الاسئلة و الأجوبة » القياس » أدلة القياس


جابر عبد الواحد / البحرين
السؤال: أدلة القياس
أشكركم على جهودكم, واسئلكم عن أدلة القياس التي أعتمد عليها أهل السنة في حجيته ؟ مع ذكر رد علمائنا عليهم, وأرجو أن يكون فيه شيء من التطويل.
وجزاكم الله خير الجزاء.
الجواب:

الأخ جابر عبد الواحد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأدلة التي ذكرها المثبتون للقياس كثيرة, وهذه الأدلة تعتمد على الكتاب, والسنة, والإجماع, والعقل.

أدلتهم من الكتاب: وقد استدلوا من الكتاب بعدّة آيات هي:
1- قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا )) (النساء:59). وتقريبها: إن القياس بعد استنباط علّته بالطرق الظنية من الكتاب والسنة, يكون رداً إلى الله والرسول، ونحن مأمورون بالرجوع إليهما بهذه الآية, ومعناه أننا مأمورون بالرجوع إلى القياس عند التنازع, وليس معنى الأمر بذلك إلا جعل الحجية له.
ولكن يرد عليه بعض المؤاخذات وهي:
أ- إن دلالة الآية متوقفة على أن يكون القياس الظني رداً إلى الله والرسول, وهو موضع النزاع, ولذلك احتجنا إلى هذه الآية ونظائرها لإثبات كونه رداً.
ب- الآية إنما وردت في التنازع والرجوع إلى الله والرسول لفض النزاع والإختلاف, ومن المعلوم أن الرجوع إلى القياس لا يفض نزاعاً ولا إختلافاً, لإختلاف الظنون. وعلى هذا، فالآية أجنبية عن جعل الحجية لأي مصدر من مصادر التشريع قياساً أو غير قياس، وموردها الرجوع إلى من له حق القضاء, والحكم بإسم الإسلام لفض الخصومات.
ج- إن الآية لا تدل على حجية القياس بقول مطلق, إلا بضرب من القياس, وذلك لورودها في خصوص باب التنازع, فتعميمها إلى مقام الإفتاء والعمل الشخصي, لا يتم إلا من طريق السبر والتقسيم أو غيره.
2- قوله تعالى: (( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار )) (الحشر:2).
موضع الدلالة من الآية كلمة (اعتبروا), بدعوى أن في القياس عبوراً من حكم الأصل ومجاوزة عنه إلى حكم الفرع, فإذا كنا مأمورين بالإعتبار فقد أمرنا بالعمل بالقياس, وهو معنى حجيته.
ولكن هذه الاستفادة كسابقتها لا يتضح لها وجه وذلك:
أ- إن إثبات الحجية لمطلق الإعتبار بحيث يشمل المجاوزة القياسية, موقوف على أن يكون المولى في مقام البيان من هذه الجهة, والمقياس في كونه في مقام البيان, هو أننا لو صرحنا بالمعنى الذي يراد بيانه لكان التعبير سليماً, وظاهر الدلالة على كونه مراداً لصاحبه.
ب- مع التنزل وافتراض مجيئها لبيان هذا المعنى ولو بإطلاقها, إلا أنها واردة لجعل الحجية لأصل القياس كدليل.
3- قوله تعالى: (( قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة )) (يس:78).
وقد قرّب دلالتها صاحب مصادر التشريع بقوله: ( إن الله عزّ وجل, استدل بالقياس على ما أنكره منكرو البعث, فإن الله عزّ وجل قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدأ خلقها وإنشائها أول مرّة, لإقناع الجاحدين بأن من قدر على بدأ خلق الشيء قادر على أن يعيده, بل هذا أهون عليه, فهذا الإستدلال بالقياس إقرار لحجية القياس وصحة الأستدلال به, وهو قياس في الحسيات, ولكنه يدل على أن النظير ونظيره يتساويان).
والجواب على هذا التقريب:
أ- إن هذه الآية لو كانت واردة لبيان الإقرار على حجية القياس, لصح أن يعقب بمضمون هذا الإقرار, ولسلم الكلام كأن نقول: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة, فقيسوا النبيذ على الخمر.
ب- لو سلّم ذلك - جدلاً - فالآية غاية ما تدل عليه, هو مساواة النظير للنظير, أي جعل الحجية لأصل القياس لا لمسالكه, والدليل الذي يتكفّل حجية الأصل لا يتكفّل بيان ما يتحقق به.
ج- ولو سلّمنا أيضاً دلالته على حجية مسالكه, فهي لا تدل عليها بقول مطلق, إلا بضرب من القياس, لأن الآية إنما وردت في قياس الأمور المحسوسة بعضها على بعض, فتعميمها إلى الأمور الشرعية موقوف على السبر والتقسيم أو غيره, فيلزم الدور.
4- قوله تعالى: (( فجزاء مثل ما قتل من النعم )) (المائدة:95). قد استدل بها الشافعي على حجيته حيث قال: فهذا تمثيل الشيء بعدله, وقال: يحكم به ذوا عدل منكم, وأوجب المثل, ولم يقل أي مثل, فوكّل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا ( إرشاد الفحول 201 ).
والجواب: إن الشارع وإن ترك لنا أمر تشخيص الموضوعات, إلا أنه على وفق ما جعل لها الشارع, أو العقل من الطرق, وكون القياس الظني من هذه الطرق كالبينة هو موضع الخلاف, والآية أجنبية عن إثباته.
5- قوله تعالى: (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )) (النحل:90).
قد استدل بها ابن تيمية على القياس بتقريب: أن العدل هو التسوية, والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم, فيتناوله عموم الآية.
وقد أجاب عنه الشوكاني: بمنع كون الآية دليلاً على المطلوب بوجه من الوجوه, ولو سلّمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها, لا في الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي, ونوع من أنواع الظنون الزائفة, وخصلة من خصال الخيالات المختلة (إرشاد الفحول 202).
والأنسب أن يقال: إن هذه لو تمّت دلالتها على الأمر بالقياس, بما أنه عدل, فهي إنما تدل على أصل القياس, لا على مسالكه المظنونة, والكلام إنما هو في القياس المعتمد على استنباط العلل.

أدلتهم من السنة: أما ما استدل به من السنة, فروايات تكاد تنتظم في طائفتين تتمثل:
أولاهما: حديث معاذ بن جبل حيث ورد فيه: لما بعثه (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن, قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله, قال: فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله, قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله, ولا في كتاب الله ؟ قال أجتهد رأيي..., قال: فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدره, وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله (إرشاد الفحول 202).
وتقريبه: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقرّ الإجتهاد بالرأي في طول النص بإقراره لإجتهاد معاذ, وهو شامل بإطلاقه للقياس.
ويرد على الإستدلال بالرواية:
1- إنها ضعيفة بجهالة الحارث بن عمرو, حيث نصّوا على أنه مجهول, وبإغفال راويها لذكر من أخذ عنهم الحديث من الناس من أصحاب معاذ.
2- إن هذا الحديث غير وافي الدلالة على ما سيق لإثباته وذلك:
أ- إن إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاذ, ربما كان لخصوصية يعرفها النبي (صلى الله عليه وآله) فيه، تبعده عن الوقوع في الخطأ, ومجانبة الواقع, وإلا لما خوّله هذا التخويل المطلق في استعمال الرأي.
ب- إن هذا الحديث وارد في خصوص باب القضاء, وربما اختص باب القضاء بأحكام لا تسري إلى عالم الإفتاء.
ج- إن هذا الحديث معارض بما دل على الردع عن إعمال الرأي, ولا أقل من تخصيصه بخروج الآراء الفاسدة جمعاً بين هذه الأدلة.
ثانيهما: ما ورد من الأحاديث المشعر بعضها بإستعمال النبي (صلى الله عليه وآله) للقياس, وبما أن عمله حجة باعتباره سنة واجبة الإتباع, فإن هذه الطائفة من الأحاديث دالة على حجية القياس. والأحاديث التي ذكروها كثيرة.
منها: حديث الجارية الخثعمية أنها قالت: ( يا رسول الله, إن أبي أدركته فريضة الحج شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحج, إن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته, أكان ينفعه ذلك ؟ قالت: نعم, قال: فدين الله أحق بالقضاء ).
ووجه الإحتجاج به كما قرّبه الآمدي ( إنه ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه, وهو عين القياس ).
ومنها: الحديث الذي جاء فيه: ( إنه قال لأم سلمة, وقد سئلت عن قفبلة الصائم: هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم ) وإنما ذكر ذلك فيما يقول الآمدي تنبيهاً على قياس غيره عليه.
ومنها: قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: ( أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم, فقال: فلا إذن (الأحكام للآمدي 3 / 78).
والجواب على هذه الأحاديث:
1- إن هذه الأحاديث لو كانت واردة في مقام جعل الحجية للقياس, فغاية ما يستفاد منها, جعل الحجية لمثل أقيسته (صلى الله عليه وآله) مما كان معلوم العلة لديه, كما هو مقتضى ما تلزم به رسالته, من كونه لا يعدو في تشريعاته ما أمر بتبليغه من الأحكام.
ومثل هذا العلم بالحكم لا يتوفر إلا عند العلم بالعلة في الفرع, على أن نسبة ما يصدر منه للقياس موقوف على إمكان صدور الإجتهاد منه, أما إذا نفينا ذلك عنه, وقصرنا جميع تصرفاته على خصوص ما يتلقّاه من الوحي ( إن هو إلا وحي يوحى ) فتشبيه قياساتنا بقياساته, وإثبات الحجية لها على هذا الأساس قياس مع الفارق الكبير, وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا الفارق في بعض خطبه بقوله: يا أيها الناس, أن الرأي إنما كان من رسول الله مصيباً, لأن الله كان يريه, وإنما هو منا الرأي والتكلف ( إبطال القياس لابن حزم 58 ).
ومع هذا الفارق, كيف يمكن لنا أن نسري الحكم إلى قياساتنا المظنونة, أليست صحة هذه التسرية إليها مبنية على ضرب من القياس المظنون, وهو موضع الخلاف !
2- إن هذه الأنواع من الأحاديث ليست من القياس في شيء, فرواية الخثعمية واردة في تحقيق المناط من قسمة الأول, أي تطبيق الكبرى على صغراها.
فالكبرى ـ وهي مطوية ـ: ( كل دين يقضى ) هي في واقعها أعم من ديون الله وديون الآدميين, وقد طبّقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دين الله لأبيها, فحكم بلزوم القضاء, وأين هذا من القياس المصطلح ؟ على أنا لو سلّمنا أنه منه, فهو من قبيل قياس الأولوية بقرينة قوله (صلى الله عليه وآله): ( فدين الله أحق ), أي أولى بالقضاء, وهو ليس من القياس.
وما يقال عن رواية الخثعمية, يقال عن الرواية الثالثة حيث نقّح (صلى الله عليه وآله) بسؤاله صغرى لكبرى كلية, وهي كلّما ينقص لا يجوز بيعه.
ولسان الرواية الثانية يأبى نسبة مضمونها إلى النبي (صلى الله عليه وآله), فهو أسمى من أن يشهر بشيء يعود إلى شؤونه وعوالمه الخاصة مع نسائه.

استدلالهم بالإجماع: والإجماع المحكي هنا, هو إجماع الصحابة.
وتقريب الإستدلال به هو: أن الصحابة اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نصّ فيها من غير نكير من أحد منهم (الأحكام 3 / 81).
وتوجيه اتفاقهم ـ مع أنه لم ينقل ذلك عنهم تاريخياً ـ هو: أن آحاداً منهم, أفتوا إستناداً إلى القياس, وسكت الباقون فلم ينكروا عليهم, وسكوتهم يكون إجماعاً, أو أن بعضهم صرّح بالأخذ بالرأي من دون إنكار عليه, ومن ذلك قول أبي بكر في الكلالة: (أقول فيها برأيي, فإن يكن صواباً فمن الله, وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريئان منه) (روضة الناظر 148).
ومنه قول عمر: (أقضي في الجد برأيي, وأقول منه برأيي) (الأحكام 3 / 81).
والنقاش في هذا الإجماع واقع صغرى وكبرى:
أما الصغرى: فبإنكار وجود مثله عادة, لأن مثل هذه الروايات - لو تمت دلالتها على القياس - فإنما هي صادرة من أفراد من الصحابة أمام أفراد, فكيف اجتمع عليها الباقون منهم, واتفقوا على فحواها ؟ ولعل الكثير منهم لم يكن في المدينة عند صدورها.
وأما الكبرى: فبالمنع من حجية مثل هذا الإجماع, وذلك لأمور:
1- أن السكوت - لو شكّل إجماعاً - لا يدل على الموافقة على المصدر الذي كان قد اعتمده المفتي, أو الحاكم بفتياه أو حكمه, وبخاصة إذا كان هو نفسه غير جازم بسلامة مصدره, كقول أبي بكر السابق: ( أقول فيها برأيي, فإن يكن صواباً فمن الله, وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ).
على أن منشأ السكوت قد يكون هو المجاملة أو الخوف أو الجهل بالمصدر, فدفع هذه المحتملات وتعيين الإيمان بالمصدر, وهو حجية الرأي من بينها, لا يتم إلا بضرب من القياس المستند إلى السبر والتقسيم أو غيره من مسالك العلة, وهو موضع الخلاف, ولا يمكن إثباته بالإجماع للزوم الدور.
2- إن هذا الإجماع - لو تم - معارض بإجماع مماثل على الخلاف.
ويمكن تقريبه بمثل ما قرّبوا به ذلك الإجماع, من أن الصحابة أنكروا على العاملين بالرأي والقياس, أمثال قول الإمام علي (عليه السلام): لو كان الدين بالرأي, لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.
وفي رواية أخرى: لو كان الدين بالقياس, لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره.
وسكوت الصحابة بنفس تقريبهم السابق يكون إجماعاً على إبطاله.
3- مع تسليم حجية هذا النوع من الإجماع, والتغاضي عن كل ما أورد عليه, إلا أن ما قام عليه الإجماع هو نفس القياس لا مسالكه المظنونة, إذ ليس في هذه الفتاوى ما يشير إلى الأخذ بمسلك من هذه المسالك موضع الخلاف ليصلح للتمسك به على إثباته, والإجماع من الأدلة اللبية التي يقتصر فيها على القدر المتيقن, إذ لا إطلاق أو عموم لها ليصح التمسك به, والقدر المتيقن هو خصوص ما كان معلوم العلة منه, فلا يصح التجاوز عنه إلى غيره.

أدلتهم من العقل: وقد صوّروها بصور عدّة منها:
1- ما ذكره خلاف من: ( أن الله سبحانه ما شرّع حكماً إلا لمصلحة, وأن مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام, فإذا ساوت الواقعة المسكوت عنها الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم التي هي مظنة المصلحة, قضت الحكمة والعدالة أن تساويهما في الحكم, تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع, ولا يتفق وعدل الله وحكمته أن يحرّم الخمر لاسكارها محافظة على عقول عباده, ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصية الخمر وهي الإسكار, لأن مآل هذا المحافظة على العقول من مسكر, وتركها عرضة للذهاب بمسكر ).
وهذا الدليل إنما يتم على خصوص مبنى العدلية في التحسين والتقبيح العقليين, وإلا فأي ملزم للشارع المقدّس ـ بحكم العقل ـ أن لا يخالف بين الحكمين, ما دام لا يؤمن العقل بحسن أو قبح عقليين.
والحقيقة: إن حكم العقل غاية ما يدل عليه, هو حجية أصل القياس لا حجية مسالك علله وطرقها, فمع المساواة في العلة التامة الباعثة على الحكم, لا بد أن يتساوى الحكم, أي مع إدراك العقل لمقتضى التكليف وشرائطه, وكل ما يتصل به, لا بد أن يحكم بصدور حكمه على وفق ما يقتضيه.
أما أن يحكم لمجرد ظنه بالعلة, وتوفرها في الفرع, فهذا ما لا يلزم به العقل أصلاً.
نعم، إذا ظن العقل بوجود العلة فقد ظن بوجود الحكم, إلا أن مثل هذا الظن لا دليل على حجيته, ما دامت طريقيته ليست ذاتية, وحجيته ليست عقلية.
2- ما ذكره الشهرستاني من أنا: نعلم قطعاً ويقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات, مما لا يقبل الحصر والعد, ونعلم قطعاً أنه لم يرد في كل حادثة نص, ولا يتصور ذلك أيضاً, والنصوص إذا كانت متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى علم قطعاً, أن الإجتهاد والقياس واجب الإعتبار, حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد (سلم الوصول 295).
وهذا الإستدلال يبتني في تماميته على مقدمتين:
الأولى: دعوى تناهي النصوص وعدم تناهي الحوادث.
الثانية: دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.
والدعوى الأولى ليست موضعاً لشك ولا شبهة, فالنصوص بالوجدان متناهية, والحوادث بالوجدان أيضاً غير متناهية.
ولكن الكلام في تمامية الدعوى الثانية, وهي دعوى أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.
وذلك أن الذي لا يتناهى هي الجزئيات لا المفاهيم الكلية, والجزئيات يمكن ضبطها ـ بواسطة كلياتها ـ وقضايا الشريعة إنما تتعرض للمفاهيم الكلية غالباً, وهي كافية في ضبط جزئيات ما يجد من أحداث, وبخاصة إذا ضم إليها ما يكتشفه العقل من أحكام الشرع على نحو القطع.
وما جعل لها من الطرق والإمارات والأصول المؤمنة, يغني عن اعتبار القياس بطرقه المظنونة كضرورة عقلية, لا بد من اللجوء إليها, وهي وافية بحاجات الناس على اختلاف عصورهم وبيئاتهم.
3- قولهم: ( إن القياس دليل تؤيده الفطرة السليمة والمنطق الصحيح, ويبني عليه العقلاء أحكامهم, فمن نهي عن شراب لأنه سام, يقيس بهذا الشراب كل سام, ومن حرم عليه تصرف لأن فيه اعتداء وظلماً لغيره, يقيس بهذا كل تصرف فيه اعتداء وظلم لغيره, ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجري على الآخر, وأن التفريق بين المتساويين في أساسه ظلم ).
وهذا الدليل لا يتعرض إلى أكثر من حجية أصل القياس لا طرقه المظنونة, وحجية أصل القياس لا تقبل المناقشة.
خلاصة البحث: إن جميع ما ذكره مثبتو القياس من الأدلة لا تنهض بإثبات الحجية له, فنبقى نحن والشك في حجيته, والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها.
وتمام رأينا في القياس: أن القياس يختلف بإختلاف مسالكه وطرقه, فما كان مسلكه قطعياً أخذ به, وما كان غير قطعي لا دليل على حجيته.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال