ستثبت أم ستهوى؟:
أ- قال رسول الله(ص) (الانبياء أحياء في قبورهم يصلون) أخرجه وصححه الشيخ الألباني في سلسلة أحاديثه الصحيحة (ح621).
ب- قال رسول الله (ص): (......فيقال له أجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أذنت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولان: إنك ستفعل).
قال الألباني عنه في أحكام الجنائز(213):أخرجه ابن حبان في صحيحة (781) والحاكم (1/379) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي،وإنما هو حسن فقط لأن فيه محمد بن عمرو ولم يحتج به مسلم وإنما روى له مقروناً أو متابعة.
ثم قال الألباني: فهذا الحديث صريح في أن المؤمن أيضاً يصلي في قبره فبطل بذلك القول بأن الموتى لا يصلون وترجح أن المراد بحديث ابن عمر أن المقبرة ليست موضعاً للصلاة، والله أعلم.
ج- عن أنس قال: قال رسول الله(ص): (مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره).أخرجه مسلم في صحيحة (7/102) .
د- صلاة رسول الله(ص) في إسراءه ومعراجه مرة بإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومرة أخرى صلى بسائر الانبياء عدا الثلاثة الذين تقدموا ما يدل على حياتهم وتفاعلهم مع عالم الدنيا ، ولذلك قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (6/352): قلت ـ (ابن حجر) ـ: وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن والأنبياء أفضل من الشهداء.

ثم قال ابن حجر: ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه وقال فيه: (وصلّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) سنده صحيح وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في شعب الإيمان) بلفظ:

3- (من صلى عليَّ عند قبري سمعته ومن صلى عليّ نائياً بلّغته).
ثم قال ابن حجر والكلام كله له:وعند أبي داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره عن أوس بن أوس رفعه في فضل يوم الجمعة وهو قوله:

4- فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ قالوا: يا رسول الله: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت!؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وصححه الألباني راجع كتاب التوسل ص64.

5- وقال رسول الله (ص): (ما من أحد يسلم عليّ إلاّ رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام) وقال ابن حجر عنه: رجاله ثقات، ورواه أبو داود في سننة (1/453) وحسنه الألباني في التوسل ص65.

6- وقال (ص): (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) أخرجه أحمد والنسائي والدارمي وقال عنه الخفاجي: إسناده صحيح والحاكم وصححه ووافقة الذهبي وقال الألباني وهو كما قالوا: راجع التوسل ص64.

7- وهناك حديث يدل بوضوح على تفاعل النبي الأكرم (ص) مع الناس ونفعه لهم حتى بعد وفاته! فقد قال الحافظ الهيثمي في مجمع زوائده (9/24) باب في ما يحصل لأمته (ص) من استغفاره بعد وفاته: (( وقال رسول الله (ص): (حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم) قال رواه البزاز ورجاله رجال الصحيح. وقال عنه الحافظ العراقي في طرح التثريب: إسناده جيد ))

8- والكلام في حديث الضرير من جهتين:
الأولى: وجود زيادة في بعض طرق حديث الضرير تشير إلى جواز التوسل بالنبي(ص) في أي وقت ، وهي طريق حماد بن سلمة الثقة العابد الذي يروي له مسلم والأربعة فقد أضاف في طريقه بعد قوله: (وشفّع نبيي في رد بصري) فقال: (وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) ، ولذلك عنون الحافظ الهيثمي لهذا الحديث وقصة عثمان بقوله: (باب صلاة الحاجة) وذكر فيها قصة ذلك الرجل مع عثمان بن عفان وتعليم عثمان بن حنيف لذلك الرجل ذلك الدعاء والتوسّل والعمل بحديث الضرير في زمن خلافة عثمان أي بعد وفاة رسول الله (ص) بما يقرب من عشرين سنة فعلمه كيف يتوسل برسول الله (ص) ويستشفع به إلى الله تعالى ورأينا كيف قضيت حاجته بعد أن يئس من قضائها وعلمه أن يقول: اللهمَّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد (ص) نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك.عز وجل، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك....
بل أن دلالة حديث الغدير يدل بوضوح على التوسل والتشفع بالنبي(ص) وهو غائب بعيد لكون النبي (ص) قد أمر الضرير بأن يذهب إلى الميضأة ويتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو ويقول: (اللهمَّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهمَّ فشفعه فيّ...)
(وقال عثمان: فو الله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط) وهذه الجملة أخرجها النسائي والحاكم وصححها على شرط البخاري راجع المستدرك (1/526) ووافقه الذهبي.
وهذا يدل على أن الضرير كان بعيداً عن رسول الله (ص) وليس عنده بدلالة قوله (ص) له: إئتي الميضأة وتوضأ ثم صلي ركعتين ثم أدعو وقل...... وكذلك بدلالة ذيل الحديث الذي نقلناه وهو قول عثمان (فو الله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط) فدخول الرجل عليهم يدل على مفارقته لهم قبل ذلك، ولو عدنا وركزنا ودققنا في دعائه الذي دعا به نرى أنه سأل الله تعالى وتوجه إليه بنبيه محمد (ص).ثم قوله (يا محمد إني توجهت بك إلى ربي) ونادى رسول الله (ص) وهو بعيد عنه غير حاضر عنده.

ولو تذكرنا قول السلفية وعقيدتهم نرى أنهم لا يجيزون دعاء الميت ولا الغائب البعيد فدعاء الضرير وندائه للنبي (ص) وهو بعيد يدلنا على بطلان قول السلفية والوهابية لا سيما لو تذكرنا ما ذكره الهيثمي في مجمع زوائده (10/132) تحت عنوان:

9- (باب ما يقول إذا انفلتت دابته أو أراد غوثاً أو أضل شيئاً ):عن عتبة بن غزوان عن نبي الله(ص) قال: (إذا أضل أحدكم أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني فإن لله عباداً لا نراهم، وقد جرب ذلك) رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة.
وعن ابن عباس أن رسول الله(ص) قال: إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله. رواه الطبراني ورجاله ثقات.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله(ص) إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أحبسوا يا عباد الله أحبسوا فإن لله حاصراً في الأرض سيحبسه رواه أبو يعلى والطبراني.

10- ونعود إلى الكلام عن قصة عثمان بن عفان مع ذلك الرجل وتعليم عثمان بن حنيف دعاء الضرير لذلك الرجل فقضيت حاجته.
فنقول: قد روى تلك القصة الطبراني فأخرجها في معجمه الكبير (9/31) وصححها في الصغير بعد أن ذكر طرقها وقال في (1/184) من معجمه الصغير والحديث صحيح... والصواب حديث شبيب بن سعيد.
وقال المباركفوري السلفي في تحفة الأحوذي (10/24) بعد أن أورد الحديث بقصته كاملاً: قال الطبراني بعد ذكر طرقه: والحديث الصحيح كذا في الترغيب.
وقال الهيثمي في مجمع زوائده (2/279): قلت: روى الترمذي وابن ماجة طرفاً من آخره خالياً عن القصة وقد قال الطبراني عقبه: والحديث صحيح بعد ذكر طرقه التي روى بها.
ورجح الحاكم طريق شبيب ايضاً وزياداته حيث قال في مستدركه على الصحيحين (1/526): (تابعه) شبيب بن سعيد الخطمي عن روح بن القاسم زيادات في المتن والإسناد والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون.
ولو تذكرنا قول الطبراني وترجيحه لرواية وطريق شبيب بن سعيد على رواية وطريق شعبة لعلمنا أن الطبراني والحاكم يميلون ويقوون تلك الزيادة وتلك القصة وكذا الكلام فيما صنعه المباركفوري في تحفة الأحوذي والهيثمي في مجمع الزوائد حيث نقلوا القصة كاملة ونقلوا تصحيح الطبراني وذكر طرق الحديث وبذلك نجزم بأن القصة صحيحة لا غبار عليها وليس فيها راو واحد ضعيف أو كذاب فيجب التسليم بها .

11- وقال السلفي كما نقله عن المباركفوري السلفي أيضاً في تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (10/25): وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين: وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله إلى الله عز وجل مع اعتقاد أنّ الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن انتهى. وقال فيها في شرح قول صاحب العمدة: (ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين) ما لفظه: ....
ثم قال المباركفوري: وقال (الشوكاني) في رسالته (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد): وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام (إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي إن صح الحديث فيه) ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه وابن ماجة وغيرهم أنّ أعمى أتى النبي فذكر الحديث،قال (الشوكاني): وللناس في معنى هذا قولان: أحدهما: أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره...
والقول الثاني: أن التوسل به يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر في توسله بالعباس وعندي (والكلام للشوكاني) أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين: الأول ما عرفناك به من إجماع الصحابة والثاني أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله فإذا قال القائل اللهمَّ إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركاً كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الاجابة لهم ولا سكت النبي (ص) عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى: (( مَا نَعبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى )) ونحو قوله تعالى (( فَلَا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً )) ونحوه... ليس بوارد من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم (( مَا نَعبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى )) مصرح بأنهم عبدوهم لذلك والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله (( فَلَا تَدعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ))، فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول: بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، وكذلك قوله (( وَالَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَستَجِيبُونَ لَهُم بِشَيءٍ ))، فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلاّ الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وإذا عرفت هذا (والكلام لا زال للشوكاني السلفي) لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه (ثم رد بعض الأدلة الأخرى لمانعي التوسل حتى قال) وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين قال المباركفوري: انتهى كلام الشوكاني.

12- ونختم لكل معاند بكلام شيخ من شيوخ السلفية وكبير من كبار الوهابية وهو محدث العصر وشيخ الإسلام كما يحلو للسلفية تسميته الشيخ محمد ناصر الألباني حيث قال في كتاب التوسل (ص83):
على إنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته (ص) فيكون حكماً خاصاً به (ص) لا يشاركه فيه غيره من الانبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبل النظر الصحيح، لأنه (ص) سيدهم وأفضلهم جميعاً فيمكن أن يكون هذا مما خصّه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أنّ توسل الأعمى كان بذاته (ص) لله فعليه أن يقف عنده ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الأنصاف والله الموفق للصواب. ..هـ.
ونحن نكتفي بالردّ على كل ما أوردتموه بكلام أئمة السلفية هؤلاء ولا نطالبكم بأكثر من الإنصاف الذي تكلم ببعضه إمامكم الألباني فأفهم!!!
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال