الاسئلة و الأجوبة » أبو هريرة » مناقضته لصريح الكتاب في خلق السماوات والأرض في ستّة أيام


محمود عيد ابراهيم
السؤال: مناقضته لصريح الكتاب في خلق السماوات والأرض في ستّة أيام
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة في ما بين العصر إلى الليل)).
أخرجه أحمد بن حنبل، ومسلم، وإسناده من أوّله إلى آخره صحيح، ورجاله كلّهم ثقات، وأبو هريرة صحابي، ومن المحال عقلاً أن يكذب على رسول الله؟ حسب الموازين.
لكن الله سبحانه وتعالى يؤكّد في أكثر من آية محكمة أنّه قد خلق السموات والأرض في ستّة أيام، والرسول لا ينطق عن الهوى، بل يتّبع ما يوحى إليه من ربّه.
فمن نصدّق حسب رأيكم؟ هل نصدّق القرآن؟ أو نصدّق الموازين العلمية؟!
وهل يعقل أن يناقض الوحي نفسه؟! ومعنى ذلك أنّ الخلل يكمن في الموازين لا في الدين!!)).
الجواب:

الأخ محمود المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الحديث المروي عن أبي هريرة، ظاهر وصريح في تعداد سبعة أيام، بالأخص عند ملاحظة أنّه ينصّ على ذكر الأيام، فيقول: ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق... يوم الأحد، وخلق... يوم الاثنين، وخلق... يوم الثلاثاء، وخلق... يوم الأربعاء، وبث... يوم الخميس، وخلق... يوم الجمعة...))(1)، فكلّ من له أدنى معرفة بالحساب وبأوليات اللّغة العربية يدرك جيداً أنّ المراد في الحديث سبعة أيام، فهذا الحديث دليل قويّ على وجود الأحاديث الموضوعة في الصحاح والمسانيد.

وممّا يؤيّد مدّعانا: ما وقع فيه علماء الحديث، من خلط وخبط في معنى الحديث، ولو كان لديهم تأويل، له أدنى وجه، لنصّوا عليه وتخلّصوا من سائر الإشكالات والتوجيهات التي ذكروها، لا لشيء، بل لالتزامهم بصحّة كلّ ما ورد في صحيح مسلم.

قال ابن كثير في تفسيره: ((وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلّم عليه: علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفّاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنّ أبا هريرة إنّما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنّما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً، وقد حرّر ذلك البيهقي))(2).

وفي كتابي (المنار المنيف)، و(نقد المنقول) لابن قيّم الجوزية: ((ويُشبِه هذا ما وقع فيه الغلَط من حديث أبي هريرة: (خلق الله التربة يوم السبت...) الحديث، وهو في صحيح مسلم، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنّما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمّد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضاً، وهو كما قالوا؛ لأنّ الله أخبر أنّه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستّة أيام، وهذا الحديث يقتضي أنّ مدّة التخليق سبعة أيام))(3).
وما أجابوا به من أنّ الحديث من كلام كعب اشتبه على بعض الرواة فرفعه، يردّه ما في أوّل الحديث من تصريح أبو هريرة بالتحديث، قال: أخذ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بيدي، فقال: (خلق الله التربة يوم السبت...)الحديث، فلم يبق بعد هذا إلاّ الاعتراف بكذب أبو هريرة.
ودمتم في رعاية الله

(1) صحيح مسلم 8: 127 باب ابتداء الخلق وخلق آدم(عليه السلام).
(2) تفسير ابن كثير 1: 72 تفسير سورة البقرة آية (29).
(3) المنار المنيف في الصحيح والضعيف: 84 (153) فصل (19)، نقد المنقول والمحكّ المميّز بين المردود والمنقول: 78 فصل: غلط وقع في صحيح مسلم.

امير / فلسطين
تعليق على الجواب (1)
في الرواية عدد الأيام سبعة مع ذكر خلق آدم، ومن دونه ستّة، فلا تعارض! لأنّ الآية متوجّهة لخلق السماوات والأرض لا لخلق آدم معهن، ثمّ هذا الحديث جاء له عدد من المتابعات، حكم العلماء على بعض تلك المتابعات أنّها موقوفة، أو مرسلة، لا الرواية التي قام بانتقائها الإمام مسلم(رحمه الله)!
الجواب:

الأخ امير المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ رواية أبي هريرة هذه تخالف القرآن من عدّة جهات:
منها: أنّ القرآن ينصّ على أنّ خلق السماوات والأرض كان في ستّة أيام، وهذه الرواية نصّ في أنّ خلق الأرض كان في سبعة أيام فقط، ولا فائدة في إخراج يوم آدم منها! لأنّ الستّة الباقية سوف تختص بالأرض ولا ذكر للسماء فيها.

ومنها: أنّ ما ورد من قصّة خلق آدم(عليه السلام) في القرآن لا ربط له بالأيام الستّة الخاصة بخلق الأرض بهذا الترتيب، إن سلّمنا أنّها أيام الأسبوع، مع أنّ الأيام المذكورة في القرآن لخلق السماوات والأرض ليست هذه الأيام، وإنّما هي من أيام الله التي لا نعلم مقدارها بحسب زماننا، وزمن خلق آدم(عليه السلام) منفصل عن زمن خلق السماوات والأرض.

ومنها: أنّها تخالف القرآن من جهة أُخرى؛ فقد خلق الله سبحانه السماوات في يومين، قال تعالى: (( فَقَضَاهُنَّ سَبعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَومَينِ... )) (فصلت:12)، وخلق الأرض في يومين، وقدّر فيها أقواتها في يومين، فكانت أربعة أيام جمعاً، قال سبحانه وتعالى: (( قُل أَئِنَّكُم لَتَكفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرضَ فِي يَومَينِ وَتَجعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقوَاتَهَا فِي أَربَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ )) (فصلت:9-10)، فكان المجموع ستّة أيام للسماوات والأرض، والرواية تخالفه فتجعلها سبعة للأرض فقط، وإن أخرجنا يوم خلق آدم(عليه السلام)، فستبقى ستّة خاصّة بالأرض، وهو يخالف الأربعة المذكور في القرآن، وعلماء التفسير أجمعوا على أنّ خلق الأقوات كان في يومين، وأنّها داخلة في الأيام الأربعة مع يومي خلق الأرض؛ فليراجع.
وإن أُخرج يوم الخميس الخاص بالدواب، بقيت الأيام خمسة، لا هي أربعة، ولا هي ستّة، وإن أُخرج يوم الأربعاء لأنّه خلق فيه النور، وأُوّل النور بالسماوات، بقيت الأيام خمسة مع يوم الدواب، أو أربعة للأرض مع إخراجه، ولكن يكون خلق السماوات في يوم واحدٍ وهو الأربعاء، ولا يوم آخر في الأسبوع، ليكون ثانٍ لخلق السماوات كما نصّ القرآن.

فالرواية كيفما تقلّبها فهي مخالفة للقرآن، ولا تكون صادرة إلاّ من كيس أبي هريرة، أو من سذاجته إذ مرّرها عليه كعب الأحبار، أو عبد الله بن سلام، أو جمع بين الاثنين، فأخذ من أحبار اليهود ما في توراتهم وأضاف إليه من كيسه يوم السبت، ظانّاً أنّها حذلقة يخالف بها اليهود، فوقع في ما هو أشنع، فخالف القرآن! فكم كان يغنيه السكوت لو صمت ولم يحدّثنا بمثل هذه الأحاديث، ولا يفيد في تصحيح الحديث ما تحذلقه المعلمي في (الأنوار الكاشفة)(1)، ردّاً على أبو رية.

والآن لنذهب بك إلى عهد اليهود القديم (التوراة)؛ فقد جاء في الإصحاح الأوّل من سفر التكوين، وهو أوّل الأسفار:
(( 1 في البدء خلق الله السماوات والأرض. 2 وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. 3 وقال الله ليكن نور فكان نوره. 4 ورأى الله النور أنّه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. 5 ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً. وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً. 6 وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. 7 فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك. 8 ودعا الله الجلد: سماء. وكان مساء وكان صباح يوماً ثانياً. 9 وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. 10 ودعا الله اليابسة: أرضاً. ومجتمع المياه دعاه: بحاراً. ورأى الله ذلك أنّه حسن. 11 وقال الله: لتنبت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً، وشجراً ذا ثمر، يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه على الأرض. وكان كذلك. 12 فأخرجت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً كجنسه، وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنّه حسن. 13 وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثاً. 14 وقال الله: لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل. وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين. 15 وتكون أنواراً في جلد السماء لتنير على الأرض. وكان كذلك. 16 فعمل الله النورين العظيمين. النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل. والنجوم. 17 وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض. 18 ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة. رأى الله ذلك أنّه حسن. 19 وكان مساء وكان صباح يوماً رابعاً 20 وقال الله: لتفض المياه زحافات ذات نفس حيّة، وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء. 21 فخلق الله التنانين العظام، وكلّ ذوات الأنفس الحيّة الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها، وكلّ طائر ذي جناح كجنسه. ورأى الله ذلك أنّه حسن. 22 وباركها الله قائلاً: أثمري وأكثري واملأي المياه في البحار. وليكثر الطير على الأرض. 23 وكان مساء وكان صباح يوماً خامساً. 24 وقال الله: لتخرج الأرض ذوات أنفس حيّة كجنسها. بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك. 25 فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها، والبهائم كأجناسها، وجميع دبابات الأرض كأجناسها. ورأى الله ذلك أنّه حسن. 26 وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلّطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كلّ الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. 27 فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم. 28 وباركهم الله وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملؤوا الأرض وأخضعوها، وتسلّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء، وعلى كلّ حيوان يدب على الأرض. 29 وقال الله: إنّي قد أعطيتكم كلّ بقل يبزر بزراً على وجه كلّ الأرض، وكلّ شجر فيه ثمر، شجر يبزر بزراً. لكم يكون طعاماً. 30 ولكلّ حيوان الأرض، وكلّ طير السماء، وكلّ دبابة على الأرض فيها نفس حيّة أعطيت كلّ عشب أخضر طعاماً. وكان كذلك. 31 ورأى الله كلّ ما عمله فإذا هو حسن جدّاً. وكان مساء وكان صباح يوماً سادساً)).

ثم جاء في الإصحاح الثاني: ((1 فأكملت السماوات والأرض وكلّ جندها. 2 وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. 3 وبارك الله اليوم السابع وقدّسه. لأنّه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً))(2).

ومن هنا ردّ علماء العامّة قبل غيرهم هذه الرواية، ونسبوها إلى كعب، وكان ردّهم لنفس رواية مسلم لا للمتابعات والشواهد، كما قلت في آخر سؤالك؛ فراجع ما نقلناه من كلام ابن كثير تعرف.
ودمتم في رعاية الله

(1) الأنوار الكاشفة: 188 حديث خلق التربة.
(2) الكتاب المقدّس (العهد القديم): 3 ــ 5، سفر التكوين الإصحاح الأوّل والثاني.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال