الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لا معارضة بين نهي أبي بكر عن الحزن ونهي الله لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) عن الحزن


مرتضى / بلجيكا
السؤال: لا معارضة بين نهي أبي بكر عن الحزن ونهي الله لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) عن الحزن
لماذا يكون الحزن المشار إليه في آية الغار الشريفة, الواقع أو الصادر من أبي بكر, حزن معصية, مستدلّين بنهي النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله), لأبي بكر عن الحزن, لأنّ النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله) لا ينهى إلاّ عن المعاصي والموبقات, مع أنّا نجد في القرآن الكريم إنّ الحزن صدر أو وقع من كثير من الأولياء، وأيضاً هنالك بعض الآيات التي ظاهرها أنّ الله عزّ وجلّ نهى أو ينهى نبيّه الأكرم(صلّى الله عليه وآله) عن الحزن, مثل: (( وَاصبِر وَمَا صَبرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحزَن عَلَيهِم وَلاَ تَكُ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمكُرُونَ )) (النحل:127)، أو (( وَأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ )) (التوبة:92), إذا كان الصدور أو وقوع الحزن معصية, فعندئذٍ ألا يعارض هذا ما نعتقده من عصمة الأنبياء؟ وإذا لم تكن معصية، فلماذا قلنا: أنّ حزن أبي بكر كان حزن معصية؟
أرجو الجواب بإسهاب, لأنّ هذه المسألة محلّ إشكال وابتلاء عقائدي.
الجواب:

الأخ مرتضى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ مطلق الحزن ليس محرّماً، أو مكروهاً، بل من الحزن ما هو ممدوحاً.
روي عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (ما عبد الله عزّ وجلّ على مثل طول الحزن)(1).
وروي عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام): (إنَّ من أحبّ عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه, فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف, فزهر مصباح الهدى في قلبه)(2).
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: (يصبح المؤمن حزيناً ويمسي حزيناً, ولا يصلحه إلاّ ذاك)(3).
فالمنهيّ عنه في الآية - آية الغار - هو خصوص الحزن المذموم لا الممدوح.

أمّا المعارضة بحزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو حزن الأنبياء(عليهم السلام)، فهي ساقطة، لأنّه ثبت عندنا عصمته(صلّى الله عليه وآله) وعصمتهم(عليهم السلام) من الزلاّت وجميع المعاصي, فوجب أن يحمل قوله تعالى له(صلّى الله عليه وآله): (( وَلاَ تَحزَن عَلَيهِم ))، على أجمل الوجوه والأقسام، وأحسن المعاني في الكلام من تخفيف الهمّ عنه وتسهيل صعوبة الأمر عليه رفقاً به وإكراماً وإجلالاً وإعظاماً له, ولم يكن أبو بكر عندنا وعند خصومنا معصوماً فيؤمن منه وقوع الخطأ, ولا إمارة أيضاً تدعو إلى أن يكون الظنّ به حسناً, بل الدلالة حاصلة على عكس ذلك، إذ أنّه مع تواجده مع النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله) الذي كان يخبر من يسلم على يده بأنّ الله سينصره على عدوّه ومعانده، وأنّه سبحانه وتعالى وعده بإعلاء كلمته وإظهار شريعته, الأمر الذي يوجب الثقة وعدم الحزن والمخافة.

ثمّ مع ما ظهر من الآيات الموجبة لسكون النفس وإزالة الخوف، من نسج العنكبوت على باب الغار، وتبييض الطائر هناك في الحال، وغيرها من الأُمور التي توجب الثقة بالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) وعدم الخوف والحزن من غلبة الأعداء, نرى ظهور الحزن من أبي بكر والقلق الذي أوجب نهي النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له عن ذلك, وقد كشف لنا هذا النهي عن قبح هذا الحزن, وأنّ أبا بكر عاص في حزنه، لأنّه ثمرة شكّه في كلّ ما سمع وشاهد من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من الآيات والبيّنات في نصر الله سبحانه لنبيّه(صلّى الله عليه وآله) وتأييده له, فإن سلّمنا بذلك، وإلاّ فلا أقلّ من ورود هذا الاحتمال في حقّ أبي بكر في هذا المقام لعدم عصمته, وهو بخلافه في مقامات نهي النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أو الأنبياء(عليهم السلام) عن الحزن, إذ لا يمكن أن يتطرّق احتمال النهي عن المعصية في حقّهم، وذلك لثبوت عصمتهم بالدليلين العقلي والنقلي، فلا تقع المعارضة.

ثمّ إنّه وإن ورد النهي عن الحزن في الآيات التي ذكرتها، ولكنّه لم يردّ مطلقاً، بل ذكر فيها سببه، وهو حزن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على عدم إيمان قومه وكفرهم، كما في الآية الأُولى، وعدم وجدانهم ما ينفقون في الآية الثانية، ولكنّهما سببان غير مذمومان، فلا يكون الحزن المتعلّق بهما مذموماً، فيحمل على أحسن الوجوه من التسلية وتخفيف الهمّ والرفق، وأمّا حزن أبي بكر في آية الغار فقد ذكر مطلقاً، ولم يذكر سببه مع ورود النهي عنه، ولذا يكون الظاهر منه النهي عن المرجوح، ويفهم منه الذمّ؛ فتأمّل!
ودمتم في رعاية الله

(1) مكارم الأخلاق 2: 462 الباب الثاني، الفصل الخامس.
(2) نهج البلاغة 1: 151 الخطبة 87.
(3) الدعوات، للراوندي: 287 في المستدركات الحديث (18)، وانظر: شعب الإيمان، للبيهقي 1: 225 الحديث (219).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال