الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » هل تعدّ المعيّة فضيلة؟


علي طاهر عبد اللطيف / السعودية
السؤال: هل تعدّ المعيّة فضيلة؟
ما المقصود في آية الغار: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)؟ هل المقصود رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والإمام عليّ(عليه السلام)، أو رسول(صلّى الله عليه وآله) وأبو بكر؟
وإذا كان أبو بكر، هل تعدّ له فضيلة، أم ضدّه، حيث لم يثق بالرسول وبحماية الله لهما؟
الجواب:

الأخ علي طاهر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نذكر لك مناظرة الشيخ المفيد(قدّس سرّه)(1) مع عمر بن الخطّابفي المنام، ومن خلالها يتّضح الجواب على أسئلتك:
عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد النعمان(رضي الله عنه)، أنّه قال: ((رأيت في المنام سنة من السنين، كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها أناس كثير, فقلت: ما هذا؟
قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.
فقلت: ومن هو؟
قالوا: عمر بن الخطّاب.
ففرّقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله، فقطعت عليه الكلام، وقلت: أيّها الشيخ! أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40) ؟
فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر في هذه الآية في ستّة مواضع:
الأوّل: أنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وذكر أبا بكر وجعله ثانيه, فقال: (( ثَانِيَ اثنَينِ إِذ هُمَا فِي الغَارِ )).
والثاني: أنّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما، فقال: (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ )).
والثالث: أنّه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ )).
والرابع: أنّه أخبر عن شفقة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليه ورفقه به لموضعه عنده، فقال: (( لاَ تَحزَن )).
والخامس: أنّه أخبر أنّ الله معهما على حدّ سواء, ناصراً لهما ودافعاً عنهما، فقال: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )).
والسادس: أنّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم تفارقه سكينته قطّ, فقال: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) (التوبة:40).
فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار, لا يمكنك ولا غيرك الطعن فيها.
فقلت له: حبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك عنه، وإنّي بعون الله سأجعل ما أتيت به كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.

أمّا قولك: إنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وجعل أبا بكر معه ثانيه, فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! فنحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً، أو كافراً وكافراً، اثنان فما أرى لك في ذلك العدد طائلاً تعتمده.

وأمّا قولك: إنّه وصفهما بالاجتماع في المكان, فإنّه كالأوّل؛ لأنّ المكان يجمع الكافر والمؤمن، كما يجمع العدد المؤمنين والكفّار, وأيضاً: فإنّ مسجد النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أشرف من الغار, وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار, وفي ذلك قوله عزّ وجلّ: (( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهطِعِينَ * عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ )) (المعارج:36-37)، وأيضاً: فإنّ سفينة نوح قد جمعت النبيّ، والشيطان، والبهيمة والكلب، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان!

وأمّا قولك: إنّه أضافه إليه بذكر الصحبة, فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين؛ لأنّ اسم الصحبة يجمع المؤمن والكافر, والدليل على ذلك قوله تعالى: (( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً )) (الكهف:37)، وأيضاً: فإنّ اسم الصحبة يطلق بين العاقل والبهيمة, والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عزّ وجلّ: (( وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَومِهِ )) (إبراهيم:4)، أنّهم قد سمّوا الحمار صاحباً، فقالوا:

إنّ الحمار مع الحمير مطية ***** فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً: قد سمّوا الجماد مع الحي صاحباً, قالوا ذلك في السيف، فقالوا شعراً:

زرت هنداً وذاك غير اختيان ***** ومعي صاحب كتوم اللّسان

يعني: السيف, فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه؟!

وأمّا قولك: إنّه قال: (( لاَ تَحزَن ))، فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه؛ لأنّ قوله: (( لاَ تَحزَن ))، نهي، وصورة النهي قول القائل: ((لا تفعل))، فلا يخلو أن يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية, فإن كان طاعة فإنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها, وإن كان معصية فقد نهاه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه، بدليل أنّه نهاه.

وأمّا قولك: إنّه قال: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))، فإنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أخبر أنّ الله معه، وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله تعالى: (( إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر:9)، وقد قيل أيضاً في هذا: إن أبا بكر, قال: ((يا رسول الله! حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه)), فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (( لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) أي: معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).

وأمّا قولك: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر, فإنّه ترك للظاهر؛ لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) من النبوّة..

على أنّ هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيراً له! لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها, فقال في أحد الموضعين: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَى )) (الفتح:26) وقال في الموضع الآخر: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26)، ولما كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة, فقال: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ ))، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين, فدلّ إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان.
فلم يحر جواباً، وتفرّق الناس، واستيقظت من نومي))(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) هو: محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي، يعرف بـ(ابن المعلّم)، من أعاظم علماء الإمامية وأكبر شخصية شيعية ظهرت في القرن الرابع، انتهت إليه رئاسة متكلّمي الشيعة في عصره، كان كثير التقشّف والتخشّع والإكباب على العلم، وكان فقيهاً متقدّماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، ونعم ما قاله فيه الخطيب البغدادي: إنّه لو أراد أن يبرهن للخصم أنّ الاسطوانة من ذهب وهي من خشب لاستطاع، وله قريب من مائتي مصنّف، ولد سنة 338هـ، وتوفّي سنة 413هـ، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء من المخالف والموافق، وقيل: شيّعه ثمانون ألفاً من الناس، وصلّى عليه الشريف المرتضى، ودفن بجوار الإمامين الكاظم والجواد(عليهما السلام)، وحكي أنّه وجد مكتوباً على قبره بخطّ القائم (عجل الله فرجه الشريف):
لا صوّت الناعي بفقدك إنّه ***** يوم على آل الرسول عظيمُ
إن كنت غُيّبت في جدث الثرى ***** فالعدل والتوحيد فيك مقيمُ
والقائم المهدي يفرح كلّما ***** تُليت عليك من الدروس علومُ
تجد ترجمته في: سير أعلام النبلاء، للذهبي 17: 344 (213)، بحار الأنوار 53: 255.
(2) الاحتجاج، للطبرسي 2: 325 - 329 احتجاج الشيخ المفيد.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال