الاسئلة و الأجوبة » ابن تيمية » بيان تفصيلي عن عقيدة ابن تيمية في التجسيم


امال / اسبانيا
السؤال: بيان تفصيلي عن عقيدة ابن تيمية في التجسيم
هل صحيح ما ذكره ابن بطوطة عن شيخ الإسلام ابن تيمية؟
استدلّ كثير من خصوم ابن تيمية بقصّة ذكرها ابن بطوطة في رحلته المشهورة، حيث زعم أنّه شاهد ابن تيمية على منبر الجامع بدمشق يعظ الناس ويشبّه نزول الله إلى السماء الدنيا بنزوله هو من درجة المنبر!
ما صحّة هذه الرواية؟ وما هي حقيقتها؟ وهل كان ابن تيمية حقّاً يعتقد بالتشبيه؟
الجواب:

الاخت آمال المحترمة
السلام عليك ورحمة الله وبركاته
لنتحدّث أوّلاً عن عقيدة ابن تيمية في الله سبحانه وصفاته، المستقاة من كتبه, ثمّ نتحدّث عن رحلة ابن بطوطة، أو غيرها من المصادر التي ذكرت بعض المشاهد الحسّية في تبنّي ابن تيمية لعقيدة التجسيم, فالمهم عندنا بيان عقيدة ابن تيمية في هذا الموضوع من كتبه وألفاظه, وليس مهماً ما ذكره ابن بطوطة أو غيره، ممّا يعدّ مؤيّداً في ما لو ثبت عنه هذا الأمر.

ونسبة ابن تيمية إلى التجسيم ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) حين قال: ((وافترق الناس فيه - أي: ابن تيمية - شيعاً: فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله, وأنّه مستو على العرش بذاته. فقيل له: يلزم من ذلك التحيّز والانقسام، فقال: أنا لا أُسلّم أنّ التحيّز والانقسام من خواص الأجسام. فألزم بأنّه يقول بتحيّز في ذات الله...))(1).
أيضاً قال ابن الوردي في (تتمّة المختصر): ((استدعي الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر, وعقد له مجلس, واعتقل بما نسب إليه من التجسيم))(2).
وجاء في (تاريخ أبي الفداء): ((وفيها استدعي تقيّ الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر، وعقد له مجلس، وأُمسك وأُودع الاعتقال بسبب عقيدته؛ فإنّه كان يقول بالتجسيم))(3).
وعن اليافعي في (مرآة الجنان) عند ذكره لحوادث سنة 705هـ وما جرى فيها لابن تيمية: ((وكان الذي ادّعى به عليه - أي: على ابن تيمية - بمصر أنّه يقول: إنّ الرحمن على العرش استوى حقيقة, وإنّه يتكلّم بحرف وصوت، ثمّ نودي بدمشق وغيرها: من كان على عقيدة ابن تيمية حلّ ماله ودمه))(4).

وعلى أيّة حال, كلام ابن تيمية في التجسيم يقسّم على أربعة أبعاد, وهي كما يلي:
1- إسناد المكان والجهة إلى الله تعالى.
2- زعمه أنّ الحوادث تقوم بالله سبحانه.
3- زعمه أنّ كلام الله تعالى بصوت وحرف.
4- كلامه في مسألة الجسم.

البعد الأوّل: قال ابن تيمية في (الرسائل التدمرية), وضمن عنوان: تنازع الناس في الجهة والتحيّز: ((... وقد علم أنّ ما ثمّ موجود إلاّ الخالق والمخلوق, والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى, ليس في مخلوقاته شيء من ذاته, ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة: أنّها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة: ما وراء العالم؟ فلا ريب أنّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة: أتريد بذلك: أنّ الله فوق العالم؟ أو تريد به: أنّ الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأوّل، فهو حقّ, وإن أردت الثاني، فهو باطل, وكذلك لفظ التحيّز...))(5).. إلى آخر كلامه.

وجاء في كتاب (بيان تلبيس الجهمية): ((والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة, كما أنّ التقدّم على الشيء، قد يقال: إنّه بمجرّد الرتبة، كما يكون بالمكان، مثل تقدّم العالم على الجاهل، وتقدّم الإمام على المأموم، فتقدّم الله على العالم ليس بمجرّد ذلك، بل هو قبله حقيقة، فكذلك العلو على العالم، قد يقال: إنّه يكون بمجرّد الرتبة، كما يقال: العالم فوق الجاهل, وعلو الله على العالم ليس بمجرّد ذلك، بل هو عالٍ عليه علوّاً حقيقياً، وهو العلو المعروف والتقدّم المعروف))(6).
قال الكوثري في تعليقه على هذا النص: ((فهل يشكّ عاقل أنّ ابن تيمية يريد بذلك الفوقية الحسّية، والعلو الحسّي - تعالى الله عمّا يؤفكون - واستعمال العلو ومشتقّاته في اللّغة العربية بمعنى: علوّ الشأن، في غاية الشهرة، رغم تقوّل المجسّمة))(7).
وذكر الحافظ أبو حيّان في تفسيره (النهر الماد) عند تفسير قوله تعالى: (( وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ )) (القرة:255)، أنّه قرأ في رسالة بخطّ ابن تيمية قوله: ((إنّ الله يجلس على العرش, وقد أخلى مكاناً يقعد فيه معه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ))(8).
قال الزبيدي في (إتحاف السادة المتّقين بشرح إحياء علوم الدين): ((قال السبكي: وكتاب العرش من أقبح كتبه, ولمّا وقف عليه الشيخ أبو حيّان ما زال يلعنه حتّى مات, بعد أن كان يعظّمه))(9).

وقد ذكر هذا الكتاب - أي كتاب العرش - صاحب (كشف الظنون) الذي جمع أسماء الكتب ومصنّفيها, حيث قال: ((كتاب العرش وصفته... ولابن تيمية، ذكر فيه أنّ الله تعالى يجلس على الكرسي، وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، ذكره أبو حيّان في النهر في قوله سبحانه وتعالى: (( وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ ))، وقال: في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطّه))(10).

وقفة قصيرة لبيان تناقضات ابن تيمية:
وكيفما كان, فقد حكم ابن تيمية بكفر وضلالة من خالفه في رأيه المتقدّم في الجهة والحيّز، إذ قال:
((فصل: وأمّا قولهم الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي عن الله التحيّز.
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنّ هذا اللفظ ومعناه الذي أرادوه ليس هو في شيء من كتب الله المنزّلة من عنده, ولا هو مأثور عن أحد من أنبياء الله ورسله، ولا خاتم المرسلين، ولا غيره, ولا هو أيضاً محفوظاً عن أحد من سلف الأُمّة وأئمّتها أصلاً..
وإذا كان بهذه المثابة, وقد علم أنّ الله أكمل لهذه الأُمّة دينها, وأنّ الله بيّن لهذه الأُمّة ما تتّقيه، كما قال: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم )) (المائدة:3), وقال: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوماً بَعدَ إِذ هَدَاهُم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ )) (التوبة:115)، وأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) بيّن للأُمّة الإيمان الذي أمرهم الله به، وكذلك سلف الأُمّة وأئمّتها.. علم بمجموع هذين الأمرين: أنّ هذا الكلام ليس من دين الله, ولا من الإيمان, ولا من سبيل المؤمنين, ولا من طاعة الله ورسوله.
وإذا كان كذلك فمن التزم اعتقاده فقد جعله من الإيمان والدين, وذلك تبديل للدين، كما بدّل من بدّل من مبتدعة اليهود والنصارى، ومبتدعة هذه الأُمّة دين المرسلين.
إلى أن يقول في بيانه للوجه الثاني: وليس في شيء من ذلك نفي الجهة والتحيّز عن الله, ولا وصفه بما يستلزم لزوماً بيّناً نفي ذلك, فكيف يصحّ مع كمال الدين وتمامه، ومع كون الرسول قد بلّغ البلاغ المبين, أن يكون هذا من الدين والإيمان ثمّ لا يذكره الله ولا رسوله قطّ؟
وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقادٍ في أُصول الدين ليس له أصل عمّن جاء بالدين.. هل هذا إلاّ صريح تبديل الدين؟))(11).

فكما ترى أنّ ابن تيمية ينكر أشدّ الإنكار على من ينفي الجهة والتحيّز عن الله تعالى, فيلزمه - على هذا - القول بإثبات الجهة والتحيّز, فحيث نفى نفي الجهة لم يبق إلاّ الإثبات, وعلى هذا يمكن أن نقول: إنّه قال بثبوت الجهة والتحيّز هنا، باعتبار لازم كلامه, ولا سيّما أنّه قد عدّ الخارجين على رأيه خارجين على دين الله, فنفاة الجهة والتحيّز عنده قد بدّلوا دين الله على زعمه, فلم يبق إلاّ أن يثبتهما هو ليحافظ على دين الله من التبديل!!
وقد وسم ابن تيمية في الوجه الرابع الطالبين باعتقاد نفي الجهة والحيّز عن الله تعالى بالأئمّة المضلّين, وأنّهم يأمرون الناس بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون(12).
إلاّ أنّ ابن تيمية ناقض نفسه في ما بنى عليه هناك من حمل الألفاظ على ظواهرها حقيقة, ولم يثبت لله صفة المعية بمرادها الحقيقي, بل تهافت في ذلك وفسّرها - كما قال - بما تدلّ عليه الحال في قوله تعالى: (( لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة :40) بمعية الاطّلاع والتأييد والنصر!!
وهذا تناقض فاضح, وتحكّم ظاهر في تفسير آيات الكتاب الكريم, وحكم على نفسه بنفسه - وحسب أقواله - بأنّه مبتدع وضال، قال: ((ولمّا قال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) لصاحبه في الغار: (( لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )), كان هذا أيضاً حقّاً على ظاهره, ودلّت الحال على أنّ حكم هذه المعية هنا: معية الاطّلاع والتأييد والنصر))(13).
ولا ندري لِمَ لَم تسعف الحال ابن تيمية في صفة الفوقية هناك، فينفي عن المولى سبحانه ما يقتضيه معناها الذي هو من لوازم الأجسام، أو لوازم أعراض الأجسام؟! وهو حمل محال, ويحملها على ما يمكن حمله عقلاً وشرعاً كما فعل مع صفة المعية هنا!

قال الغزالي في (إلجام العوام): ((إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى: (( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم )) (النحل:3) ، وفي قوله تعالى: (( وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ )) (الأنعام:18)، فليعلم أنّ الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين: أحدهما: نسبة جسم إلى جسم، بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل, يعني: أنّ الأعلى من جانب رأس الأسفل.. وقد يطلق لفوقية الرتبة, وبهذا المعنى يقال: الخليفة فوق السلطان, والسلطان فوق الوزير, وكما يقال العلم فوق العمل.
(والأوّل) يستدعي جسماً ينسب إلى جسم.
(والثاني) لا يستدعيه.. فليعتقد المؤمن قطعاً أنّ الأوّل غير مراد, وأنّه على الله تعالى محال؛ فإنّه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام))(14).

البعد الثاني: (وهو زعمه: أنّ الحوادث تقوم بالله تعالى):
قال العلاّمة الحلّي(رحمه الله) - الذي يردّ عليه ابن تيمية في (منهاج السُنّة) -: ((وأنّ أمره ونهيه وإخباره حادث, لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره))(15).
فقال ابن تيمية: ((فيقال: هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون...- إلى أن قال:- فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ, قالوا لكم [قلنا لكم] (16): نعم, وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل))(17).
وقال أيضاً: ((فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به!
قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمّة؟ ونصوص القرآن والسُنّة تتضمّن ذلك مع صريح العقل, وهو قول لازم لجميع الطوائف, ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزومه, ولفظ الحوادث مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزّه عن ذلك... ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك ممّا دلّ عليه الكتاب والسُنّة))(18).

وقد بيّن مذهب ابن تيمية في قيام الحوادث بالله أحد المدافعين عنه، وهو محمّد خليل هراس بقوله: ((فهل يجوّز ابن تيمية قيام الحوادث بذاته تعالى؟
الجواب: إنّ ابن تيمية لا يرى من ذلك مانعاً, لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل, بل يرى أنّ العقل والنقل متضافران على وجوب قيام الأُمور الاختيارية به تعالى..
وأمّا تلك المقدّمة القائلة: إنّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث, فهي صحيحة إن أُريد بها: آحاد الحوادث وأفرادها المتعاقبة في الوجود؛ فإنّ لكلّ واحد منها مبدأ ونهاية, فما لم يخل منها فهو إمّا أن يكون معها أو بعدها, وعلى التقديرين يكون حادثاً.
وأمّا إن أُريد: جنس الحوادث، فهي باطلة؛ فإنّ الجنس يجوز أن يكون قديماً, إن كان كلّ فرد من أفراده حادثاً, حيث أنّه لا يلزم من حدوث كلّ فرد حدوث الجملة, لأنّ حكم الجملة؛ غير حكم الأفراد))(19).

إلاّ أن هذا الشيخ المدافع عن عقائد ابن تيمية والمؤيّد لها, لم يطمئن لعقيدته هذه, وقال: إنّها مبتنية على قاعدة يصعب تصوّرها, إذ عقّب بالقول: ((إنّ ابن تيمية قد بنى على هذه القاعدة (قدم الجنس وحدوث الأفراد) كثيراً من العقائد, وجعلها مفتاحاً لحلّ مشاكل كثيرة في علم الكلام, وهي قاعدة لا يطمئنّ إليها العقل كثيراً؛ فإنّ الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعة، فإذا فرض أنّ كلّ فرد منها حادث، لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً)).

ثمّ قال: ((فإنّ ابن تيمية بعد أن أورد المذاهب المختلفة أخذ في تقرير مذهبه الذي يدّعي أنّه مذهب السلف, ولكن عليه من المآخذ ما سبق أن أشرنا إليه من تجويز قيام الحوادث بذاته تعالى, وابتنائه على تلك القاعدة الفلسفية التي تقول بقدم الجنس مع حدوث أفراده, وهي قاعدة يصعب تصوّرها، كما قلنا))(20).
وهذه العقيدة قد تابع فيها ابن تيمية الكرامية, وهم من المجسّمة!

قال الكوثري في (الردّ على النونية): ((اتّفقت فرق المسلمين، سوى الكرامية وصنوف المجسّمة، على أنّ الله سبحانه منزّه عن أن تقوم به الحوادث، وأن يحلّ به الحوادث, وأن يحلّ في شيء من الحوادث, بل ذلك ممّا علم من الدين بالضرورة))(21).
وقال تقي الدين السبكي: ((وأمّا الحشوية, فهي طائفة رذيلة جهّال ينتسبون إلى أحمد, وأحمد مبرّأ منهم, وسبب نسبتهم إليه أنّه قام في دفع المعتزلة, وثبت في المحنة(رضي الله عنه), ونقلت عنه كليمات ما فهمها هؤلاء الجهّال، فاعتقدوا هذا الاعتقاد السيّء, وصار المتأخّر منهم يتبع المتقدّم إلاّ من عصمه الله, وما زالوا من حين نبغوا مستذلّين ليس لهم رأس ولا من يناظر... - إلى أن يقول:- ثمّ جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء واطّلاع, ولم يجد شيخاً يهديه, وهو على مذهبهم، وهو جسور، متجرّد لتقرير مذهبه, ويجد أُموراً بعيدة فبجسارته يلتزمها, فقال بقيام الحوادث بذات الربّ سبحانه وتعالى, وأنّ الله سبحانه ما زال فاعلاً, وأنّ التسلسل ليس بمحال في ما مضى، كما هو في ما سيأتي, وشقّ العصا، وشوّش عقائد المسلمين, وأغرى بينهم, ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام، حتّى تعدّى وقال: إنّ السفر لزيارة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) معصية))(22).

وعلى أيّة حال, فدعوى ابن تيمية قيام الحوادث بالله تعالى معناه: قيام المخلوق بذات الله تعالى؛ لأنّ الحادث مخلوق, ومعناه: قيام الناقص بالكامل, وبعبارة أُخرى: اتّصاف الله الكامل بالناقص, وهذا خلف، كونه كاملاً.
مع أنّ دليل ابن تيمية يحمل بطلانه معه, وقد اقترب من تقرير بطلانه محمّد خليل هراس بنفسه, وهو أحد أتباعه؛ إذ الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعة, فإذا تقرّر أن كلّ فرد منها حادث، لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً, فعلى هذا يستحيل وجود حوادث لا أوّل لها.

البعد الثالث: (زعمه: أنّ كلام الله تعالى بصوت وحرف):
يقول ابن تيمية كما في (فتاويه الكبرى): ((وأنّ الله تعالى متكلّم بصوت، كما جاءت به الأحاديث الصحاح, وليس ذلك كأصوات العباد, لا صوت القارئ ولا غيره))(23).
قال: ((عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلم): يقول الله: يا آدم, فيقول: لبّيك وسعديك. فينادى بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذرّيتك بعثاً إلى النار))(24).
قال: ((ويذكر عن جابر بن عبد الله, عن عبد الله بن أنيس: سمعت النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك, أنا الديّان))(25).

ابن تيمية يناقض نفسه:
ونبدأ هنا بذكر تناقض ابن تيمية وردّه على نفسه؛ فإنّ التناقض هو أوّل مراتب الفساد، كما يقول هو نفسه.

يقول ابن تيمية كما في فتاويه: (( (الوجه الرابع عشر): وأمّا قولهم: ولا يقول: أنّ كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته.
فقد قلت في الجواب المختصر البديهي: ليس في كلامي هذا أيضاً, ولا قلته قط, بل قول القائل: إنّ القرآن حرف وصوت قائم به بدعة, وقوله: إنّه معنى قائم به بدعة, لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا, وأنا ليس في كلامي شيء من البدع, بل في كلامي ما أجمع عليه السلف: إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق))(26).

ثمّ نتساءل: هل الادّعاء بأنّ كلام الله بصوت وحرف، ثمّ القول بعد ذلك: لا كأصواتنا ولا كحروفنا.. هل هذا كافٍ في التنزيه ونفي التشبيه؟ لنترك ابن تيمية يجيب على هذا التساؤل ليكون حجّة على نفسه..

قال: ((.. وأمّا في طرق الإثبات, فمعلوم أيضاً أنّ المثبت لا يكفي في إثباته مجرّد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرّد نفي التشبيه, لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى ممّا هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه, وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه, وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم, ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم, كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلّم لا ككلامهم, ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم, كما قيل: له وجه لا كوجوههم, ويدان لا كأيديهم، حتّى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك, ممّا يتعالى الله عزّ وجلّ عنه سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً..))(27).

إذاً, التسليم بالاشتراك في المعنى العام، وهو: الصوت والحرف, ثمّ القول بأنّه: لا كالأصوات ولا كالحروف.. هذا لا ينفي التشبيه، وإن ادّعى صاحبه ذلك.. لأنّ ما سلّم به هو: معنى من معاني الحدوث, فكأنّه يقول: حادث لا كالحوادث, وهذا تناقض صريح.. باعتبار ما أقرّ به ابن تيمية نفسه.
ثمّ نسأل ابن تيمية: هل هناك وجه لمخالفة صوته (تعالى الله عن ذلك) لأصواتنا؟
هنا يجيب ابن تيمية بنقل قول البخاري: ((وفي هذا دليل على أنّ صوت الله لا يشبه أصوات الخلق, لأنّ صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب))(28).
فلا وجه إذاً للمخالفة.. غير أنّ صوته يسمع من قرب كما يسمع من بعد..
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن تيمية في ما توصّل إليه البشر من تقريب الأصوات، حتّى سمعت من بعد كما سمعت من قرب بوسائل الإعلام والاتّصال الحديثة؟ هل كان يصرّ على رأيه بأنّ السماع من بعد كالسماع من قرب كافٍ في المخالفة للحوادث والتنزيه؟!!

الردّ على ابن تيمية في هذا الجانب:
نقل الكوثري عن أبي بكر ابن العربي في (العارضة) ما يلي: ((لا يحلّ لمسلم أن يعتقد أنّ كلام الله صوت وحرف, من طريق العقل والشرع, فأمّا طريق العقل، فلأنّ الصوت والحرف مخلوقان محصوران, وكلام الله يجلّ عن ذلك كلّه. وأمّا طريق الشرع، فلأنّه لم يرد في كلام الله صوت وحرف من طريق صحيحة.. ولهذا لم نجد طريقاً صحيحاً لحديث ابن أنيس، وابن مسعود))(29)..
وأنت تعلم مبلغ استبحار ابن العربي في الحديث في نظرهم.
وجزء (الصوت) للحافظ أبي الحسن المقدسي لا يدع أيّ متمسّك في الروايات في هذا الصدد لهؤلاء الزائغين, ومن رأى نصوص فتاوى العزّ بن عبد السلام وابن الحاجب الحصيري والعلم السخاوي ومن قبلهم ومن بعدهم من أهل التحقيق - كما هو مدوّن في (نجم المهتدي)، و(دفع الشبه) وغيرهما - يعلم مبلغ الخطورة في دعوى أنّ كلام الله حرف وصوت قائمان به تعالى...
ولا تصحّ نسبة الصوت إلى الله تعالى إلاّ نسبة مُلك وخَلق. لكن هؤلاء السخفاء رغم تضافر البراهين ضدّهم, ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها, يعاندون الحقّ, ويظنّون أنّ كلام الله من قبيل كلام البشر الذي هو كيفية اهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللهاة واللسان, تعالى الله عن ذلك. ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم، أو التشبيه بابن آدم.. (( أُولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ )) (الأعراف:179).

يقول الكوثري: ((بل من قال: إنّ كلام معبوده حرف وصوت قائمان به، فهو الذي نحت عجلاً جسداً له خوار, يحمل أشياعه على تعبّده))(30).
ويقول: ((إنّ كان يريد حديث جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس: (ويحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب...) الحديث.. فهو حديث ضعيف علّقه البخاري بقوله: ويُذكَر عن جابر, دلالة على أنّه ليس من شرطه, ومداره عن: عبد الله بن محمّد بن عقيل, وهو ضعيف باتّفاق, وقد انفرد عنه القاسم بن عبد الواحد، وعنه قالوا: إنّه ممّن لا يحتجّ به. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في الحديث المذكور.

وأمّا إن كان يريد حديث أبي سعيد الخدري: (يقول: يا آدم! يقول: لبّيك وسعديك، فينادى بصوت: إنّ الله يأمرك...) الحديث. فلفظ (ينادى) فيه على صيغة المفعول جزماً، بدليل (إنّ الله يأمرك)، ولو كان على صيغة الفاعل لكان: إنّي آمرك, كما لا يخفى.
على أنّ لفظ (صوت) انفرد به حفص بن غياث, وخالفه وكيع وجرير وغيرهما، فلم يذكروا الصوت, وسئل أحمد عن حفص هذا فقال: كان يخلط في حديثه، كما ذكره ابن الجوزي. فأين حجّة الناظم في مثله؟
على أنّ الناظم نفسه خرّج في (حادي الأرواح) وفي هامشه أعلام الموقّعين (2 - 97) عن الدارقطني من حديث أبي موسى: (يبعث الله يوم القيامة منادياً بصوت يسمعه أوّلهم وآخرهم: أنّ الله وعدهم...) الحديث. وهذا يعيّن أنّ الإسناد مجازي على تقدير ثبوت الحديثين.. فظهر بذلك أنّ الناظم متمسّك في ذلك بالسراب))(31).

ويقول تقيّ الدين السبكي: ((اللفظ الذي في البخاري: (فينادى بصوت)، وهذا محتمل لأن تكون الدال مفتوحة، والفعل لم يسمّ فاعله, وإن تكون مكسورة، فيكون المنادي هو الله تعالى. فنقله عن البخاري نداء الله ليس بصحيح، والعدالة في النقل أن ينقل المحتمل محتملاً. وإذا ثبت أنّ الدال مكسورة، فلِمَ يقول: إنّ الصوت منه؟ فقد يكون من بعض ملائكته، أو من يشاء الله..))(32).
وقد ذكر القاضي الباقلاني البصري المتوفى سنة 403هـ، في كتابه (الإنصاف)، فيضاً من الأدلّة على تنزيه الله عن الحرف والصوت.. ونقل من ذلك قول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): (إنّ الله كلّم موسى(عليه السلام) بلا جوارح، ولا أدوات، ولا حروف، ولا شفة، ولا لهوات, سبحانه عن تكيّف الصفات)(33).
وقال في (الإنصاف): ((وأيضاً: فإنّ الحروف تحتاج إلى مخارج, فحرف الشفة غير حرف اللسان, وحرف الحلق غيرهما, فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج, وهو منزّه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عمّا يشركون.

وأيضاً: فإنّ الحروف متناهية معدودة محدودة, وكلام الله تعالى قديم، لا مفتتح لوجوده ولا نهاية لدوامه, كعلمه وقدرته، ونحو ذلك من صفات ذاته, وقد أكّد تعالى ذلك بغاية التأكيد, وأنّ كلامه لا يدخله العدّ والحصر والحدّ، بقوله تعالى: (( قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَداً )) (الكهف:109)، وقال: (( وَلَو أَنَّمَا فِي الأَرضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلاَمٌ وَالبَحرُ يَمُدُّهُ مِن بَعدِهِ سَبعَةُ أَبحُرٍ مَا نَفِدَت كَلِمَاتُ اللَّهِ )) (لقمان:27)، فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنّه لا نهاية لكلامه؛ إذ كلّ ما له نهاية له بداية, وإنّما تتصوّر النهاية في حقّ من يتصوّر في حقّه البداية))(34).

وقد ردّ الباقلاني على ما أورده المخالفون من الأحاديث, وأجاب بأجوبة عديدة، منها: ما ردّ به على استدلالهم بحديث ابن أنيس؛ قال: ((قد روى فيه ما يدلّ على أنّ الصوت من غير الله بأمره؛ لأنّه روي: إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، يأمر منادياً فينادي، فصحّ أنّ النداء من غيره, لكن لمّا كان بأمره أُضيف النداء إليه، كما يقال: نادى الخليفة في بغداد بكذا وكذا.. ويقال: أمر الخليفة منادياً فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا.. ولا فرق بين الموضعين. فإنّ كلّ عاقل يعلم أنّ الخليفة لم يباشر النداء بنفسه, لكن لمّا كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه وأن يضاف إليه، وإن لم يكن هو المنادي بنفسه.

ويصحّح جميع ذلك القرآن؛ قال الله تعالى: (( وَاستَمِع يَومَ يُنَادِ المُنَادِ مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَومَ يَسمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَومُ الخُرُوجِ )) (ق:41-42)، فأضاف النداء إلى المنادي، فصحّ أنّ الصوت صفة المنادي لا صفة الآمر بالنداء، ومن عجيب الأمر أنّ الجهّال لا يجوّزون أن يكون النداء صفة المخلوق إذا كان رفيع القدر في الدنيا، كالخليفة والأمير، وينفون عنه ذلك, ثمّ يجوّزونه في حقّ ربّ العالمين!
- إلى أن قال:- جواب آخر: وهو أنّ كلّ ما أُضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له, فمن زعم هذا فقد كفر وأشرك لا محالة؛ لأنّ الخبر قد جاء بقول الله تعالى: (يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني, جعت فلم تطعمني, عطشت فلم تسقني, عريت فلم تكسني)، فأضاف هذه الأشياء إليه في الخبر.. ومن زعم أنّه يجوع ويعطش ويمرض ويعرى فقد كفر وأشرك لا محالة.
وكذلك قال تعالى: (( يَومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ )) (الأنعام:73)، على قراءة من قرأ بالنون [المفتوحة] والنافخ إسرافيل، وقال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللَّهَ )) (الأحزاب:57)، فأضاف الأذية إليه. ومن زعم أنّ الأذية من صفته فقد كفر لا محالة))(35).

البعد الرابع: كلامه في الجسم ونسبته لله تعالى:
قال ابن تيمية في تعريف الجسم: ((فإنّ الجسم عند أهل اللّغة - كما ذكره الأصمعي وأبو زيد وغيرهما - هو: الجسد والبدن؛ قال تعالى: (( وَإِذَا رَأَيتَهُم تُعجِبُكَ أَجسَامُهُم )) (المنافقون:4)، وقال تعالى: (( وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ )) (البقرة:247)، فهو يدلّ في اللّغة على معنى الكثافة والغلظ، كلفظ الجسد, ثمّ قد يراد به نفس الغليظ, وقد يراد به غلظه، فيقال: لهذا الثوب جسم, أي: غلظ وكثافة... ثمّ صار الجسم في اصطلاح أهل الكلام أعمّ من ذلك, فيسمّون الهواء وغيره من الأُمور اللطيفة جسماً، وإن كانت العرب لا تسمّي هذا جسماً... - إلى أن قال:- والنظّار كلّهم متّفقون - في ما أعلم - على أنّ الجسم يشار إليه))(36).

فإذا كان هذا معنى الجسم عنده, فقد قال ما نصّه:
((وأمّا لفظ الجسم والجوهر والتحيّز والجهة ونحو ذلك, فلم ينطق كتاب ولا سُنّة بذلك في حقّ الله، لا نفياً ولا إثباتاً, وكذلك لم ينطق بذلك أحد من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمّة المسلمين، من أهل البيت وغير أهل البيت, فلم ينطق أحد منهم بذلك في حقّ الله، لا نفياً ولا إثباتاً))(37).

فهذه هي المرحلة الأُولى... فيكون النافي للجسمية عن الله تعالى مخالفاً للكتاب، وللسُنّة, ولإجماع الصحابة والتابعين, ولإجماع أهل البيت...
إذاً, ليس لأحد - لا من الشيعة ولا من السُنّة - أن يقول بنفي الجسمية عن الله عزّ وجلّ..
بل يصرّح بأنّ النفي - كالإثبات ــ: بدعة؛ فيقول: ((والكلام في وصف الله بالجسم نفياً وإثباتاً بدعة لم يقل أحد من سلف الأُمّة وأئمّتها: إنّ الله ليس بجسم، كما لم يقولوا: إنّ الله جسم))(38). [نقول: والحال أنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تنزيه الله سبحانه عن الجسمية كثيرة جدّاً؛ فراجع خطب أمير المؤمنين في (نهج البلاغة)، و(كتاب التوحيد) لابن بابويه, و(الكافي) للكليني، وغيرها].
وفي المرحلة الثانية.. يقول منكراً على من يذمّ المجسّمة: ((وأمّا ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة, فهذا لا يعرف في كلام أحدٍ من السلف والأئمّة, كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول: بأنّ الله جسم، أو ليس بجسم, بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم))(39).
فهذا الكلام ميل إلى الإثبات, وإلاّ فإنّه يناقض كلامه السابق, في أنّ النفي والإثبات كليهما بدعة.

ثمّ يقول في موضع آخر: ((وإن قال: يستلزم أن يكون الربّ يشار إليه ترفع [برفع] الأيدي في الدعاء, وتعرج الملائكة والروح إليه, وعرج بمحمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - إليه, وتنزل الملائكة من عنده, وينزل منه القرآن, ونحو ذلك من اللوازم التي نطق بها الكتاب والسُنّة وما كان في معناها. قيل له: لا نسلّم انتفاء هذا اللازم))(40).
- إلى أن يقول:- ((وقد بُسط الكلام على هذه الأُمور في مواضع, وبُيّن أنّ ما ينفيه نفاة الصفات التي نطق بها الكتاب والسُنّة من علوّ الله سبحانه وتعالى على خلقه وغير ذلك, كما أنّه لم ينطق بما ذكروه كتاب الله ولا سُنّة رسوله، ولا قال بقولهم أحد من المرسلين ولا الصحابة والتابعين, فلم يدلّ عليه أيضاً دليل عقلي, بل الأدلّة العقلية الصريحة موافقة للأدلّة السمعية الصحيحة...
- ثمّ قال:- وأمّا الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن - فيثبتون إثباتاً مفصّلاً وينفون نفياً مجملاً, يثبتون لله الصفات على وجه التفصيل، وينفون عنه التمثيل, وقد علم أنّ التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي تسمّيها النفاة تجسيماً, ومع ذلك فلم ينكر رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وأصحابه على اليهود شيئاً من ذلك, ولا قالوا: أنتم مجسّمون, بل كان أحبار اليهود إذا ذكروا عند النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - شيئاً من الصفات أقرّهم الرسول على ذلك, وذكر ما يصدّقه..
كما في حديث الحبر الذي ذكر له إمساك الربّ سبحانه وتعالى للسماوات والأرض، المذكور في تفسير قوله تعالى: (( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ... )) (الأنعام:91). وقد ثبت ما يوافق حديث الحبر في الصحاح عن النبيّ(صلّى الله عليه) من غير وجه, من حديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما.
ولو قدّر بأنّ النفي حقّ، فالرسل لم تخبر به، ولم توجب على الناس اعتقاده، (فمن اعتقده وأوجبه), فقد علم بالاضطرار (من دين الإسلام) أنّ دينه مخالف لدين النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) ))(41).

ثمّ إنه أفصح عن معتقده بوضوح أكثر، حيث قال: وأمّا قوله (أي: الباقلاني): ((فإن تعسّف من المقلّدين متعسّف، وأثبت للربّ تعالى جسماً مركّباً من أبعاض متألّفاً من جوارح, نقلنا الكلام معه إلى إبطال الجسم وإيضاح تقدّس الربّ عن التبعيض والتأليف والتركيب.
فيقال له: الكلام في وصف الله بالجسم نفياً وإثباتاً بدعة, لم يقل أحد من سلف الأُمّة وأئمّتها: إنّ الله ليس بجسم, كما لم يقولوا: إنّ الله جسم, بل من أطلق أحد اللفظين استفصل عمّا أراد بذلك, فإنّ في لفظ الجسم بين الناطقين به نزاعاً كثيراً؛ فإن أراد تنزيهه عن معنى يجب تنزيهه عنه, مثل: أن ينزّهه عن مماثلة المخلوقات, فهذا حقّ, ولا ريب أنّ من جعل الربّ جسماً من جنس المخلوقات فهو من أعظم المبتدعة ضلالاً, دع من يقول منهم أنّه لحم ودم ونحو ذلك من الضلالات المنقولة عنهم..
وإن أراد نفي ما ثبت بالنصوص وحقيقة العقل أيضاً ممّا وصف الله ورسوله منه وله, فهذا حقّ، وإن سمّي ذلك تجسيماً, أو قيل: إنّ هذه الصفات لا تكون إلاّ لجسم.
فما ثبت بالكتاب والسُنّة وأجمع عليه سلف الأُمّة هو حقّ, وإذا لزم من ذلك أن يكون هو الذي يعنيه بعض المتكلّمين بلفظ الجسم, فلازم الحقّ حقّ))(42).
ولا يخفى, أنّ هذا مبني على فهمه للنصوص فهماً ظاهرياً, وأنّ الألفاظ كلّها محمولة على المعاني الحقيقية ولا مجاز مطلقاً... فالنصوص - على هذا - غير دالّة على الجسمية, وإنّما جاءت الدلالة من فهم ابن تيمية منها.
وابن تيمية يثبت التركيب في حقّ الله تعالى.. وهو في إثباته التركيب يحاول جاهداً أن يبيّن أنّ ما أثبته من التركيب لا يتنافى مع الوحدة. وسنرى العجب في دفاعه!

يقول: ((ولكن إذا قلنا: إنّ الله لم يزل بصفاته كلّها, أليس إنّما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته؟ وضربنا لهم مثلاً في ذلك، فقلنا لهم: أخبرونا عن هذه النخلة, أليس لها جذوع، وكرب، وليف، وسعف، وخوص، وجمار, واسمها اسم واحد سمّيت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك الله جلّ ثناؤه))(43).
ونقل عن أبي يعلى في كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات)، أنّه روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بسنده إلى عكرمة، قوله:... وفي طريق آخر عن ابن فورك بسنده إلى عكرمة عن ابن عبّاس: ((إنّ الله إذا أراد أن يخوّف عباده أبدى عن بعضه...))، ثمّ ذكر أنّه قال: ((أمّا قوله: أبدى عن بعضه, فهو على ظاهره، وأنّه راجع إلى الذات))(44).

وممّا اهتمّ ابن تيمية به: إبطال القول بتماثل الأجسام.. فيقول: ((ولا ريب أنّ قولهم بتماثل الأجسام قول باطل..))، ثمّ قال: ((وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك)).. إلى أن قال: ((وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع, وبيّنا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام، وحجج من نفى ذلك.. وبيّنا فساد قول من يقول بتماثلها))(45).
ولنا أن نتساءل: ما صلة اهتمام ابن تيمية بإبطال مماثلة الأجسام بما يدّعيه من أنّه سلفي؟ وهل في كلامه هذا منهج للسلف؟
إن كان ابن تيمية نافياً عن الله الجسمية، فلا تضيره دعوى مماثلة الأجسام, ولا تثير قلمه, ولا توجب غضبه واستنكاره، وأمّا إن كان ابن تيمية ممّن يقول بإثبات الجسمية لله تعالى إلاّ أنّه يقول: جسم لا كالأجسام.. فما أحوجه إلى أن يكافح جاهداً في إبطال مماثلة الأجسام!
ويقول: ((ولهذا لمّا كان الردّ على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقاً فاسداً, لم يسلكه أحد من السلف والأئمّة, فلم ينطق أحد منهم في حقّ الله بالجسم لا نفياً ولا إثباتاً, ولا بالجوهر والتحيّز، ونحو ذلك.. لأنّها عبارات مجملة لا تحقّ حقّاً ولا تبطل باطلاً.. ولهذا لم يذكر الله في كتابه في ما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفّار ما هو من هذا النوع, بل هذا هو من الكلام المبتدع، الذي أنكره السلف والأئمّة..))(46).
فهو يرى أنّ الردّ على من وصف الله بالنقائص لا يكون بطريق نفي الجسيمة.. لأنّه طريق فاسد.. وكعادته يزعم أنّ ذلك لم يرد عن أحد من السلف. وأعجب من ذلك إقراره عقيدة اليهود في ما يتعلّق بالتجسيم.. بل جعل من ينكر على اليهود وغيرهم من المجسّمة مبتدعاً.. وكلام من ينكر التجسيم على معتقديه هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف.
فابن تيمية يرى أنّ عقيدة التجسيم عند اليهود وغيرهم لا يحقّ لمؤمن أن ينفيها, فإن قام مؤمن بنفيها يقال له: إنّك لم تبطل باطلاً ولم تحقّ حقّاً, بل سلكت طريقاً فاسدة وخالفت السلف.. بل أنت مبتدع!
ونحن نسأل ابن تيمية: هل القول بالتجسيم يكون اتّباعاً للسلف أم اتّباعاً لليهود؟!

ثمّ لنقرأ ما قاله في (الرسالة التدمرية): ((كقوله تعالى: (الله الصمد)، والصمد: الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب...)).. ثمّ قال: ((والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب, فالغني المنزّه عن ذلك منزّه عن آلات ذلك, بخلاف اليد فإنّها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل)).
فقد جعل ابن تيمية اليد آلة العمل.. فجعلها جارحة من الجوارح.. فهو على هذا يثبت آلة كمال وينفي آلة نقص.. لذلك قال بعد ذلك: ((وهو سبحانه منزّه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه))(47)؛ وهو هنا لا يدري أنّ التعبير بالآلة تجسيم ونقص ومحال.. والتعبير بلفظ الآلة إنّما هو من ابتداع ابن تيمية..
وإذا كان هذا شأن هذا الرجل في الفهم.. فلا عجب أن يترك من معاني الصمد: (المقصود في الحوائج) - وهو المروي عن أُبيّ، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهم - ويؤثر المعنى الذي ينضح بالتجسيم من قوله: ((الصمد: الذي لا جوف له)).

وهنا ننقل كلام الكوثري في الردّ على النونية:
((قال ابن تيمية في التأسيس في ردّ أساس التقديس - المحفوظ في ظاهرية دمشق في ضمن المجلد رقم 25 من الكواكب الدراري - وهذا الكتاب مخبأة ووكر لكتبهم في التجسيم, وقد بيّنت ذلك في ما علّقته على المصعد الأحمد ص31: ((فمن المعلوم أنّ الكتاب والسُنّة والإجماع لم ينطق بأنّ الأجسام كلّها محدثة, وأنّ الله ليس بجسم، ولا قال ذلك إمام من أئمّة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن القنطرة، ولا عن الشريعة...))، وقال في موضع آخر منه: ((قلتم: ليس هو بجسم ولا جوهر، ولا متحيّز، ولا في جهة، ولا يشار إليه بحس، ولا يتميّز منه شيء من شيء, وعبّرتم عن ذلك بأنّه تعالى ليس بمنقسم ولا مركّب، وأنه لا حدّ له ولا غاية. تريدون بذلك أنّه يمتنع عليه أن يكون له حدّ وقدر, أو يكون له قدر لا يتناهى... فكيف ساغ هذا النفي بلا كتاب ولا سُنّة؟!...
وفي ذلك عبر للمعتبر.. وهل يتصوّر لمارق أن يكون أصرح من هذا بين قوم مسلمين))(48).
ويقول الغزالي: ((فإن خطر بباله أنّ الله جسم مركّب من أعضاء، فهو عابد صنم، فإنّ كلّ جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفراً، لأنّه مخلوق، وكان مخلوقاً لأنّه جسم.. فمن عبد جسماً فهو كافر بإجماع الأئمّة, السلف منهم والخلف))(49).
وابن تيمية حين يهاجم نفاة الجسم ونفاة التركيب.. يصفهم بأشنع وأقبح الصفات.. ويسمّي أقوالهم في فتاويه أنّها: من أعظم أُصول أهل الشرك والإلحاد, وأنّهم أفسدوا بها التوحيد.. وهم أضرّ على الأُمّة من الخوارج المارقين الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان...(50).

ولكن لندع ذلك حتّى لا يطول البحث.. ولنقرأ كلامه في قضية التراكيب:
يقول في (بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول): ((وأمّا قولك: (ليس مركّباً..) فإن أردت به أنّه سبحانه ركّبه مركّب، أو كان متفرّقاً فتركّب، وأنّه يمكن تفرّقه وانفصاله, فالله تعالى منزّه عن ذلك)).
فمن هذا النص نرى أنّ ما ينفيه من التركيب بالنسبة لله تعالى ليس ذات التركيب.. بل ما ينفيه هو أن يركّبه مركّب, أو أن يكون مفرّقاً فتركّب.... وما سوى ذلك فإنّه لا يجوز عند ابن تيمية نفيه.. ولنرجع لبقية نصّه:
يقول: ((وإن أردت أنّه موصوف بالصفات مباين للمخلوقات, فهذا المعنى حقّ، ولا يجوز ردّه لأجل تسميتك له مركّباً.. فهذا ونحوه ممّا يجاب به.
وإذا قدّر أنّ المعارض أصرّ على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه الاصطلاحية المحدثة, مثل: أن يدّعي أنّ ثبوت الصفات ومباينة المخلوقات يستحقّ أن يسمّى في اللّغة تجسيماً وتركيباً ونحو ذلك..
قيل له: هب أنّه سمّي بهذا الاسم.. فنفيك له: إمّا أن يكون بالشرع، وإمّا أن يكون بالعقل.. أمّا الشرع: فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حقّ الله، لا بنفي ولا إثبات, ولم ينطق أحد من سلف الأُمّة وأئمّتها في حقّ الله تعالى بذلك، لا نفياً ولا إثباتاً...))(51).
ويقول في نفس الأمر في فتاويه: ((وإن أردت بهذه الألفاظ - أراد قول الباقلاني: لأنّه مقدّس عن التجزّؤ، والتبعيض، والتعدّد، والتركيب، والتأليف ــ: أنّه لا يتميّز منه شيء من شيء, فهذا باطل بالضرورة، وباطل باتّفاق العقلاء, وهو لازم لمن نفاه لزوماً لا محيد عنه..))(52).

وقد وضّح ابن تيمية مراده من عدم تمييز شيء عن شيء.. في نفس الكتاب: ((وإنّما مرادهم بذلك: أنّه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء, ولا يعلم منه شيء دون شيء, ولا يمكن أن يشار منه إلى شيء دون شيء، بحيث أنّه ليس في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء, أو يرى عباده منها شيء دون شيء, بحيث إذا تجلّى لعباده يريهم من نفسه المقدّسة ما شاء)).. إلى أن قال: ((فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم, ويسمّون ذلك نفي التجسيم, إذ كلّ ما ثبت له ذلك كان جسماً منقسماً مركّباً, والباري منزّه عندهم عن هذه المعاني..))(53).
فهو هنا يتهكّم ويستنكر نفيهم التبعيض والتجزّي.. الخ.. وأنّهم يسمّون ذلك نفي التجسيم. ثمّ بيّن في جرأة عجيبة ما هو مليء بالتبعيض والتقسيم في حقّ الله تعالى.. وما لم نورده أشنع ممّا أوردناه.. ممّا يدعنا نتساءل: ما هي الجسمية التي ينفيها عن الله عزّ وجلّ؟

ثمّ.. ابن تيمية وحديث النزول:
يقول الشيخ محمّد خليل هراس: ((ولكن هل معنى هذا أنّ ابن تيمية يقول بالنزول الحقيقي الذي يقتضي هبوط الباري جلّ شأنه من على العرش إلى السماء الدنيا؟ وهل هو يجوّز عليه الحركة والانتقال؟
لم أجد لابن تيمية نصّاً يفيد هذا, بل مذهبه الصريح الذي يذكره في عامّة كتبه: أنّ الله فوق سماواته على عرشه, بائن من خلقه, وأنّه لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته, كما أنّه لا يحلّ في شيء منها..))(54).

نقول: الواقع أنّ ابن تيمية فيه جرأة عجيبة في ألفاظه وتقريره، بشكل لا يلمس القارئ فيه القلب الخائف من جلال الله.. إنّما هي ألفاظ جريئة لم ترد عن أحد سبقه.. ألفاظ قد لا يستطيع القارئ أن يأخذ عليه فيها مأخذاً لو نظر إليها نظرة عابرة.. خاصّة أنّه يأتي بألفاظ متشابهة.. ولكن تناقضه العجيب يفضحه مع أوّل نظرة باحثة.. هذا مع كون الباطل لا استقامة له أبداً.
ونقول للشيخ هراس الذي لم يجد لابن تيمية نصّاً يفيد النزول الحقيقي.. نقول له: ها هو النص الذي تبحث عنه:

يقول ابن تيمية: ((وأمّا أحاديث النزول إلى السماء الدنيا كلّ ليلة، فهي الأحاديث المعروفة الثابتة عند أهل العلم بالحديث, وكذلك حديث دنوّه عشيّة عرفة رواه مسلم في صحيحه.
وأمّا النزول ليلة النصف من شعبان، ففيه حديث اختلف فيه إسناده. ثمّ إنّ جمهور أهل السُنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش, كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه، وحمّاد بن زيد، وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد))(55).

وقال: ((وأمّا دعواك أنّ تفسير القيّوم: الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرّك, فلا يقبل منك هذا التفسير إلاّ بأثر صحيح مأثور عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، أو عن بعض الصحابة، أو التابعين؛ لأنّ الحيّ القيّوم يفعل ما يشاء, ويتحرّك إذا يشاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء, ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء؛ لأنّ ذلك إمارة ما بين الحيّ والميت, لأنّ كلّ متحرّك لا محالة حيّ، وكلّ ميت غير متحرّك لا محالة, ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبيّ الرحمة ورسول ربّ العزّة، إذ فسّر نزوله مشروطاً منصوصاً, ووقّت له وقتاً موضوحاً, لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبساً ولا عويصاً))(56).
ويؤكّد ذلك فيقول: ((وكلام أهل الحديث والسُنّة في هذا الأصل كثير جدّاً, وأمّا الآيات والأحاديث الدالّة على هذا الأصل فكثيرة جدّاً))(57).
وابن تيمية لا يكتفي بأن يثبت الحركة فقط, بل يعتبر نفيها من ابتداع الجهمية.. يقول في فتاويه: ((فهذا لا يصحّ إلاّ بما ابتدعته الجهمية من قولهم: لا يتحرّك، ولا تحلّ به الحوادث، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً، وأن يجيء يوم القيامة, وغير ذلك...))(58).

وللردّ على ابن تيمية في ما زعمه، ننقل أوّلاً بعض أقوال العلماء في مسألة النزول:
يقول الفخر الرازي: ((الرابع: أنّه تعالى حكى عن الخليل(عليه السلام) أنّه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: (( لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ )) (الأنعام:76)، ولا معنى للأُفول إلاّ الغيبة والحضور, فمن جوّز الغيبة والحضور على الإله تعالى, فقد طعن في دليل الخليل، وكذّب الله تعالى في تصديق الخليل في ذلك؛ حيث قال: (( وَتِلكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبرَاهِيمَ عَلَى قَومِهِ )) (الأنعام:83) ))(59).

ويقول الغزالي في (إلجام العوام): ((إذا قرع سمعه النزول في قوله(صلّى الله عليه وسلّم): (ينزل الله تعالى في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا)، فالواجب عليه أن يعلم: أنّ النزول اسم مشترك, قد يطلق إطلاقاً يفتقر فيه إلى ثلاثة أجسام, جسم عالٍ هو مكان لساكنه, وجسم سافل كذلك, وجسم متنقّل من السافل إلى العالي، ومن العالي إلى السافل. فإن كان من أسفل إلى علوّ سمّي: صعوداً وعروجاً ورقيّاً, وإن كان من علوّ إلى أسفل سمّي: نزولاً وهبوطاً..

وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر فيه إلى تقدير انتقال وحركة في جسم، كما قال تعالى: (( وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ الأَنعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزوَاجٍ )) (الزمر:6)، وما رؤي البعير والبقر نازلاً من السماء بالانتقال, بلى مخلوقة في الأرحام, ولإنزالها معنى لا محالة. كما قال الشافعي(رضي الله عنه): ((دخلت مصر فلم يفهموا كلامي، فنزلت، ثمّ نزلت، ثمّ نزلت))، فلم يرد به انتقال جسده إلى أسفل.
فتحقّق للمؤمن أنّ النزول في حقّ الله تعالى ليس بالمعنى الأوّل, وهو انتقال شخص وجسد من علوّ إلى أسفل.. فإنّ الشخص والجسد أجسام، والربّ جلّ جلاله ليس بجسم, فإن خطر له أنّه لم يرد هذا فما الذي أراد؟
فيقال له: أنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير، فأنت عن فهم نزول الله تعالى أعجز، ((فليس هذا بعشّك فأدرجي))، واشتغل بعبادتك أو حرفتك واسكت, واعلم أنّه أُريد به معنى من المعاني التي يجوز أن تراد بالنزول في لغة العرب, ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى وعظمته, وإن كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته))(60).

ويقول الشيخ محمّد عبد العظيم الزرقاني: ((فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر, مع أنّ الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب؟! وإذا كان ينزل لأهل كلّ أُفق نزولاً حقيقياً في ثلث ليلهم الأخير, فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما تقولون؟! ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون؟! مع أنّ الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات، ولا ساعة من الساعات, كما هو ثابت مسطور، لا يماري فيه إلاّ جهول مأفون))(61).
هذا.. ومن ناحية أُخرى يقال لهؤلاء: إنّ حديث النزول قد فسّره الحديث الذي رواه النسائي بسند صحيح من حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إنّ الله يمهل حتّى إذا مضى شطر من الليل الأوّل أمر منادياً فينادى: هل من داع فيستجاب له...)(62) الحديث.
وعلى هذا يكون النزول معناه: نزول الملك بأمر الله. وهذا التفسير أولى من تفسير الإمام مالك وغيره للنزول بأنّه: نزول رحمة، لا نزول نقلة(63)... وغير ذلك.. لأنّ خير ما يفسّر به الحديث هو ما ورد من الحديث.. يقول الحافظ العراقي في ألفيّته في المصطلح: ((وخير ما فسّرته بالوارد))(64).

أمّا ما نسبه ابن تيمية إلى الأئمّة بإثبات الحركة لله تعالى.. فحسبنا ما رواه البيهقي في (مناقب أحمد) بإسناده عن أحمد، أنّه قال: ((احتجّوا علَيَّ يومئذ - يعني: يوم نوظر في دار أمير المؤمنين - فقالوا: تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك؟ فقلت لهم: إنّما هو الثواب؛ قال الله تعالى: (( وَجَاءَ رَبُّكَ )) (الفجر:6): إنّما تأتي قدرته، وإنّما القرآن أمثال ومواعظ)). قال البيهقي: ((وهذا إسناد صحيح، لا غبار عليه))(65).
- قال السيّد الميلاني: ((وقوله: إنّما تأتي قدرته: أراد بذلك أثر قدرته.. وهذا من باب مجاز الحذف)) ــ.
وروى البيهقي فيه أيضاً، نقلاً عن إمام الحنابلة أبي الفضل التميمي، ما نصّه: ((أنكر أحمد على من قال بالجسم.. وقال: إنّ الأسماء مأخوذة من الشريعة واللّغة, وأهل اللّغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمكٍ وتركيب وصورة وتأليف, والله خارج عن ذلك كلّه, فلم يجز أن يسمّى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية.. ولم يجيء في الشريعة ذلك, فبطل))(66)، انتهى بحروفه.

وأخيراً: اعتقاده بحوادث لا أوّل لها وقوله بأزلية نوع العالم:
.. وهذه المسألة من أكثر ما أفاض فيه ابن تيمية.. وحصر مقالاته فيها يطول.. ولذلك نكتفي بنقل بعض عباراته, وبعض الردود عليها..
يقول في (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول): ((قلت: هذا مضمون ما نبّه عليه في غير هذا الموضع: أنّ حدوث كلّ من الأعيان لا يستلزم حدوث النوع الذي لم يزل ولا يزال..)) إلى أن قال: ((بل يكون الحادث اليومي مسبوقاً بحوادث لا أوّل لها, ولِمَ قلتم إن ذلك غير جائز؟))(67).
وقال في منهاج السُنّة: ((فيمتنع كون شيء من العالم أزلياً، وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فإنّ الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدّد، بل ما من وقت يقدّر إلاّ وقبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه))(68).
وابن تيمية إذ يقرّر أزليّة نوع العالم.. يتعجّب من نقل ابن حزم الإجماع على كفر من نازع أنّ الله لم يزل وحده ولا شيء غيره ثمّ خلق الأشياء كما شاء.. وهو ما نقله ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع) بقوله: ((باب من الإجماع في الاعتقادات يكفّر من خالفه بإجماع: اتّفقوا أنّ الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له, خالق كلّ شيء غيره, وأنّه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه, ثمّ خلق الأشياء كلّها كما شاء, وأنّ النفس مخلوقة, والعرش مخلوق, والعالم كلّه مخلوق...))(69)..
يقول ابن تيمية في تعليقه المسمّى (نقد مراتب الإجماع): ((فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية على هاتين المقدّمتين، اللتين ثبت النزاع في كلّ منهما, وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنّه سبحانه (لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثمّ خلق الأشياء كما شاء) ))(70).

وفي كتابه شرح حديث عمران بن الحصين يقول ابن تيمية: ((وإن قدّر أنّ نوعها لم يزل معه.. فهذه المعيّة لم ينفها شرع ولا عقل.. بل هي من كماله؛ قال تعالى: (( أَفَمَن يَخلُقُ كَمَن لاَ يَخلُقُ )) (النحل:17)، والخلق لا يزالون معه))(71).
وابن تيمية في سبيل تقرير دعواه الفاسدة بقدم نوع العالم.. يردّ الروايات الصحيحة في بدء الخلق.. التي رواها البخاري وغيره.. لكونها لا توافق معتقده.. فيردّ الرواية التي لفظها: (كان الله ولم يكن شيء غيره)، ورواية: (كان الله ولم يكن شيء معه)، وقد روى البخاري الأُولى في صحيحه(72).. وروى الثانية غيره(73)، وتحكّم بترجيح رواية: (كان الله ولم يكن شيء قبله)(74)، تحكّماً متهافتاً. فهذه الرواية التي رجّحها تدلّ عند ابن تيمية على أنّه ليس يوجد شيء قد سبق الله بالوجود، ولا تمنع أن يكون ثمّ موجوداً قديماً بقدم الله، أزلياً بأزلية الله(75).
وهل ثمّ تعجّب من نقل ابن حزم الإجماع على كفر هذه الشرذمة؟!

يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري): ((قوله: (كان الله ولم يكن شيء قبله)، تقدّم في بدء الخلق بلفظ: (ولم يكن شيء غيره)، وفي رواية أبي معاوية: (كان الله قبل كلّ شيء), وهو بمعنى: كان الله ولا شيء معه, وهي أصرح في الردّ على من أثبت حوادث لا أوّل لها من رواية الباب, وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية, ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجّح الرواية التي في هذا الباب على غيرها, مع أنّ قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس, والجمع مقدّم على الترجيح بالاتّفاق))(76).

ويقول الحافظ أبو الفضل عبد الله الصديق الغماري: ((بدعة القول بحوادث لا أوّل لها: وهي منقولة عن ابن تيمية، كما في (فتح الباري)، ولأجلها رجّح رواية حديث: (كان الله ولم يكن شيء قبله)، على رواية: (كان الله ولم يكن شيء غيره)، وعلى رواية: (كان الله قبل كلّ شيء) - إلى أن قال:- ولأجلها أيضاً انتقد على ابن حزم حكاية الإجماع على أنّ ما سوى الله مخلوق, كما تجد ذلك في تعليقاته على (مراتب الإجماع). وهذه العقيدة أخذها عن عبد الله بن ميمون الإسرائيلي، صاحب كتاب (دلالة الحائرين)، فأعجب لرجل: يشدّد النكير على المبتدعين في الفروع, ثمّ يبتدع بدعة في الأُصول, ويردّ لأجلها الأحاديث الصحيحة, ويستنكر إجماعاً جليّاً أيّده العقل والنقل))(77).

ويقول تقيّ الدين الحصني: ((وممّا انتقد عليه - يعني: ابن تيمية - وهو من أقبح القبائح ما ذكره في مصنّفه المسمّى - أي: الرسالة التدمرية -: بـ: حوادث لا أوّل لها، وهذه التسمية من أقوى الأدلّة على جهله؛ فإنّ الحادث مسبوق بالعدم، والذي لا أوّل له ليس كذلك))(78)(79).

أمّا قوله بالجلوس في حقّ الله تعالى: فهو ثابت عنه، وإن نفاه بعض أتباعه لمّا استبشعوا ذلك, ذكر ذلك في كتابه (منهاج السُنّة النبوية)؛ فقال ما نصّه: ((ثمّ إنّ جمهور أهل السُنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه، وحمّاد بن زيد، وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته))(80).
قال المحدّث الهرري الحبشي - مفتي الصومال - في كتابه (المقالات السنية), بعدما نقل الكلام المتقدّم لابن تيمية: ((وهذه فرية على أهل السُنّة، ولا يستطيع أن يأتي بعبارة لأحد منهم, فهذا محض تقوّل على الأئمّة، كما تقوّل في مسألة زيارة قبور الأنبياء والأولياء للدعاء عندها رجاء الإجابة, وتعامى عمّا أطبق عليه السلف والخلف من قصد القبور رجاء الإجابة من الله.
وقال ابن تيمية في كتابه (شرح حديث النزول) ما نصّه: ((والقول الثالث، وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأُمّة وأئمّتها: أنّه لا يزال فوق العرش, ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا, ولا يكون العرش فوقه))(81).

وأمّا عبارته في (فتاويه) فإنّها صريحة في إثباته الجلوس لله؛ فقال فيه ما نصّه: ((فقد حدّث العلماء المرضيّون، وأولياؤه المقبولون: أنّ محمّداً رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) يجلسه ربّه على العرش معه))(82).
وقد نقل عنه هذه العقيدة أبو حيّان الأندلسي النحوي المفسّر والمقرئ في تفسيره (النهر الماد), عند تفسير آية الكرسي, قال: ((وقد وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرناه, وهو بخطّه، سمّاه: (كتاب العرش): إنّ الله يجلس على الكرسي وقد أخلى مكاناً يقعد فيه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم), تحيّل عليه محمّد بن علي بن عبد الحقّ, وكان من تحيّله أنّه أظهر أنّه داعية له حتّى أخذ منه الكتاب، وقرأنا ذلك فيه)).
ونقل أبي حيّان هذا كان قد حُذف من النسخة المطبوعة القديمة, ولكن النسخة الخطية تثبته!!
وسبب حذفه من النسخة المطبوعة: ما قاله الزاهد الكوثري في تعليقه على (السيف الصقيل)؛ قال: ((قد أخبرني مصحّح طبعه بمطبعة السعادة أنّه استفظعها جدّاً وأكبر أن ينسب مثلها إلى مسلم، فحذفها عند الطبع لئلا يستغلّها أعداء الدين, ورجاني أن أسجّل ذلك هنا، استدراكاً لِما كان منه، ونصيحة للمسلمين))(83).
قال الحافظ الهرري: فلينظر العقلاء إلى تخبّط ابن تيمية؛ حيث يقول مرّة: إنّه جالس على العرش، ومرّة: إنّه جالس على الكرسي, وقد ثبت في الحديث أنّ الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة في أرض فلاة, فكيف ساغ لعقله؟!))(84).

ونختم هذه المقالة بنصّ ما قاله الفقهاء الحنفيون في الفتاوى الهندية في تكفير مثبت المكان لله عزّ وجلّ؛ قالوا: يكفّر بإثبات المكان لله تعالى, فلو قال: لا محلّ خالي من الله يكفّر, ولو قال: الله تعالى في السماء، فإنّ قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفّر, وإن أراد به المكان يكفّر, وإن لم تكن له نيّة يكفر عند الأكثر، وهو الأصحّ، وعليه الفتوى, ويكفّر بقوله: الله تعالى جلس للإنصاف، أو قام له بوصفه الله تعالى بالفوق والتحت.. كذا في البحر الرائق))(85).

ما ذكره ابن بطوطة وغيره يُعدّ مؤيّداً:
وبعد ما ذكرناه من التفاصيل - وهناك كثير غيرها - عن عقيدة ابن تيمية في التجسيم، لا يعدو الاهتمام بما ذكره ابن بطوطة في رحلته أمراً ذي بال، بحيث تدور عليه رحى عقيدة ابن تيمية في التجسيم وجوداً وعدماً, بل يمكن عدّ ما ذكره ابن بطوطة في رحلته(86) مؤيّداً لما مرّ ذكره من نصوص واضحة في هذا الجانب, وقد ذكر آخرون شبيه ما ذكره ابن بطوطة في رحلته(87)..
فقد ذكر الحصين الدمشقي في كتابه (دفع الشبه عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)) عن صاحب (عيون التواريخ) ابن شاكر؛ قال: ((فمن ذلك: ما أخبر به أبو الحسن الدمشقي - في صحن الجامع الأُموي - عن أبيه، قال: كنّا جلوساً في مجلس ابن تيمية, فذكر ووعظ وتعرّض لآيات الاستواء, ثمّ قال: (واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا)!
قال: فوثب الناس عليه وثبة واحدة, وأنزلوه من الكرسي, وبادروا إليه ضرباً باللّكم والنعال وغير ذلك, حتّى أوصلوه إلى بعض الحكّام. واجتمع في ذلك المجلس العلماء, فشرع يناظرهم.
فقالوا: ما الدليل على ما صدر منك؟
فقال: قوله تعالى: (( الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى )) (طه:3).
فضحكوا منه, وعرفوا أنّه جاهل لا يجري على قواعد العلم، ثمّ نقلوه ليتحقّقوا أمره.
فقالوا: ما تقول في قوله تعالى: (( فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ )) (البقرة:115)؟ فأجاب بأجوبة تحقّقوا أنّه من الجهلة على التحقيق, وأنّه لا يدري ما يقول, وكان قد غرّه بنفسه ثناء العوام عليه))(88).
ونحن في الواقع في غنىً عن أمثال هذه الحكايات بعد ثبوت النصوص المتقدّمة في كتبه ومؤلّفاته، وهي تثبت عقيدته في التجسيم بشكل لا مرية فيه!
ودمتم في رعاية الله

(1) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 93 (409) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.
(2) تاريخ ابن الوردي 2: 246 حوادث سنة 705هـ.
(3) تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر) 4: 52 حوادث سنة 705هـ.
(4) مرآة الجنان وعبرة اليقظان 4: 180 سنة خمس وسبع مائة.
(5) مجموعة الفتاوى 3: 41 (الرسائل التدمرية)، فصل في الخاتمة الجامعة، القاعدة الثانية.
(6) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 1: 390 المقدّمة الأُولى: ادّعاء الرازي إثبات موجود لا يشار إليه بالحس، الوجه التاسع: في دعوى الرازي عدم بديهية المقدّمات.
(7) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 99 الهامش (2) فصل: وثانياً لفظ العلي والأعلى.
(8) دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه (وبهامشها تعليق حسن السقّاف): 122 هامش (52)، السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 96 الهامش (1)، قول أبي حيّان في ابن تيمية.
(9) إتحاف السادة المتّقين بشرح إحياء علوم الدين 2: 106 كتاب قواعد العقائد، الفصل الثالث، الركن الأوّل، الأصل الثامن.
(10) كشف الظنون 2: 1438 كتاب العرش وصفته لابن أبي شيبة.
(11) الفتاوى الكبرى 6: 343 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(12) الفتاوى الكبرى 6: 343 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(13) مجموعة الفتاوى 5: 104 رأي الإمام الجويني.
(14) إلجام العوام: 58 الباب الأوّل: في شرح اعتقاد السلف في هذه الأخبار.
(15) منهاج الكرامة في معرفة الإمامة: 37 الفصل الثاني، الوجه الأوّل.
(16) في نسخ أُخر للمنهاج: [قلنا لكم]، ولكن محقّق المنهاج الدكتور محمّد رشاد سالم اختار هنا: (قالوا لكم)، مع أنّه من الواضح في كلّ أقوال ابن تيمية اللاحقة ينسب القول فيها لنفسه ومن معه، ولا ينسبه إلى الآخرين.. فانظر إلى مهارة التحريف لكلام شيخهم؛ ليستروا ما قاله من شناعات!! وتعجّب كذلك من أمانة المحقّق الدكتور!!
(17) منهاج السُنّة 2: 358 ــ 380 وجوب اتّباع مذهب الإمامية لوجوه، التعليق على قوله: وإنّ أمره ونهيه وإخباره حادث؛ لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره.
(18) منهاج السُنّة 2: 381 وجوب اتّباع مذهب الإمامية لوجوه.
(19) ابن تيمية السلفي، نقده لمسالك المتكلّمين والفلاسفة في الإلهيات: 130 الباب الثاني، الفصل الخامس: صفة الكلام، وانظر: منهاج السُنّة.
(20) ابن تيمية السلفي، نقده لمسالك المتكلّمين والفلاسفة في الإلهيات: 131، 132 الباب الثاني، الفصل الخامس: صفة الكلام.
(21) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 17 الهامش (2) الأشعرية أعدل الفرق، وانظر: ابن تيمية السلفي، نقده لمسالك المتكلّمين والفلاسفة في الإلهيات: 133 الباب الثاني، الفصل السادس: قيام الحوادث بذاته تعالى.
(22) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 16 الهامش (2) الأشعرية أعدل الفرق.
(23) الفتاوى الكبرى 6: 467 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، الكلام في الوقف واللفظ.
(24) الفتاوى الكبرى 6: 471 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، الكلام في الوقف واللفظ.
(25) الفتاوى الكبرى 6: 458 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، الكلام في الوقف واللفظ.
(26) الفتاوى الكبرى 6: 358 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(27) مجموعة الفتاوى 3: 82 (الرسائل التدمرية)، فصل في أنّه في طرق الإثبات لا يكفي مجرد نفي التشبيه.
(28) الفتاوى الكبرى 6: 458 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(29) عارضة الأحوذي 12: 72 الحديث (3223) باب (35) من سورة سبأ.
(30) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 196 الهامش (2) ناحت العجل.
(31) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 71 الهامش (2) كلام واف في أحاديث الصوت.
(32) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 72 الهامش (2) الأشعرية أعدل الفرق.
(33) الإنصاف في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: 96 مسألة: كلام الله القديم لا يتّصف بالحروف والأصوات.
(34) الإنصاف في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: 98 مسألة: كلام الله القديم لا يتّصف بالحروف والأصوات.
(35) الإنصاف في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: 124 ــ 125 فصل: الردّ عل احتجاجهم في إثبات الصوت لكلام الله بالأحاديث.
(36) منهاج السُنّة 2: 530 ــ 532 كلام ابن المطهّر في وجوب اتّباع مذهب الإمامية، فصل: عرض ابن المطهّر لمقالة الحشوية والمشبّهة.
(37) منهاج السُنّة 2: 527 كلام ابن المطهّر في وجوب اتّباع مذهب الإمامية، فصل: عرض ابن المطهّر لمقالة الحشوية والمشبّهة.
(38) الفتاوى الكبرى 6: 547 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(39) درء تعارض العقل والنقل 1: 249 الجواب التفصيلي، الوجه السابع عشر.
(40) منهاج السُنّة 2: 559 عرض ابن المطهّر لمقالة الحشوية.
(41) منهاج السُنّة 2: 561 ــ 563 عرض ابن المطهّر لمقالة الحشوية.
(42) الفتاوى الكبرى 6: 546 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل، الوجه التاسع والخمسون.
(43) الفتاوى الكبرى 6: 385 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(44) الفتاوى الكبرى 6: 413 كتاب في الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة، فصل.
(45) مجموعة الفتاوى 3: 72 (الرسائل التدمرية)، الخاتمة الجامعة، القاعدة السادسة.
(46) مجموعة الفتاوى 3: 81 (الرسائل التدمرية)، خاتمة جامعة، القاعدة السادسة، فصل: في بيان ما يسلكه نفاة الصفات.
(47) مجموعة الفتاوى 3: 86 (الرسائل التدمرية)، خاتمة جامعة، القاعدة السادسة، فصل: في بيان ما يسلكه نفاة الصفات.
(48) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل وبهامشه (تكملة الردّ على نونية ابن القيّم للكوثري): 44 الهامش (1) تسمية الناظم أهل الحقّ بحزب جنكزخان، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 1: 401 الردّ على الوجه التاسع الذي أورده الرازي لإثبات أن مقدّماتهم ليست بديهية، الوجه الثامن، و2: 44 ــ 45 الردّ على مقدّمة الرازي الثالثة، الردّ على مقالة الخطابي، الوجه الثاني.
(49) إلجام العوام: 55 الباب الأوّل، الوظيفة الأوْلى (التقديس).
(50) الفتاوى الكبرى 6: 548 كتاب الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة، فصل، الوجه الستّون.
(51) درء تعارض العقل والنقل 1: 239 الجواب التفصيلي، الوجه السابع عشر.
(52) الفتاوى الكبرى 6: 546 كتاب الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة، فصل، الوجه التاسع والخمسون.
(53) الفتاوى الكبرى 6: 559 كتاب الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة، فصل.
(54) ابن تيمية السلفي نقده لمسالك المتكلّمين والفلاسفة في الإلهيات: 156 الباب الثاني، الفصل السابع، الصفات الخبرية.
(55) منهاج السُنّة 2: 637 ــ 639 الردّ على قول ابن المطهّر: سمّوا بالمشبّهة؛ لأنّهم يقولون: إنّه جسم.
(56) شرح العقيدة الأصفهانية: 79 فصل: إثبات صفتي العلو والكلام والردّ على النفاة، الردّ على كلام محمّد بن الهيصم.
(57) شرح العقيدة الأصفهانية: 81 مذهب أهل الحديث في الصفات وذكر الآيات الدالّة على ذلك.
(58) الفتاوى الكبرى 6: 447 كتاب الردّ على الطوائف الملحدة والزنادقة، كلام في الوقف واللفظ.
(59) أساس التقديس في علم الكلام: 83 القسم الثاني، الفصل التاسع: في المجيء والنزول.
(60) إلجام العوام: 57 ــ 58 الباب الأوّل، الوظيفة الأُولى: التقديس.
(61) مناهل العرفان في علوم القرآن 2: 233 المبحث الخامس عشر، دفع الشبهات الواردة في هذا المقام، الشبهة الأُولى.
(62) السنن الكبرى للنسائي 6: 124 الحديث (10316) كتاب عمل اليوم والليلة.
(63) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان: 92 فصل: في ما يوهم التشبيه عند العامّة من ظاهر الكتاب والسُنّة، بيان العلوّ المعنوي من المجاز الشائع.
(64) فتح المغيث شرح ألفية الحديث 3: 43 غريب ألفاظ الحديث.
(65) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (تعليق الكوثري): 9 مقدّمة الكوثري.
(66) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (تعليق الكوثري): 9 مقدّمة الكوثري.
(67) درء تعارض العقل والنقل 1: 388 الجواب التفصيلي، الوجه التاسع عشر، كلام الأبهري.
(68) منهاج السُنّة 1: 390 الردّ على الفصل الأوّل من منهاج الكرامة، الردّ على الفلاسفة بقدم العالم.
(69) مراتب الإجماع: 167 باب: من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بالإجماع.
(70) نقد مراتب الإجماع: 303 باب: من الإجماع في الاعتقادات.
(71) مجموعة الفتاوى (شرح حديث عمران بن حصين) 18: 239 معنى الأزل.
(72) صحيح البخاري 4: 73 كتاب بدء الخلق.
(73) فتح الباري لابن حجر 6: 206 كتاب بدء الخلق، عمدة القاري للعيني 15: 109 الحديث (1913).
(74) صحيح البخاري 8: 175 كتاب التوحيد.
(75) مجموعة الفتاوى (شرح حديث عمران بن حصين) 18: 216 الوجه الثالث على القول الثاني.
(76) فتح الباري لابن حجر 13: 346 كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء وهو ربّ العرش العظيم.
(77) إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة: 25 البدعة نوعان، البدعة الخامسة من البدع في أُصول الدين.
(78) دفع الشبه عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للحصني: 118 مبحث الردّ عليه في القول بقدم العالم.
(79) انظر: دراسات في منهاج السُنّة للسيّد الميلاني: 96 ــ 155 الباب الأوّل، أقوال ابن تيمية في التجسيم.
(80) منهاج السُنّة 2: 638 الردّ على قول ابن المطهّر بوجوب اتّباع مذهب الإمامية، الردّ على قول: سمّوا مشبّهة.
(81) مجموعة الفتاوى 5: 415 سئل عن حديث النزول، قول السلف في الاستواء على العرش.
(82) مجموعة الفتاوى 4: 374 المفاضلة بين الملائكة والناس.
(83) السيف الصقيل ردّ ابن زفيل (بتعليق محمّد زاهد الكوثري): 96 الهامش (1).
(84) انظر: المقالات السنية للحافظ الهرري: 155 ــ 159 المقالة الثامنة.
(85) الفتاوى الهندية 2: 259 كتاب السير، الباب التاسع: في أحكام المرتدين.
(86) أدب الرحلات (رحلة ابن بطوطة): 90 قضاة دمشق.
(87) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر 1: 93 أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني.
(88) دفع الشبه عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم): 88، تاريخ ابن تيمية كما نقله المؤرّخ ابن شاكر.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال