الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » السكينة لم تنزل عليه


علي المؤمن / السعودية
السؤال: السكينة لم تنزل عليه
لماذا تبغضون أبا بكر، وهو الذي أنزل الله السكينة عليه؟!
الجواب:

الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليس لأيّ شيعي عداوة شخصية مع أبي بكر، وإنّما الحبّ والبغض يكون بالتعرّف على حقائق الأشخاص ومواقفهم، وذلك بالرجوع إلى الكتاب والسُنّة والعقل والتاريخ.

هذا، وإنّ السكينة وردت في القرآن الكريم عدّة مرّات:
1- (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، وهذه الآية هي المعروفة بآية الغار، والدليل اللغوي أثبت أنّ السكينة هنا نزلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لا غير؛ لأنّ الضمائر جميعها السابقة واللاحقة في الآية ترجع إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله).

2- (( لَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَومَ حُنَينٍ... ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ... )) (التوبة:25-26)، والسكينة هنا نزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وعلى المؤمنين، فلا تشمل إلاّ من صدق عليه أنّه مؤمن.
وهنا نقول: لا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ الآية تشمل فلان وفلان إلاّ بعد إثبات إيمانهما من دليل آخر.
ثمّ نسأل: لماذا في الآية الأُولى اختصّت السكينة برسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟ وفي الثانية نزلت على الرسول(صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين؟! أليس هذا لوحده يثبت أنّ أبا بكر لو كان من المؤمنين لنزلت عليه السكينة أيضاً في الغار؟!

3- (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ... )) (الفتح:4).

4- (( لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِم... )) (الفتح:18).

5- (( إِذ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ... )) (الفتح:26).

وكما ترى، فان الآيات ناظرة إلى نزول السكينة على المؤمنين لا غيرهم.
وكلّنا أمل في أن تواصلوا البحث والتحقيق بشكل موضوعي في أمثال هذه المسائل المهمّة التي تعتمد على الأدلّة القطعية.
ودمتم في رعاية الله


احمد ابراهيم / الاردن
تعليق على الجواب (1)
(( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، الله معهما أوّلاً، ثمّ إنّ الرسول(صلّى الله عليه وسلّم) كان مطمئناً لعلمه أنّهم لن يروه.. أليس يعلم الغيب؟!
فمن هو بحاجة إلى السكينة إذاً: الرسول(صلّى الله عليه وسلّم)، أم أبا بكر(رضي الله عنه)؟
الجواب طبعاً: أبو بكر، إذاً فالسكينة نزلت على أبي بكر.
الجواب:

الأخ أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: إنّك لم تبيّن كيفية استدلالك بقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))؟!
ونحن نقول: إن كان المراد المعيّة العامّة، فإنّ الله مع الكلّ، لقوله تعالى: (( مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلاَ خَمسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُم )) (المجادلة:7)، فلو كانا منافقين فالله ثالثهما، وإن كانا مؤمنين فالله ثالثهما, وإن كان أحدهما مؤمناً ونبيّاً والآخر منافقاً وشقيّاً فالله ثالثهما، فلا فضل لأبي بكر بهذه المعيّة.
وإن كان المراد المعيّة الخاصّة - أي: معيّة النصرة أو الحفظ - فقد نصت الآية أنّ الله نصر نبيّه وحده؛ إذ جاء الضمير فيها مفرداً؛ قال تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا... )) (التوبة:40).

وأمّا الحفظ، فإنّ حفظ أبا بكر لازم لحفظ النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فهو محفوظ بحفظه(صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه كان معه في الغار.
وما كانت الهجرة ودخول الغار إلاّ لحفظ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من الكفّار؛ فقال تعالى: (( إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ))، ولو كان(صلّى الله عليه وآله) وحده لاستمر حفظ الله له، وكان معه حافظاً بما نسجت العنكبوت على فم الغار، وباضت الحمامتان على بابه، فلا فضل لأبي بكر في هذا.

وقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، تعريف بما جهله أبو بكر وغفل عنه من نصرة الله وحفظه لأوليائه، فأخبره رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بما جهله بعد أن بان جهله بما ظهر من حزنه وخوفه مع ما رأى من دلائل الله وآياته في الغار، فدّل على عدم توكلّه على الله وعدم وثوقه بما وعد الله رسوله(صلّى الله عليه وآله)، وهذا بالذمّ والمنقصة أحرى وأولى.

ثانياً: قولك: إنّ رسول الله لا يحتاج إلى السكينة - على أيّ معنى حملت السكينة؛ لأنّهم ذكروا لها معانٍ عدّة - خلاف ما في القرآن الكريم؛ فإنّه يقول: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ... )) (التوبة:26), ويقول أيضاً: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ... )) (الفتح:26)، والآية الأُولى نزلت في حُنين، والثانية تشير إلى قصّة الحديبية، وهما بعد حادثة الغار بسنين، فإذا كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لا يحتاج إلى سكينة كما قلت، فهاتين الآيتين تصرّحان بنزولها عليه، وإذا كانت سكينته معه وهو في الغار، كما قال بعضكم، فأين ذهبت حتّى احتاجها في حُنين والحديبية؟!
وإن قلت: لا مانع من نزول سكينة على سكينة؟
قلنا: فلا مانع من نزولها عليه في الغار، كما هو نصّ القرآن بعود الضمير المفرد إليه في الآية، وإن كانت سكينته معه حين ذاك.
وإن قلت: أنّه(صلّى الله عليه وآله) احتاج السكينة في حُنين والحديبية؛ لأنّه أصابه بعض اضطراب وخوف، ولم يكن عنده شيء منهما في الغار، وإنّما كانا عند أبي بكر، المعبّر عنه في الآية بالحزن.
قلنا: من أين لك أنّه(صلّى الله عليه وآله) أصابه شيء من الخوف والاضطراب في حُنين والحديبية؟! ولا آية ولا رواية تثبت ذلك! فالآيتين في حُنين والحديبية خاليتان من الإشارة إلى ذلك، كما هي آية الغار.
فلتكن السكينة التي نزلت عليه في حُنين والحديبية قد نزلت عليه في الغار، كما هو ظاهر القرآن، ولكن مع فرق جدير بالتأمّل، وهو: أنّها نزلت عليه هناك مع المؤمنين، ونزلت عليه هنا وحده!

قال السيّد الطباطبائي في (الميزان): ((والدليل على رجوع الضمير في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله):
1- رجوع الضمائر التي قبله وبعده إليه(صلّى الله عليه وآله)، كقوله: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ ))، و(( نَصَرَهُ ))، و(( أَخرَجَهُ ))، و(( يَقُولُ ))، و(( لصَاحِبِهِ ))، و(( وَأَيَّدَهُ ))، فلا سبيل إلى رجوع ضمير (( عَلَيهِ )) من بينها وحده إلى غيره من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.

2- إنّ الكلام في الآية مسوق لبيان نصر الله تعالى نبيّه(صلّى الله عليه وآله)، حيث لم يكن معه أحد ممّن يتمكّن من نصرته؛ إذ يقول تعالى: (( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذ... )) الآية، وإنزال السكينة والتقوية بالجنود من النصر، فذاك له(صلّى الله عليه وآله) خاصّة. ويدلّ على ذلك تكرار (إذ) وذكرها في الآية ثلاث مرّات، كلّ منها بيان لما قبله بوجه، فقوله: (( إِذ أَخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ))، بيان لوقت قوله: (( فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ ))، وقوله: (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ ))، بيان لتشخيص الحال الذي هو قوله: (( ثَانِيَ اثنَينِ ))، وقوله: (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ))، بيان لتشخيص الوقت الذي يدلّ عليه قوله: (( إِذ هُمَا فِي الغَارِ )) (التوبة:40).

3- إنّ الآية تجرى في سياق واحد حتّى يقول: (( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا ))، ولا ريب أنّه بيان لما قبله, وأنّ المراد بـ(( كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا )) هي: ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله(صلّى الله عليه وآله) وإطفاء نور الله, وبـ(( كَلِمَةُ اللَّهِ )) هي: ما وعده من نصره وإتمام نوره, وكيف يجوز أن يفرّق بين البيان والمبيّن، وجعل البيان راجعاً إلى نصره تعالى إياه(صلّى الله عليه وآله), والمبيّن راجعاً إلى نصرة غيره؟!))(1).

وأخيراً نقول: كيف يكون الضمير في (( عَلَيهِ )) راجعاً إلى أبي بكر، مع أنّ ما تفرّع وعطف عليه راجعاً إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قطعاً وبإجماع المفسّرين، وهو قوله تعالى: (( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40)، والضمير في (( أَيَّدَهُ ))، و(( عَلَيهِ ))، يعود إلى مدلول واحد؟ فتأمّل جيدّاً!
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير الميزان 9: 279 - 280.

صالح / الكويت
تعليق على الجواب (2)
هناك إشكال يطرحه المخالفون بخصوص آية الغار على ما نقوله من أنّ الآية تدلّ على خروج الخليفة الأوّل من دائرة الإيمان بدليل قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا... )) (التوبة:40).
إذ هناك آيات تتحدّث عن نزول السكينة على الرسول(صلّى الله عليه وآله) وعلى المؤمنين، وتارة على المؤمنين (راجع سورة الفتح). ولكن هذه الآية تتحدّث عن نزول السكينة على الرسول(صلّى الله عليه وآله) فقط لا غير، ولو كان هناك مؤمن معه في الغار لنزلت السكينة على كليهما.
والإشكال.. هم يشبّهون آية الغار بالآيات التي تتحدّث عن قصّة سيّدنا آدم(عليه السلام) وحواء عندما أكلا من الشجرة، وأُخرجا من الجنّة... فهذه الآيات تتحدّث عن فعل شخصين: (( فَأَكَلاَ مِنهَا )) (طه:121)، أو (( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنهَا )) (البقرة:36)، إلاّ أنّ التوبة أتت بصيغة المفرد لآدم فقط (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ )) (البقرة:37)، (( ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى )) (طه:122)، فهل يدلّ ذلك على أنّ الله سبحانه لم يتب على حواء؟
الجواب:

الأخ صالح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لو أخذنا القول بأنّ المعنى في الآيات هو نبيّ الله آدم(عليه السلام) وزوجته حواء، لا أنّ سياقها سياق المثل والرمز، فإنّ الجواب يكون من جهتين:
الأُولى: أن قوله تعالى: (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )), ظاهره مختصّ بآدم(عليه السلام)، ولا دلالة على دخول حواء فيه, فنحن وظاهر الآية ومن دون القرائن الخارجية لا شمول لها لحواء, ولولا ما ثبت من القرآن وما نقل من الديانات السابقة، بحيث أصبح عندنا القطع في دين الإسلام بتوبة حواء أيضاً, لم يكن لنا دلالة من الآية بمجرّدها على ذلك..

إذ من الواضح أنّ تلقّي الكلمات في آية سورة البقرة، والاجتباء في قوله تعالى من سورة طه: (( ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى )), مختص بآدم(عليه السلام)، بل إنّ سياق آيات سورة البقرة، وسورة طه، وسورة الأعراف، كلّها مختصّ بآدم(عليه السلام) بالأصل, إنّما ذكرت زوجه بالتبع.
قال ابن الجوزي: ((وإنّما لم تذكر حواء في التوبة؛ لأنّه لم يجرِ لها ذكر، لا أنّ توبتها ما قبلت))(1).
وقال القرطبي: ((الرابعة: إن قيل: لـِمَ قال: (عليه)، ولم يقل: عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال: (( وَلاَ تَقرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ )) (البقرة:35), و(( قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا )) (الأعراف:23)؟
فالجواب: إنّ آدم(عليه السلام) لمّا خوطب في أوّل القصّة بقوله: (( اسكُن )) (البقرة:35), خصّه بالذكر في التلقّي، فلذلك كملت القصّة بذكره وحده))(2).
وقال الثعالبي: ((وإنّما خصّ الله تعالى آدم بالذكر في التلقّي، والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع؛ لأنّه المخاطب في أوّل القصّة، فكملت القصّة بذكره وحده))(3).
وكلامهم واضح باختصاص الخطاب بآدم(عليه السلام) وعدم دخول حواء فيه، وإن كنّا نخالف الثعالبي والقرطبي في مشاركة حواء لآدم(عليه السلام) في التلقّي, بل إنّ التلقّي والاجتباء كان مختصّاً بآدم(عليه السلام)، نعم هي شاركته في التوبة, ولكن بعد أن علّمها آدم(عليه السلام) الكلمات.
فإذا وضح ذلك، يتّضح أنّ النقض الذي حاوله المستشكل لا موضع له بعد أن كانت الآية مختصّة بآدم(عليه السلام) ولا تشمل حواء, إذ لا يتم له ما أراد إلاّ إذا كان ظاهر الآية يشملهما معاً.

وأمّا قول بعض المفسّرين بدخول حواء في الآية للتغليب، فليس هو من ظاهر الآية! بل لِما ثبت من الخارج من قوله تعالى: (( قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لَنَا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ )) (الأعراف:23), ولِما ثبت بالقطع من دين الإسلام بأنّ التوبة شملت حواء أيضاً, فلا دلالة للآية بما هي على التغليب ودخول حواء فيها, بل ثبت من خارج.
ونحن نطالب بالدليل على دخول أبي بكر في آية سورة التوبة؛ فالكلام نفس الكلام في قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) (التوبة:40)، فإنّها بما هي وحسب دلالة ظاهرها مختصّة برسول الله(صلّى الله عليه وآله)، لإفراد الضمائر هنا من أوّل الآية، ولا تشمل شخصاً آخر, والادّعاء بأنّها تشمل أبا بكر بالتغليب يحتاج إلى قرائن خارجية، نقلية أو عقلية، تثبت شموله بالسكينة وتأييد الجنود، ودون ذلك خرط القتاد!
بل قام الدليل على عكس ذلك بعدم شموله بالسكينة وتأييد الجنود في الآية بعد المقايسة مع الآيات الأُخر التي ورد فيها ذكر لنزول السكينة على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والمؤمنين معه، كما في قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَلزَمَهُم كَلِمَةَ التَّقوَى )) (الفتح:26), وقال تعالى: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26).
فلو كان أبو بكر موضعاً لنزول السكينة كما كان المؤمنون مع النبيّ موضعاً لها، لورد ذكره في الخطاب صريحاً, وهذا الموضع هو معقد استدلال الشيعة بعدم نزول السكينة على أبي بكر مع وجوده في الغار.

وبعبارة أُخرى: أنّنا نستدلّ بقياس استثنائي، وهو: كلّما نزلت السكينة على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وعلى المؤمنين معه، ذكرهم القرآن صريحاً, فإذا ورد مورد نزلت فيه السكينة ومع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) آخرين ولم يذكرهم القرآن، دلّ ذلك على أنّ الموجودين معه ليسوا مؤمنين، وإلاّ لذُكروا.
فكان على المستشكل أن يأتي بآيات فيها وقوع التوبة لآدم مع آخرين معه حتّى تتم المقايسة مع الآية المعنية، المنفردة ظاهراً بالتوبة عليه(عليه السلام), ثمّ الاستدلال بثبوت توبة حواء معه وإن لم تُذكر، ليتم له ما أراد من إثبات التغليب بنزول السكينة على أبي بكر.

الثانية: وممّا مضى يظهر أنّ آدم وحواء(عليهما السلام) وإن اشتركا في النتيجة، وهي قبول التوبة والهبوط إلى الأرض، وذلك لعدم الانفكاك في الخارج؛ لأنّهما خُلقا ليعيشا معاً، ولكن آدم(عليه السلام) اختصّ بنزول الكلمات والاجتباء بنص القرآن, وكذا اختصّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بنزول السكينة وتأييد الجنود، وإن اشترك معه صاحبه في الغار بالنجاة من كفّار قريش، وذلك لعدم الانفكاك في الخارج وملازمة نجاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مع نجاة صاحبه.
فإنّا وإن قطعنا بالتوبة على حواء، وسلّمنا أنّ التوبة تشملها ولو بالتغليب، ولكنّه اشتراك في النتيجة لا أكثر, كما أنّنا نعلم بنجاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وصاحبه في الغار, ولكن أين الاشتراك في النتيجة من الاختصاص بالسكينة وتأييد الجنود؟!
ودمتم في رعاية الله

(1) زاد المسير 1: 58 تفسير سورة البقرة.
(2) تفسير القرطبي 1: 325 تفسير سورة البقرة.
(3) تفسير الثعالبي 1: 223 تفسير سورة البقرة.

محمد المقداد / امريكا
تعليق على الجواب (3)

هناك إشكال يطرحه المخالفون بخصوص فضيلة آية الغار للخليفة الأوّل، وهو:

*************************

هدانا الله وإياك.. انظر إلى كيف يفسّر القرآن بعضه بعضاً، جاء في سورة الفتح قوله تعالى مخاطباً نبيّه محمّداً(صلّى الله عليه وسلّم): (( إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً )) (الفتح:8)، وبعد هذه الآية نقرأ قوله تعالى: (( لِتُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً )) (الفتح:9).
أرأيت أنّ في نفس الآية عاد الضمير إلى الرسول في: (( تُعَزِّرُوهُ )) و(( تُوَقِّرُوهُ ))، ثمّ عاد الضمير إلى الله في: (( وَتُسَبِّحُوهُ )). وهكذا في آية الغار، الحزين كان أبا بكر فأنزل الله سكينته عليه، والمنصور هو المصطفى(صلّى الله عليه وآله) فأيّده بجنود.

*************************

هل يصحّ هذا الاستدلال؟ وكيف يردّ علمياً؟ وهل هناك أحد من علماء أهل السُنّة استدلّ بذلك؟

الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الإشكال ذكره ابن الجوزي في (زاد المسير)(1)، وأبو حيّان الأندلسي في (تفسير المحيط)(2).
وهو في الحقيقة ليس إشكالاً، وإنّما جواب على إشكال!
فقد ردّ الشيعة على جمع من أهل السُنّة إرجاعهم الضمير في قوله تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) (التوبة:40) إلى أبي بكر، بأنّ ذلك لا يتسق مع عود الضمير في الجملة المعطوفة بعده، وهي قوله تعالى: (( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40) إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ومفاد الضميرين متّحد.

ومن هنا أجاب بعض متحذلقي السُنّة بأنّ التأييد بالجنود كان لأبي بكر أيضاً، وهو ما لا يمكن الالتزام به، ولم يحصل خارجاً، وخلاف الإجماع، فهو باطل قطعاً.. ولوضوح بطلانه التجأ ابن الجوزي وأبو حيّان إلى هذا الجواب، وهو: إنّ اختلاف مفاد الضميرين له نظير في آيات القرآن أيضاً، وهو قوله تعالى: (( لِتُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً )) (الفتح:9)، فعاد الضميران في (( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) إلى الأقرب وهو رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وعاد الضمير في (( وَتُسَبِّحُوهُ )) إلى الأبعد وهو (( اللَّهُ ))؛ لأنّه لا يليق إلاّ به تعالى ولا يصحّ عوده إلى غيره.

ولكن هذا أيضاً لا يفيد ولا يصحّح حمل الضمير في (( عَلَيهِ )) على أبي بكر:
فأوّلاً: إن شطراً من المفسّرين قالوا: إنّ الضمائر الثلاثة في قوله تعالى: (( لِتُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً )) تعود على الله سبحانه، ومعنى (( وَتُعَزِّرُوهُ )): تنصروا دينه، ومعنى (( وَتُوَقِّرُوهُ )): تعظموه.
فالآية على هذا لا تصلح شاهداً لهم، بل هي على خلاف قولهم أدلّ؛ إذ لم يقع فيها اختلاف في عود الضمائر المتعاطفة(3).

وثانياً: سلّمنا أنّ الضمائر في (( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )) تعود إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) تمسكاً بدعوى ظهورها في المعنى، والعدول في ضمير (( وَتُسَبِّحُوهُ )) بعوده إلى الله لامتناع عوده إلى غيره حسب المعنى أيضاً، ولكن هذا لا يتمّ في آية الغار؛ لأنّ الظهور فيها على خلاف حمل الضمير في قوله: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ )) على أبي بكر، كيف؟! والضمائر من أوّل الآية إلى آخرها تعود إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فكيف ينتقل في ضمير وحيد في وسطها إلى غيره؟

وقد ذكرنا سابقاً من قول العلاّمة الطباطبائي: أنّه لا سبيل إلى رجوع الضمير في (( عَلَيهِ )) من بينها وحده إلى أبي بكر، بعد أن أُرجعت الضمائر المتقدّمة والمتأخّرة إلى غيره، من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.
فدعواهم كانت تحتمل الصحّة لو كان الظهور مع حمل الضمير على أبي بكر، أمّا والظهور على خلاف ذلك، لوحدة السياق، وعدم القرينة الصالحة لم يبق إلاّ التمحّل وخلاف العربية.. والتمسّك بقرينية حزن أبي بكر، كما ذكروه، غير كافية لعدم المانع من حمل الضمير على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) معنى، وأنّ السكينة نزلت عليه(صلّى الله عليه وآله)، فلا قرينة قاطعة مدّعاة..
وهذا على خلاف الأمر في آية سورة الفتح؛ فإنّه لو قيل هناك بعود ضمير (( وَتُسَبِّحُوهُ )) إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) سيكون خطأً فاحشاً؛ لأنّ التسبيح لا يليق إلاّ لله وحده. وهذه قرينة قاطعة دلّت على صرف الضمير من القريب إلى البعيد.

وثالثاً: يظهر من آية الغار أنّ نزول السكينة من نصر الله، فهي إمّا من الجنود، أو تتنزّل مع الجنود، أو لازمة للتأييد بالجنود، حسب ما يظهر من آيات القرآن الكريم..
قال تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِم وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً )) (الفتح:4)، وقال تعالى: (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوهَا )) (التوبة:26)، وفي الآية محل البحث قال تعالى: (( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَم تَرَوهَا )) (التوبة:40). فإنّ الآية من أوّلها إلى آخرها مختصة لبيان نصرة الله لرسوله(صلّى الله عليه وآله) لا لنصرة غيره، ودعوى نزول السكينة على غيره يكون خلاف الغرض من نزول الآية وإشارة إلى نصرة غيره، وتفرقة بين نزول السكينة والتأييد بالجنود؛ فتأمّل!
ودمتم في رعاية الله

(1) زاد المسير 3: 299 سورة التوبة.
(2) تفسير البحر المحيط 5: 46 سورة التوبة.
(3) انظر: مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفي) 4: 153 سورة الفتح، تفسير الكشّاف، للزمخشري 3: 542 سورة الفتح، تفسير الرازي 28: 86 سورة الفتح، تفسير جامع الجوامع 3: 382 سورة الفتح، تفسير الميزان 18: 274 سورة الفتح.

احمد حسن / العراق
تعليق على الجواب (4)
قال لي أحدهم: لو فرضنا أنّ الذي حزن في الآية هو أبو بكر، فالسكينة تنزل على الذي حزن!
ولو فرضنا أنّ الذي حزن هو النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله)، فكيف يمكن أن يكون النبيّ حزن وأبو بكر لم يحزن؟ فهل أبو بكر أفضل من النبيّ لأنّه لم يحزن؟!
ولو فرضنا أنّ الذي حزن هو أبو بكر، فكيف يمكن أنّ السكينة تنزل على الرسول الذي لم يحزن؟ أليست السكينة تنزل على الذي حزن؟!
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(السكينة) في روايات أهل البيت تُعرّف بالإيمان؛ ففي (الكافي): ((عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (( أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ )) (الفتح:4)؟ قال: (هو الإيمان) ))(1).

ولا يلزم لنزول الإيمان في قلب أحد أن يكون حزيناً، أو خالياً من الإيمان، حتّى تنزل عليه السكينة؛ يقول تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِم... )) (الفتح:4)، وقد صرّح القرآن بنزول السكينة على رسول الله في حُنين ولم يكن حزيناً، فلا يقال بعدم حاجة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لنزول السكينة بعد تصريح القرآن بذلك.
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي، للكليني 2: 15 الحديث (1) كتاب الإيمان والكفر، باب في أنّ السكينة هي الإيمان.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال