الاسئلة و الأجوبة » رؤية الله عزوجل » كيف نستفيد نفي التأبيد من (لن تراني)


ظافر الجياشي / العراق
السؤال: كيف نستفيد نفي التأبيد من (لن تراني)
السلام عليكم
قال تعالى (( لن تراني ))
هل الحرف (لن) يفيد النفي التأبيدي عند علماء اللغة، أرجو أن تكون الإجابة مفصلة مع ذكر المصادر أو المراجع -عندي بحث فيها-؟
إذ إن (لن) لو لم تكن نافية للتأبيد كيف نخرج قوله تعالى (( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة )) ولكن حسب ما اطلعت عليه عند علماء اللغة والنحو أنها لا تفيد النفي التأبيدي
جزاكم الله خير الجزاء
الجواب:

الاخ ظافر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يمكنكم لغرض الأستفادة من بيانات علماء الكلام في المسألة ان تطالعوا ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل ص65 ) حيث قال في خصوص قوله تعالى لموسى (عليه السلام): (( لن تراني )) والمتبادر من هذه الجملة أي قوله: (( لن تراني )) هو النفي الأبدي الدال على عدم تحققها أبدا . والدليل على ذلك هو تتبع موارد استعمال كلمة لن في الذكر الحكيم، فلا تراها متخلفة عن ذلك حتى في مورد واحد .
1- قال سبحانه : (( إنَّ الَّذينَ تَدعونَ من دون اللَّه لَن يَخلقوا ذبَابًا وَلَو اجتَمَعوا لَه )) (الحج:73).
2- (( إن تَستَغفر لَهم سَبعينَ مَرَّة فلَن يَغفرَ اللّه لَهم )) (التوبة:80).
3- (( إنَّ الَّذينَ كََفروا وَصَدّوا عَن سَبيل اللَّه ثمَّ مَاتوا وَهم كَّفارٌ فلَن يَغفرَ اللَّه لَهم )) (محمد:34).
4- (( سَوَاء عَلَيهم أَستَغَفرتَ لَهم أَم لَم تَستَغفر لَهم فلَن يَغفرَ اللَّه لَهم )) (المنافقون:6).
5- (( وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهود وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبعَ ملَّتَهم )) (البقرة:120).
6- (( فَإن رَّجَعَكَ اللّه إلَى طَآئَفة مّنهم فاستَأذَنوكَ للخروج فقل لَّن تَخرجوا مَعيَ أَبَدًا وَلَن تقَاتلوا مَعيَ عَدوًّا )) (التوبة:83).
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أن لن تفيد التأبيد . وربما نوقش في دلالة ( لن ) على التأبيد مناقشة ناشئة عن عدم الوقوف الصحيح على مقصود النحاة من قولهم لن موضوعة للتأبيد، ولتوضيح مرامهم نذكر أمرين ثم نعرض المناقشة عليهما.
1- إن المراد من التأبيد ليس كون المنفي ممتنعا بالذات، بل كونه غير واقع، وكم فرق بين نفي الوقوع ونفي الإمكان، نعم ربما يكون عدم الوقوع مستندا إلى الاستحالة الذاتية .
2- إن المراد من التأبيد هو النفي القاطع، وهذا قد يكون غير محدد بشيء وربما يكون محددا بظرف خاص، فيكون معنى التأبيد بقاء النفي بحالة ما دام الظرف باقيا .
إذا عرفت الأمرين تقف على وهن ما نقله الرازي عن الواحدي من أنه قال : ما نقل عن أهل اللغة إن كلمة لن للتأبيد دعوى باطلة، والدليل على فساده قوله تعالى في حق اليهود (( وَلَن يَتَمَنَّوه أَبَدًا بمَا قَدَّمَت أَيديهم وَاللّه عَليمٌ بالظَّالمينَ )) (البقرة:95) قال : وذلك لأنهم يتمنون الموت يوم القيامة بعد دخولهم النار، قال سبحانه : (( وَنَادَوا يَا مَالك ليَقض عَلَينَا رَبّكَ قَالَ إنَّكم مَّاكثونَ )) (الزخرف:77) فإن المراد من ( ليقض علينا ) هو القضاء بالموت (مفاتيح الغيب - للرازي - 14 : 227).
ووجه الضعف ما عرفت من أن التأبيد على قسمين، غير محدد ومحدد بإطار خاص، ومن المعلوم أن قوله سبحانه (( وَلَن يَتَمَنَّوْه )) ناظر إلى التأبيد في الإطار الذي اتخذه المتكلم ظرفا لكلامه وهو الحياة الدنيا، فالمجرمون ما داموا في الحياة الدنيا لا يتمنون الموت أبدا، لعلمهم بأن الله سبحانه بعد موتهم يقدمهم للحساب والجزاء، ولأجل ذلك لا يتمنوه أبدا قط .

وأما تمنيهم الموت بعد ورودهم العذاب الأليم فلم يكن داخلا في مفهوم الآية الأولى حتى يعد التمني مناقضا للتأبيد . ومن ذلك يظهر وهن كلام آخر وهو : أنه ربما يقال : إن ( لن ) لا تدل على الدوام والاستمرار بشهادة قوله : (( إنّي نَذَرت للرَّحمَن صَومًا فلَن أكَلّمَ اليَومَ إنسيًّا )) إذ لو كانت ( لن ) تفيد تأبيد النفي لوقع التعارض بينها وبين كلمة (الْيَوْمَ) لأن اليوم محدد معين، وتأبيد النفي غير محدد ولا معين، ومثله قوله سبحانه على لسان ولد يعقوب: (( فَلَن أَبرَحَ الأَرضَ حَتَّىَ يَأذَنَ لي أَبي )) (يوسف:80) حيث حدد بقاءه في الأرض بصدور الإذن من أبيه . وجه الوهن : أن التأبيد في كلام النحاة ليس مساويا للمعدوم المطلق، بل المقصود هو النفي القاطع الذي لا يشق . والنفي القاطع الذي لا يكسر ولا يشق على قسمين :
تارة يكون الكلام غير محدد بظرف خاص ولا تدل عليه قرينة حالية ولا مقالية فعندئذ يساوق التأبيد المعدوم المطلق . وأخرى يكون الكلام محددا بزمان حسب القرائن اللفظية والمقالية، فيكون التأبيد محددا بهذا الظرف أيضا، ومعنى قول مريم : (( فَلَن أكَلّمَ اليَومَ إنسيًّا )) (مريم:26) هو النفي القاطع في هذا الإطار، ولا ينافي تكلمها بعد هذا اليوم . والحاصل : أن ما أثير من الإشكال في المقام ناشئ من عدم الإمعان فيما ذكرنا من الأمرين، فتارة حسبوا أن المراد من التأبيد هو الاستحالة فأوردوا بأنه ربما يكون المدخول أمرا ممكنا كما في قوله : (( قل لَّن تَخرجوا مَعيَ أَبَدًا )) (التوبة:83)، وأخرى حسبوا أن التأبيد يلازم النفي والمعدوم المطلق، فناقشوا بالآيات الماضية التي لم يكن النفي فيها نفيا مطلقا، ولو أنهم وقفوا على ما ذكرنا من الأمرين لسكتوا عن هذه الاعتراضات .
وبما أنه سبحانه لم يتخذ لنفي رؤيته ظرفا خاصا، فسيكون مدلوله عدم تحقق الرؤية أبدا لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة . والحاصل : أن الآية صريحة في عدم احتمال الطبيعة البشرية لذلك الأمر الجلل، ولذلك أمره أن ينظر إلى الجبل عند تجليه، فلما اندك الجبل خر موسى مغشيا عليه من الذعر، ولو كان عدم الرؤية مختصا بالحياة الدنيا لما احتاج إلى هذا التفصيل، بل كان في وسعه سبحانه أن يقول : لا تراني في الدنيا ولكن تراني في الآخرة فاصبر حتى يأتيك وقته، والإنسان مهما بلغ كمالا في الآخرة فهو لا يخرج عن طبيعته التي خلق عليها، وقد بين سبحانه أنه خلق ضعيفا .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال