الاسئلة و الأجوبة » خالد بن الوليد » علة عدم معاقبة خالد بن الوليد بما فعله مع بني جذيمه


موسى فياض / سلوفاكيا
السؤال: علة عدم معاقبة خالد بن الوليد بما فعله مع بني جذيمه
لدي سؤال لست أدري إذا كان يعتبر عقائدي بالمعنى المباشر الا أنه يتصل بأفعال رسول الله(ص) وهو: حين رجع خالد بن الوليد بفعلته مع بني جذيمه لم لم يعاقبه رسول الله(ص) وقد كان الاولى به الرجم على اعتبار خالد تعمد ما فعل بالمسلمين ؟
الجواب:

الأخ موسى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نودّ قبل الخوض في الجواب تقديم مقدمة تنفع في موارد عديدة مشابهة، حاصلها - وهي مفصلة في محلها ـ: انه لا شك أن فعل المعصوم (عليه السلام) وتقريره حجة بلا ريب كقوله ولفظه .. إلاّ انّ بينهما فرق جوهري، إذ للفظ ظهور وبيان بنفسه .. وهو حجة عند العقلاء، بخلاف الفعل والتقرير حيث هو مجمل وصامت لا يعرف ظروفه ولا تدرك أبعاده. فمثلاً لو نقل لنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ عند دخول مسجد الخيف مثلاً، فلا يعلم هنا أن هذا الوضوء وجوبي أو استحبابي، وهل هو على وضوء كان أم سبقه حدث، وهل يقيد بدخول مسجد الخيف خاصة أم مطلقا .. وهكذا.

نعم القدر المتيقن في المقام هو جواز هذا الفعل، بل رجحانه لو كان عبادياً، وكذا في معاملات المعصوم (عليه السلام) ومعاشراته و... فالقدر المتيقن من الاحكام التكليفيّة الاباحة، وفي الوضعية الجواز .. وقد يقرن بالاستحباب . هذا في مقام الاثبات، والامر في الترك أشكل، حيث لا نعلم لماذا ترك الفعل الفلاني .. خصوصاً وعدم الفعل أكثر ابهاماً منه وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وما نحن فيه طبعاً يختلف - الى حدّ ما - عمّا أوردناه الآن .. الاّ انّه يصدق عليه ترك فعل .. وهو مجمل على كلّ حال .. .

أمّا لماذا لم يعاقب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خالداً (ولا يصح منكم التعبير في السؤال بـ(الرجم) إذ ليس هنا محل الرجم، ولا يكون ذاك إلاّ في الزنا المحصن، وهنا - لو تمّ ــ حكم القود أو الديّة) فلا بدّ من نقل مجمل الواقعة أولاً ثمّ نرجع للجواب .. فمن النصوص الشريفة في المقام ما روي مسنداً عن الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (أماليه : 173، وكذا في كتابه الخصال 2 / 561، وعنهما في مستدرك وسائل الشيعة 18 / 367 ح 22971) - مسنداً عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال : ( بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، خالد بن الوليد الى حي يقال لهم بنو المصطلق، من بني جذيمة، وكان بينهم وبينه وبين بني مخزوم إحنة - الإحنة : الضغينة والشحناء والحقد/ مجمع البحرين 6 / 198 ) - في الجاهليّة، فلما ورد عليهم كانوا قد أطاعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذوا منه كتاباً، فلمّا ورد عليهم خالد أمر منادياً فنادى بالصلاة، فصلى وصلّوا، فلمّا كان صلاة الفجر أمر مناديه فنادى، فصلى وصلوا، ثمّ أمر الخيل فشنوا فيهم الغارة فقتل وأصاب، فطلبوا كتابهم فوجدوه، فأتوا به النبي (صلى الله عليه وآله) وحدّثوه بما صنع خالد بن الوليد، فاستقبل القبلة، ثم قال (صلّى الله عليه وآله ) : ( اللهم أني أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد …)، قال : ثمّ قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) تبر ومتاع، فقال لعلي (عليه السلام) : (يا علي، ائت بني جذيمة من بني المصطلق، فأرضهم ممّا صنع خالد)، ثمّ رفع قدميه فقال : (يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهليّة تحت قدميك)، فأتاهم علي (عليه السلام)، فلمّا انتهى اليهم، حكم فهيم بحكم الله، فلمّا رجع الى النبي (صلى الله عليه وآله)، قال : (يا علي، أخبرني بما صنعت)، فقال : (يا رسول الله، عمدت فأعطيت لكلّ دم ديّة، ولكل جنين غرّة، ولكلّ مال مالاً، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم (ميلَغَة الكلب : الاناء الذي يشرب فيه / لسان العرب 8 / 460 ) وحبلة (في الأمالي : (( وحيلة ))، كذا، ولعله جمع حبل، ولكن لم نجده فيما بين أيدينا من كتب اللغة ) رعاتهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لما يعلمون ولما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله)، فقال : (يا علي أعطيتهم ليرضوا عني، رضي الله عنك يا علي، إنّما أنت مني بمنزلة هارون من موسى ( إلاّ أنّه لا نبي بعدي )) - أثبتناه من الأمالي ـ، ومثله في (بحار الأنوار 21 / 142 حديث 5 ).

و جاء في (الارشاد 1 / 139) للشيخ المفيد: (ان أرسال خالد بن الوليد الى بني جذيمة لأمرين:
الاول: ( يدعوهم إلى الله عز وجل ) . وثانياً : ( وإنما أنفذه إليهم للترة التي كانت بينه وبينهم، وذلك انهم كانوا أصابوا في الجاهلية نسوة من بني المغيرة وقتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد، وقتلوا عوفاً أبا عبد الرحمن بن عوف ) وهذا كان سبب انفاذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) له كما انه قد أرسل معه عبد الرحمن بن عوف لنفس السبب ( ولولا ذلك لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالداً أهلاً للامارة على المسلمين ..) فكان من أمره ما كان، مخالفاً لعهد الله سبحانه وعهد رسوله (صلى الله عليه وآله) .. وعمل فيهم بسنة الجاهلية الجهلاء فكان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تبرى من عمله وتلافى تفريطه وخلافه .. وقريب منه في (اعلام الورى 1 / 227) وفيهك ( وقد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة وقتلوا عمّ خالد .. فاستقبلوه وعليهم السلاح .. ) وفيه ( فرفع (عليه السلام) يده إلى السماء وقال : (( اللهم اني أبرأ إليك مما فعل خالد ))، وبكى ثم دعا علياً .. إلى آخره - ) . وفي رواية الخدري: ( اللهم اني أبرأ من خالد .. ثلاثاً ). وكان هذا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكّة كما نصّ عليه كافة المؤرّخين .
هذا مجمل الواقعة .. وأنت ترى فيها عدّة امور - عدا ما سلف منا في المقدمة - :

أولاً : ان ما ارسل له خالد وغيره - بعد الفتح - ان يدعون الناس الى الله ولم يؤمروا بقتال، على حد تعبير ابن الاثير - في الكامل - وهذه مخالفة من خالد، وأمّا من القوم فيظهر أنهم واجهوا خالد بحمل السلاح ( اخذ بنو جذيمة السلاح .. ) وهذا فيه نوع من التهديد والإرعاب .. وفي كلمة ( يدعو إلى الله ) ايهام بان القوم لم يتم اسلامهم بعد أو …

ثانياً : ان الروايات كلها تنصّ انّ علّة ارسال خالد هو ( للترة التي كانت بينه وبينهم ) (اعلام الورى : 197)، وذلك انهم كانوا ( اصابوا في الجاهلية .. ) مع انهم قد سبوا النساء و.. وعليه ففيه نوع اثارة وامتحان لهم وله ..

ثالثاً : جاء في (الطرائف لابن طاووس 2 / 394) مسنداً : ( .. فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا ان يقولوا اسلمنا، فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا .. ). اذ لم يفهم منه انهم اسلموا . وعليه فيمكن أن يكون هذا نوع شبهة من خالد يدرء بها عنه الحد، ولكن لا يمنع من تبري رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم )) منها ومن فعله وان الرجل ليس بمعذور عند الله ورسوله، والاّ لما قال (صلوات الله عليه وآله): ( اللهم اني أبرأ إليك ممّا صنع خالد ) . ونحن بعد هذا لا نشك أنّ خالد ارسل داعياً لا محارباً، وانه خالف أمره (صلى الله عليه وآله)، ونبذ عهده، وعاند دينه، فقتل القوم وهم مسالمون، واخفر ذمتهم، وانه عمل على حمية الجاهليّة الاولى وطريقة أهل الكفر .. إلاّ انّ كلّ هذا لا يوجب عليه الحدّ .. خصوصاً مع ملاحظة انّ كلّ ما يصدر من ولاة المعصوم (عليه السلام) من مخالفة يتحملها بيت مال المسلمين دية ويدفع عنهم ما جنوه لو كان عن شبهة أو احتمل فيهم ذلك، خصوصاً ولابد من الاخذ بنظر الاعتبار إن الاسلام يومذاك فتياً وأحكامه بعد لم تنشر وتعرف كما ينبغي عنه القوم، لذا كان حمل الفعل على الشبهة والجهل أقرب .. والله العالم .

وبعد كلّ هذا، انظر - منصفاً - إلى إقدام خالد على مخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في حياته وبمرئى منه ومسمع .. فكيف بعد وفاته .. قال في (الطرائف 2 / 395 ): (وكان الصواب ترك ولاية خالد ومحبته عنه من يقول بصحّة الخبر المذكور )، وقال في (نهج الحق 323) : (.. واذا كان خالد قد خالفه (صلى الله عليه وآله) في حياته وخانه في أمره فكيف به وبغيره بعده ..) . ولعلّ من هذا وغيره نفهم فلسفة ارساله صلوات الله عليه وآله لخالد .. كي يثبت في التاريخ خيانة الرجل وانحرافه أيام حياته (صلى الله عليه وآله) فضلاً عمّا بعدها .. وانه لا زالت في قلبه احن الجاهلية . والافكار الشيطانية .. هذا مجمل الحال، وهناك ما لا يقال .. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال