الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(العدل الإلهي) » الدليل عليه


سرمد رعد كاظم / العراق
السؤال: الدليل عليه
أرجو التفضّل بإعطائي بعض الأدلّة على العدل الإلهي.
الجواب:

الأخ سرمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول الشيخ السبحاني في (الإلهيات): ((ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته، من دون استعانة من الشرع، أنّها حسنة يجب القيام بها، أو قبيحة يجب التنزّه عنها، ولو أمر الشارع بالأُولى ونهى عن الثانية فهو كاشف عمّا يدركه العقل ومرشد إليه، وليس للشرع أن يعكس القضية بأن يحسّن ما قبّحه العقل أو يقبّح ما حسّنه..

ثمّ إنّ القائلين بالحسن والقبح العقليين يقسّمون الأفعال من حيث الاتّصاف بهما إلى أقسام ثلاثة:
الأوّل: ما يكون الفعل بنفسه علّة تامّة للحسن والقبح، وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتيين، مثل العدل والظلم، فالعدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسناً أبداً، ومتى ما وجد لا بدّ أن يمدح فاعله ويعد محسناً، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحاً، ومتى ما وجد ففاعله مذموم ومسيء، ويستحيل أن يكون العدل قبيحاً والظلم حسناً...))(1).

وقد بحث العدلية مع غيرهم في ملاك الدخيل لكون الشيء حسناً أو قبيحاً، فقالوا: إنّ ما استحقّ من الأفعال مدح فاعله عدّ عند العقلاء حسناً، وما استحقّ منها ذمّاً عدّ عندهم قبيحاً، وذلك بملاحظة الفعل نفسه من حيث هو هو من دون ضم شيء إليه، ومن دون أن يلاحظ كونه مشتملاً على نفع شخصي أو نوعي، فيستقل العقل بحسنه ووجوب فعله، أو قبحه ووجوب تركه.
وإن شئت قلت: إذا وقع الفعل في إطار العقل البشري من دون فرق بين الأفراد ومع غضّ النظر عن أي شيء آخر غير الفعل نفسه، وجده العقل موصوفاً بالحسن وقابلاً للمدح، أو على العكس, وهذا كما إذا لاحظ جزاء الإحسان بالإحسان فيحكم بحسنه، وجزاءه بالإساءة فيحكم بقبحه، فالعقل في حكمه هذا لا يلاحظ سوى نفس الموضوع من دون أن يتصوّر كونه يتضمّن صلاحاً أو فساداً، فمبحث الحسن والقبح الذاتيين لا يهدف إلاّ إلى هذا القسم(2).

ولأجل زيادة البيان في تعيين محلّ النزاع بين الأشاعرة والعدلية نأتي بالتوضيح التالي:
إنّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين يعلّلون حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان باشتمال الأوّل على مصلحة عامّة، وباشتمال الثاني على مفسدة كذلك، ولأجل تلك النتائج عمّ الاعتراف بحسن الأوّل وقبح الثاني الجميع، ولكنّك عرفت أنّ ملاك البحث أوسع من ذلك، وأنّ المسألة مركّزة على لحاظ نفس الفعل، مع غضّ النظر عن تواليه وتوابعه، هل يدرك العقل حسنه أو قبحه، أو لا؟ وهل العقل يمدح إحسان المحسن بالإحسان ويذم جزاء المحسن بالإساءة أو لا؟ وهل العقل يقبّح تكليف الإنسان بما لا يطيقه أو لا؟ وهل العقل يحسّن عمل العامل بالميثاق أو لا؟ فالنقاش على هذا الصعيد لا بالنظر إلى الأغراض والمصالح، فردية كانت، أم اجتماعية.

فالقائلون بالتقبيح والتحسين العقليين يقولون: إنّ كلّ عاقل مميّز يجد من صميم ذاته حسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، وأنّ هذه الأحكام نابعة من صميم القوّة العاقلة والهوية الإنسانية المثالية(3)...
وإذا كان محلّ النزاع ما ذكرنا من إدراك حسن الفعل أو قبحه بالنظر إلى ذاته مع غض النظر عمّا يترتّب عليه من التوالي، فيقع الكلام في أنّ العقل كيف يقضي بالحسن والقبح؟ وما هو الملاك في قضائه؟
إنّ الملاك لقضاء العقل هو: أنّه يجد بعض الأفعال موافقاً للجانب الأعلى من الإنسان والوجه المثالي في الوجود البشري، وعدم موافقة بعضها الآخر لذلك.
وإن شئت قلت: أنّه يدرك أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحيّ المختار، وبعضها الآخر نقص له، فيحكم بحسن الأوّل ولزوم الاتّصاف به، وقبح الثاني ولزوم تركه(4)...
وإنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين - على ما عرفت - هو أنّ العقل بما هو هو يدرك أنّ هذا الشيء بما هو هو حسن أو قبيح، وأنّ أحد هذين الوصفين ثابت للشيء بما هو هو، من دون دخالة ظرف من الظروف أو قيد من القيود، ومن دون دخالة درك مدرك خاص.
وعلى ذلك؛ فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعية عامّة متساوية بالنسبة إلى جميع المدركين والفاعلين، من غير فرق بين الممكن والواجب، فالعدل حسن ويمدح فاعله عند الجميع، والظلم قبيح ويذمّ فاعله عند الجميع.. وعلى هذا الأساس فالله سبحانه المدرك للفعل ووصفه - أعني: استحقاق الفاعل للمدح أو الذم - من غير خصوصية للفاعل، كيف يقوم بفعلٍ ما يحكم بأنّ فاعله مستحقّ للذمّ، أو يقوم بفعل ما يحكم بأنّه يجب التنزّه عنه؟
وعلى ذلك؛ فالله سبحانه عادل لأنّ الظلم قبيح وممّا يجب التنزّه عنه، ولا يصدر القبيح من الحكيم, والعدل حسن وممّا ينبغي الاتّصاف به، فيكون الاتّصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزّهاً عمّا لا ينبغي.
وإن شئت قلت: إنّ الإنسان يدرك أنّ القيام بالعدل كمال لكلّ أحد، وارتكاب الظلم نقص لكلّ أحد، وهو كذلك - حسب إدراك العقل - عنده سبحانه, ومعه كيف يجوز أن يرتكب الواجب خلاف الكمال ويقوم بما يجرّ النقص إليه؟!

وربما يقال: أنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً عند الإنسان لا يدلّ على كونه كذلك عند الله سبحانه، فكيف يمكن استكشاف أنّه لا يترك الواجب ولا يرتكب القبيح؟
والإجابة عنه واضحة: وذلك أنّ مغزى القاعدة السالفة هو: أنّ الإنسان يدرك حسن العدل وقبح الظلم لكلّ مدرك شاعر، ولكلّ عاقل حكيم، من غير فرق بين الظروف والفواعل، وهذا نظير درك الزوجية للأربعة؛ فالعقل يدرك كونها زوجاً عند الجميع، لا عند خصوص الممكن.. فليس المقام من باب إسراء حكم الإنسان الممكن إلى الواجب تعالى، بل المقام من قبيل استكشاف قاعدة عامّة ضرورية بديهية عند جميع المدركين من غير فرق بين خالقهم ومخلوقهم. ولا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة، بل جميع القواعد العامّة في الحكمة النظرية كذلك.
وعلى هذا يثبت تنزّهه سبحانه عن كلّ قبيح، واتّصافه بكلّ كمال في مقام الفعل، فيثبت كونه تعالى حكيماً لا يرتكب اللغو وما يجب التنزّه عنه، وبالتالي فهو: عادل لا يجور، ولا يظلم، ولا يعتدي(5).
ويشهد لما قلناه من عدله تعالى كثير من الآيات القرآنية والروايات عن المعصومين(عليهم السلام).
ودمتم في رعاية الله

(1) الإلهيات 1: 231 الباب الثاني، الصفات الثبوتية الفعلية: الحكمة، الحكيم، المنزّه عن فعل ما لا ينبغي.
(2) الإلهيات 1: 234 الباب الثاني، الحكيم، المنزّه عن فعل ما لا ينبغي.
(3) الإلهيات 1: 235 الباب الثاني، الحكيم.
(4) الإلهيات 1: 239 الباب الثاني، الحكيم.
(5) الإلهيات 1: 287 الباب الثاني، ثمرات التحسين والتقبيح العقليين: الله عادل لا يجور.

ابو محمد الخزرجي / الكويت
تعليق على الجواب (1)
أسئلتي: عن قضية الحسن والقبح العقليين!
يقول الشيعة، حسب ما فهمت من كلام الشيخ جعفر السبحاني في كتاب (الإلهيات) من الجزء الذي نقلتم كلامه: أنّ الشيعة تقول بالحسن والقبيح العقليين, فإنّ الله عادل لا يفعل ولا يأمر إلاّ بالحسن!
وردّ الإمامية قول الذين قالوا بأنّ: الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع!
طيّب, لماذا لا نقول أنّ الحسن ما حسّنه الشرع؟ أليس الله لا يشرع إلاّ الحسن؟
مع ملاحظة أنّ كثير من الأُمور التي جاءت في الشرع قد لا نعلم حسنها ولكن الله أمرنا بها, فقد يكون ظاهرها قبيح ولكنّها حسنة, وهذا يدلّل على صحّة مقالة من قال بأنّ الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع؛ قال تعالى: (( كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرهٌ لَكُم وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لاَ تَعلَمُونَ )) (البقرة:216).
القصد: أنّ العقل وحده غير كافٍ لإدراك كلّ المحاسن فلا يصحّ القول بحسن ما حسّنه العقل, وهذه الآية تدلّل أنّ القتال كان كرها لهم ولكن بحقيقته حسن لهم, فعقل الإنسان يستكره القتال مجملاً, ولكن قد يكون هذا القتال خير للإنسان؛ فالحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع.
والعقل معرّض للأهواء, وهو أيضاً قاصر عن إدراك مقاصد الشريعة, فكيف يكون هو الحاكم على حسن الشيء أو قبحه؟
ملخّص الكلام: أنّ القول بحسن ما حسّنه العقل وقبح ما قبّحه العقل, قول لا يمكن أن يقبله العقل ذاته؛ لأنّه لا يعلم ولا يحيط بكلّ محاسن الأُمور.. فتحسين ما حسّنه الشرع وتقبيح ما قبّحه الشرع هو الصحيح؛ لأنّ الشرع هو الأكمل والمحيط بكلّ شيء.
فما رأيكم بهذا الكلام؟
الجواب:

الأخ أبا محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ المسألة ليس كما فهمتها أيّها الأخ الكريم؛ فإنّ قصد الذين يقولون: الحسن ما حسّنه الشارع: والقبيح ما قبّحه الشارع؛ أنّه لا يوجد هناك حسن وقبح ذاتي للأفعال يمكن للعقل أن يدركه منها، وهذا معناه بالتالي: جواز أن يفعل الشارع - على قولهم هذا - القبائح، مثل: إدخال المؤمنين والأنبياء النار، وإدخال الكافرين والمجرمين المستحقّين العذاب الجنّة.

أو بعبارة أُخرى: أنّ الشارع إذا فعل فعلاً - وإن كان في واقعه ظلماً وقبيحاً، كإدخال الأنبياء إلى النار - فهو حسن إذا حسّنه هو..
هذا هو المقصود من فكرة: (الحسن ما حسّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه الشارع)، وليس ما ذكرتم!

فنحن نقرّ أنّ كلّ ما صدر من الشارع هو حسن، وأنّ العقل لا يدرك حسن وقبح كلّ الأشياء، ولكن الحديث في هذه المسألة هو على نحو القضية الحقيقية وليس الخارجية، والقضية الموجبة الجزئية لا الكلّية؛ فلاحظ!
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال