الاسئلة و الأجوبة » القرآن وتفسيره » تفسير قوله تعالى (هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام)


حسين / العراق
السؤال: تفسير قوله تعالى (هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام)
بسم الله الرحمن الرحيم
ارجو الاستفسار عن معنى الاية الكريمة﴿ هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ من سورة البقرة عن قدوم الله تعالى في الغمام فماذا تعني؟
وشكرا لكم
الجواب:
الأخ حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال السيد الطباطبائي في ( الميزان في تفسير القرآن) ج2 / 102:
قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ ، الظلل جمع ظلة وهي ما يستظل به ، وظاهر الآية ان الملائكة عطف على لفظ الجلالة ، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة وتبديل خطابهم بخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاعراض عن مخاطبتهم بأن هؤلاء حالهم حال من ينتظر ما أوعدناهم به من القضاء على طبق ما يختارونه من اتباع خطوات الشيطان والاختلاف والتمزق ، وذلك بأن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، ويقضي الامر من حيث لا يشعرون ، أو بحيث لا يعبئ بهم وبما يقعون فيه من الهلاك ، وإلى الله ترجع الأمور ، فلا مفر من حكمه وقضائه ، فالسياق يقتضي ان يكون قوله : هل ينظرون ، هو الوعيد الذي أوعدهم به في قوله ‹تعالى في الآية السابقة فاعلموا ان الله عزيز حكيم . ثم إن من الضروري الثابت بالضرورة من الكتاب والسنة ان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بصفة الأجسام ولا ينعت بنعوت الممكنات مما يقضي بالحدوث ، ويلازم الفقر والحاجة والنقص ، فقد قال تعالى : ﴿ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ ﴾ (الشورى:11)،وقال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ (فاطر:15) ، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ ﴾ (الزمر:62)، إلى غير ذلك من الآيات ، وهي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن ، فما ورد من الآيات وظاهرها إسناد شئ من الصفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي ان يرجع إليها ، ويفهم منها معنى من المعاني لا ينافي صفاته العليا وأسمائه الحسنى تبارك وتعالى ، فالآيات المشتملة على نسبة المجئ أو الاتيان إليه تعالى كقوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ (الفجر:22)، وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِن حَيثُ لَم يَحتَسِبُوا ﴾ (الحشر:2)، وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنيَانَهُم مِنَ القَوَاعِدِ ﴾ (النحل:26) ، كل ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدست أسمائه كالإحاطة ونحوها ولو مجازا ، وعلى هذا فالمراد بالاتيان في قوله تعالى : أن يأتيهم الله الإحاطة بهم للقضاء في حقهم . على أنا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النسب وفعلا من الافعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط فربما نسبها إلى نفسه وربما نسبها إلى امره كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ ﴾ (الزمر:42)، وقوله تعالى : ﴿ قُل يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوتِ ﴾ (السجدة:11), وقوله تعالى: ﴿ تَوَفَّتهُ رُسُلُنَا ﴾ (الأنعام:61)، فنسب التوفي تارة إلى نفسه ، وتارة إلى الملائكة ثم قال تعالى في أمر الملائكة: ﴿ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ ﴾ (الأنبياء:27) ، وكذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقضِي بَينَهُم ﴾ (يونس:93)، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَمرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ ﴾ (غافر:78) ، وكما في هذه الآية : ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام الآية وقوله تعالى : ﴿ هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَو يَأتِيَ أَمرُ رَبِّكَ ﴾ (النحل:33). وهذا يوجب صحة تقدير الامر في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى نظير : جاء ربك ، ويأتيهم الله ، فالتقدير جاء أمر ربك ويأتيهم أمر الله . فهذا هو الذي يوجبه البحث الساذج في معنى هذه النسب على ما يراه جمهور المفسرين لكن التدبر في كلامه تعالى يعطي لهذه النسب معنى أرق وألطف من ذلك ، وذلك أن أمثال قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾(فاطر:15)، وقوله تعالى: ﴿ العَزِيزِ الوَهَّابِ ﴾ (صّ:9)، وقوله تعالى ﴿ أَعطَى كُلَّ شَيءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ (طـه:50)، تفيد أنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها ، ملئ بما يهبه ويجود به وان كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادة وأحكامها الجسمانية يصعب عليها تصور كيفية اتصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصفات ونسبته إليه تعالى ، لكن هذه المعاني إذا جردت عن قيود المادة وأوصاف الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور فالنقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعالى ، فإذا لم يصاحب المعنى نقصا وحاجة لتجريده عنه صح اسناده إليه تعالى بل وجب ذلك لان كل ما يقع عليه اسم شئ فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته .
فالمجئ والآتيان الذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة واقترابه منه إذا جرد عن خصوصيه المادة كان هو حصول القرب ، وارتفاع المانع والحاجز بين شيئين من جهة من الجهات ، وحينئذ صح إسناده إليه تعالى حقيقة من غير مجاز : فإتيانه تعالى إليهم ارتفاع الموانع بينهم وبين قضائه فيهم ، وهذه من الحقائق القرآنية التي لم يوفق الأبحاث البرهانية لنيله إلا بعد إمعان في السير ، وركوبها كل سهل ووعر ، وإثبات التشكيك في الحقيقة الوجودية الأصيلة .
وكيف كان فهذه الآية تتضمن الوعيد الذي ينبئ عنه قوله سبحانه في الآية السابقة : إن الله عزيز حكيم ، ومن الممكن أن يكون وعيداً بما سيستقبل القوم في الآخرة يوم القيامة كما هو ظاهر قوله تعالى في نظير الآية: ﴿ هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَو يَأتِيَ أَمرُ رَبِّكَ ﴾ (النحل:33)، ومن الممكن أن يكون وعيد بأمر متوقع الحصول في الدنيا كما يظهر بالرجوع إلى ما في سورة يونس بعد قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ (يونس:47) ، وما في سورة الروم بعد قوله تعالى : ﴿ فَأَقِم وَجهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ (الروم:30)، وما في سورة الأنبياء وغيرها على أن الآخرة آجلة هذه العاجلة وظهور تام لما في هذه الدنيا ، ومن الممكن أيضا أن يكون وعيدا بما سيقع في الدنيا والآخرة معا ، وكيف كان فقوله في ظلل من الغمام يشتمل من المعنى على ما يناسب مورده .
ودمتم في رعاية الله

كاظم الحسيني / العراق
تعقيب على الجواب (1)

البحث اللغوي
(هل) أداة استفهام غايته الإنكار والتهكم.
و(ينظرون) منَ الإنظار أي بمعنى الإمهال والإرجاء.
قال تعالى في الآية 14من سورة الأعراف حكاية عن قول إبليس: ﴿ قال أَنظرني إلى يوم يُبعثون ﴾ أي أمهلني إلى ذلك اليوم.

مُفاد الآية
الآية في سياق آيات أُخر تأتي الإشارة إليها،وقد وردت بألفاظٍ متقاربة أو غير متقاربة تتحدّث عن موضوع واحد سنعرفه من خلال الكلام عنها.
لكنّ الذي يظهر من لهجة الآيات المذكورة أنّ فيها تهديداً ووعيداً،ومن نبرة الصوت في بعض هذه الآيات يمكن أن يُتلمّس منها لهجة العتاب فضلاً عن الإنكار والتهكّم والتهديد،وهو ليس بغريب.
قال تعالى في الآية30 من سورة يس: ﴿ يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا به يستهزئون ﴾.
كما لا يبعد أن تكون مادة الوعيد فيها حدثاً دنيوياً ؛ بل هو المتبادر من مجموع القرائن المتكاثرة التي سترد خلال الاسترسال في هذا الحديث.
فمن تلكم القرائن ما جاء في الآية 158من سورة الأنعام: ﴿ هل ينظرون إلاّ أن تأتيَهم الملائكة أو يأتيَ ربّك أو يأتيَ بعضُ آياتِ ربّك يوم يأتيِ بعضُ آياتِ ربّك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنّا منتظرون ﴾.
أمّا معنى إتيان الله في الآية موضوعة السؤال،فإن الذي ذكرتموه في جوابكم فلطيفٌ، لكنّه عام يرجع إلى عقيدة نفي التجسيم عن الذات الإلهية،وبحسب ظنّي أن الآية لم ترده على وجه الخصوص ؛وإنما أرادت شيئاً أخطر منه بنحو إرساء عقيدة ترتكز على قاعدة قرآنية مُفادها أنّ القرآن كتابٌ دنيوي وليس كتاب أخروي ؛ بمعنى أنه كتاب يُعمل به في دار التكليف حسب، ذلك أن الآخرة دار جزاء ليس فيها عمل.
ونلاحظ أن الأمويين أجهدوا أنفسهم وأجهزتهم لإشاعة أن مهمة هذا القرآن،وصفُ الجنّة وما فيها،ووصفُ النار وما فيها،ويحكي قصص الأمم الماضية،وفيه آيات الأحكام، نأياً به عنِ الدخول في المسائل الدنيوية التي تمسُّ حاضر ومستقبل المسلمين.
وللأسف فقد سرى هذا المفهوم الأموي في أذهان الكثير منَ المسلمين وهيمن عليها كموروث تفسيري أشغلهم بترهات أبعدتهم عن المعاني العلوية لكتاب الله، الذي أضحى كتاباً خفيف الوزن وذلك لعمري من آثار إقصاء عدل الكتاب عن الساحة الإسلامية.
قال تعالى في الآيتين102,103من سورة يونس: ﴿ فهل ينتظرون إلاّ مثلَ أيّامِ الذين خَلَوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم منَ المنتظرين* ثم نُنَجّي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقّاً علينا نُنجّ ِ المؤمنين ﴾ فانك تلاحظ أن الذي حدث للأمم الخالية الذين عصوا رسلهم انما حدث في الدنيا لا في الآخرة،وهنا يستقيم التهديد الظاهر من المقام.
أمّا إذا فُهم منه إرادة العذاب الأخروي فنقول:
إن العذاب في الآخرة هو بمنزلة الحصاد لما كان يقترفه الناس في الدنيا، فإرادة هذا المعنى كونه العاقبة الأخيرة إنما يحتاج إلى قرينة من المقام، ألا ترى إلى قوله تعالى في الآية 10 من سورة(المنافقون) التي يطفح منها القيد بإرادة العذاب(الأخير)؟: ﴿ وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتيَ أحدَكُم الموتُ ﴾ فإتيان أمر الله تقيّد بالموت حسب.
إذن فلآية تؤشّر إلى حدث يقع في هذه الدنيا،ومثل هذا المعنى متظافرٌ في القرآن كما جاء في قوله تعالى في الآية 52من سورة المائدة: ﴿ فترى الذين في قلوبهم مّرضٌ يُسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيُصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين ﴾ فحالة الندم المذكورة في الآية تعتريهم في الدنيا، ولا تعارض بينها وبين الندم الذي يعتري العاصين في الآخرة.
بعد هذا يمكن تقدير محذوف في الآية يصدر منه الإتيان المذكور بنحو: (أمر) فيكون تقدير الكلام فيها: هل ينظرون أن يأتي أمر الله. وهو المعنى الذي قررته آية سورة الأنعام التي مرّت معنا عند قولها: يوم يأتي بعض آيات ربّك. فلو تمَّ هذا فالآية غير ناظرة إلى نفي الجسمية عن الذات الإلهية أو شيء من هذا القبيل ولا توجد مناسبة لهذا النفي ؛ إلاّ بنحو منَ التكلف.
وقد ذكرنا سيّدنا السبزواري في المواهب أن المراد من الإتيان في هذا المورد هو التجلّي الأعظم. لكنني أرى - وبحسب ما قدمتُ - من أنّ الآية تؤشر إلى حدث أرضي يكون عقاباً على المعرضين ورحمة للمؤمنين الصابرين،وهو المعنى الذي استفدته ممّا ذكره العيّاشي في تفسيره.
قال:«عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام في قول الله تعالى: ﴿ في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ﴾ قال: ينزل في سبع قباب من نور لا يعلم في أيّها،هو حين ينزل في ظهر الكوفة فهذا حين ينزل».
وفيه: «عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال يا أبا حمزة كأني بقائم أهل بيتي قد علا فوق نجفكم،فإذا علا فوق نجفكم نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا نشرها انحطَّت عليه ملائكة بدر».
ودمتم في أمن وأمان وسعادة.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال