الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » عدم ثبوت فضيلة له


احمد جعفر / البحرين
السؤال: عدم ثبوت فضيلة له
ما هو قولكم في هاتين الروايتين في (بحار الأنوار 35/297), بخصوص بعث الإمام عليّ(عليه السلام) لإبلاغ سورة براءة, ورد أبي بكر:
((فقال (أبو بكر): بأبي أنت وأُمّي، لموجدة كان نزع هذه الآيات منّي؟
فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (لا ولكن العلّي العظيم أمرني أن لا ينوب عنّي إلاّ من هو منّي، وأمّا أنت فقد عوّضك الله بما حمّلك من آياته، وكلّفك من طاعاته الدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، أما إنّك إن دمت على موالاتنا ووافيتنا في عرصات القيامة وفيّاً بما أخذنا به عليك من العهود والمواثيق، فأنت من خيار شيعتنا، وكرام أهل مودّتنا). فسريّ بذلك عن أبي بكر)).
وفي نفس الجزء (301): يقول النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر:
(... أما ترضى يا أبا بكر أنّك صاحبي في الغار؟).
 فما هو القول المبين في هذا الكلام من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر؟ وهل هي موضوعة، أم من الزيادات؟
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
إنّ مبنى التحقيق عند علماء الشيعة، ­خلافاً لغيرهم، يفرض عليهم أن يعرضوا كافّة أسانيد الروايات للنقد العلمي، فما ثبتت صحّته فهو مقبول، وما لم تثبت فهم في حلّ منه, ولا يلزم من هذه القاعدة الحكم بالوضع لتمام أجزاء الرواية، إذ قد يكون الدسّ والتحريف مسّ جزءاً منها, فكلّ ما في الأمر أنّ الحديث الذي لم يثبت سنده بالطريق الصحيح لا يمكن الاعتماد عليه في الاستدلال.
وفي مورد السؤال، نقول: بأنّ الرواية الأُولى منقولة عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري(عليه السلام)(1)، ولا يخفى بأنّ هذا التفسير لم يعلم منشؤه - كما عليه المحقّقون - مضافاً إلى عدم وجود سند وثيق لنفس هذه الرواية بالذات.

وأمّا الرواية الثانية، فهي منقولة عن (تفسير فرات)(2)، وهذا التفسير وإن كان أصله ثابت، ولكن الحديث المذكور بتفصيله لم يرد له سند صحيح ومعتبر، فالحكم عليه كالحكم على الرواية الأُولى.
ثمّ إنّه لا يستشهد في المقام لتصحيح الحديثين بنقلهما في (البحار)؛ لأنّ غاية العلاّمة المجلسي(رحمه الله) صاحب (البحار)،كانت جمع الأحاديث بلا نظر إلى صحّتها أو سقمها، فوجود رواية في (البحار) لا يدلّ على صحّتها سنداً أو دلالة.
ومع غض النظر عن السند، فلا تدلّ الرواية الأُولى على فضيلة خاصّة، لورود شرط فيها، كما نقلتموه (إن دمت...)، وينتفي المشروط بانتفاء شرطه كما هو واضح، وهذا نظير ما صدر عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في مجال تقريضه لشعر حسّان بن ثابت في غديريته قائلاً: (لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك)(3)، علماً منه(صلّى الله عليه وآله) بانحراف حسّان عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في أُخريات أيّامه(4)..
وهذا من أعلام النبوّة؛ إذ هو تنبيه لأبي بكر حتّى لا يزلّ ولا ينسى العهود والمواثيق التي أخذها(صلّى الله عليه وآله) عليه وتناساها فيما بعد.

وأمّا الرواية الثانية فليس فيها أيّة فضيلة! فإنّ مجرّد الصحبة لا يدلّ على ميزة، خصوصاً بعدما نعلم بأنّ هذه الصحبة لم تكن مدروسة ومقصودة من قبل, بل بعدما لحق أبو بكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أخذه معه حتّى لا يطلع عليه أحداً. ومع ذلك فقد جاء في رواياتنا ما يشبه هذه الرواية ولكن مع اختلاف في المتن يقلب المعنى..

فقد روى ابن طاووس في (الإقبال): عن الحسن بن أشناس في كتابه، قال: ((وحدّثنا أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا مالك بن إبراهيم النخعي، قال: حدّثنا حسين بن زيد، قال:حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام)، قال: لمّا سرح رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أبا بكر بأوّل سورة براءة إلى أهل مكّة، أتاه جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد! إنّ الله يأمرك أن لا تبعث هذا، وأن تبعث عليّ بن أبي طالب، وأنّه لا يؤدّيها عنك غيره..
فأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فلحقه فأخذ منه الصحيفة، وقال: ارجع إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فقال أبو بكر: هل حدث فيّ شيء؟ فقال عليّ(عليه السلام): سيخبرك رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
فرجع أبو بكر إلى النبيّ، فقال: يا رسول الله! ما كنت ترى أنّي مؤدّي عنك هذه الرسالة؟
فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (أبى الله أن يؤدّيها إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)).
فأكثر أبو بكر عليه من الكلام، فقال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (كيف تؤدّيها وأنت صاحبي في الغار؟)...))(5) الخ.

وفي هذا المعنى لا يوجد: (ألا ترضى يا أبا بكر أنّك صاحبي في الغار)، وإنّما فيه تعريض له بما فعله في تلك الصحبة، من جزع، وخوف، وعدم قدرة على التماسك، حتّى كاد أن يفضح النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في الغار، ومن هنا قال له النبيّ(صلّى الله عليه وآله): كيف تؤدّي براءة وأنت ذلك الخائف في الغار.
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير العسكري: 559 الحديث (330) سورة التوبة، بحار الأنوار 35: 297 الحديث (2) تاريخ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الباب التاسع.
(2) تفسير فرات الكوفي: 161 سورة التوبة، بحار الأنوار 35: 301 الحديث (25) تاريخ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الباب التاسع.
(3) انظر: سنن أبي داود 2: 480 الحديث (5015) كتاب الأدب، باب 95، المستدرك على الصحيحين 3: 487، مسند أبي يعلى 8: 67 الحديث (4591)، المعجم الكبير، للطبراني 4: 37، الإرشاد، للمفيد 1: 177، مروج الذهب، للمسعودي 3: 229، تاريخ مدينة دمشق 12: 388 - 392.
(4) انظر: الغارات 1: 221.
(5) إقبال الأعمال 2: 38 الباب الثالث، فصل (6)، بحار الأنوار 35: 288 الباب التاسع: نزول سورة براءة.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال