الاسئلة و الأجوبة » الإمام الحسين (عليه السلام) » فلسفة الشهادة


الانصاري / ايران
السؤال: فلسفة الشهادة
هناك الكثير من الامور التي يمارسها المؤمنون عشاق ابي عبد الله في شهر محرم و بالاخص ايام عاشوراء ..
فما هو دور العقل البشري و مهامه الابداعية ؟
كيف يزيد المرء من ثقته بنفسه في ظل ذكرى ايام عاشوارء ؟
من اهم الدعائم الخلقية والمنجيات الابدية هي التوبة وقد اولاها القران الكريم عناية فائقة و رددها في كثير من الايات البينات هل ايام عاشوراء تعد من اهم الفرص المتاحة للانسان لدخول باب التوبة ؟
ام شهر رمضان ؟
كما تحتوي ايام محرم على الكثير من العبر والقصص التي لها تاثير روحاني وخلقي .. الذي جعل الكثير ممن اعلنوا استشياعهم عن طريق قضية الامام الحسين ؟
ما هي الطرق والوسائل الاكثر سهولة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمثل بالجانب الرجالي وبالاخص في ذكرى مصائب اهل البيت ؟
بناء العلاقات مع الاخرين هو من اهم الفنون الانسانية على الاطلاق.. وشهر محرم يتميز باكبر التجمعات..
بمختلف المناطق الاسلامية وبالاخص المناطق الشيعية ما هي الامور الارشادية المتمثلة في هذا الجانب في هذه الذكرى الاليمة ؟
كيف تكون المراة زينبية في ايام عاشوراء ؟
كيف لها ان تكون حسينية ؟
كيف للرجل ان يكون زينبي ؟
ام مقتصرة ومتمثلة على الجانب النسائي كما يراه البعض ؟
الجواب:

الأخ الانصاري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اولاً: إن للعقل دور كبير في تصحيح الممارسات الخاطئة التي يمكن العثور عليها إبان إقامة مراسيم الاحتفال بالشعائر الحسينية جماهيرياً، ومنها جنوح بعض التصرفات عما هو مسموح به شرعاً بدعوى كونها من جملة الشعائر أو مما تقتضيه، بينما هي تسيئ إلى قدسية الشعائر فضلاً عن اسائتها إلى عموم التشيع. وبطبيعة الحال فإن التصحيح لتلك الممارسات الخاطئة لا يمكن أن يحصل آنياً بمجرد تشخيصها، بل إن ذلك يفتقر إلى نقد علمي بواسطة الأدلة حيث يقوم العقل بالتمييز والفصل بين ما يصح أن يندرج في خانة الشعائر وبين ما لا يصح اعتباره منها ومثل هذا يكون في عهدة الفقيه الجامع للشرائط .
ومن جهة أخرى فإن للعقل دور واضح في استلهام العبر واستخلاصها من خلال دراسة واقعة الطف والمعاني السامية المترتبة على استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) مع ثلة خيّرة من أهل بيته وأنصاره, وقد قادت التأملات العقلية جماعة من علمائنا الأعلام إلى تأليف كتب كرست لابراز هذا الجانب وذلك عبر التعمق في فهم المعاني المرتبطة بالشهادة والتضحية التي أرسى قواعدها الإمام الحسين (عليه السلام), ومن أشهر تلك الكتب كتاب (أسرار الشهادة) للفاضل الدربندي وكتاب (الخصائص الحسينية) للشيخ جعفر التستري.

ثانيا:ً أما كيف يتسنى للمؤمن أن يزيد من ثقته بنفسه في ذكرى أيام عاشوراء. فيمكن إجمال هذا الأمر بأن يتصور المرء أن الحسين (عليه السلام) يدعوه إلى سلوك سبيل التضحية والترشح لنيل رتبة الشهادة, وذلك لا يتم بمجرد الرغبة والتصور الساذج, بل يفتقر إلى العمل واعداد المقدمات كالتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، ورصد المعاني التي جاء الإمام الحسين (عليه السلام) لترسيخها والعمل على طبقها، فمن دون ذلك لا يتمكن المرء من سلوك سبيل التضحية مطلقاً، ويجب علاوة على ذلك توعية الناس بضرورة استغلال أيام المحرم للتزود بتلك القيم الروحية والمبادئ الفذة التي افرزتها فاجعة الطف الأليمة, ولكن لا ينبغي للمرء أن يزج بنفسه في دروب غير مأمونة وإن كان ظاهرها الدعوة إلى الجهاد والتضحية تحت عنوان الثورة الحسينية, وقد وردت جملة من الأخبار التي تحذر الناس من متابعة تلك الدروب، وحذرت من شر الجماعات والأشخاص الذين يتصيدون في الماء العكر والذين يستغلون حب الناس لآل محمد (عليهم السلام) لأجل الحصول على منافع دنيوية كالجاه والسلطان ، وفي المقابل فإنه لم يصلنا ولا حديث واحد عن آل محمد (عليهم السلام) يدعو فيه الناس إلى تشكيل الأحزاب وتنظيم الحركات أو الانخراط فيها، ولم يصلنا عنهم أن تكليف المؤمن في عصر الغيبة هو البحث عن بعض النزاعات والصراعات التي تصطبغ بالصبغة الدينية الجهادية لأجل تطبيق مشروع التضحية الحسينية. بل إن الروايات كما أشرنا قد حذرت المؤمن من ولوج تلك المتاهات. فقد ورد عن الباقر (عليه السلام): (كل راية ترفع قبل قيام القائم (عج) صاحبها طاغوت)، وعن علي (عليه السلام): (إن لنا أهل البيت راية من تقدمها مرق ومن تأخر عنها زهق ومن تبعها لحق) وهي راية الإمام المهدي (عجل الله فرجه). وقد ورد في بعض الأخبار وصف دقيق للأشخاص الذين يبادرون إلى الجهاد والتضحية قبل الأوان، فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): (هلكت المحاضير، قلت: وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، ونجا المقربون، وثبت الحصن على أوتادها كونوا أحلاس بيوتكم فإن الفتنة على من أثارها، وإنهم لا يريدونكم بجائحة إلا أتاهم الله بشاغل)، وعنه (عليه السلام): (اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح).
ومن هنا فإن أهل البيت (عليهم السلام) وبدافع الحرص على أرواح شيعتهم قد ندبونا إلى الانتظار وترقب الفرج بظهور الإمام المهدي (عج) لا المبادرة قبل أوانه، إن فلسفة انتظار الفرج في شقها العملي تدعو إلى الصبر والتحمل والصمود عند الشدائد، وفي شقها النظري تدعو إلى احياء أمر آل محمد (عليهم السلام) وتوعية المجتمع بعمق الفكر الذي تحويه كلماتهم (عليه السلام).
فقد روي عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: (تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة من بعده... إن أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان، لأن الله تعالى ذكره اعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، أولئك المخلصون حقاً وشيعتنا صدقاً والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً), وعن الصادق (عليه السلام): (المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله)، وعنه (عليه السلام): (من مات منكم على هذا الأمر منتظراً، كان كمن كان في فسطاط القائم). وغير ذلك من الروايات التي تدعو الشيعة إلى التعقل والصبر والانتظار.
وبعبارة موجزة: فإن الحسيني الحقيقي هو الذي يستوعب فلسفة الشهادة بجميع أبعادها، ومن جملة ذلك انتظار الفرج، فإنه من أجلى مصاديق الاستعداد للتضحية.

ثالثاً: إن مناسبة (المحرم) تعتبر من الظروف التي تساعد على شيوع الروح الإيمانية، وهي فرصة ممتازة للتقويم الأخلاقي والتقرب إلى الله عز وجل بالعمل الصالح وبالتوبة فإن استذكار ملابسات هذه الفاجعة الأليمة له أكبر الأثر في ترسيخ المعاني السامية والمباديء الفاضلة في نفوس المؤمنين ولذلك فإن هذا الشهر الكريم بالرغم من كونه شهر الأحزان فإنه يدعو إلى تجديد العلقة والرابطة بين المؤمنين فإن لحب الحسين (عليه السلام) لوعة في قلوبهم تجعلهم ينسون خلافاتهم فتذوب المنازعات والخلافات بحرارة حب الحسين (عليه السلام) فيتأهلون لإصلاح أنفسهم ومراجعة وجدانهم والإنابة إلى بارئهم، وتلك فرصة عظيمة، ومن هنا صح أن يوصف هذا الشهر بأنه شهر الطاعة كما يوصف شهر رمضان.

رابعاًً: لقد أوضحنا آنفاً بأن العبر والدروس التي يستلهمها الإنسان المؤمن الواعي من واقعة الطف لها أكبر الأثر في السمو الروحي والأخلاقي، ونفس ذلك الأثر الذي يظهر على وجوه شيعة آل محمد أثناء أيام عاشوراء يعكس حالة الوحدة والتلاحم بين جميع طبقات المجتمع الشيعي، ما يكون بنفسه حافزاً للآخرين ـ من غير الشيعة ـ لكي يجعلوا من أنفسهم مشاريعاً للاستبصار، فيندفعون بدافع تلك المعاني التي افرزها الولاء للحسين وحبه من قبل نظرائهم الشيعة إلى البحث عن الحقيقة، فيوفقون للتشيع.

خامساً: إن التوعية الحسينية من قبل رجال الشيعة المخلصين من علماء وفضلاء ومثقفين من أجلى مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعتبر المنبر الحسيني من أهم الأدوات والوسائل الاعلامية التي تساعد على تحقيق هذا الغرض، ولذلك فإن شهر محرم هو بحق شهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بامتياز.

سادساً: إن المظاهر الجماهرية الاحتفالية في شهر محرم تعتبر رسالة لجميع المخالفين والاعداء بأن الشيعة هم النواة الحقيقية للدعوة إلى الإسلام المحمدي الحسيني الذي هو روح الرسالات السماوية جمعاء، لأن الاحتشاد الألفي والمليوني لأجل إقامة مراسيم العزاء لسيد الشهداء (عليه السلام) يدل بدون أدنى ريب على جملة من المباديء تمثل جوهر التدين، ومن أهمها: الوحدة بين المؤمنين، والدعوة إلى التوحد، والاستعداد للتضحية، والتفاني في إعلاء كلمة الحق والجهر بها، والخضوع لله تعالى عبر طاعة ولية المضحي في سبيلة، وغيرها...
وتلك لعمري هي المعاني التي جاء بها الإسلام بل جميع الديانات السماوية.

سابعاً: المرأة الزينبية هي المرأة التي تتخذ من زينب (سلام الله عليها) قدوة ومثالاً يحتذى، لأن زينب (عليها السلام) تمثل النموذج الكامل لكل النساء المؤمنات، فعلى المرأة المؤمنة أن تقتدي بها فتكون عفيفة مجاهدة صابرة مربية للأجيال وقائدة لمن هن دونها وذائدة لهن عن الانحراف والابتذال، إن زينب (سلام الله عليها) قد جسدت أسمى المفاخر عبر دورها العظيم الذي أدته في واقعة الطف، وكانت بحق ذروة الثورة الحسينية وسنامها، بل إن وقفتها البطولية أمام طاغوتي عصرها: ابن زياد ويزيد هي التي مهدت للإطاحة بجملة النظام الأموي، وهي التي وجهت أقسى الضربات لذلك الكيان المتسلط فتسببت في سقوطه وانهياره، فدورها الاعلامي والتثقيفي هو الشق الآخر للنصر في تلك الواقعة ، فالحسين (عليه السلام) وشهادته في كفة وزينب (سلام الله عليها) ومواقفها في كفة أخرى موازية، فلولا تلك المواقف الزينبية لما تسنى للواقعة أن تكون عنواناً ورمزاً تاريخياً للفداء ، هكذا يجب أن تكون المرأة زينبية، وهي عندما تكون زينبية لا تحتاج إلى أمر آخر يجعلها حسينية، بل كونها زينبية هو عين كونها حسينية.

أما الرجل فيمكن أن يكون زينبياً إذا تحلى بالوعي الزينبي المتمثل في نشر المعاني الحسينية وتربية الأجيال عليها. فالتربية طبقاً لمبادئ الفداء والتضحية والشهادة من أخص خصوصيات الرجل الزينبي. وليس بصواب أبداً ما يظنه البعض بأن (الزينبية) من مختصات النساء السائرات على خطى العقيلة، بل للرجل أن يكون زينبياً بتبني المفردات والمعاني التي أضافتها زينب (عليها السلام) على المعاني الاستشهادية التي جسدها الحسين (عليه السلام). ومن أجلاها تربية الأجيال وتوعية النشأ على حب الحسين (عليه السلام) ونشر تلك القيم والمعاني في العالم.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال