الاسئلة و الأجوبة » ابن أبي الحديد » ابن أبي الحديد ليس من الشيعة


م/ خليفة / السعودية
السؤال: ابن أبي الحديد ليس من الشيعة
تعجبّت من أمر كيف خفي عليك! وهو أنّك وفي ضوء استشهادك بكتب أهل السُنّة قد اختلط عليك أمر مهم، وهو أنّك ذكرت مصادر لعلماء لا يعدّون من أهل السُنّة والجماعة.. بل ربّما عدّوا من الشيعة! وهذا كما تعلم لا يصحّ في مقام الاستدلال على المحاور المخالف..
لاحظ أخي ما يلي: قلت أنت: ((ويكفي في المقام ما يشير إليه ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه لنهج البلاغة، إذ يعترف بالصراحة بأفضلية الإمام(عليه السلام) عليهما وعلى غيرهما، بعبارة: (الحمد لله الذي... وقدّم المفضول على الأفضل))).
واسمح لي أن أقول: إنّ ابن أبي حديد لم يكن من أهل السُنّة والجماعة، بل كان شيعياً مغالياً، ثمّ تحوّل إلى معتزلي، وإليك بيان ذلك من أقوال علماء الشيعة:
قال شيخكم الخوانساري: ((عز الدين بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني.. صاحب (شرح نهج البلاغة) المشهور، وهو من أكابر الفضلاء المتتبّعين، وأعاظم النبلاء المتبحّرين، موالياً لأهل العصمة والطهارة... وحسب الدلالة على علوّ منزلته في الدين، وغلوّه في أمير المؤمنين(عليه السلام)، شرحه الشريف الجامع لكلّ نفيسة وغريب، والحاوي لكلّ نافحة ذات طيب)).(روضات الجنّات، للخوانساري ج5 ص21 - 20).
وقال القمّي في كتابه (الكنى والألقاب): ((ولد في المدائن، وكان الغالب على أهل المدائن التشيّع والتطرّف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقيّل مذهبهم، ونظم العقائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالى وتشيّع، وذهب به الإسراف في كثير من الأبيات كلّ مذهب..
ثمّ ذكر القمّي بعض الأبيات التي قالهاً غالياً.. ثمّ خفّ إلى بغداد، وجنح إلى الاعتزال، وأصبح كما يقول صاحب (نسخة السحر) معتزلياً جاحظيّاً، في أكثر شرحه للنهج، بعد أن كان شيعياً غالياً.
وتوفّي في بغداد سنة 655، يروى آية الله الحلّي عن أبيه عنه)).(الكنى والألقاب ج1 ص185).
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا قولك إنّ ابن أبي الحديد شيعي المذهب، فهذا غير صحيح؛ لعدّة أُمور:
الأوّل: ما يذكره ابن أبي الحديد من الردّ على السيّد المرتضى ودفاعه عن خلافة الخلفاء الثلاثة، وأنّها خلافة شرعية.
وانتصاره للرأي المخالف للشيعة في أغلب مواضع كتابه، لا يقوله شيعي، فضلاً عن أن يقوله مغالٍ في عليّ(عليه السلام).. فهل أنّ المغالي في عليّ(عليه السلام) يدفع الخلافة عنه إلى غيره، أم يثبتها له بمقتضى غلوّه؟!!

الثاني: تصريحه الواضح بأنّه ليس بشيعي أو إمامي، بقوله في جميع فصول كتابه: ((وأصحابنا))، أو ((أمّا أصحابنا))، أو ((أقوال أصحابنا))، أو ((عند أصحابنا))، أو ((من أصحابنا))، أو ((ذكره أصحابنا)).. عند سرد الرأي المقابل لرأي الإمامية.. فهل يوجد دليل أدلّ من أن يذكر نفسه وأصحابه مقابل الإمامية؟!! فأين التشيّع، فضلاً عن الغلوّ؟!

الثالث: قوله بعد ذكر رأي الشيعة: ((وتزعم الشيعة أنّ رسول الله...)) الخ: ((وهذا عندي غير منقدح...))(1)، فلو كان شيعياً لما أخرج نفسه عن معتقد الإمامية وقال: هذا عندي غير منقدح!

الرابع: قوله في شرحه: ((فإن قلت: هذا نص صريح في الإمامة، فما الذي تصنع المعتزلة بذلك؟ قلت: يجوز أن يريد أنّه إمامهم - أي عليّ(عليه السلام) - في الفتوى والأحكام الشرعية، لا في الخلافة))(2)، فعليّ(عليه السلام)عنده كالفقيه، لا أنّه إمامهم بمعنى: أنّ الرسول نصّبه خليفة!

فهنا نرى ابن أبي الحديد يدفع قول من يقول بأنّ خلافة عليّ(عليه السلام) بالنصّ، مع أنّ نكران النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام) ليس من معتقدات الشيعة، فضلاً عن الغلاة! والقول بأنّ عليّ(عليه السلام) كأحد المجتهدين قول لا تقوله الإمامية قطعاً!
وهناك كثير من تلك القرائن، فراجع كتابه شرح النهج، وخصوصاً في الأجزاء الأربعة الأُوَل.
فإن قيل: إذاً على ماذا يحمل كلام الخوانساري؟
قلنا: إنّ الخوانساري اعتمد على حدسه واجتهاده، ومن الواضح أنّه في مجال التراجم لا يعتمد على النقل في ما لو كان منشأه الحدس والاجتهاد، بل على ما كان منشأه الحسّ، وقد تقدّم في ما ذكرنا من القرائن الأربعة على ما يؤكّد أنّ الخوانساري اعتمد على حدسه، ولا يُتّبع في ذلك.
ثمّ إنّ الخوانساري لم يصرّح بأنّه من الإمامية، وإنّما قال: إنّه موالٍ! وهي كلمة يمكن أن تُأوّل.

وأمّا ما نسبت للقمّي فهو فرية منك وخداع! حيث أتيت بكلام لمحقّق كتاب (شرح نهج البلاغة)، محمّد أبو الفضل إبراهيم(3)، وأردفته بفقرة من كتاب القمّي (الكنى والألقاب)، وهي: ((وتوفي في بغداد سنة 655، يروى آية الله الحلّي عن أبيه عنه))(4)! مع أنّ القمّي يؤكد اعتزاله ويقول: ((كان مذهبه الاعتزال، كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح أمير المؤمنين( عليه السلام) بقوله:

ورأيت دين الاعتزال وإنّني ***** أهوى لأجلك كلّ من يتشيّع))(5).

وفي الختام، نودّ أن نبيّن أنّ هناك فرقاً بين الشيعي والمحبّ، فإنّ الشيعي: من يتّبع ويقفو أثر الأئمّة(عليهم السلام)، وأمّا المحبّ فهو: من لا يبغض آل محمّد، وسنذكر لك بعض الذين يحبّون آل محمّد إلاّ أنّهم ليسوا بشيعة، كما هو الكلام عن القندوزي، فلا يعدو أنّه محبّاً وليس شيعياً إمامياً، والحاكم النيسابوري، والنسائي، وعبد الرزّاق الصنعاني، والكنجي الشافعي، وغيرهم كثير، وعندها لا يمتنع الاحتجاج بكلام من يحبّ ولا يتّبع، فلأجل خلطك بين الشيعي والمحبّ نشأ عندك هذا التوهّم.

وهنا ننبّه إلى شيء، وهو: إنّ إلصاق تهمة الرفض والتشيّع بكلّ من يذكر فضائل أهل البيت(عليهم السلام) حتّى تُردّ رواياتهم، منهج قديم اتّخذه كثير من أصحاب الرجال، وهو لا يخفى على من مارس كتبهم، ولا يسع المجال لبسط الكلام فيه.
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة 1: 161(2) من خطبة له، وهي المعروفة بـ(الشقشقية)، مرض رسول الله وإمرة أُسامة.
(2) شرح نهج البلاغة 3: 98 بقية ردّّ المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبّّار، أخبار متفرّقة.
(3) انظر: مقدّمة شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد الأُولى، لمحمّد أبو الفضل إبراهيم: 13 ــ 17.
(4) الكنى والألقاب 1: 193 ابن أبي الحديد.
(5) الكنى والألقاب 1: 193 ابن أبي الحديد.

محمد سعيد / البحرين
تعليق على الجواب (1)
أنا مصدّق بأنّ ابن أبي الحديد ليس شيعياً، لكن سؤال بديهي يبدر في ذهني, وهو: لماذا يتعرّض لشرح كتب الشيعة؟! بل تعرّض لـ(نهج البلاغة)، الذي هو من أكبر الكتب اعتباراً من بعد القرآن الكريم لدى الشيعة؟
أنا أجد هذا غير منطقي جدّاً! فمثلاً من غير المعقول أن نجد شيخ من شيوخ الشيعة - أدام الله ظلّهم - يؤلّف كتاب (شرح صحيح البخاري) مثلاً! خصوصاً أنّهم لا يعتدّون بكتبنا ولا نعتدّ بكتبهم! فكونه تعرّض لشرح (نهج البلاغة) هذا، يعتبر تنازلاً كبير من جهتهم!
أنا في حيرة شديدة من هذا الأمر! بيّنوا لنا لو سمحتم.
الجواب:

الأخ محمد سعيد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ ابن أبي الحديد كان من معتزلة بغداد، ومعتزلة بغداد لهم ميل إلى الإمام عليّ(عليه السلام)، بل يقرّون بأفضليّته، وإن كانوا لا يعترفون بولايته والنصّ عليه بالإمامة، وقد نشأ ابن أبي الحديد في (المدائن) التي كان جوّها العام هو التشيّع، ومن هنا نظم قصائده المعروفة بـ(العلويات السبع)، فليس من الغريب أن يكون لـ(نهج البلاغة) منزلة في نفسه، فهو كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)، سيّد الفصحاء.

ثمّ لا ينكر أحد منزلة هذا الكتاب في دنيا البلاغة وأهمّيته، وما يحويه من علوم وحكم ودروس، حتّى عدّ بعد كتاب الله القرآن الكريم، ولم يتفرّد بهذا ابن أبي الحديد، فقد عرف حقّ الكتاب غيره من أهل السُنّة، بل من غير المسلمين حتّى في وقتنا الحاضر.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد كان في زمن الوزير ابن العلقمي، وهو مشهور بالتشيّع(1)، وقد طلب منه ابن العلقمي شرح (نهج البلاغة)، كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في مقدّمة شرحه، فقال: ((وبعد، فإنّ مراسم المولى الوزير الأعظم، الصاحب الصدر الكبير المعظّم، العالم العادل، المظفّر المنصور، المجاهد المرابط، مؤيّد الدين، عضد الإسلام، سيّد وزراء الشرق والغرب، أبي طالب محمّد بن أحمد بن محمّد العلقمي، نصير أمير المؤمنين، أسبغ الله عليه من ملابس النعم أضفاها، وأحلّه من مراقب السعادة ومراتب السيادة أشرفها وأعلاها، لمّا شرّفت عبدَ دولته، وربيبَ نعمته بالاهتمام بشرح (نهج البلاغة) على صاحبه أفضل الصلوات، ولذكره أطيب التحيّات، بادر إلى ذلك مبادرة من بعثه من قبلُ عزم، ثمّ حمله أمرٌ جزم، وشرع فيه باديَ الرأي شروع مختصر...))(2).
ودمتم برعاية الله

(1) مؤيّد الدين أبو طالب محمّد بن أحمد بن علي بن محمّد العلقمي، وزير المستعصم آخر خلفاء العبّاسيين، توفّي سنة 656 هجرية. (أعيان الشيعة 9: 82، الكنى والألقاب 1: 362).
(2) شرح نهج البلاغة 1: 4.

فراس ثامر / العراق
تعليق على الجواب (2)
ما المقصود بهذا القول الذي ورد في كتاب (روضة المتّقين ج2 ص 498)، والذي فيه إشارة لكون ابن أبي الحديد كان شيعي، وأخفى تشيّعه..
وهذا نصّه: ((ويسمّى هؤلاء بالتفضّليّة، منهم: ابن أبي الحديد، والدواني، على المشهود في ما يفهم من أكثر كلامهما، لكن صرّحا في مواضع بالتشيّع، وهو الظنّ بهما وبأمثالهما، والظاهر من أمثال هؤلاء الفضلاء أنّهم كانوا محقّين، ولكن كانوا بحيث لا يمكنهم إظهار الحقّ في دولة الباطل واشتهارهم، ففرّوا إلى إظهار هذا المذهب ليمكّنهم إظهار أفضلية عليّ(عليه السلام) على الصحابة، وأمّا بالنسبة إلى العوام وأمثالهم، فممكن)).
الجواب:

الأخ فراس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكرنا في السؤال السابق النصوص التي تدلّ على عدم تشيّعه، بل أوردنا النصوص التي يصرّح بها على عدم تشيّعه! فما ندري ما هي النصوص التي يصرّح فيها بتشيّعه؟!
وعلى فرض وجودها، لا بدّ من المقارنة، حتّى نخرج بحصيلة، والراجح عندنا هو: عدم وقوف تلك النصوص - على فرض وجودها - في قبال النصوص التي ذكرناها، والتي تدلّ على عدم تشيّعه.

ثمّ إنّ ما ذكره من عدم إمكان إظهاره للحقّ في دولة الباطل لا تساعد عليه الشواهد التاريخية في عصره؛ فإنّ التشيّع كان ظاهراً علناً منتشراً وبقوّة في بغداد، إذ كان الكرخ كلّه شيعة، وكان الوزير ابن العلقمي منهم، وكانت الحلّة والنجف وكربلاء شيعية، بل منهم كبار العلويين المعلنين للتشيّع، كابن طاووس، الذي طلبه الخليفة للوزارة فرفض، وهناك نقول عديدة من أنّ الشيعة كانوا يعلنون بالبراءة في مشهد عليّ(عليه السلام) في النجف في ذلك الزمان.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال