الاسئلة و الأجوبة » آية التطهير » المقارنة بين لفظة (أهل البيت) و(بيوت النبي)


ابو جعفر / الكويت
السؤال: المقارنة بين لفظة (أهل البيت) و(بيوت النبي)
السلام عليكم
وفقكم الله أخواني الكرام القائمين على هذا الموقع العظيم، وجعله في ميزان أعمالكم، ورزقنا الله وإياكم شفاعة محمّد وآل محمّد(عليهم السلام).
أما بعد... من منطلق التدبّر بآيات القرآن الكريم، لاحظت أمراً يتعلق بآية التطهير، وسأعرضه، طالباً منكم أن تتكرموا بإعطاءنا رأيكم فيما رأينا ودمتم موفقين:
لاحظنا أنّ في سورة الأحزاب وردت كلمة (( بيوتكنَّ )) مرتين في الآيتين (23 - 34)، وورد أيضاً لفظ (( بُيُوتَ النَّبِيِّ )) في الآية (53)، ووردت كلمة (بيت) بصيغة المفرد كما هو معروف مرة واحدة في الآية (33), الملفت هنا أنّه لو كانت آية التطهير تضم زوجات الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان الأولى - والله أعلم - أن لا تأتي كلمة (( وَقَرنَ في بيوتكنَّ )) والعائد لزوجات الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يوافق ما بعده من جمع كلمة (( وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ))، فالأولى أن هناك تناسق بالألفاظ، وهذا ما تؤكده الآية (53): (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ )) أتت بصيغة الجمع للدلالة على بيوت زوجات النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن ضمن نفس الآية نجد كلمة (( وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُم أَطهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ )) فهي تتوافق مع سياق جمع كلمة (( بُيُوتَ النَّبِيِّ )).
والذي يؤكد أيضاً أنّ آية التطهير لا يدخل فيها زوجات النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الأحاديث والروايات التي أثبتت أنّ آية التطهير مختصة بأصحاب الكساء(عليهم السلام) فقط.
أتمنى أنّي قد وفقت بإيصال ما أريد بهذه الكلمات - والله من وراء القصد.
الجواب:

الاخ أبا جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في مقام التعليق على ما ذكرت، نقدم أمور:

أوّلاً: يحدد المفهوم اللغوي لكلمة أهل بما يضاف إليها، فأهل القرى: سكّانها، وأهل الكتاب: أتباعه، وأهل الرجل: عشيرته وذو قرباه(1)، وأخص الناس به(2)، ومن يجمعه وإياهم نسب أو دين(3)، وأهل بيت الرجل: ذو قرباه ومن يجمعه وإياهم نسب(4)، وأطلقت في الكتاب الكريم على أولاد إبراهيم(عليه السلام) وأولاد أولاده، قال تعالى: (( رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ )) (هود:73).
وهناك فرق بين أهل الرجل، وأهل بيت الرجل، فقد عبّر في اللغة مجازاً بأهل الرجل عن امرأته. قال الزبيدي في (تاج العروس): ((ومن المجاز: الأهل للرجل زوجته))(5)، أمّا أهل بيت الرجل: فهم من يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في اسرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(6). (أنظر مودة أهل البيت المبحث الأوّل: أهل البيت في اللغة والإصطلاح/ مركز الرسالة).

ثانياً: من الواضح أنّ (أهل البيت) متكونة من لفظتين: هي (أهل) التي ذكروا أنّها، ولفظة (آل) بمعنى واحد, وذكروا لهما معاني متعددة بين الضيق والسعة، يرجع إليها في البحث المتعلق بمعنى (الآل)، وهل هم أقرباء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو أتباعه، أو غير ذلك.
واللفظة الأخرى فهي (البيت)؛ فهل المراد منها المعنى الموضوع لها، وهو مكان السكن المتكون من الطين والخشب أي البيت المادي, أو المراد منها هنا المعنى الإستعمالي، وهو بيت الذروة والشرف ومجمع السيادة أي بيت النبوة؟
مع أنّه قد عرفنا من تنصيص أهل اللغة، ما هو المعنى المراد من استعمال (أهل البيت) إذا جاءا معاً عند العرب، وبالتالي لا فرق بين تعيين أي من المعنيين، ولكن المعنيان المذكوران أصبحا مورداً لظهور شبهة سوف تأتي الإشارة إليها في النقاط التالية.

ثالثاً: من الواضح أنّ المقصود من البيوت في (( وَقَرنَ في بيوتكنَّ )) و (( وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي بُيُوتِكُنَّ )) هي البيوت المبنية من الطين والخشب، وكذا في قوله: (( بُيُوتَ النَّبِيِّ ))، وهو غير المعنى المراد من مجموع لفظتي (أهل البيت) كما عرفت من تنصيص أهل اللغة، سواء قلنا أنّ المراد من لفظة بيت فيه الطين والخشب أو بيت الذروة والشرف، وذلك واضح من الآية: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الاحزاب:33).
لأنّه إذا قلنا أنّ المراد من (البيت) فيها هو بيت الطين والخشب، فلانه قد أضاف جمع البيوت في (( بُيُوتِكُنَّ )) إلى النساء وفي (( بُيُوتَ النَّبِيِّ )) إلى النبيّ، وهنا عرف البيت بالألف واللام العهدية لا الجنسية أو الإستغراقية، كما هو واضح، فانّه لا يريد جنس البيوت ولا كلّ بيت بيت، فتحصل أنّ هذا البيت المعهود ليس أحد تلك البيوت المنسوبة للنساء! وإلاّ فما هو المرجح بينها؟! وإنّما هو بيت آخر غيرها كان معهوداً بين المتكلم والمخاطب (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قد يكون بيت عليّ(عليه السلام) كما ذكر ذلك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما أشار إليه أبو بكر، وقال: هل هذا البيت منها؟ أي من البيوت التي اذن الله أن ترفع كما جاء في الآية (النور: 36)، فأجابه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن: (نعم, بل من أفضلها)(7) - وبيت عليّ(عليه السلام) هو بيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا إشكال.
هذا، فيما لو تنزلنا وقلنا بأنّ المراد هو هذا المعنى (أي المصنوع من الطين والخشب)، وهو مورد الشبهة التي جاءت عن العامّة، الذين قالوا بأنّ أهله كلّ من دخل تحت سعفه، فالأزواج من أهله، وقد عرفت الجواب! مع أنّا قد ذكرنا أنّ المعنى المستعمل في المركب من اللفظين (أهل) و (البيت) هو غير المعنى المفرد لكلّ منهما، كما عرفت من تنصيص أهل اللغة، فلاحظ.

وأمّا إذا أريد من البيت، هو بيت الذروة والشرف وبيت النبوّة، وأنّ المراد منه كما يراد من مثل قولهم أهل القرآن وأهل الله، فعند ذلك لا يصح الدخول فيه إلاّ لمن حصل له الأهلية والإستعداد الكامل الذي يكون السبب في التنصيص عليهم من قبل الله، فلا يراد منه إلاّ المنتمون إلى النبوّة والوحي بوشائج روحية خاصّة، ولا يشمل كلّ من يرتبط ببيت النبوّة من طريق السبب أو النسب فحسب، ولذا سألت أُمّ سلمة عن دخولها فيه فجائها الجواب بالنفي، وهذا البيت هو المراد من (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ... )) (النور:36) كما تقدم سابقاً في جواب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأبي بكر.
وورد أيضاً أنّ قتادة لمّا جلس أمام الباقر(عليه السلام) قال: ((لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك؟! قال له أبو جعفر الباقر(عليه السلام): (ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلهِيهِم تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ))، فأنت ثم، ونحن أولئك). فقال قتاده: صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين))(8).
ولعل هذا المعنى الثاني للبيت مأخوذ من المعنى المستعمل فيه (أهل البيت) كما نقلنا عن أصحاب اللغة.

رابعاً: وبعد كلّ ما تقدم فقد عرفت ما هو المراد من لفظتي (أهل البيت) فيما إذا وردتا معاً، وقد عرفت أنّ النزاع قائم في أنّ معنى أهل البيت هل هو واسع يشمل الزوجات أو أنّه مقتصر على أشخاص معينين هم أصحاب الكساء؟ افترق المسلمون إلى أقوال ونحن نستدل بحديث الكساء الصحيح على حصرهم بالخمسة أصحاب الكساء، إضافة إلى ما تقدم كلّه.
فإذا تقرر ذلك: نرجع إلى سؤالك؛ أنّه هل يمكن أن تستفيد من نفس الآية حصراً، بغض النظر عن الأدلة الأخرى اختلاف المراد من (بيوتكن) و(أهل البيت)، وبالتالي عدم دخول الزوجات في أهل البيت(عليهم السلام).

فنقول: من الواضح أنّ المراد في (بيوتكن) هو بيت الطين والخشب، وهو يجمع، إذ لو كان لشخص معين عدّة زوجات وكلّ منها أسكنها في بيت، فيقال: ((هذه بيوت هذا الرجل))، أو ((بيوت زوجاته))، وأنّ المراد من (أهل البيت) معنى آخر، هو ذو قرباه ومن يجمعه وإياهم نسب(9)، ولا تُجمع لفظة (البيت) فيه بهذا المعنى، إذ لم يعرف من كلام العرب أن يقولوا (أهل بيوت النبيّ) ويراد به هذا المعنى المتقدم، فإذا كان للرجل عدد من الأولاد من زوجات مختلفة أسكنهم في بيوت مختلفة، فإنّهم يقال لكلّ أولاده: ((أهل بيت الرجل)).
نعم، قد يستعمل ((أهل بيوت الرجل)) لكن بمعنى من كان تحت سقوف بيوته، أي يمكن أن يجمع بذلك المعنى الأوّل.
فإذا نظرنا إلى الآية، نجد أنّ البيوت جاءت مجموعة عندما أضيفت إلى النساء، وأنّها جاءت مفردة عندما عرفت بالألف واللام وتعلقت بالأهل، ..فنعرف أنّ البيوت المرادة هناك غير البيت المراد هنا. ويمكن أن تكون إشارة لطيفة بلاغية على الإختلاف، نظراً لابدال التعبير من الجمع إلى المفرد، ثم إلى الجمع في نفس الآيات، ولكن لا يمكن أن يكون دليلاً مستقلاً، وذلك لأنّا قلنا أنّ البحث حول دخول الزوجات أو عدم دخولهن مرتبط بتحديد معنى ومفهوم (أهل البيت) سواء من اللغة أو القرآن أو السُنّة على الخلاف بين الآراء، فاختلاف المعاني المرادة من البيت، لا يعني بالضرورة عدم دخول النساء في (أهل البيت)، ألا ترى أنّه لا تناقض في الآيات لو ثبت فرضاً من دليل خارج أن النساء داخلات في (أهل البيت) ولو مجازاً!

نعم، نعود ونقول: أنّه مؤيد واشارة لطيفة، تتم إذا ادعى مدعي أنّ المراد من (البيت) في (أهل البيت) في الآية هو البيت المحسوس من الطين والخشب، وتتأكد هذه الإشارة التي نوهنا إليها هنا، إذا لاحظنا العودة إلى جمع (البيوت) مرة أخرى في آية (( وَاذكُرنَ )) بعد آية التطهير، فكأنها تؤكد أنّ هذه البيوت غير ذلك البيت، وإلاّ لماذا عاد للتفريق بالجمع والإضافة اليهن بعد الافراد والتعريف بالألف واللام العهدية.
ودمتم في رعاية الله

(1) القاموس المحيط، مادة (أهل).
(2) لسان العرب، مادة (أهل).
(3) مفردات الراغب، مادة (أهل).
(4) مفردات الراغب، مادة (أهل).
(5) تاج العروس، مادة (أهل).
(6) مفردات الراغب، مادة (أهل).
(7) تفسير الثعلبي 7: 107 قوله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ...))، شواهد التنزيل 1: 532 سورة النور، الدر المنثور 5: 50 قوله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ...)).
(8) الكافي 6: 256 باب (ما ينتفع به من الميتة وما لا ينتفع به منها).
(9) مفردات الراغب، مادة (أهل).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال