الاسئلة و الأجوبة » أهل البيت (عليهم السلام) بالمعنى العام » إدريس الأوّل مؤسّس دولة الأدارسة


علي / المغرب
السؤال: إدريس الأوّل مؤسّس دولة الأدارسة
نعلم أنّ أوّل دولة شيعية كان تأسيسها بالمغرب من قبل المولى إدريس الأوّل الذي يحظى باحترام كبير لدينا، فهل كانت هذه الدولة بإذن من الإمام آنذاك، أم أنّ الأمر كان بمبادرة شخصية من المولى إدريس؟
وإن كان الأمر كذلك فهل يجوز هذا الأمر؟
الجواب:
الأخ علي المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
كما تعلمون فإنّ إدريس الأوّل - إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) توفّي في الربع الأخير من المائتين للهجرة - قد أتى المغرب بعد ما شهد واقعة فخ وشارك فيها، وهذا الأمر يساعدنا كثيراً في تفسير حركته.
إذ أنّ قائد حركة فخ - الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) - قد صرّح في خطبته أبّان خروجه على العبّاسيين بأنّه يدعو إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)(1).
ونقل إبراهيم بن إسحاق القطّان عنه وعن يحيى بن عبد الله بن الحسن إنّهما قالا: ((ما خرجنا حتّى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج))(2).
وقد أبّنه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عندما جاؤوا بالرؤوس أمام موسى بن عيسى العبّاسي، بقوله: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً، صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله)(3).

وعلى ضوء ما ذكرنا فإنّ حركة إدريس في المغرب بما أنّها كانت امتداداً لحركة فخ واستمراراً لها، فإنّها كانت تحظى بتأييد غير مباشر من الأئمّة (عليهم السلام) - كما هو سيرة الأئمّة (عليهم السلام) في تأييد الحركات الثورية السليمة في وجه أعداء الدين في ظروف التقيّة - فهم (عليهم السلام) وإن كانوا لم يشاركوا في هذه النهضة ونظائرها - لمصالح كانت تفرض عليهم - ولكن دعموها بأقوالهم تصريحاً أو تلويحاً.
فمثلاً روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال في حقّ ابنه: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله)(4)، حتّى أنّه جاءت رواية مرسلة على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (عليكم بإدريس بن إدريس فإنّه نجيب أهل البيت وشجاعهم)(5).

ولا يخفى في المقام أنّ سيرة الأدارسة - وعلى الأخصّ إدريس الأوّل والثاني - خالية من ادّعاء الخلافة أو الإمامة، ممّا يؤيّد علاقتهم بأئمّة زمانهم (عليهم السلام)، كما هو ظاهر بأدنى تأمّل!
وعلى هذا فإنّ حركتهم حتّى لو قلنا أنّها كانت بمبادرة شخصية وتشخيص للموضوع، فإنّها جاءت لتأييد خطّ الإمامة والولاية لا الدعوة إلى أنفسهم.

نعم، وإن كان هذا لا يدلّ على تصحيح كافّة تصرفاتهم في الحكم من جانب الأئمّة (عليهم السلام)، ولكن يشير إلى مشروعية حركتهم في الأساس.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 299 أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ.
(2) مقاتل الطالبيين: 304 ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخ.
(3) مقاتل الطالبيين: 302 أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ.
(4) سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر: 13 أولاد الإمام أبي محمّد الحسن (عليه السلام).
(5) مجالس المؤمنين، للقاضي نور الله الشوشتري 2: 286 ذكر أولاد الحسن المجتبى (عليه السلام).

علي الادريسي / المغرب
تعليق على الجواب (1)
فيما يتعلّق بتعليقنا على ما جاء في جوابكم على السؤال الذي يخصّ تأييد الأئمّة (عليهم السلام) لحركة إدريس وإضفاء الشرعية عليها، فإنّنا نسجل الملاحظات التالية:
1- إنّ حديث: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله) الذي نسب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) فإنّه لا يستقيم مع الحقيقة التاريخية! لأنّ إدريس توفّي بعد الرضا (عليه السلام) سنة 213 هجرية، وفي روايات أُخرى 214 هجرية، أمّا الرضا (عليه السلام) فقد توفّي في سنة 203 هجرية، هي محط شبه إجماع المؤرّخين والمحدّثين، باستثناء بعض الروايات التي تذكر أنّه توفي في عام 206 هجرية. (انظر: دائرة المعارف الشيعية حسن الأمين ج1 حياة الرضا).
وفي كلّتا الحالتين فيبقى تاريخ وفاة الرضا (عليه السلام) متقدّماً بقرابة عقد من الزمن، فكيف يمكن أن يترحّم على إدريس بن إدريس وهو توفّى قبله؟! هذا إذا كان يفهم من عبارة رحم الله إدريس بن إدريس بالدعاء بالرحمة للميت؟

2- نطلب من السيّد الذي تفضل بسرد حديث: (عليكم بإدريس بن إدريس فإنّه نجيب أهل البيت وشجاعهم)، أن يمدّنا إذا أمكن ذلك بسند الحديث، فعلى ما يبدو فإنّ الحديث ضعيف من جانبين.
- لأنّه مرسل، ولقد تفضلتم بالإشارة إلى ذلك.
- ولأنّه غريب ولم تأت الكتب المعتبرة الحديثية لدى أهل البيت (عليهم السلام) والفرق الأُخرى على ذكره.
سؤال أخير: هل يوجد لقولة الصادق (عليه السلام) لموفده السفياني والحلواني للمغرب من أجل الدعوة لأهل البيت ذكر وتأييد في المصادر الإمامية؟
أمّا قولته، فهي جاءت كما ذكرها كلّ من القاضي النعمان في (دعوة الافتتاح)، والمقريزي (اتّعاظ الحنفا)، وابن خلدون، وابن الأثير، على النحو التالي: قال لهما: ((إنّ المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثاها حتّى يأتي صاحب البذر)).

أمّا باقي المقال من إجابتكم فهو - وكما أشرنا إلى ذلك في رسالتنا السابقة لكم - جيّد ويزيل الغبار عن بعض الإشكالات التي يطرحها بعض الباحثين بالمشرق والمغرب.
ومرّة أُخرى نكرّر لكم شكرنا الجزيل، وفي انتظار جوابكم، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
الجواب:
الأخ علي الإدريسي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: بالنسبة للحديث المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) : (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم...)، فإنّ أصله في (سرّ السلسلة العلوية لابن نصر البخاري - كان حيّاً سنة 341هـ - والمطبوع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، بتعليق السيّد محمّد صادق بحر العلوم)، وجاء فيه: ((وأبو عبد الله إدريس بن عبد الله الأصغر بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، هرب إلى بلد فاس وطنجة مع مولاه راشد، فاستدعاهم إلى الدين؛ فأجابوه وملّكوه، فأغّتم الرشيد لذلك حتّى امتنع من النوم، ودعا سليمان بن جرير الرقّي، متكلّم الزيدية وأعطاه سمّاً، فورد عليه متوسّماً بالمذهب، فسرّ به إدريس بن عبد الله، ثمّ طلب منه غرّة ووجد خلوة من مولاه راشد فسقاه السمّ وهرب.
فخرج راشد خلفه، فضربه على وجهه ضربة منكرة وهرب، وفاته وعاد، وقد مضى إدريس لسبيله، وكانت له جارية حامل فوضعت المغاربة التاج على بطنها، فولدت بعد أربعة أشهر ابناً سمّوه إدريس بن إدريس بن عبد الله.
(سرّ) قد خفي على الناس حديث إدريس بن إدريس؛ لبعده عنهم، ونسبوه إلى مولاه راشد، وقالوا: هو احتال في ذلك لبقاء الملك له، ولم يعقّب إدريس بن عبد الله، وليس الأمر كذلك، فإنّ داود بن القاسم الجعفري - وهو أحد كبار العلماء، ومن له معرفة بالنسب - حكى أنّه كان حاضراً هذه القصّة.
وولد إدريس بن إدريس على فراش أبيه، وقال: كنت معه بالمغرب، فما رأيت أشجع منه، ولا أحسن وجهاً ولا أكرم نفساً.
وقال الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) : (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله).
ثمّ أورد شعراً لإدريس بن إدريس، رواه داود بن القاسم(1).

وقد نقل هذا الكلام عن أبي نصر البخاري، ابن عنبة في (عمدة الطالب)، ثمّ نقل عن (العمدة) الآخرون، مثل صاحب (أعيان الشيعة)، والشيخ عبّاس القمّي في (منتهى الآمال).
ولكن في (عمدة الطالب)، عندما نقل رواية الرضا (عليه السلام)، نقلاً عن أبي نصر البخاري، أورد قوله هكذا: ((وقال الرضا بن موسى الكاظم (عليه السلام) : (إدريس بن إدريس بن عبد الله، من شجعان أهل البيت، والله ما ترك فينا مثله)))(2).
وأنت تلاحظ عدم وجود جملة (رحم الله)، ووجود اختلاف في الجملة الثانية أيضاً! ومن هذا نستطيع أن نستنتج:

1- ربّما يوجد تصحيف في أحد الكتابين (سرّ السلسلة العلوية)، أو (عمدة الطالب). إذا اعتبرنا ما في (عمدة الطالب) كنسخة أُخرى، خاصّة وإنّ (سرّ السلسلة العلوية) طبع على نسختين مخطوطتين الأُولى بتاريخ (1333هـ) والثانية بتاريخ (ذي القعدة 967هـ)، وتاريخ وفاة صاحب (عمدة الطالب) ابن عنبة في 828 هـ، وقد طبعت (العمدة) في المطبعة الحيدرية على ثلاث نسخ، أحدها بخطّ حسين بن مساعد الحائري فرغ منها يوم 29 ربيع الأوّل سنة 893هـ، كتبت على نسخة: بخط المؤلّف في سنة 812 هـ.
فلاحظ تقدّم تاريخ نسخة (عمدة الطالب) على نسخة (سرّ السلسلة العلوية)!

2- لو لاحظت بدقّة العبارة المنقولة عن (سرّ السلسلة العلوية)، هكذا: ((قال الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) : (رحم الله إدريس بن إدريس...)))، وأنت تعلم أنّ جملة: ((عليه السلام)) تضاف من النسّاخ، فخطر في ذهننا أنّ عبارة أبو نصر البخاري الأصلية كانت هكذا: ((قال الرضا عليّ بن موسى رحمه الله: إدريس ابن إدريس...)).
فعبارة: (رحم الله)، كانت: (رحمه الله)، وهي راجعة إلى الرضا (عليه السلام)، ومثل هذا غير بعيد في الخطوط القديمة؛ فلاحظ!

3- الظاهر أنّ مراد الإمام الرضا (عليه السلام) من كلامه هذا، هو إثبات نسب إدريس ابن إدريس لأهل البيت (عليهم السلام)، لما تعرف من الكلام في ذلك، خاصّة في مثل زمان الإمام (عليه السلام) زمن الدولة العبّاسية، فإنّ التهمة في مثل هذا التشنيع نسبت إليهم وإلى الأغالبة.

4- إنّ الرواية قد نقلها أبو نصر البخاري مرسلة.

5- وقد يكون التصحيف من جهة إضافة كلمة (إدريس) الثانية، إذ ربّما كان الأصل هو: رحم الله إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله، على ما احتمله السيّد الأمين في (الأعيان)، كما هو ظاهر كلامه(3). فعند ذلك ينحل الإشكال لتأخّر تاريخ شهادة الإمام الرضا (عليه السلام) عن تاريخ موت إدريس بن عبد الله مسموماً كما هو واضح.

ثانياً: لم يتيسّر لنا كتاب (مجالس المؤمنين) حتّى نراجع ما نقله من الحديث المرسل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولكن قد نقله عنه الشيخ عبّاس القمّي في (منتهى الآمال)؛ فراجع!

ثالثاً: إنّ الأصل الوحيد لهذه المقولة، بل كلّ حكاية الحلواني وأبي سفيان والنسبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام) هو القاضي النعمان، وقد نقلها من نقلها من المؤرّخين عنه، ولكنّه عندما أوردها في رسالته التي يؤرّخ بها بداية ظهور الدعوة الإسماعيلية المسمّاة (افتتاح الدعوة)، نسبها إلى (القيل)، ومن دون سند.

قال في (ذكر السبب الذي تقدّم إلى المغرب قبل قدوم الداعي إليه): ((قدم إلى المغرب في سنة خمسة وأربعين ومائة رجلان من المشرق، قيل: إنّ أبا عبد الله جعفر ابن محمّد(صلوات الله عليه) بعثهما وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمّة من آل محمّد (عليها السلام) وينشروا فضلهم...
إلى أن قال: وكان يقول - أي الحلواني - : بعثت أنا وأبو سفيان فقيل لنا: اذهبا إلى المغرب، فإنّما تأتيان أرضاً بوراً، فاحرثاها، واكرباها، وذلّلاها، إلى أن يأتيها صاحب البذر، فيجدها مذلّلة فيبذر حبّه فيها))(4).

وقال في (شرح الأخبار) ما هو مختصر ممّا ذكره في (افتتاح الدعوة)، من ابتداء الدعوة: ((ولكنّا نذكر في هذا الكتاب طرفاً من ذلك لما جرى للمهدي [المقصود: المهدي الإسماعيلي] ونبتدئ انّه قدم إلى المغرب من قبله مدّة طويلة رجلان من أهل المشرق يعرفان [الأوّل] بالحلواني، والثاني: بأبي سفيان...
إلى أن قال: وممّا كان يؤثّر أنّه [أي: الحلواني] قال: ((بعثت أنا وأبو سفيان إلى هذه الجهة، ووصف لنا، وقيل لنا: إنّكما تأتيا أرضاً بوراً واحرثاها وذللاها إلى أن يأتي صاحب البذر فيبذر، وكان يقول: سيأتي داعي المهدي، ووصف أبا عبد الله بصفته...))(5) الخ.
والمقصود من أبي عبد الله: هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زاكي (زكريا) الكوفي داعي المهدي الإسماعيلي.

فلاحظ! أنّه لم يذكر فيه نسبة بعثهما إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، وحتّى قول الحلواني لم يذكر له سنداً، وإنّما قال: هو المأثور عنه، مع اختلاف المتن بعض الشيء عمّا في (افتتاح الدعوة)، ممّا يشعر أنّه من تعبير النعمان نفسه عمّن سمعه وليس رواية مسندة محفوظة.
ولكن هذا القيل في (افتتاح الدعوة) تحول إلى جزم وإثبات عند من نقل عن القاضي النعمان من المؤرّخين إلى يومنا هذا! مع أنّ القاضي ذكر أنّ بين دخول أبي عبد الله الكوفي داعي الإسماعيلية إلى المغرب، وبين أبي سفيان والحلواني مئة وخمسة وثلاثون سنة، فإنّهما دخلا المغرب سنة مئة وخمس وأربعون للهجرة، ودخل أبو عبد الله الكوفي سنة مائتين وثمانين للهجرة، فمن البعيد أن تتصل أخبارهما وموتهما بداعي اليمن حتّى يرسل أبي عبد الله الكوفي بدلاً عنهما، إلّا إذا كانا قد أرسلا ابتداءً من قبل دعاة الإسماعيلية، وكان على اتصال مستمر بهم، وهذا يبعدهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) .
وهناك احتمال آخر، من أنّهما لم يكن لهما علاقة أصلاً بالدعوة الإسماعيلية، وإنمّا هما من شيعة جعفر الصادق (عليه السلام) هاجرا إلى المغرب.
نعم، عندما وصل أبو عبد الله الكوفي إلى المغرب وسمع بهما استغلّ دعوتهما وحرفها من التشيّع إلى الدعوة الإسماعيلية، وتقوّل على لسانهما ما ينال به الاتصال والشرعية من الإمام الصادق (عليه السلام) .

وأمّا ما طلبته من وجود هذه المقولة في كتب الشيعة الإمامية، فلم نعثر عليه، وإن عدّ بعض المحقّقين القاضي النعمان من الشيعة.
ودمتم في رعاية الله
(1) سرّ السلسلة العلوية: 12 - 13 أولاد الإمام أبي محمّد الحسن (عليه السلام).
(2) عمدة الطالب: 158.
(3) انظر: أعيان الشيعة 3: 231 إدريس العلوي الحسني.
(4) افتتاح الدعوة: 54 - 58 ذكر السبب الذي تقدّم إلى المغرب قبل قدوم الداعي إليه.
(5) شرح الأخبار 3: 414 بدء الدعوة الفاطمية في شمال أفريقيا.

أيوب / المغرب
تعليق على الجواب (2)
من الذي قتل إدريس الأوّل؟
الجواب:
الأخ أيوب المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أجمعت المصادر الأوّلية في النصف الأوّل من القرن الرابع على أنّ الرشيد دسّ إليه من يسمّه، ولكن النقولات اختلفت في من باشر ذلك بين سليمان بن جرير الزيدي، والشماخ اليمامي مولى المهدي:
فرواية إخباري بغداد عن العبّاسيين، أنّ من أرسله الرشيد هو الشماخ اليمامي:
نقل ذلك الطبري (ت310هـ) في تاريخه، قال: ((وقال عبد الله بن عمرو الثلجي: حدّثني محمّد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي، قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب من وقعة فخ في خلافة الهادي، فوقع إلى مصر وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور، وكان رافضياً خبيثاً، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها: وليلة، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه، ويقال: إنّ الرشيد الذي ضرب عنقه، وأنّه دسّ إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي، وكتب له كتاباً إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على أفريقية، فخرج حتّى وصل إلى وليلة، وذكر أنّه متطبّب، وأنّه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه، وأقبل الشماخ يريه الإعظام له، والميل إليه، والإيثار له، فنزل عنده بكلّ منزلة، ثمّ إنّه شكا إليه علّة في أسنانه، فأعطاه سنوناً مسموماً قاتلاً، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته، فلمّا طلع الفجر استنّ إدريس بالسنون وجعل يردّه في فيه ويكثر منه، فقتله وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس، فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر وأخباره))(1).

وعبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى من بني العبّاس، فهو عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى بن محمّد بن عبد الله بن عبّاس(2). وهذا الطريق هو طريق إحدى روايتي أبي الفرج الأصفهاني أورده عن علي بن إبراهيم العلوي (وهو الجواني صاحب كتابي أخبار صاحب فخ وأخبار يحيى بن عبد الله بن حسن)(3)، قال: كتب إليّ محمّد بن موسى (وهو محمّد بن موسى بن حمّاد البربري ت294هـ)(4)، عن محمّد بن يوسف (وهو محمّد بن يوسف يعقوب الهاشمي، كما في الطبري)، عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى (وهو عبد الله بن عبد الرحمن ابن عيسى العبّاسي)، وينقل عنه خبر الشماخ، كما سيأتي(5). والرواية في تتمة (المصابيح) لعلي بن بلال تلميذ صاحب (المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة الميامين من ولدهما الطاهرين) للسيّد أبي العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسيني (ت353هـ)، رواها عن أُستاذه أبو العبّاس مقطوعة السند، وهي إحدى روايتيه، والظاهر أنّها من رواية الطبري(6)؛ ونقلها البلاذري (ت279هـ) في (أنساب الأشراف)(7) مع بعض الاختلاف البسيط.

ونقل الرواية أيضاً بنصّ ما وردت عند الطبري ابن الفقيه أحمد بن محمّد ابن إسحاق الهمداني (الربع الأوّل من القرن الرابع) في كتابه (البلدان) عن صالح بن علي(8)، فإذا كان صالح هذا هو صالح بن علي بن يحيى بن عبد الله ابن محمّد بن عبيد الله بن عيسى بن موسى بن محمّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس، فهو من أبناء عمّ عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى في رواية الطبري(9)، فهي عبّاسية أيضاً من هذا الطريق.
ونقل الرقيق القيرواني (ت425هـ) في (تاريخ أفريقية والمغرب) رواية الطبري أيضاً(10).
ونقلها البكري الأندلسي (ت487هـ) في (المسالك والممالك) عن أحمد بن الحارث بن عبيدة اليماني، وهذا طريق عبّاسي بغدادي أيضاً، فأحمد بن الحارث (هو أحمد بن الحارث بن المبارك الخرّاز ت257هـ مولى أبي جعفر المنصور، راوية المدائني وصاحب الكتب منها (المسالك والممالك)(11).
هذا ولكن في هذه الرواية التي تَنسُب المباشرة إلى الشماخ شيءٌ، من جهة أنّ ابن الأغلب لم يكن تولّى أفريقية بعدُ حين سُمّ إدريس بن عبد الله في سنة (177هـ)، أو (179هـ)، وإنّما كان على الزاب، أو فيه ولم يتولّه بعد.

وأمّا رواية إخبار الشيعة ومن له ارتباط بالعلويين، هي تذكر أنّ المرسل من قبل الرشيد هو سليمان بن جرير، فقد رواها أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ) عن النوفلي، وهي إحدى روايتيه مع روايته العبّاسية الطريق التي رواها الطبري - وذكرناها آنفاً - :
قال أبو الفرج الأصفهانى: ((حدّثني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدّثني علي بن محمّد بن سليمان النوفلي، قال: حدّثني أبي وغيره من أهلي، وحدّثني به أيضاً علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلَيَّ محمّد بن موسى يخبرني، عن محمّد بن يوسف، عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى: أنّ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أفلت من وقعة فخ ومعه مولى يقال له: راشد، فخرج به في جملة حاجّ مصر وإفريقية، وكان إدريس يخدمه ويأتمر له حتّى أقدمه مصر، فنزلها ليلاً، فجلس على باب رجل من موالي بني العبّاس، فسمع كلامهما وعرف الحجازية فيهما، فقال: أظنّكما عربيين؟ قالا: نعم. قال: وحجازيين؟ قالا: نعم. فقال له راشد: أريد أن القي إليك أمرنا على أن تعاهد الله أنّك تعطينا خلّة من خلتين: إمّا أن تؤوينا وتؤمننا، وإمّا سترت علينا أمرنا حتّى نخرج من هذا البلد. قال: أفعل: فعرّفه نفسه وإدريس بن عبد الله، فأواهما وسترهما. وتهيّأت قافلة إلى إفريقية فأخرج معها راشداً إلى الطريق، وقال له: إنّ على الطريق مسالح ومعهم أصحاب أخبار تفتّش كلّ من يجوز الطريق، وأخشى أن يعرف، فأنا أمضي به معي على غير الطريق حتّى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام، وهناك تنقطع المسالح. ففعل ذلك وخرج به عليه، فلمّا قرب من إفريقية ترك القافلة ومضى مع راشد حتّى دخل بلد البربر في مواضع منه يقال لها فاس وطنجة، فأقام بها واستجابت له البربر.

وبلغ الرشيد خبره فغمّه، فقال النوفلي خاصّة في حديثه وخالفه علي بن إبراهيم وغيره فيه، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد فقال: أنا أكفيك أمره. ودعا سليمان بن جرير الجزري، وكان من متكلّمي الزيدية البترية ومن أُولي الرياسة فيهم، فأرغبه ووعده عن الخليفة بكلّ ما أحبّ على أن يحتال لإدريس حتّى يقتله، ودفع إليه غالية مسمومة، فحمل ذلك وانصرف من عنده، فأخذ معه صاحباً له، وخرج يتغلغل في البلدان حتّى وصل إلى إدريس بن عبد الله فمت إليه بمذهبه وقال: إنّ السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك فأنس به واجتباه، وكان ذا لسان وعارضة، وكان يجلس في مجلس البربر فيحتجّ للزيدية ويدعو إلى أهل البيت كما كان يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس إلى أن وجد فرصة لإدريس، فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق، ليس في هذا البلد من هذا الطيب شيء. فقبلها وتغلل بها وشمّها وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعدّ فرسين، وخرجا يركضان عليهما. وسقط إدريس مغشيّاً عليه من شدّة السمّ فلم يعلم من بقربه ما قصّته. وبعثوا إلى راشد مولاه فتشاغل به ساعة يعالجه وينظر ما قصّته، فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتّى قضى عشياً، وتبيّن راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه فما لحقه غير راشد وتقطّعت خيل الباقين، فلمّا لحقه ضربه ضربات منها على رأسه ووجهه، وضربة كتعت أصابع يديه وكان بعد ذلك مكتعاً. هذه رواية النوفلي.

وذكر علي بن إبراهيم، عن محمّد بن موسى أنّ الرشيد وجّه إليه الشماخ مولى المهدي، وكان طبيباً، فأظهر له أنّه من الشيعة وأنّه طبيب، فاستوصفه، فحمل إليه سنوناً وجعل فيه سمّاً، فلمّا استنّ به جعل لحم فيه ينتثر، وخرج الشماخ هارباً حتّى ورد مصر. وكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر وأجازه.
حدّثني أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثني داود بن القاسم الجعفري: أنّ سليمان بن جرير أهدى إلى إدريس سمكة مشوية مسمومة فقتله، رضوان الله عليه ورحمته))(12).
فالنوفلي هو علي بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشمي (ت254هـ)(13)، روى عن الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام)(14)، وعدّه البرقي والطوسي من أصحاب الهادي (عليه السلام) (15)، وكان له كتاب في الأخبار(16)، وأكثر ما يرويه من هذه الأخبار عن أبيه محمّد بن سليمان بن عبد الله الهاشمي الذي سكن البصرة، وكان له ولأبيه سليمان بن عبد الله الهاشمي اتصالاً بالعبّاسيين(17). والظاهر أنّ محمّد بن سليمان الهاشمي كان يتّقي في إظهار تشيّعه عن العبّاسيين(18).

وأمّا ابنه علي بن محمّد النوفلي فقد غمزه أبو الفرج الأصفهاني في ما يرويه من هذه الأخبار في الثورات الحسنية والزيدية، فقال عندما نقل عنه بعض أخبار أبي السرايا: ((لأنّ علي بن محمّد كان يقول بالإمامة، فيحمله التعصّب لمذهبه على الحيف فيما يرويه، ونسبة من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال، وأكثر حكاياته في ذلك، بل سائرها عن أبيه موقوفاً عليه لا يتجاوزه، وأبوه حينئذ مقيم بالبصرة لا يعلم بشيء من أخبار القوم، إلّا ما يسمعه من ألسنة العامّة على سبيل الأراجيف والأباطيل، فيسطّره في كتابه عن غير علم، طلباً منه لما شان القوم، وقدح فيهم))(19).
وروايته في من سمّ إدريس بن عبد الله من هذا الباب! فإنّها عن أبيه، وذكر فيها أنّ سليمان بن جرير هو من سمّه، وهو من رؤوس الزيدية، تنسب له الفرقة البترية منهم، ففي خبر النوفلي طعن على الزيدية وتزكية لإدريس بن عبد الله وقيامه، وهذا فيه نوع من التأييد لما اخترناه في قيام إدريس وأنّه كان بإذن من الأئمّة (عليهم السلام) (20).
هذا ونقل البكري الأندلسي (ت487هـ) في كتابه (المسالك والممالك) رواية النوفلي من دون ذكر سنده في النقل(21).

أقول: ولكن النوفلي لم ينفرد بذلك، فقد نقله أبو الفرج أيضاً عن شاهد عيان هو داود بن القاسم الجعفري - كما في آخر كلامه - إذ نقل أبو نصر البخاري (ت341هـ) عن داود الجعفري هذا أنّه كان حاضراً قصّة ولادة إدريس ابن إدريس بن عبد الله بالمغرب وأنّه كان معه(22). وأمّا ما ذكره أبو نصر من أنّ سليمان بن جرير هو من سمّ إدريس بن عبد الله فهو عين ما نقله النوفلي، مع احتمال أنّه نقله عن داود بن القاسم الجعفري أيضاً.
وداود الجعفري هذا هو: داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبو هاشم الجعفري، كان عظيم المنزلة عند الأئمّة (عليهم السلام)، قاله النجاشي(23)، فهو شيعي آخر وطالبي قريب من أخبار العلويين، والراوي عنه يحيى بن الحسن هو: يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ ابن الحسين بن أبي طالب (عليهم السلام)، العالم الفاضل الصدوق روى عن الرضا (عليه السلام)، قاله النجاشي(24)، وهذا علوي آخر، والراوي عنه أحمد بن محمّد بن سعيد، وهو أبو العبّاس المعروف بابن عقدة، كان زيدياً جارودياً له مكانة جليلة عند أصحاب الحديث(25)، فهو زيدي يروي عن أصحابنا ويروون عنه.
فهذا الطريق الأخير عند أبي الفرج برجاله الثقات لم يخرج عن دائرة العلويين والطالبيين بنقل شاهد عيان منهم، وهو داود الجعفري.

وهناك خبر آخر يتّهم سليمان بن جرير بسمّ إدريس، أورده علي بن بلال تلميذ أبي العبّاس أحمد بن إبراهيم الحسني (كان حيّاً سنة 353هـ) في تكملة كتاب أُستاذه (المصابيح)، قال: ((قال محمّد بن منصور المرادي: قلت لأحمد ابن عيسى بن زيد بن عليّ (عليه السلام)، حدّثني رجل عن أبي الرعد، عن أبي البركة، عن هرثمة، عن هارون الملقّب بالرشيد: أنّه أعطى سليمان بن جرير مائة ألف درهم على أن يقتل له إدريس بن عبد الله. فحدّثني أبو عبد الله أحمد بن عيسى ابن زيد، قال: كنت عند عمّي الحسين بن زيد بمنى في مضربه، إذ جاءه جماعة من البربر من أهل المغرب من عند إدريس، فجلسوا ناحية، وجاء رجل منهم إلى الحسين فسلّم عليه وأكبّ عليه فناجاه طويلاً، ثمّ إنّ الرجل خرج، وقال لنا عمّي: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا رجل من أهل المغرب من عند إدريس، قال لي: جاء رجل من عندكم يقال له سليمان بن جرير، فكان مع إدريس فخالفه في شيء، ودخل إدريس إلى الحمّام، فلمّا خرج أرسل إليه سليمان بسمكة، فحين أكل منها أنكر نفسه، وقال: بطني، أدركوا سليمان في منزله، فطلب سليمان في منزله فلم يوجد، فسألنا عنه؟ فقالوا: قد خرج، فأعلمناه، فقال: أدركوه فردّوه، قال: فأدركناه فامتنع علينا، فقاتلناه وقاتلنا، فضربناه على وجهه ضربة بالسيف، وضربناه على يده فقطعنا إصبعه، وفاتنا هرباً، ثمّ قال لنا الحسين بن زيد: رأيتم هذا الأثر؟ قال أحمد بن عيسى: رأيته مضروباً على وجهه شبيهاً بما وصف البربري، وأومأ أحمد بن عيسى من حد موضع السجود إلى الحاجب، ورأيناه وفي يده ضربة قد قطعت إصبعه الإبهام. قال أحمد بن عيسى: وهو قتل إدريس لا شكّ فيه. وسليمان هذا كان من رؤساء الشيعة ومتكلّميهم، فمن يوثق بعده من الناس))(26).
وهذا الخبر أيضاً لا يخرج عن دائرة العلويين عن رجال من المغرب من عند إدريس بن عبد الله.
فالحسين بن زيد هو الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، ذو الدمعة ربيب الصادق (عليه السلام)، مات بعد المائة والتسعين(27).
وأمّا ابن أخيه: فهو أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) (157هـ - 247هـ)(28).
وأمّا محمّد بن منصور المرادي: فهو محمّد بن منصور بن زيد المرادي، راوي أمالي أحمد بن عيسى، صاحب الأئمّة الزيدية(29).
ومحمّد بن منصور هذا نقل الخبر أوّلاً عن طريق أحد قادة العبّاسيين، وهو هرثمة الذي تولّى أفريقية لهارون العبّاسي، وقت اغتيال إدريسS كما هو الأرجح، على ما نقله أحمد بن سهل الرازي في (أخبار فخّ) كما سيأتي، وإن كان الطريق فيه مجاهيل لم نحصل على تراجمهم.

وهناك خبر يتسق مع هذه الأخبار نقله زيدي آخر هو الإمام الموفق بالله الحسين بن إسماعيل الجرجاني (ت430هـ) في كتابه (الاعتبار وسلوة العارفين)، قال: ((ولمّا ضاق على هارون ظهور إدريس بن عبد الله الحسني بأرض المغرب بعد وقعة فخ واجتماع الناس إليه، دخل يحيى بن خالد فرآه كئيباً حزيناً استغرقه القلق، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كان حادثاً ندفع [ندفعه] بأموالنا وأرواحنا فهي لك؟ فقال: وردت علَيَّ ملطفة عامل أفريقية بظهور إدريس بالمغرب واجتماع الناس عليه، وأنت تعلم ما بيننا وبين الفاطمية. فقال: أنا أكفيكه، فنُدلي بغالية مسمومة على يد بعض شيعهم [شيعتهم] حتّى يشمّها، فكانت نفسه فيها))(30).
وعلى كلّ حال فإنّ الأخبار المنتهية إلى العلويين والطالبيين وبعضها من جهة المغرب متّفقة على أنّ سليمان بن جرير هو الذي سمّ إدريس بن عبد الله(رحمة الله)، ومن هنا قال ابن أبي الرجال في (مطلع البدور) على هذه الرواية إنّها متظاهرة مقابل الرواية التي تتّهم الشماخ(31).

فنحن في الواقع أمام نقلين للحدث من طرفين متباعدين، أحدهما من أقصى الغرب الإسلامي وهو القريب من الحدث، والآخر من الشرق الإسلامي وقريب من مركز السلطة العبّاسية وأعوانها، وظاهرهما التنافي، لا يلتقيان على بعد المسافة بينهما، ولكن هناك خبر جاء من منتصف المسافة منهما يمكن أن يقرّب بينهما ويرفع الالتباس..
وهو الخبر المصري الذي رواه أحمد بن سهل الرازي (الربع الأوّل من القرن الرابع) في كتابه (أخبار فخ)، قال: ((حدّثني محمّد بن عمرو بن خالد أبو علاثة، قال: حدّثنا أخي أبو خيثمة علي بن عمر بن خالد، قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي أيوب، قال: لمّا قَدِم إدريس إلى مصر يريد المغرب بلغ هارون الرشيد خبره، فجمع القواد وشاورهم، وقال: حدث من أمر إدريس كذا وكذا، فأشيروا عليَّ في أمره؟ فقالوا: نرى أن تبعث في طلبه العساكر. فقال: ليس هذا برأي. ولكن أطلبوا لي رجلاً ثقة ناصحاً لهذه الدولة أولّيه بريد مصر. فأشاروا عليه بشماخ اليمامي، فقدم الشماخ مصراً وعلى بريدها واضح.

قال أبو علاثة في خبره: قال: فقال له الرشيد: انطلق إلى مصر، نسأل عن خبر إدريس وابحث عنه، فإن قدرت عليه فذاك، وإن خُبّرت أنّه قد نفذ إلى المغرب فاطلب رجلاً تعطيه ثلاثين ألف دينار على أن تجعل له منها خمسة عشر ألفاً وتواضعه الباقي، على أن يشتري بها جهازاً ويخرج إلى المغرب، على أنّه إذا جاوز رأس الجسر ربط في وسطه كشتبر، ويقول: إنَّه يهودي. قال: فقدم الشَّماخ إلى مصر وموسى بن عيسى عليها...))(32) الخ.
فإبراهيم بن أبي أيوب هو إبراهيم بن أبي أيوب عيسى المصري (ت260هـ)(33).
وأبو خثيمة علي بن عمرو بن خالد (ت273هـ)، وأبو علاثة محمّد بن عمرو بن خالد (ت292هـ) ولدا عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد التميمي الحنظلي، أبو الحسن الجزري الحرّاني نزيل مصر(34).
والخبر يبيّن أنّ الشماخ تولّى بريد مصر بدل واضح صاحب البريد السابق الذي قتله الرشيد بعد ذلك؛ لأنّه ساعد إدريس بن عبد الله في الهرب إلى المغرب وقبل أن يُسم إدريس بسنتين، حيث أنّه وصل مصر في زمن ولاية موسى بن عيسى العبّاسي الأولى التي استمرّت من ربيع الأوّل سنة 171هـ إلى رمضان سنة 172هـ(35)، وكان صاحب البريد وقت ذاك عيناً للخليفة ينقل له أخبار الولايات ويؤدّي مهمات خاصّة، ومنه يظهر أنّ الشماخ كان المدبّر لعملية الاغتيال بتكليف من هارون العبّاسي، وأنّ المباشر للعملية شخص آخر من أعوانه أو من كلّفه بذلك بعد أن أغراه بالمال، ومن هنا فالمقرّبين من السلطة العبّاسية وأجهزتها ينسبون العملية إلى رأسها المدبّر إذ لا يعرفون سواه، أمّا المغاربة فيعرفون المنفّذ لأنّهم خالطوه وعرفوه عن قرب.

ورواية أحمد بن سهل الرازي تذكر أيضاً أنّ إدريس كان لا يزال في مصر حين قدم الشماخ وسعى للقبض عليه ولكنّه أفلت، فمن البعيد أن لا يعرف إدريس الشماخ ويخفى عليه حتّى يتقرّب إليه بدعوى التطبيب في المغرب ويسمّه، كما أنّه من البعيد أن يجرأ الشماخ على الذهاب إلى المغرب متخفّياً وهو صاحب منصب خطير في مصر.

وروى الرازي: ((عن عيسى بن إدريس، عن أبيه، عن إسحاق، عن راشد مولاهم خبراً فيه بعض ما وقع لإدريس بن عبد الله بالمغرب، وذكر أنّ هارون استعمل على المغرب هرثمة بن أعين - وكان أشد رجلاً في عصره، وأحسنهم تدبيراً في الحرب - وأكّد عليه في الحيلة في إدريس بالسمّ، ووجه معه الأموال والجيوش، وأمره أن لا يرجع ما بقيَ إدريس في المغرب. فأقام هرثمة بالمغرب حتّى سمّ إدريس وقُتل...
- إلى أن قال - : وصار هرثمة إلى القيروان في جمادي سنة تسع وسبعين ومائة، فلم يزل يدسّ إلى إدريس ويحتال عليه ويوجّه إلى النفر الذين كان هارون وجههم إلى إدريس، إلى طنجة يسقوه السمّ حتّى فعلوا))(36).
وهذا الخبر الذي يظهر من سنده أنّ رواته من الأدارسة أنفسهم يبيّن أنّ اغتيال إدريس كان في زمن ولاية هرثمة على أفريقية، وأنّه اشترك في تدبير الاغتيال مع من أرسلهم هارون الرشيد.

كما أنّ هناك خبراً آخر متقدّماً في القرن الثالث أورده أبو جعفر محمّد بن حبيب (ت245هـ) في كتاب (أسماء المغتالين) أنّه: ((لمّا ولي هارون الرشيد وولّى هرثمة أفريقية، دسّ هرثمة رجلاً من أهل المدينة لإدريس وجعل له بقتله مائة ألف درهم، فقدم المدني عليه فأنس به إدريس وجعل يسأله عن أهله فيخبره بمعرفة، حتّى غلب عليه ووثق به، وجعل يهتبل الفرصة ويضع الخيل في القرى فيما بينه وبين أفريقية، وأنّ إدريس اشتهى سمكاً طرياً، فقال له المدني: أنا حسن العلاج فيه، فعالجه فسمّه، ثمّ خرج يريد حاجة، ودعا إدريس بالسمك، فلمّا أكله واستقر في جوفه ركب فجعل يركب من قرية إلى قرية ويحلف [يلحف] ما تحته حتّى وصل إلى أفريقية))(37).
فهذا الخبر يؤكّد دخالة هرثمة وأنّ المباشر رجل من المدينة.

وفي (لباب الأنساب) للبيهقي: ((تقرّب إليه واحد من العراق حتّى أفتى [اختلى] به فسقاه السمّ، وكان الذي قتله سليمان بن جرير الجزري))(38).
ومن المقارنة والجمع بين هذه الأخبار نستطيع أن نخرج بتصوّر جامع لقصّة اغتيال إدريس بن عبد اللهS، وهو أنّ المصادر اتّفقت على أنّ هارون كان هو الآمر والباذل للأموال والمرسل للقتلة، وأنّه أرسل الشماخ اليمامي على بريد مصر ليكون هو المدبّر والمشرف على عملية الاغتيال ويعاونه الوالي القريب من المغرب هرثمة ابن أعين والي أفريقية، وأنّ المباشر أو المباشرين للاغتيال جاءوا بتكليف من هارون الرشيد من الشرق، وتذكر الأخبار: منهم سليمان بن جرير، وأنّه باشر بسمّ إدريس مقابل أموال طائلة بذلها له هارون.

نعم، هناك رواية واحدة في القرن الثامن تتّهم يحيى بن عبد الله أخو إدريس بإرسال سليمان بن جرير إلى أخيه، نقلها صاحب (المجدي في أنساب الطالبيين) عن النسابة ابن أخي [أبي] طاهر الحسيني، أنّه قال في كتابه المعروف: ((لمّا ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن، أرسل سليمان بن جرير إلى أخيه إدريس يدعوه، فقال له سليمان: إلى غلام حدث! وإن لم يطعني قتلته، فأرسله إليه، فقال ليحيى أخوه موسى الجون: اتّق الله، تبعث مثل هذا الفظ إلى غلام حدث، لعلّه يخالفه فيقتله، ومضى سليمان فلم يجد عند إدريس ما يحبّ، فسمّه في سمكة فقتله))(39).
ولكن هذا الخبر متأخّر في القرن الثامن ونقل على نحو القيل، وما ذكر من أنّ الرشيد هو من أرسل سليمان أصحّ وأكثر طرقاً وأقدم نقلاً بأربعة قرون، فهو المعوّل عليه.
ولا يستبعد ذلك من جهة؛ أنّ سليمان بن جرير زيدي متكلّم كان رئيساً لإحدى فرقهم، وهارون الرشيد خليفة العبّاسيين، فهما لا يجتمعان، لأنّ سليمان كان له صلة بيحيى بن خالد البرمكي، وطلبه منه مناظرة هشام بن الحكم معروف(40)؛ والله العالم.
ودمتم سالمين
(1) تاريخ الطبري 6: 416 خروج الحسين بن علي بن الحسن المقتول بفخ.
(2) انظر: أخبار الدولة العبّاسية: 168، أخبار الإمامة.
(3) فهرست النجاشي: 262 (678).
(4) تاريخ بغداد، للخطيب 4: 6 (1642).
(5) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج 1: 324 إدريس بن عبد الله بن الحسن.
(6) المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة (مخطوط): 305.
(7) أنساب الأشراف 3: 137 (146).
(8) البلدان 1: 133.
(9) نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري 25: 263 ذكر خبر القرامطة.
(10) تاريخ أفريقية والمغرب: 129.
(11) تاريخ بغداد، للخطيب 4: 345 (2109)، فهرست ابن النديم: 117، أخبار أحمد بن المبارك الخرّاز صاحب المدائني، معجم الأًدباء، للحموي 3: 3 أحمد ابن الحارث بن المبارك الخرّاز.
(12) مقاتل الطالبيين: 324 - 326 إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
(13) معجم الأُدباء، للحموي 18: 32 (11) ترجمة محمّد بن بحر الرهين، الفرج بعد الشدّة، للتنوخي 2: 175، الباب الخامس، العلوي الصوفي يحتال للخلاص من سجن المعتصم، طبقات النحويين، للزبيدي: 44 عيسى بن عمر، تاريخ الطبري 6: 418 أحداث نة تسع وستّين ومئة.
(14) معجم رجال الحديث، للخوئي 13: 155 (8440)، و157 (8441).
(15) رجال البرقي: 60 أصحاب أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، رجال الطوسي: 388 (5715) أصحاب أبي الحسن الثالث (عليه السلام).
(16) مروج الذهب، للمسعودي 1: 21 الباعث على تأليف الكتاب، مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 344 ذكر سبب خروج أبي السرايا.
(17) تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 53: 126 (6418) محمّد بن سليمان بن عبد الله النوفلي، تاريخ الطبري 6: 280 وقائع سنة 147هـ، و347 وقائع سنة 158هـ بيعة المهدي.
(18) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق 1: 83 الحديث (10)، باب جمل من أخبار موسى بن جعفر (عليه السلام) مع هارون الرشيد ومع موسى المهدي.
(19) مقاتل الطالبيين: 344 ذكر سبب خروج أبي السرايا.
(20) راجع ما ذكرناه آنفاً في أصل الجواب على السؤال.
(21) المسالك والممالك 2: 799 ذكر بني إدريس.
(22) سرّ السلسلة العلوية: 13 أولاد الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام).
(23) رجال النجاشي: 156 (411) باب الدال.
(24) رجال النجاشي: 441 (1189) باب الياء.
(25) رجال النجاشي: 94 (233) باب أحمد.
(26) المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة، لأبي العبّاس (مخطوط): 306 خبر إدريس بن عبد الله الحسن.
(27) المجدي في أنساب الطالبيين، لعلي العلوي: 159 ولد الحسين بن زيد الشهيد، تاريخ الإسلام 12: 122 تراجم الطبقة التاسعة عشر، حرف الحاء.
(28) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: 408 أحمد بن عيسى بن زيد، المجدي في أنساب الطالبيين، لعلي العلوي: 188 ولد عيسى بن زيد الشهيد.
(29) فهرست ابن النديم: 244 المرادي، الفلك الدوّار، لابن الوزير: 56 ذكر بعض ما اشتمل على الحديث من كتب الزيدية، مطلع البدور، لابن أبي الرجال 4: 351 محمّد بن منصور المقرئ المرادي.
(30) الاعتبار وسلوة العارفين: 177، باب آخر في احتضارهم الموت.
(31) مطلع البدور ومجمع البحور 1: 423 (226) ترجمة إدريس بن إدريس بن عبد الله.
(32) أخبار فخ: 170 خبر إدريس بن عبد الله.
(33) تاريخ الإسلام، للذهبي 19: 73 الطبقة السادسة والعشرون، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، للقاضي عياض 4: 187 الطبقة الثانية بعد هؤلاء، من أهل مصر.
(34) تهذيب الكمال، للمزّي 21: 601 (4356)، تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، لأبي سليمان الربعي 2: 592 سنة ثلاثة وسبعين ومائتين، تاريخ الإسلام 22، للذهبي: 286 الطبقة الثلاثون.
(35) كتاب الولاة وكتاب القضاء، لأبي عمر الكندي: 100موسى بن عيسى العبّاسي.
(36) أخبار فخ: 182 - 189 خبر إدريس بن عبد الله.
(37) نوادر المخطوطات/كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام 2: 197 إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
(38) لباب الأنساب والألقاب والأعقاب 1: 412 في تفاصيل الطبقة العاشرة والعقد الأخير.
(39) المجدي في أنساب الطالبيين، لعلي العلوي: 62 نسب بني إدريس، مطلع البدور ومجمع البحور، ابن أبي الرجال 2: 300 سليمان بن جرير الزيدي.
(40) اختيار معرفة الرجال، للطوسي 2: 53 (477).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال