الاسئلة و الأجوبة » القضاء والقدر » القضاء والقدر


أمير العرادي / الكويت
السؤال: القضاء والقدر
هل الإنسان مخير أم مسير؟ وإذا كان مخيراً فما هو إذاً القضاء والقدر ؟
الجواب:
الاخ أمير العرادي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لايوجد تعارض بين القول بالاختيار للانسان وبين الالتزام بالقضاء والقدر, وذلك إذا عرفنا معنى القضاء والقدر.
ومعناهما: هو التقدير أن لوجود كل شيء حداً وقدراً كما لتحقيق وجوده قضاءاً وحكماً مبرماً في جانبه تعالى, فكل شيء يقدر أولاً, ثم يحكم عليه بالوجود.
وهذه الشبهة كانت عالقة في بعض الأذهان منذ القدم, وقد أجاب عنها أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
فقد جاء في كتاب (التوحيد للشيخ الصدوق/الحديث28): (أقبل شيخ الى الامام علي (عليه السلام) عند منصرفه من صفين, فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء الله وقدره؟
فقال: أجل يا شيخ ما علوتم من طلعة, ولاهبطتم من واد إلاّ بقضاء من الله وقدره.
فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين (ومعنى هذه الجملة: إني لم أقم بعمل اختياري ولأجل ذلك أحتسب عنائي).
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا شيخ فوالله لقد عظّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون وفي مقامكم إذ أنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون, لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين, ولا إليه مضطرين.
فقال الشيخ: فكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتظنّ أنه كان قضاءً حتماً وقدراً لازماً, انّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي, والزجر من الله تعالى, وسقط معنى الوعد والوعيد, ولم تكن لائمة للمذنب ولا مَحمَدة للمحسن, ولكان المذنب أولى بالاحسان من االمحسن, ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب, وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن, وحزب الشيطان وقدرية هذه الأمة ومجوسها, وانّ الله كلّف تخييراً ونهى تحذيراً, وأعطى على القليل كثيراً ولم يفعص مغلوباً, ولم يطع مكرهاً, ولم يملك مفوضاً, ولم يخلق السموات والارض وما بينهما باطلاً, ولم يبعث النبييّن مبشرين ومنذرين عبثاً, ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار...
والحديث الشريف جمع بين القول بالقضاء والقدر وكون الانسان مخيراً لا مسيّراً.
ولك منّا خالص التقدير والاحترام
ودمتم سالمين

عبد الرسول / السعودية
تعليق على الجواب (1)
إن إجابتكم على سؤال الأخ أمير العرادي غير كافية، وذلك لأن الموضوع صعب ويحتاج إلى مزيد من التوضيح وخصوصا الرواية التي ذكرتموها، هذه الرواية تحتاج إلى شرح وافي.
الجواب:

الاخ عبد الرسول المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الانسان مخيّر وليس مسيّرا لأنّه يملك بصريح الوجدان والقرآن كامل حريته في الاختيار, ودليل حريته في الاختيار تردده في الانتخاب, ومسؤوليته عن فعله, وإحساسه بالندم والراحة عند انتخاب ما يصلح وما لا يصلح, والوجدان أقوى شاهد على هذه الحقيقة, هذا أولاً .
وثانياً: العقلاء يمدحون العادل والمحسن الى الناس, ويذمّون الظالم الجائر والمسيء الى الناس, ولو لم يكن الانسان هو الفاعل باختياره لما استحق المدح أو الذم.
وثالثاً: إنّ العقاب على الأعمال اكبر دليل على الاختيار, قال الله تعالى: (( وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون )) (السجدة:14).
ثمّ إنّ القرآن الكريم يقرّر حرية اختيار الانسان في طوائف كثيرة من الآيات, (يمكنكم مراجعتها في ص39 من كتاب (( الأمر بين الأمرين )) الموجود في حقل (( الكتب والابحاث العقائدية )) من صفحتنا).
ثمّ إن القول باختيار الانسان لا يتعارض مع القضاء والقدر الذي هو من الأصول المسلّمة في الكتاب والسنة, وليس لمسلم واع أن ينكر واحداً منهما, إلاّ أنّ المشكلة في توضيح ما يراد منهما, فانه المزلقة الكبرى في هذا المقام, ولأجل ذلك نذكر المعنى الصحيح لهذين اللفظين الذي يدعمه الكتاب, وأحاديث العترة الطاهرة, وبراهين العقل السليم.
أما القدر, فالظاهر من موارد استعماله أنّه بمعنى الحد والمقدار وإليه تشير الآيات التالية:
1- قوله تعالى: (( قد جعل الله لكلّ شيء قََدراً )) (الطلاق:3).
2- قوله تعالى: (( والله يقدّفر الليل والنهار )) (المزمل:20).
3- قوله تعالى: (( وما ننزّله إلاّ بقدر معلوم )) (الحجرّ:21).
وأما القضاء, فقد ذكروا له معاني كثيرة.
والظاهر أنّه ليس له إلاّ معنى واحد, وما ذكر من المعاني كلّها مصاديق لمعنى واحد. وأول من تنبّه لهذه الحقيقة هو اللغوي المعروف (أحمد بن فارس بن زكريا) يقول: ( القضاء أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته قال الله تعالى: (( فقضاهن سبع سموات في يومين )) أي أحكم خلقهن - الى أن قال - والقضاء الحكم قال الله سبحانه في ذكر من قال: (( فاقض ما أنت قاض )) أي إصنع وأحكم, ولذلك سمّي القاضي قاضيا لأنّه يحكم الاحكام وينفذها, وسمّيت المنية قضاء لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق) (المقاييس:5 / 99). إذن كل قول أو عمل إذا كان متقنا محكما, وجاداً قاطعا, وفاصلاً صارما لا يتغير ولا يتبدل, فذلك هو القضاء.

هذا ما ذكره أئمة اللغة, وقد سبقهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ففسروا القدر والقضاء على النحو التالي:
1- عن الامام الرضا (عليه السلام) وقد سأله يونس عن معنى القدر والقضاء فقال: (هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء, والقضاء هو الإبرام وإقامة العين) (الكافي:1 /158) .
2- عن يونس عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): (قال: قلت: ما معنى قدر ؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه, قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مردّ له) (المحاسن:2449 .
ثم إنّ كلاّ من القدر والقضاء على قسمين : عيني وعلمي.

القسم الاول: القدر والقضاء العيني.
وحاصل التقدير العيني أن الموجودات الإمكانية على صنفين :
1- موجود مجرد عن المادة والزمان والمكان كالملائكة والعقول والنفوس, فقدره هو ماهيته التي يتحدد بها وجوده.
2- موجود مادي خلق في إطار الزمان والمكان, فقدره عبارة عن جميع خصائصه الزمانية والمكانية والكيفية والكمية.
وأما القضاء العيني, فهو عبارة عن الضرورة التي تحف وجود الشيء بتحقيق علته التامة بحيث يكون وجوده ضروريا مقطوعاً به من ناحية علته الوجودية.
وعلى ذلك فكل مافي الكون لا يتحقق إلا بقدر وقضاء.
أما القدر, فهو عبارة عن الخصوصيات الوجودية التي تبين مكانة وجود الشيء على صفحة الوجود, وأنّه من قبيل الجماد أو النبات أو الحيوان أو فوق ذلك, وأنه من الوجودات الزمانية, والمكانية الى غير ذلك من الخصوصيات التي تبيّن وضع الشيء وموضعه في عالم الوجود.
وأما القضاء, فهو عبارة عن وصول الشيء حسب اجتماع أجزاء علته الى حد يكون وجوده ضروريا وعدمه ممتنعا, بحيث إذا نسب الى علته يوصف بأنّه ضروري الوجود.
فلأجل ذلك استعير لبيان مقدار الشيء من الخصوصيات لفظ ( القدر ), ولتبين ضرورة وجوده وعدم إمكان تخلّفه, لفظ ( القضاء ) ولأجل ذلك فسرّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) القدر بالهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء, والقضاء بالإبرام وإقامة العين.

القسم الثاني: القدر والقضاء العلمي.
إذا كان التقدير والقضاء العينيان راجعين الى إطار وجود الشيء في الخارج مع اتصافه بالتقدير والضرورة, يكون المراد من التقدير والقضاء العلميين, علمه سبحانه بمقدار الشيء وضرورة وجوده في ظرف خاص.
وبعبارة اخرى: ان التقدير العلمي هو علمه سبحانه بما تكون عليه الاشياء كلها من حدود وخصوصيات.
والقضاء العلمي هو علمه سبحانه بحتمية وجود تلك الاشياء عن عللها ومبادئها.
ولتوضيح القضاء العلمي وبيان عدم استلزامه وجود الجبر في الافعال الاختيارية للعبادة نقول:
لا شك أن الله سبحانه كان عالما بكل ما يوجد في هذا الكون, كما أنه سبحانه كان عالماً قبل أن يخلق العالم بأفعال المجرمين وطاعة الطائعين هذا من جانب.
ومن جانب آخر: إن علمه تعالى بالامور علم بالواقع والحقيقة وهو لا يتخلف عن الواقع قيد شعرة لسعة علمه تعالى بالاشياء (( قد أحاط بكلّ شيء علما )) (الطلاق:12).
وعلى هذا الاساس ربّما يتصور أن تعلق علم الله تعالى بكل الاشياء يجعل الانسان مجبورا مضطرا متظاهرا بالحرية والاختيار, لأنه سبحانه إذا كان يعلم من الأزل, أن هذا الشخص سيرتكب الذنب الفلاني في الساعة المعينة, فبما أنّ العلم الإلهي لا يتخلف عن معلومه يجب ان يكون الشخص مصدرا لهذا الذنب, ولا يستطيع أن يتخلف عنه بأية قوة وقدرة, بل لا يستطيع أن يغير من كميته وكيفيته, إذ تخلفه نفس تخلف علم الله في الواقع, وصيرورة علمه جهلا تعالى الله عنه.
والجواب عن ذلك: إنّ علمه سبحانه لم يتعلق بصدور أي اثر من مؤثره على أي وجه اتفق, وإنما تعلق علمه بصدور الآثار عن العلل مع الخصوصية الكامنة في نفس تلك العلل.
فان كانت العلة شاعرة ومريدة ومختارة كالانسان, فقد تعلق علمه تعالى على صدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية. فلو صدر فعل الانسان منه بهذه الكيفية, لكان علمه مطابقا للواقع غير متخلف عنه, وأما لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور, أو بلا اختيار وإرادة فعند ذلك يتخلف علمه عن الواقع.
وبعبارة اخرى, إنّ الاعمال الصادرة من الانسان على قسمين:
قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة كأعمال الجهاز الدموي والجهاز المعوي وجهاز القلب، التي تتسم في أفعال الانسان بسمة الاعمال الاضطرارية غير الاختيارية.
وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار, ويتسم بسمة الاعمال الاختيارية غير الاضطرارية كدراسته وكتابته وتجارته وزراعته.
وعلى ما سبق من أن علم الله تعالى تعبير عن الواقع بما لا يتخلف عنه قيد شعرة, فتقع أعماله مورداً لتعلق علم الله بها على ماهي عليه من الخصائص والالوان.
فتكون النتيجة أنه سبحانه يعلم من الأزل بصدور معين في لحظة معينة من انسان معيّن إما بالاضطرار والإكراه أو بالاختيار والحرية, وتعلق مثل هذا العلم لا ينتج الجبر, بل يلازم الاختيار, ولو صدر كل قسم على خلاف ما اتسم به لكان ذلك تخلفا عن الواقع.
إذن الانسان مخيّر وليس بمسير، والقول باختيار الانسان لا يعارض الالتزام بالقضاء والقدر، نعم يعارض الاختيار إذا فسّرنا القضاء والقدر بمعنى ان جميع ما يصيب الانسان من خير أو شر الى الله تعالى دون أن يكون للانسان أي إرادة, فهذا ينفي العدل الالهي, لأن الانسان في مثل هذه الحالة يحاسب عن أعمال ليس له إرادة في فعلها أو تركها.
بقيت هنا كلمة وهي: أن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) فسرّ القضاء والقدر للشامي الذي سأله عنهما بالامر بالطاعة والنهي عن المعصية.
وذلك عندما قال الرجل له: فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): (الامر بالطاعة والنهي عن المعصية والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة، والمعونة على القربة اليه والخذلان لمن عصاه والوعد والوعيد والترغيب والترهيب, كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا, وأما غير ذلك فلا تظنه, فان الظن له محبط للأعمال).
فقال الرجل: فرّجت عني يا أمير المؤمنين فرّج الله عنك. (بحار الانوار: 5 / 126 ـ ح74 ).
و نعتذر عن الإطالة.
ودمتم سالمين


عبد الله / العراق
تعليق على الجواب (2)
تقولون (( سبحانه يعلم من الأزل بصدور معين في لحظة معينة من إنسان معين إما بالاضطرار والإكراه أو بالاختيار والحرية )).
سؤال: لو لم تقولوا (انسان معين) فهل يعني هذا أن لدى الله نتيجة واحدة ستتحقق بإحدى الطريقتين أي إكراها أو اختيارا، أم لديه نتيجتان لكل حالة، وإذا صح الشق الثاني من سؤالي فأن علم الله بالإكراه إن لم يكن مصادرة للإرادة فهل هو اختيار يسأل عليه الغير المكره - بكسر الراء - وإذا كان المكره ظرفا طبيعيا كيف ذلك؟
الجواب:
الأخ عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
علم الله تعالى بصدور الافعال عن فاعلها سواء أكان الفاعل لها فاعلا طبيعيا كالنار ام فاعلا اراديا كالانسان لا يترتب عليه الاكراه والالجاء اما في حالة الفاعل الارادي فظاهر لان الاكراه لو تم لكان الفاعل المريد ليس مريدا ولا مختارا وهذا خلاف البداهة والتجربة.
واما في حالة الفاعل الطبيعي فان الاكراه لا معنى له لان المكره على فعل شيء يكون من شانه واستعداده ان يصدر عنه الفعل بطريق الاختيار اذ لو لم يكن مستعدا في ذاته لان يصدر منه الفعل اختيارا فلا يصح ان يكون مكرها لان الاكراه هو ارغام الشيء على فعل امر خلاف استعداده .
فظهر مما تقدم ان علم الله تعالى بصدور الفعل عن فاعله لا يؤثر في صدوره، فإن علمه عز وجل هو الاحاطة بالمعلوم من جهة ما يترتب عليه فعلا وذاتا ولو خرج العلم عن حده هذا وصار بحيث يلزم عنه تأثير الاثر وايجاد الفعل لم يكن، علما فتأمل . 
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال