الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لا يثبت لقب الصدّيق برواية غير صحيحة


مسلم / مصر
السؤال: لا يثبت لقب الصدّيق برواية غير صحيحة
حول فضيلة لأبي بكر, ممكن تفسير هذا الحديث:
((عن محمّد بن علي بن الحسين الباقر، عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن علي(عليه السلام)، عن حلّية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه, قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم الصدّيق, فمن لم يقل الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة))(كشف الغمّة، للإربلي).
الجواب:

الأخ مسلم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه الرواية التي ذكرها الإربلي (ت693هـ) في (كشف الغمّة)(1)، نقلها من (صفة الصفوة)(2) لابن الجوزي (ت597هـ)، مصرّحاً بذلك، وقد نقلها عن كتاب ابن الجوزي أيضاً ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)(3).
وإن أبيت ورفضت تصريح الإربلي بنقلها من كتاب ابن الجوزي، فائتنا بسند من كتبنا متّصل بين عروة والإربلي، فإنّ بينهما مئات السنين، بل إنّ بين ابن الجوزي وعروة مئات السنين أيضاً.

إذاً هذه الرواية وفق مقاييس علم الرجال مرسلة، هذا بالإضافة إلى أنّ عروة بن عبد الله المذكور بالرواية مهمل رجالياً، فضلاً عن كون ابن الجوزي، الناقل للرواية، كان ناصبياً، ردّ في كتبه كثير من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلا يصحّ الاحتجاج بهذه الرواية علينا!
على أنّنا لو سلّمنا بصحّة الرواية، فلا تقف هذه الرواية في قبال العشرات من الروايات المعارضة لها! فلا بدّ إذاً من أجل الجمع بين الروايات من حمل هذه الرواية على التقيّة.

على أنّ مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من الإمام(عليه السلام)؛ لأنّ ذنب عدم قول الصدّيق لا يستحقّ مثل هكذا عقوبة، وهي عدم قبول قوله في الدنيا والآخرة، وإلاّ لدخل أبو بكر نفسه في ذلك؛ فهو يقول: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني))(4), كما أنّ هناك كثير من أهل السُنّة عندما يذكر أبا بكر لا يذكر لقب الصدّيق، فهل يستحقّ هؤلاء جميعاً تلك العقوبة الإلهيّة؟!
ودمتم في رعاية الله

(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: 359 - 360 ذكر الإمام الخامس: أبي جعفر محمّد بن علي الباقر.
(2) صفة الصفوة 2: 459 ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة (171).
(3) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة 2: 895.
(4) الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 212، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 22، تاريخ مدينة دمشق 30: 303، 304، تاريخ الطبري 2: 460، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6: 20، و17: 156، المصنّف، للصنعاني 11: 336 الحديث (20701).

المغيرة / السعودية
تعليق على الجواب (1)
ممّا يدعم صفة الصدّيق، ولقبه أيضاً، ليس قول أحد أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولكن قول الرسول(صلّى الله عليه وسلّم): (اثبت أحد فإنّ فوقك نبيّ وصدّيق وشهيدان).
إن قلتم أنّ الرواية باطلة، فإنّكم تنفون صفة الشهيد والشهادة عن رابع الخلفاء عليّ(رضي الله عنه)؟
الجواب:

الأخ المغيرة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نبيّن الجواب بعدّة نقاط:
أوّلاً: هذا المتن في الرواية ليس صحيحاً عندنا، فلم يرد من طرقنا، ولا هو من المتّفق عليه بين الفريقين، فلا يحتجّ به علينا ولا يثبت مدّعاه عندنا..
والرواية تذكر أبا بكر وعمر وعثمان على النسق الواقع في الخلافة، ولا تذكر عليّاً(عليه السلام)! وهو منهج معروف لبني أُميّة وأتباعهم، رفضه أحمد بن حنبل فربع بعليّ(عليه السلام)، وهو دافع آخر يدفعنا للبحث في صحّة الرواية.

ثانياً: الرواية مضطربة المتن بمختلف طرقها الصحيحة عند أهل السُنّة، فمرّة كانت الواقعة على جبل أُحد، وأُخرى على حراء، وثالثة على ثبير.. ومرّة كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الثلاثة، وأُخرى كان عليّ(عليه السلام) مع الثلاثة، وثالثة كان هناك أيضاً طلحة والزبير وسعد، ورابعة وجود العشرة المبشّرة على زعمهم كلّهم.. ومرة قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (فإنّما عليك إلاّ نبيّ، وصدّيق، وشهيدان)، وأُخرى قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد).

فقد روى البخاري بسنده: ((عن يحيى(1)، عن سعيد(2)، عن قتادة: أنّ أنس بن مالك حدّثهم: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) صعد أُحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: (اثبت أُحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان) ))(3)، وعن يحيى أيضاً بالسند نفسه، ولكن بعبارة: (وقال: اسكن أُحد، أظنّه ضربه برجله، فليس عليك إلاّ نبيّ، وصديق، وشهيدان) ))(4).. ورواه أحمد بسنده عن يحيى، عن سعيد بن شعبة بدل سعيد الذي في البخاري(5).

بينما رواه مسلم: ((عن أبي هريرة: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (اهدأ، فما عليك إلاّ نبيّ، أو صديق، أو شهيد) ))(6)، وبعده مباشرة رواه بسند عن أبي هريرة أيضاً بإضافة سعد بن أبي وقّاص إليهم(7).

وقال الترمذي بعد رواية أبي هريرة الأُولى التي فيها ذكر حراء: ((وفي الباب: عن عثمان، وسعيد بن زيد، وابن عبّاس، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي. هذا حديث صحيح))(8).
ثمّ روى الترمذي بسنده عن عثمان في حديث طويل، أنّه قال: ((أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كان على ثبير مكّة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتّى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضه برجله، فقال: (اسكن ثبير، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان)؟ قالوا: اللّهمّ نعم...))، ثمّ قال الترمذي بعده: ((هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان))(9).
وقد عرفت من رواية البخاري وغيره أنّ الصاعدين على الجبل مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ثلاثة!

ولكن، روى ابن أبي عاصم بسنده: ((عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: صعد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أُحداً واتبعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، فقال له رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (أثبت أُحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان) ))(10).
وروى أحمد بسنده عن أبي هريرة: أنّهم كانوا أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير(11).
ورواه مسلم عن أبي هريرة أيضاً، ثمّ أضاف سعداً في الحديث الذي بعده مباشرة(12).
وروى أحمد والترمذي عن سعيد بن زيد: أنّ الذين كانوا فوق الجبل عشرة مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، بإضافة عبد الرحمن وسعيد بن زيد(13).
وروى ابن أبي عاصم بسنده عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح: أنّه كان مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عشرة من أصحابه(14).
وروى ابن عبد البرّ بسنده عن سعيد بن زيد: أنّ الأصحاب كانوا عشرة، بإضافة عبد الله بن مسعود(15).

ثمّ إنّك عرفت ممّا مضى الاختلاف في متن الحديث، من قوله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ وصدّيق وشهيدان)، أو قوله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد)، أو قوله(صلّى الله عليه وآله): (نبيّ وصدّيق وشهيد)، والجمع بين الأحاديث؛ هروباً من الاضطراب، بالحمل على تعدّد الواقعة جمع تبرّعي، كما حاول بعضهم، كابن حجر العسقلاني (ت852هـ)(16)، والعيني(17)، وابن حجر الهيتمي المكّي(18).
ويردّه استبعاد تعدّد الواقعة بتفاصيلها على ثلاثة أجبل، بل يبعده استشهاد عثمان بما وقع على ثبير، أو حراء، على اختلاف النقل، لا بما وقع على أُحد الذي هو أقرب لأهل المدينة وأوقع في الشهادة عليهم وأوضح، وهو في موقف محتاج إلى وضوح الشهادة ومعروفيتها.

ثالثاً: وأمّا ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس، ففي سنده عدّة علل، فإنّه روي بعدّة طرق:
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.. وسعيد بن أبي عروبة اختلط في آخر خمس سنين من عمره في أقلّ الأقوال، وثلاثة عشر سنة في أكثرها، بل قال بعضهم: بدأ به الاختلاط في سنة (133هـ)، ومات سنة (157هـ)، وقال الأزدي: اختلط اختلاطاً قبيحاً(19).
فالقول بأنّ ما رواه البخاري عنه قبل الاختلاط تحكّم! خاصّة إذا عرفنا تردّده في اسم الجبل، فمرّة يروى عنه أًحد، وأُخرى حراء، بل يردّد بينهما بـ(أو) في رواية روح بن عبادة عنه(20).

وقد روى غيره عن قتادة أنّه حراء(21)؛ ولكن قتادة نفسه مدلّس معروف بالتدليس(22).
وقد روي هذا الحديث بعينه عن يونس بن جبير عن رجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، أورد ذلك ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)؛ قال: ((حدّثنا عاصم الأحول، أبو عمر، نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن رجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا على حراء فتحرك بهم، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (أثبت حراء، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان) ))(23)، ورواه أيضاً بالسند نفسه ابن أبي عاصم في (السُنّة)، ولكنّه ذكر يونس بكنيته (أبو غلاب)(24).
وأنت ترى أنّه لم يصرّح هنا بذكر اسم الصحابي وأنّه أنس، ورواه عن الصحابي بواسطة واحدة، وهو يونس بن جبير.

والسؤال الوارد هنا: هل أنّ قتادة دلّس الحديث على أنس، أو أنّ الخلط قد وقع من سعيد بن أبي عروبة فحذف الصحابي والواسطة في حديث قتادة، وجعله عن أنس مباشرة؟
وإن كان الحديث عن صحابي لم يذكر اسمه، فمن هو هذا الصحابي؟ هل هو عثمان، كما في بعض الروايات عند مناشدته للصحابة يوم الدار، وهي لا تخلو من الضعف؟ أو هو أبو هريرة على ما في روايات أُخر؟
مع أنّهم لم يذكروا أنّ يونس بن جبير أبو غلاب البصري الباهلي روى عن أنس.. نعم، روى عن ابن عمر(25)، فلعلّ الصحابي الذي لم يذكر اسمه هو: ابن عمر!

رابعاً: قال ابن حجر في (فتح الباري): (( (قوله: (صعد أُحداً)، هو الجبل المعروف بالمدينة.. ووقع في رواية لمسلم، ولأبي يعلى من وجه آخر، عن سعيد: (حراء)، والأوّل أصحّ))(26).
نقول: (قوله: والأوّل أصحّ)، أي: إنّهم كانوا على (أُحد) هو الصحيح، غير صحيح؛ لما ورد في غيره من الطرق عن بريدة، وأبو هريرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وابن عبّاس، وعثمان، وسعيد بن زيد، ورجل من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وأنس(27) في رواية أُخرى، من أنّ الجبل كان (حراء).
وفي بعضها: عن عثمان: ((أنّ الجبل تحرك حتّى تساقطت حجارته بالحضيض))(28)، ومن يرى (أُحد) يعرف أنّه أشبه بالتل المعزول عن غيره من الجبال ولا حضيض له.

ثمّ إنّهم متى كانوا على أُحد، أقبل المعركة؟ ولم يرد أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) صعد عليه، بل أرسل الرماة فوقه.. أو بعد المعركة؟ وقد انهزموا إلى الجبال خلفه ولم يصعدوا على أُحد، حتّى توارى أبو بكر وعمر في ثنيات الجبل، وعثمان هرب ورجع بعد ثلاثة أيام!(29)
فما في رواية أنس أنّه: (أُحد)، جاء من تخليط سعيد بن أبي عروبة.. وأمّا رواية سهل بن سعد، التي فيها أنّه (أُحد)، فهي رواية مناشدة عثمان يوم الدار نفسها، كما أخرجها عبد الرزّاق والطبراني(30)، وقد ورد عن عثمان في المناشدة أنّه (حراء) أو (ثبير)، كما أوردناها آنفاً.
وابن حجر والعيني لمّا لم يستطيعا ردّ رواية أنس من أنّ الجبل (أُحد)، قالا بتعدّد القصّة(31)! وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذا الرأي تمحّل لا شاهد له.
هذا، ولكن يرد على رواية بريدة وأبو هريرة التي فيهما أنّ الجبل (حراء)، أنّهما لم يحضرا الواقعة.. فبريدة أسلم حين مرّ به النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مهاجراً بالغميم(32)، وأبو هريرة أسلم سنة سبعة للهجرة في غزوة خيبر، فكيف عرفا تفاصيلها ومن شهدها؟!!

ومن المعلوم أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كان يتعبّد في (حراء) عدّة أشهر في السنة قبل البعثة، ولم يكن معه من هؤلاء المذكورين في هذه الأخبار على اختلافها إلاّ عليّ(عليه السلام)، أضف إلى ذلك أنّ بعض المذكورين تأخّر إسلامه بعد البعثة عدّة سنين، ولم يرد في الأخبار صعود الرسول(صلّى الله عليه وآله) إلى حراء في سنيّ البعثة أو بعد فتح مكّة، فمتى اجتمع من ذكر معه على (حراء)؟!

قال ابن تيمية: ((وهو - أي: رسول الله(صلّى الله عليه وآله) - من حيث نبّأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون. وقد أقام صلوات الله عليه بمكّة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكّة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريباً من عشرين ليلة، وأتاها في حجّة الوداع وأقام بها أربع ليال، وغار حراء قريب منه ولم يقصده))(33).

وقال أيضاً: ((وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكّة يصعدون إليه للتعبّد فيه، ويقال: إنّ عبد المطلّب سنَّ لهم ذلك، وكان النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) قبل النبوّة يتحنّث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أوّلاً؛ لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكّة بعد النبوّة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه وكذلك المؤمنون معه بمكّة؛ وبعد الهجرة أتى مكّة مراراً، في عمرة الحديبية وعام الفتح، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً، وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء ولا زاره))(34).

خامساً: جاء في رواية أنس عند البخاري: (أبو بكر، وعمر، وعثمان)، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير)، وأضاف في رواية بعدها: (سعد بن أبي وقّاص)، وفي خبر سعيد بن زيد عند الترمذي - الذي قال عنه: حديث حسن صحيح ــ: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وسعيد بن زيد)..
فإذا كان كلّ هؤلاء يشملهم قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (فإنّه ليس عليك إلاّ نبيّ، أو صديق، أو شهيد)، فما هو اختصاص أبي بكر بالصدّيقية؟!
ولنا أن نقول: كيف يكون عثمان شهيداً وقد أجمعت الأُمّة من الصحابة يوم ذاك وغيرهم على قتله؟!
وكيف يكون طلحة والزبير شهيدين وقد قتلا بعد أن خرجا على إمام زمانهما؟!
وسعد قد مات مطعوناً؟!
وعبد الرحمن وسعيد ماتا حتف أنفهما فأنّى لهما بالشهادة؟!

ثمّ لو سلّمنا لكم تنزلاً أنّ من قتل منهم يدخل تحت جنس الشهيد، لكن من لم يُقتل لا بدّ وأن يدخل تحت جنس الصدّيق، فكيف اختصّ أبو بكر بالصدّيقية؟!
وإن قلتم، كما عن بعضكم: إنّ الصدّيقية أخصّ ألقابه؛ لذا ذكرها النبيّ(صلّى الله عليه وآله)(35).
قلنا: ألم يختص عمر عندكم بلقب (الفاروق)، وعثمان بلقب (ذو النورين)، والزبير بلقب (الحواري)، فمن الذي نقلهم عن ألقابهم واختصهم بلقب (الشهادة)؟!

ثمّ، ألم تقولوا أن أبا بكر قتل بخزبرة مسمومة(36)، فلماذا لا يدخل في الشهادة؟!
ولا يتوهّم متوهّم من ترتّب ذكر الأسماء، والابتداء بأبي بكر فعمر فعثمان ثم عليّ ومن بعده، قرينة على اختصاصهم بهذه الألقاب؛ فإنّ هذا الترتيب جاء من قبل الراوي لا من كلام النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وهو يعزّز ما نعتقده من تحريف هذا الحديث ليطابق ما وقع في الخارج من ترتّب للمستولين على السلطة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله)!

سادساً: من مجمل ما مضى يظهر عدم صحّة وقوع القصّة على جبل (أُحد)، وإنّما - لو اعتقدنا بوجود أصل لها - قد وقعت على جبل (حراء)، ولكن من نقل القصّة لم يكن معاصراً لها - بحسب السياق الطبيعي للأحداث، الموافق للحوادث التاريخية المنقولة لما قبل البعثة وبعدها إلى زمان الهجرة، والمنطبق على شخوص من أسلم في تلك الفترة وزمان إسلامهم وطبيعة تأثيرهم ومكانتهم - حتّى يذكر لنا شخوص المشاركين فيها..

نعم، باستثناء شخص واحد يمكن أن تلتقي فيه خيوط القصّة من دون تناقض، من المعاصرة والتأثير وطبيعة التحرك والقرب من الرسول(صلّى الله عليه وآله)، وهو عليّ(عليه السلام)، فلم يكن هناك قبل البعثة وأوّلها من يرافق للنبيّ(صلّى الله عليه وآله) غيره حين كان يصعد على حراء للتعبّد.. وأمّا ما ذكر من وجود أشخاص غيره فلا يتّسق مع السياق الطبيعي للأحداث، كما قلنا؛ لتباعد زمان إسلام بعضهم إلى سنين بعد البعثة، حيث لم يكن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) حينها يصعد على حراء.

ومن هنا ورد في التراث الحديثي لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ما يبيّن أصل القصّة وحقيقتها، وملابسات النقل المضطرب، والتناقض الواقع في طرق أهل السُنّة، ومن ثمّ يكشف الغاية لمثل هكذا نقل..
فقد جاء في (كتاب سُليم)، عن طريق أبان راوي الكتاب عند لقائه أبو جعفر الباقر(عليه السلام)، في حديث طويل أنّه(عليه السلام) قال له: (وربّما رأيت الرجل الذي يُذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد مضى من الولاة، لم يخلق الله منها شيئاً قطّ، وهو يحسب أنّها حقّ، لكثرة من قد سمعها منه ممّن لا يُعرف بكذب ولا بقلّة ورع. ويروون عن عليّ(عليه السلام) أشياء قبيحة، وعن الحسن والحسين(عليهما السلام) ما يعلم الله أنّهم قد رووا في ذلك الباطل والكذب والزور).
قال: قلت له: أصلحك الله، سمّ لي من ذلك شيئاً؟
قال: (رووا (أنّ سيّدي كهول أهل الجنّة أبو بكر وعمر)، و(أنّ عمر محدّث)، و(أنّ الملك يلقّنه)، و(أنّ السكينة تنطق على لسانه)، و(أنّ عثمان، الملائكة تستحي منه)، و(أنّ لي وزيراً من أهل السماء ووزيراً من أهل الأرض)، و(أن اقتدوا بالذين من بعدي)، و(اثبت حراء، فما عليك إلاّ نبيّ وصدّيق وشهيد)).. حتّى عدد أبو جعفر(عليه السلام) أكثر من مائة رواية يحسبون أنّها حقّ، فقال(عليه السلام): (هي والله كلّها كذب وزور).
قلت: أصلحك الله لم يكن منها شيء؟
قال(عليه السلام): (منها موضوع، ومنها محرّف.. فأمّا المحرّف، فإنّما عنى: (إنّ عليك نبيّ الله وصدّيقاً وشهيداً)، يعني: عليّاً(عليه السلام)، فقبلها. ومثله: (كيف لا يبارك لك وقد علاك نبيّ وصدّيق وشهيد)، يعني: عليّاً(عليه السلام). وعامّها كذب وزور وباطل)(37).

فهذه الرواية عن الباقر(عليه السلام) تبيّن أنّ هذا الحديث الذي تتمسّك به مدرسة الخلفاء لإثبات الصدّيقية لأبي بكر من الأحاديث المقلوبة؛ لأنّ المعنيّ به: عليّاً(عليه السلام)، فقلب وجعل من فضائل أبي بكر، بعد أن أضيف إليه أسماء من تخلّف بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وغيرهم من العشرة المبشّرة عندهم، بترتيبها المعهود الذي استقر اعتقادهم عليه، تدعيماً وبناءً لهذا الاعتقاد، وصرفاً لإحدى فضائل عليّ(عليه السلام) من كونه الصدّيق الأكبر إلى أوّل خلفائهم وأفضلهم عندهم وهو أبو بكر، كما صرفوا غيرها من الفضائل بأحاديث مقلوبة أُخر، وهي كثيرة.
ودمتم في رعاية الله

(1) وهو: ابن سعيد القطّان.
(2) وهو: ابن أبي عروبة.
(3) صحيح البخاري 4: 197 مناقب المهاجرين وفضلهم.
(4) صحيح البخاري 4: 204 مناقب المهاجرين وفضلهم.
(5) مسند أحمد بن حنبل 3: 12 مسند أنس بن مالك.
(6) صحيح مسلم 7: 128 باب من فضائل طلحة والزبير.
(7) المصدر نفسه.
(8) سنن الترمذي 5: 287 الحديث (3781) مناقب عثمان بن عفّان.
(9) سنن الترمذي 5: 291 الحديث (3787) مناقب عثمان بن عفّان.
(10) السُنّة، بتعليق الألباني: 607 الحديث (1438).
(11) مسند أحمد بن حنبل 2: 419 مسند أبي هريرة.
(12) صحيح مسلم 7: 128 باب من فضائل طلحة والزبير.
(13) مسند أحمد بن حنبل 1: 187، 188 مسند سعيد بن زيد، سنن الترمذي 5: 315 الحديث (3841) مناقب أبي الأعور واسمه سعيد بن زيد.
(14) الآحاد والمثاني 2: 117 الحديث (819).
(15) الاستيعاب 3: 988 (1659).
(16) انظر: فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(17) انظر: عمدة القاري 16: 190 الحديث (5763).
(18) انظر: الصواعق المحرقة: 80 الباب الثالث، الفصل الثالث.
(19) انظر: تهذيب التهذيب 4: 57 (110).
(20) انظر: فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(21) السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 607 الحديث (1439)، المعجم الأوسط 6: 338 من اسمه أحمد.
(22) انظر: تهذيب التهذيب 8: 318 (637).
(23) الآحاد والمثاني 5: 341 الحديث (2902).
(24) السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 607 الحديث (1440).
(25) تهذيب الكمال 32: 498 (7172).
(26) فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
(27) انظر: السُنّة، لابن أبي عاصم بتعليق الألباني: 607 - 608 الحديث (1439 - 1447)، الرياض النضرة في مناقب العشرة 1: 37 الباب الثالث: في ذكر ما دون العشرة من العشرة.
(28) سنن الترمذي 5: 291 الحديث (3787) مناقب عثمان بن عفّان.
(29) انظر: السيرة النبوية، لابن كثير 3: 58 فصل فيما لقي النبيّ من المشركين، و3: 55 غزوة أُحد، الدرّ المنثور 2: 88 سورة آل عمران.
(30) المصنّف 11: 229 الحديث (20401)، المعجم الكبير 1: 91 الحديث (146).
(31) فتح الباري 7: 32 باب مناقب المهاجرين وفضلهم، عمدة القاري 16: 190 الحديث (5763).
(32) الإصابة 1: 418 (632).
(33) مجموعة الرسائل والمسائل 5: 85 الرسالة الثالثة: العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعة، مجموعة الفتاوى 10: 394 فصل في العبادات والفرق بين شرعيتها.
(34) مجموعة الفتاوى 27: 251 فصل مسائل في زيارة قبر الرسول.
(35) انظر: الصواعق المحرقة: 88 الباب الرابع، الفصل الثاني في استخلاف أبي بكر.
(36) انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 198 أبو بكر الصدّيق.
(37) كتاب سليم بن قيس: 189 (10) علّة الفرق بين أحاديث الشيعة وأحاديث مخالفيهم.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال