الاسئلة و الأجوبة » الحلول والتناسخ » شبهة الآكل والمأكول


السيد محمد / البحرين
السؤال: شبهة الآكل والمأكول
الرجاء الرد على شبهة الآكل والمأكول بشكل مفصل.
الجواب:

الاخ السيد محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ هذه الشبهة من أقدم الشبهات التي وردت في الكتب الكلامية حول المعاد الجسماني، وقد اعتنى بدفعها المتكلمون والفلاسفة على اختلاف تعابيرهم وتعدد أجوبتهم عناية بالغة، والإشكال يقرر بصورتين :

الصورة الأولى :
إذا أكل إنسانٌ إنساناً بحيث عاد بدن الثاني جزءً من بدن الإنسان الأول، فالأجزاء التي كانت للمأكول ثم صارت للآكل، إمّا أن تعاد في كل واحد منهما، أو تعاد في أحدهما، أو لا تعاد أصلاً ? والأول محال، لاستحالة أن يكون جزءاً واحداً بعينه في آن واحد في شخصين متباينين. والثاني خلاف المفروض، لأنّ لازمه أن لا يعاد الآخر بعينه. والثالث أسوأ حالاً من الثاني، إذ يلزم أن لا يكون أي من الإنسانين معاداً بعينه. فينتج أنّه لا يمكن إعادة جميع الأبدان بأعيانها.

الصورة الثانية :
لو أكل إنسان كافر إنساناً مؤمناً، وقلنا بأنّ المراد من المَعاد هو: حشر الأبدان الدنيوية في الآخرة، فيلزم تعذيب المؤمن، لأنّ المفروض أن بدنه أو جزءً منه، صار جزء من بدن الكافر، والكافر يٌعَذَّب، فيلزم تعذيب المؤمن.

والفرق بين الصورتين هو أنّ الإشكال بالتقرير الأول يركز على نقص الإنسان المعاد من حيث البدن، ولكنه في التقرير الثاني يركز على أنّ المَعاد الجسماني في المقام يستلزم خلاف العدل الإلهي، فالأساس في الإشكال في الصورتين واحد، وهو كون بدن إنسان جزءً من بدن إنسان آخر. ولكن المترتب على الصورة الأولى هو عدم صدق كون المعاد هو المنشأ في الدنيا، وعلى الصورة الثانية هو تعذيب البريء مكان المجرم.

أما الصورة الأولى من الإشكال، فبعض احتمالاتها ساقط جداً، وهو عود المأكول جزء لكلا الإنسانين، فيبقى الإحتمالان الآخران، وبأي واحد منهما أخذنا يندفع الإشكال، وذلك بالبيان التالي : إنّ الإنسان من لدن تكوّنه وتولده إلى يوم وفاته واقع في مهب التغير وخضم التبدل، فليس وجوده جامداً خالياً عن التبدل. فبدن الإنسان ليس إلا خلايا لا يحصيها إلا الله سبحانه، وكل منها يحمل مسؤوليته في دعم حياة البدن، والخلايا في حال تغير وتبدل مستمر، تموت وتخلفها خلايا أفخرى.
إذا عرفت ذلك، فنقول :
إن هناك فروضاً :
1- فلو فرض أنّ بدن إنسان صار جزءً من بدن إنسان آخر، فبما أنّ للمأكول أبداناً متعددة على مدى حياته، فواحد منها مقرون بالمانع، والأبدان الأخر خالية منه فيحشر مع الخالي.
2- ولو فرض أنّ جميع أبدانه اقترنت بالمانع، فإنه أيضاً لا يصد عن القول بالمعاد الجسماني، لأنّ الناموس السائد في التغذية هو أنّ مايستفيده الإنسان من الغذاء لايتعدى ثلاثة بالمائة من المأكول والباقي يدفعه فإذاً لا مانع من أن تتعلق الروح بأحد هذه الأبدان التي تتفاوت عن البدن الدنيوي من حيث الوزن والحجم، ولم يدل على أنّ المحشور في النشأة الأخروية يتحد مع الموجود في النشأة الدنيوية في جميع الجهات وعامة الخصوصيات.
3- ولو فرض أنّ قانون التحول ساد على أبدان المأكول، فلم يبق من كل بدن إلاّ النذر اليسير الذي لا يتشكل منه بدن إنسان كامل، فلا مانع في هذا الفرض النادر من تكميل خلقته بالمواد الأرضية الأخرى حتى يكون إنساناً قابلاً لتعلق الروح به، وليس لنا دليل على أنّ المعاد في الآخرة يتحد مع الموجود في الدنيا في جميع الجهات حتى المادة التي يتكون منها البدن.
والتركيز على وحدة المادة، يبتني على تحليل وجود الإنسان تحليلاً مادياً وأنه ليس وراء المادة شيء آخر، وأما على القول بأنّ واقعية الإنسان بروحه ونفسه، وأنّ جميع خصوصياته وملكاته موجودة في نفسه، فالمعاد الجسماني لا يتوقف على كون البدن المحشور نفس البدن الدنيوي حتى في المادة الترابية، بل لو تكوّن بدن الإنسان المعاد من أيّة مادة ترابية كانت، وتعلقت به الروح، وكان من حيث الصورة متحداً مع البدن الدنيوي، يصدق على المعاد أنه هو المنشأ في الدنيا.

قال بعض أعلام الفلاسفة : (إن تشخّص كلّ إنسان إنما يكون بنفسه لا ببدنه وإنّ البدن المعتبر فيه أمر مبهَم لاتحصّل له إلا بنفسه وليس له من هذه الحيثية تعيّن ولا يلزم من كون بدن زيد مثلاً محشوراً أن يكون الجسم الذي منه صار مأكولاً لسبع أو إنسان آخر محشوراً بل كلّ ما يتعلّق به نفسه هو بعينه بدنه الذي كان فالإعتقاد بحشر الأبدان يوم القيامة هو أن تبعَثَ أبدانٌ من القبور إذا رأى أحد كلّ واحد منها يقول هذا فلان بعينه أو هذا بدن فلان، ولا يلزم من ذلك أن يكون غير مبدّل الوجود والهوية. كما لا يلزم أن يكون مشوّه الخَلق وأن يكون الأقطع والأعمى والهَرم محشوراً على ما كانوا عليه من نقصان الخلقة وتشويه البنية).

وأما الصورة الثانية من الإشكال : فقد عرفت أنها ترجع الى مسألة العدل الإلهي وأن كون بدن المؤمن جزءً من بدن الكافر يستلزم تعذيب المؤمن، ولكنه مبني على إعطاء الإصالة في الحياة للبدن، وهي نظرية خاطئة، فإن اللذائذ والآلام ترجع إلى الروح، والبدن وسيلة لتعذيبه وتنعيمه. فصيرورة بدن المسلم جزءً من بدن الكافر، لا يلازم تعذيب المؤمن، لأنّ المعذب بتعذيب البدن، هو روح الكافر ونفسه، لا روح المؤمن.
وهذا نظير أخذ كلية من إنسان حيّ ووصلها بإنسان يعاني من ضعفها وعلتها، فإذا نجحت عملية الوصل وصارت الكلية الموصولة جزء من بدن المريض، ثم عفذّب هذا المريض فالمعذب هو هو، ولو نعّم، فالمنعَّم هو هو، ولا صلة بينه وبين من وَهَب كليته وأهداها إليه.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال