الاسئلة و الأجوبة » علم المعصوم » نزول الروح عليهم في ليلة القدر


أبو علي / البحرين
السؤال: نزول الروح عليهم في ليلة القدر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نلاحظ من خلال روايات أهل البيت (ع) أن روح القدس لا تفارق المعصوم ،في حين نرى بأن سورة القدر تشير إلى تنزل هذه الروح على المعصوم في ليلة القدر ،مما يعنى حدوث الافتراق بينهما ؟
الجواب:
الأخ أبا علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هناك إختلاف بين روح القدس المذكورة في بعض الآيات والتي تكون مسددة للأئمة عليهم السلام والروح المطلقة المذكورة في سورة القدر وقد أوضع النسبة بينهما صاحب (الميزان ج2-ص173):
( كلام فيما هو الروح في القرآن ) تكررت كلمة الروح - والمتبادر منه ما هو مبدء الحياة - في كلامه تعالى ولم يقصرها في الانسان أو في الانسان والحيوان فحسب بل أثبتها في غيرهما كما في قوله : (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا)(مريم: من الآية17) ، وقوله : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ) (الشورى: من الآية52) إلى غير ذلك فللروح مصداق في الانسان ومصداق في غيره .
والذي يصلح أن يكون معرفا لها في كلامه تعالى ما في قوله : (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (الاسراء: من الآية85) حيث أطلقها اطلاقا وذكر معرفا لها أنها من أمره وقد عرف أمره بقوله : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (يّـس:82-83) فبين أنه كلمة الايجاد التي هي الوجود من حيث انتسابه إليه تعالى وقيامه به لا من حيث انتسابه إلى العلل والأسباب الظاهرية .
وبهذه العناية عد المسيح (عليه السلام) كلمة له وروحا منه إذ قال : ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء: من الآية171) لما وهبه لمريم (عليه السلام) من غير الطرق العادية ويقرب منه في العناية قوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:59). وهو تعالى وإن ذكرها في أغلب كلامه بالإضافة والتقيد كقوله : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) (الحجر: من الآية29) ، وقوله : (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (السجدة: من الآية9)، وقوله : ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا ) (مريم: من الآية17) ، وقوله : (وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء: من الآية171),وقوله : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (البقرة: من الآية87) ,إلى غير ذلك إلا أنه أوردها في بعض كلامه مطلقة من غير تقييد كقوله : (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) (القدر:4), وظاهر الآية أنها موجود مستقل وخلق سماوي غير الملائكة ، ونظير الآية بوجه قوله تعالى : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (المعارج:4). وأما الروح المتعلقة بالانسان فقد عبر عنها بمثل قوله : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) وأتى بكلمة ( من ) الدالة على المبدئية وسماه نفخا وعبر عن الروح التي خصها بالمؤمنين بمثل قوله : (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) (المجادلة: من الآية22) ,فأتى بالباء الدالة على السببية وسماه تأييدا وتقوية ، وعبر عن الروح التي خصها بالأنبياء بمثل قوله : (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (البقرة: من الآية87) , فأضاف الروح إلى القدس وهو النزاهة والطهارة وسماه أيضا تأييدا .
وبانضمام هذه الآيات إلى مثل آية سورة القدر يظهر أن نسبة الروح المضافة التي في هذه الآيات إلى الروح المطلقة المذكورة في سورة القدر نسبة الإفاضة إلى المفيض والظل إلى ذي الظل بإذن الله . وكذلك الروح المتعلقة بالملائكة من إفاضات الروح بإذن الله ، وإنما لم يعبر في روح الملك بالنفخ والتأييد كالانسان بل سماه روحا كما في قوله تعالى : ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ) (مريم: من الآية17) ، وقوله : (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) (النحل: من الآية102) ، وقوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء:193) , لان الملائكة أرواح محضة على اختلاف مراتبهم في القرب والبعد من ربهم ، وما يتراءى من الأجسام لهم تمثلات كما يشير إليه قوله تعالى : (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) (مريم: من الآية17), وقد تقدم الكلام في معنى التمثل في ذيل الآية بخلاف الانسان المخلوق مؤلفا من جسم ميت وروح حية فيناسبه التعبير بالنفخ كما في قوله: (إِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) (الحجر: من الآية29).
وكما أوجب اختلاف الروح في خلق الملك والانسان اختلاف التعبير بالنفخ وعدمه كذلك اختلاف الروح من حيث أثرها وهو الحياة شرفا وخسة أوجب اختلاف التعبير بالنفخ والتأييد وعد الروح ذات مراتب مختلفة باختلاف أثر الحياة . فمن الروح الروح المنفوخة في الانسان قال : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) .
ومن الروح الروح المؤيد بها المؤمن قال : (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) (المجادلة: من الآية22), وهي أشرف وجودا وأعلى مرتبة وأقوى أثرا من الروح الانسانية العامة كما يفيده قوله تعالى وهو في معنى هذه الآية : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام: من الآية122), فقد عد المؤمن حيا ذا نور يمشي به وهو أثر الروح والكافر ميتا وهو ذو روح منفوخة فللمؤمن روح ليست للكافر ذاته.
ومن ذلك يظهر أن من مراتب الروح ما هو في الثبات لما فيه من أثر الحياة يدل على ذلك الآيات المتضمنة لاحياء الأرض بعد موتها . ومن الروح الروح المؤيد بها الأنبياء قال : (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (البقرة: من الآية87) وسياق الآيات يدل على كون هذه الروح أشرف وأعلى مرتبة من غيرها مما في الانسان .
وأما قوله : (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) (غافر: من الآية15)، وقوله : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ) (الشورى: من الآية52) فيقبل الانطباق على روح الايمان وعلى روح القدس والله أعلم .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال