الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(وجوده سبحانه وتعالى) » عدم الدليل على وجوده ليس دليلاً على عدم وجوده سبحانه


الميرزا / عمان
السؤال: عدم الدليل على وجوده ليس دليلاً على عدم وجوده سبحانه
قال لي أحد الملحدين: أنّه لا يقطع بعدم وجود الله، بل يقول أنّه لم يقم عنده أي دليل على وجود الله، وأنّه واعتماداً على مبدأ (أصالة البراءة) بريء من كلّ التكاليف التي يفرضها الإسلام عليه.
س1: ما هو المقصود بـ(أصالة البراءة) هذه؟ أُريد شرحاً لو سمحتم، ورأي العلماء فيه.
س2: هل يمكن تطبيق أصالة البراءة في الحالة التي ذكرتها؟ أي: هل ما يقوله هذه الشخص صحيحاً اعتماداً على حالته؟
الجواب:

الأخ الميرزا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لو سلّمنا جدلاً بدعوى هذا الشخص أنّه لم يقم لديه دليل على وجود الخالق تبارك وتعالى، وفرضنا أنّه بصدد الدليل العقلي لا الدليل مطلقاً؛ لأنّ الدليل ليس منحصراً بدليل العقل، كما هو واضح؛ إذ من جملة الدليل على وجود الله عزّ وجلّ هو الدليل الوجداني الفطري الذي أرشد إليه سبحانه في القرآن الكريم: (( أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ )) (ابراهيم:14)، وإنكار هذا الدليل مكابرة لا تصدر من إنسان صحيح الفطرة..

فمع غضّ النظر عن سائر الأدلّة، ما عدا الدليل العقلي، نقول: إنّ أصالة البراءة لا تجري هنا؛ إذ هي تجري بعد ثبوت الخالق المشرّع، ثمّ الشكّ في أصل التكاليف الشرعية، فبناء على ما تنص عليه هذه القاعدة العقلية (أصالة البراءة) بـ(قبح العقاب بدون البيان)، يجوز للإنسان أن يُجري هذا الأصل لنفي التكاليف الشرعية التي يشكّ في أصل تشريعها من قبل المولى.

وبعبارة أُخرى: فإنّ أصالة البراءة إجراؤها فرع الاعتقاد بوجود المشرّع، وفي حال عدم القطع بوجوده بسبب عدم الدليل لا يصحّ إجراءها أصلاً؛ لأنّ موضوعها الشكّ بوصول التكليف من قبل المولى لا الشكّ في وجود المولى، ومن هنا يعلم بأنّ هذا الملحد مخطئ جدّاً في تطبيقها في هذا المورد.

ولكن الصحيح هو إجراء أصالة الاشتغال (تنزّلاً على صحّة الاستعمال بهذا المعنى هنا)، بل العقل يلزمه أن يجري أصالة الاحتياط (أي: الاشتغال)، فإذا احتمل وجود الخالق ولم يثبت وجوده لديه بدليل، فالعقل يلزمه أن يحتاط فيبني على وجوده؛ إذ أنّه إذا بنى على عدم وجوده وظهر له بعد ذلك (في الآخرة) أنّه موجود؛ فإنّه سوف يكون مستحقّاً للعقاب، لعدم عمله بمقتضى الاحتياط العقلي؛ لأنّ العاقل من يقدّم دفع الضرر المحتمل على جلب المنفعة المحتملة, ودفع الضرر المحتمل هو: البناء على وجوده والعمل على طبق تكاليفه ما دام أنّه قد توعّد العاصين بالعقوبة والعذاب.
ودمتم في رعاية الله


الميرزا / عمان
تعليق على الجواب (1)
شكراً جزيلاً على هذا الردّ الجميل.
يردّ علَيَّ قائلاً: أنّ أصالة الاشتغال هذه لا يصحّ تطبيقها؛ لأنّها تقع بعد ثبوت التكاليف وليس قبلها.
الجواب:
الأخ الميرزا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّا لا نقصد من (الاشتغال) مصطلح الاشتغال في باب الأُصول العملية، والمراد منه هنا: أصل الاشتغال الشرعي، وإنّما نريد: أنّ العقل يحكم خوفاً من العواقب المحتملة بالاحتياط عقلاً. ويصطلح عليه: (دفع الضرر المحتمل)، وهو: أحد الأدلّة على وجوب البحث والمعرفة عن الله، إضافة لدليل (شكر المنعم)؛ فلاحظ!
ولعلّ مورد الخلط هو مجاراتنا مع السائل في ما ذكره من الألفاظ؛ فعبّرنا عنه بـ(الاشتغال) ولم نتقيد بالمصطلح العلمي.
ودمتم في رعاية الله

الميرزا / عمان
تعليق على الجواب (2)
في الواقع قال لي: أنّه يتّبع القاعدة الأُصولية المسمّاة بـ(الاستصحاب)، وليقرّب المعنى فقط ذكر القاعدة الفقهية: أصالة البراءة.
وسؤالي هو: ما هي هذه القاعدة الأُصولية المسمّاة بـ(الاستصحاب)؟ لو شرحتموها لي؟
وثانياً: ماذا تضيفون إلى جوابكم بعد هذا؟
الجواب:

الأخ الميرزا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اعلم أنّ الاستصحاب باب واسع في علم الأُصول، وتوجد له تعريفات متعدّدة بحسب المبنى، ولكن الأقرب في بيان المراد منه هو: ((كون الحكم متيقّناً في الآن السابق مشكوكاً في الآن اللاحق، فيؤخذ بالحكم المتيقّن ولا يعتنى بحالة الشكّ))(1).
وقد أجمله بعض الأُصولين في عبارة واحدة بسيطة هي: ((إبقاء ما كان على ما كان))، ومعناه: حكم الشارع ببقاء المتيقّن على حالة في ظرف الشكّ، أو هو: لزوم البناء على بقاء اليقين في حالات الشكّ, وذكر الأُصوليون للاستصحاب أقساماً عديدة، لسنا الآن بصدد ذكرها..
ولنضرب على كيفية إجراء هذا الأصل المثال الآتي: فلو أنّ شخصاً كان على يقين من طهارته وشكّ في انتقاضها بحيث أنّه لا يعلم دوام حالة الطهارة السابقة أم زوالها، فإنّه حينئذٍ يستصحب الطهارة وهي حالة اليقين السابق ولا يعتني بشكّه، فيرتّب أثر الطهارة، ويحقّ له مثلاً (إن كانت طهارته السابقة بسبب الوضوء) أن يصلّي من دون الحاجة إلى طهارة جديدة أو وضوء جديد.
وقد ذكرت أنّ هذا الشخص يجري هذه القاعدة لأجل نفي التكاليف الشرعية، وهذا لا يصحّ؛ لأنّها أيضاً، كأصالة البراءة وأصالة الاشتغال، موضوعها يتحقّق بعد التيقّن من وجود المولى والشكّ في التكليف، ومع ذلك فإنّ هذا الملحد حسب الفرض متردّد وشاك في وجود الله عزّ وجلّ، ومعنى ذلك: أنّه لم تكن لديه حالة سابقة كان متيقّناً فيها من عدم وجوده تعالى، بل الأمر بحسب الواقع بالعكس تماماً؛ لأنّ شكّه بوجود الله تعالى قد حصل بعد يقين سابق بوجوده, لأنّه إنسان والإنسان بفطرته يؤمن بوجود الخالق تبارك وتعالى، وأمّا الشكّ فإنّه قد تسرّب إليه بعد ذلك من جهة أُخرى، كاختلاطه بقوم من الملاحدة أو مطالعته لكتب الكفرة، كالفلسفة الماركسية والوجودية (الملحدة) والوضعية، وغيرها من الفلسفات الدهرية والمادّية، فهذا الشكّ الذي حصل له بعد اليقين لو أراد أن يطبّق فيه الاستصحاب لكان يجب عليه أن يبني على حالته السابقة، وهي: الإيمان، فيستصحب الإيمان ولا يعتني بشكّه.
ولو سلّمنا بأنّ هذا الرجل لم يكن لديه يقين أصلاً بوجود الله تعالى، بل وجد منذ أوّل أوانه ونشأته شاكّاً، ففي هذه الحالة لا يتمكّن أيضاً من إجراء أصل الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب بالمعنى الذي ذكرناه يفتقر إلى وجود يقين سابق لكي يستصحب، وليس هناك ثمّة يقين عند هذا الملحد الشاك لكي يستصحبه.
ويجب أن نلفت انتباهك إلى أمر مهم! وهو: أنّ أصل الاستصحاب المصطلح ليس عقلياً وإنّما هو شرعي، فلا يصحّ منه إجراءه إلاّ بعد الاعتقاد بوجود المشرّع عزّ وجلّ.
والاستصحاب في حقيقته يرجع إلى معنى: البراءة الأصلية، التي تحدّثنا عنها في الجواب السابق؛ لأنّ معناه ليس إلاّ نفي التكاليف اللاحقة على حالة الشكّ والبقاء على الحالة السابقة، وذلك هو البراءة الأولية، كما لا يخفى.
وقد أوضحنا لك أنّه لا يحقّ له الاستناد إلى أصالة البراءة؛ فراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر في تعريف الاستصحاب: فرائد الأُصول 3: 9 المقصد الثالث، المقام الثاني: الاستصحاب.

الميرزا / عمان
تعليق على الجواب (3)

لنقل أنّ شخصاً في بداية بحثه عن الحقائق وعن وجود الله بالطرق العقلية؛ فهو لا بدّ له من أن يحتمل وجوده في البداية، وهذا بديهي لا نقاش فيه، ولكنّه يرى أنّ هناك نقائض معنونة لما بنى عليها ذلك الاحتمال..
فمثلاً: هو يحتمل وجود الصانع لما يراه من موجودات وروعة الكون، أو مثلاً: له إلمام في بعض العلوم التجريبية، ولكنّه يعرف أنّ الملاحدة لهم كلام مناقض في كلّ هذه المجالات بغضّ النظر عن صحّتها أو بطلانها.
وقلت: (يعرف)؛ لأنّه لم يقف على حقيقة ما يقولونه، أو لم يبحث فيه، فهذا ممّا لا شكّ فيه لن يريحه - أي: وجود نقيض وإن كان لم يقف على حقيقته - فحسب أصالة الاحتياط بأنّ هذا الشخص الذي يحتمل وجود الله عليه أن يعمل بموجب هذا الاحتمال باعتبار أنّ العقل يقول بتجنّب الضرر- وهو عقاب الله - ولو كان محتملاً.
ولكن صاحبنا قد يقول: إنّ العقل أيضاً يقول: أنّ الله لن يعاقبه؛ لأنّه ليس على يقين، بل على احتمال، وهذا الاحتمال يقابله عنوان يناقضه، واليقين يحصل بنفي النقيض بعد الاطّلاع على حقيقته.
فماذا تقولون جزاكم الله خيرا؟

الجواب:

الأخ الميرزا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ العقل يرشد إلى لا بدّية ملاحظة الاحتمال الذي يستتبع عقاباً، وخصوصاً إذا كان الضرر المترتّب على هذا العقاب كبيراً، أي: كان الضرر المحتمل كبيراً، ومهما كبر ضرر المحتمل فإنّ الاحتمال حتّى لو كان صغيراً لا بدّ من رعايته والنظر فيه والاحتياط له لئلا يكون صحيحاً، وبالتالي يقع في ذلك الضرر الكبير، ولعلّه ليس هناك ضرر أكبر من عذاب أليم خالدي، فالاحتياط له أمر لا بدّ منه حتّى لو كانت نسبة الاحتمال قليلة جدّاً.

أمّا الاحتمال الآخر الذي يتولّد من قول الملاحدة فإنّه لا ينبغي رعايته ولا الاحتياط له؛ لأنّهم أقصى ما يقولون: أنّه ليس بعد هذا العالم عالم آخر، فلا ضرر يقع من جراء عدم الاهتمام بهذا الاحتمال.
أو قل: أنّ الضرر الذي يستتبع هذا الاحتمال طفيف وصغير؛ لأنّه إن وجد فهو ضرر دنيوي زائل بخلاف الضرر الأُخروي الكبير، فرعاية الاحتياط له ممّا لا ينبغي أن تراعى، خصوصاً إذا عرفنا أنّ هذا الاحتمال صغير جدّاً ويمكن إزالته بالبراهين الدالّة على وجود الخالق، ووجود نشأة أُخرى غير هذه النشأة.

وهذا المعنى هو الظاهر من قول الإمام الصادق(عليه السلام) لابن أبي العوجاء لمّا قال له يعرّض بالحجّ والحجيج: إلى متى تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون كهرولة البعير إذا نفر، إنّ من فكّر في هذا وقدّر، علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه، وأبوك أسسه ونظامه.
فأجابه الإمام الصادق(عليه السلام): (إنّ يكن الأمر كما تقول، وليس كما تقول، نجونا ونجوت، وإن يكن الأمر كما نقول، وهو كما نقول، نجونا وهلكت)(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) الاحتجاج 2: 75 احتجاج أبي عبد الله(عليه السلام) في أنواع شتى من العلوم الدينية.

عبد الرحمن / لبنان
تعليق على الجواب (4)

هناك الكثير من علامات الاستفهام على اجوبتكم .
اولا : من اين جئتم بمعلومة ان وجود الله هو فطري لدى الانسان !؟ ... هو غير فطري ابدا فان لم نقل ان الفلاسفة والعلماء اجمعو انه ليس هناك شيئ فطري لدى الانسان الا الرضاعة ... فنقول اختلفوا على الاقل ...

ثانيا : تريدون من هذا الملحد ان يؤمن خوفا .. كونه هو الخاسر وانتم الرابحون في الآخرة اذا فاز رهانكم ... وانتم لن تخسرو اذا ربح رهانه .. ما هذا المنطق ... اين القناعة ؟؟ اين حلاوة الايمان ... كل مشاكل مجتمعنا سببها الايمان الاعمى والوراثي للدين .. وتحديدا الاسلامي .. كونه اكثر الاديان دموية عبر التاريخ ... ولا يصح الايمان بهذه الطريقة ... فالايمان قبل ان يكون ركوع ووضوء وحجاب و طواف ... هو احساس داخلي بالطمئنينة تجاه الله ...

ثالثا : لو وافقنا ان الملحد يجب ان يؤمن فالمؤمن غير خاسر اذا فاز الملحد بعد الموت ... فبماذا سيؤمن ؟؟ ... بالاسلام .. بالمسيحية ..اليهودية .. اليوذية .. مر على البشرية اكثر من 5000 دين وهناك مئات الاديان التوحيدية غير الاسلام ... والكل واثق بصحة دينه ولديه براهينه ... طبعا المشترك بالاديان انه يلصقون كل ما لا يعرفون الاجابة عنه بباب الغيبيات كونه مغلق ولا يمكن اثباته علميا ... فبمذا يؤمن هذا الانسان بما ان الاسلام هو مجرد دين بين آلاف الاديان التي يمكن ان يختارها .. ونسبة صحته هو 1/5000 دين ..
وخصوصا انه سيؤمن احتياطا فقط وليس قناعتا ... فقناعته ملحدة اصلا

الجواب:

الأخ عبد الرحمن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: الامور الفطرية لا تحتاج إلى مشقة في تحصيلها فليست هي من المعلومات النظرية التي تفتقر إلى بحث كثير ونظر، فكل شيء ظهر إلى عرصة الوجود بعد أن لم يكون موجودا فله سبب، ونحن نطلق على هذا السبب (الذي يكون جواباً على سؤال السائل: أنا مخلوق فمن خلقني؟) أنه الله تعالى، فالفطرة الانسانية قاضية بوجود الله تعالى، ولا نقاش لنا مع الذين اعوجت فطرتهم وتشوهت جبلتهم بسبب كثرة المعاصي وعروض الشبهات التي يروجها أعداء الدين، فافهم هذا إن شئت أو لا تفهم.

ثانياً: نحن لا نطلب من الملحد أن يؤمن أو لا يؤمن (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) وإنما نناقشه في الدليل فإن لم يعجبك دليلنا فاقرعه بدليل يفنده إن استطعت، كما أننا لا نراهن أحدا على إيماننا وكفره فالإيمان توفيق إلهي للصالحين وأما المنحرفين عن نهج الايمان فيكفينا اثبات فقرهم العلمي فضلا عن العقائدي من خلال ردودنا على الشبهات التي يطرحونها أو ينقلها لنا من يسمعها منهم.

ثالثاً: وأما علاقة الايمان بالدين فمسألة ترتبط بالدين الحاضر في كل عصر، ففي عصر اليهودية يجب على الناس ان يعتقدوا باليهودية وفي عصر النصرانية يجب على الناس أن يعتقدوا بالنصرانية، وفي عهد الاسلام يجب على الناس أن يعتقدوا بالإسلام، وأما من يكون في عصر الاسلام ولا يؤمن به فلا تنفعه نصرانيته ولا يهوديته، ولذلك قال الله عزوجل: (( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )).
وأما سائر الأديان الأخرى التي أوصلها جنابك إلى 5000 دين فأنت ادرى بها. ولكن لا دين بعد الإسلام رغما عن أنوف الملحدين.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال