الاسئلة و الأجوبة » الحريّة والديمقراطية » شرح مفهوم الحرية في الإسلام


قابض / البحرين
السؤال: شرح مفهوم الحرية في الإسلام
السلام عليكم
أولاً: هل لكم أن تشرحوا لنا مفهوم الحرية في الإسلام ؟
أو بمعنى آخر ما هو تعريف الحرية في الإسلام ؟
ثانياً: ما الفرق بينها وبين الحرية المطروحة حالياً في مجتمعاتنا والتي تعني عمل كل ما يحلو للنفس عمله؟
ثالثاً: عندما تكون حراً توجد عندك عدة خيارات وأنت حر في اختيار أحدها ، ولكن القول بأن الدين الإسلامي له في كل واقعة حكم يناقض ذلك حيث أنه يقدم خياراً واحداً فقط وعلى المسلمين اتباعه ، فأين الحرية ؟؟؟
رابعاً: أرجو الإجابة عن هذه الإشكالية الموجودة لدي وهي:
نظرياً: نسمع بأن الإسلام هو دين الحرية ، ولكن عملياً لا توجد حرية بل هناك أحكام والتزامات توصل الإنسان إلى السعادة والكمال كما هو معروف ..
أنا على يقين بأن الأحكام والالتزامات في مصلحة الإنسان ، ولكن لا تقولوا أن الالتزام بأحكام وقيود هي الحرية !
وشكراً لكم
الجواب:

الأخ قابض المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدة قرون ولعل السبب المبتدع لها هي النهضة المدنية الأوربية قبل بضعة قرون لكن معناها كان جائلا في الأذهان وأمنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة. والأصل الطبيعي التكويني الذي ينتشي منه هذا المعنى هو ما تجهز به الانسان في وجوده من الإرادة الباعثة إياه على العمل فإنها حالة نفسية في إبطالها إبطال الحس والشعور المنجر إلى إبطال الانسانية. غير أن الانسان لما كان موجودا اجتماعيا تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع وإلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات وفعله في الافعال المنجر إلى الخضوع لقانون يعدل الإرادات والأعمال بوضع حدود لها فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة والعمل هي بعينها تحدد الإرادة والعمل وتقيد ذلك الاطلاق الابتدائي والحرية الأولية. والقوانين المدنية الحاضرة لما وضعت بناء أحكامها على أساس التمتع المادي أنتج ذلك حرية الأمة في أمر المعارف الأصلية الدينية من حيث الالتزام بها وبلوازمها وفي أمر الأخلاق وفي ما وراء القوانين من كل ما يريده ويختاره الانسان من الإرادات والأعمال فهذا هو المراد بالحرية عندهم. وأما الاسلام فقد وضع قانونه على أساس التوحيد ثم في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة ثم تعرضت لكل يسير وخطير من الأعمال الفردية والاجتماعية كائنة ما كانت فلا شئ مما يتعلق بالانسان أو يتعلق به الانسان إلا وللشرع الاسلامي فيه قدم أو أثر قدم فلا مجال ولا مظهر للحرية بالمعنى المتقدم فيه. نعم للانسان فيه الحرية عن قيد عبودية غير الله سبحانه وهذا وإن كان لا يزيد على كلمة واحدة غير أنه وسيع المعنى عند من بحث بحث تعمق في السنة الاسلامية والسيرة العملية التي تندب إليها وتقرها بين أفراد المجتمع وطبقاته ثم قاس ذلك إلى ما يشاهد من سنن السؤدد والسيادة والتحكمات في المجتمعات المتمدنة بين طبقاتها وأفرادها أنفسها وبين كل امة قوية وضعيفة. وأما من حيث الاحكام فالتوسعة فيما أباحه الله من طيبات الرزق ومزايا الحياة المعتدلة من غير إفراط أو تفريط قال تعالى: (( مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزقِ )) (الأعراف:32) وقال تعالى: (( خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرضِ جَمِيعاً )) (البقرة:29) وقال تعالى: (( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ جَمِيعاً )) (الجاثية:13).

ومن عجيب الامر ما رامه بعض الباحثين والمفسرين وتكلف فيه من إثبات حرية العقيدة في الاسلام بقوله تعالى: (( لاَ إِكرَاهَ فِي الدِّينِ )) (البقرة:256) وما يشابهه من الآيات الكريمة. فان التوحيد أساس جميع النواميس الاسلامية ومع ذلك كيف يمكن أن يشرع حرية العقائد ؟ وهل ذلك إلا التناقض الصريح؟ فليس القول بحرية العقيدة إلا كالقول بالحرية عن حكومة القانون في القوانين المدنية بعينه. وبعبارة أخرى العقيدة بمعنى حصول إدراك تصديقي ينعقد في ذهن الانسان ليس عملا اختياريا للانسان حتى يتعلق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير وإنما الذي يقبل الحظر والإباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال كالدعوة إلى العقيدة وإقناع الناس بها وكتابتها ونشرها وإفساد ما عند الناس من العقيدة والعمل المخالفين لها فهذه هي التي تقبل المنع والجواز ومن المعلوم أنها إذا خالفت مواد قانون دائر في المجتمع أو الأصل الذي يتكي عليه القانون لم يكن مناص من منعها من قبل القانون ولم يتك الاسلام في تشريعه على غير دين التوحيد ( التوحيد والنبوة والمعاد ) وهو الذي يجتمع عليه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ( أهل الكتاب ) فليست الحرية إلا فيها وليست فيما عداها إلا هدما لأصل الدين نعم هيهنا حرية أخرى وهي الحرية من حيث إظهار العقيدة في مجرى البحث.
نحن حينما نطلق كلمة ( الحرية ), نقصد بها معناها العام وهو: نفي سيطرة الغير, فإن هذا المفهوم هو الذي نستطيع أن نجده في كل من الحضارتين (الإسلامية والرأسمالية), وان اختلف إطاره وقاعدته الفكرية في كل منهما ومنذ نبدأ بالمقارنة بين الحرية في الإسلام, والحرية في الديمقراطية الرأسمالية.. تبدو لدينا بوضوح الفروق الجوهرية بين الحرية التي عاشها المجتمع الرأسمالي ونادت بها الرأسمالية وبين الحرية التي حمل لواءها الإسلام وكفلها للمجتمع الذي صنعه وقدم فيه تجربته على مسرح التاريخ.
فكل من الحريتين تحمل طابع الحضارة التي تنتمي إليها, وتلتقي مع مفاهيمها عن الكون والحياة, وتعبر عن الحالة العقلية والنفسية التي خلقتها تلك الحضارة في التاريخ. فالحرية في الحضارة الرأسمالية: بدأت شكا مريرا طاغيا واستحال هذا الشك في امتداده الثوري إلى إيمان مذهبي بالحرية وعلى العكس من ذلك الحرية في الحضارة الإسلامية: فإنها تعبير عن يقين مركزي ثابت ( الإيمان بالله ) تستمد منه الحرية ثوريتها, وبقدر ارتكاز هذا اليقين وعمق مدلوله في حياة الإنسان, تتضاعف الطاقات الثورية في تلك الحرية. والحرية الرأسمالية ذات مدلول ايجابي, فهي تعتبر: أن كل إنسان هو الذي يملك بحق نفسه, ويستطيع أن يتصرف فيها كما يحلو له, دون أن يخضع في ذلك لأية سلطة خارجية. ولأجل ذلك كانت جميع المؤسسات الاجتماعية - ذات النفوذ في حياة الإنسان - تستمد حقها المشروع في السيطرة على كل فرد من الأفراد أنفسهم.

وأما الحرية في الإسلام فهي تحتفظ بالجانب الثوري من الحرية وتعمل لتحرير الإنسان من سيطرة الأصنام, كل الأصنام التي رزحت الإنسانية في قيودها عبر التاريخ, ولكنها تقيم عملية التحرير الكبرى هذه على أساس الإيمان بالعبودية المخلصة لله, وحده. فعبودية الإنسان لله في الإسلام - بدلا عن امتلاكه لنفسه في الرأسمالية - هي الأداة التي يحطم بها الإنسان كل سيطرة وكل عبودية أخرى لأن هذه العبودية في معناها الرفيع تشعره بأنه يقف وسائر القوى الأخرى التي يعايشها على صعيد واحد, أمام رب واحد فليس من حق أية قوة في الكون أن تتصرف في مصيره, وتتحكم في وجوده وحياته. والحرية في مفاهيم الحضارة الرأسمالية حق طبيعي للإنسان وللإنسان أن يتنازل عن حقه متى شاء, وليست كذلك في مفهومها الإسلامي, لأن الحرية في الإسلام ترتبط ارتباطا أساسيا بالعبودية لله, فلا يسمح الإسلام للإنسان أن يستذل ويستكين ويتنازل عن حريته ((لا تكن عبدا لغيرك وقد خلقك الله حرا)). فالإنسان مسؤول عن حريته في الإسلام وليست الحرية حالة من حالات انعدام المسؤولية. هذا هو الفرق بين الحريتين في ملامحها العامة وسنبدأ الآن بشئ من التوضيح:
الحرية في الحضارة الرأسمالية: نشأت الحرية في الحضارة الرأسمالية تحت ظلال الشك الجارف المرير, الذي سيطر على تيارات التفكير الأوروبي كافة نتيجة للثورات الفكرية التي تعاقبت في فجر تاريخ أوروبا الحديثة, وزلزلت دعائم العقلية الغربية كلها. فقد بدأت أصنام التفكير الأوروبي تتهاوى الواحد تلو الآخر بسبب الفتوحات الثورية في دنيا العلم, التي طلعت على الإنسان الغربي بمفاهيم جديدة عن الكون والحياة, ونظريات تناقض كل المناقضة بديهياته بالأمس, التي كانت تشكل حجر الزاوية في كيانه الفكري وحياته العقلية والدينية. وأخذ الإنسان الغربي عبر تلك الثورات الفكرية المتعاقبة ينظر إلى الكون بمنظار جديد, والى التراث الفكري الذي خلفته له الإنسانية منذ فجر التاريخ نظرات شك وارتياب. لأنه بدأ يحس أن عالم ( كوبر نيكوس ) الذي برهن على أن الأرض ليست إلا أحد توابع الشمس, يختلف كل الاختلاف عن العالم التقليدي الذي كان يحدثنا عنه ( بطليموس ), وأن الطبيعة التي بدأت تكشف عن اسرارها لجاليليو وأمثاله من العلماء, شئ جديد بالنسبة إلى الصورة التي ورثها عن القديسين والمفكرين السابقين أمثال القديس توماس الأكويني ودانتي وغيرهما. وهكذا ألقى فجأة وبيد مرعوبة كل بديهياته بالأمس, وأخذ يحاول الخلاص من الإطار الذي عاش فيه آلاف السنين. ولم يقف الشك في موجه الثوري الصاعد عند حد, بل اكتسح في ثورته كل القيم والمفاهيم التي تواضعت عليها الإنسانية وكانت تعتمد عليها في ضبط السلوك وتنظيم الصلات. فما دام الكون الجديد يناقض المفهوم القديم عن العالم, وما دام الإنسان ينظر إلى واقعه ومحيطه من زاوية العلم لا الأساطير فلا بد ان يعاد النظر من جديد في المفهوم الديني, الذي يحدد صلة الإنسان والكون بما وراء الغيب, وبالتالي في كل الأهداف والمثل التي عاشها الإنسان, قبل أن تتبلور نظرته الجديدة إلى نفسه وكونه. وعلى هذا الأساس واجه دين الإنسان الغربي محنة الشك الحديث, وهو لا يرتكز إلا على رصيد عاطفي, بدأ ينضب بسبب من طغيان الكنيسة وجبروتها.
فكان من الطبيعي أيضا أن تذوب في أعقاب هذه الهزيمة كل القواعد الخلقية, والقيم والمثل التي كانت تحدد من سلوك الإنسان, وتخفف من غلوائه. لأن الأخلاق مرتبطة بالدين في حياة الإنسانية كلها, فإذا فقدت رصيدها الديني الذي يمدها بالقيمة الحقيقية, ويربطها بعالم الغيب وعالم الجزاء أصبحت خواء وضريبة لا مبرر لها. والتاريخ يبرز هذه الحقيقة دائما, فقد كفر السفسطائيون الإغريق بالإلهية على أساس من الشك السفسطي, فرفضوا القيود الخلقية وتمردوا عليها, وأعاد الإنسان الغربي القصة من جديد, حين التهم الشك الحديث عقيدته الدينية, فثار على كل مقررات السلوك والاعتبارات الخلقية وأصبحت هذه المقررات والسلوك مرتبطة في نظره بمرحلة غابرة من تاريخ الإنسانية. وانطلق الإنسان الغربي كما يحلو له يتصرف وفقا لهواه, ويملأ رئتيه بالهواء الطلق الذي احتل الشك الحديث فيه موضع القيم والقواعد حين كانت تقيد الإنسان في سلوكه الداخلي وتصرفاته.
ومن هنا ولدت فكرة الحرية الفكرية والحرية الشخصية: فقد جاءت فكرة الحرية الفكرية نتيجة للشك الثوري والقلق العقلي, الذي عصف بكل المسلمات الفكرية, فلم تعد هناك حقائق عليا لا يباح انكارها ما دام الشك يمتد إلى كل المجالات. وجاءت فكرة الحرية الشخصية تعبيرا عن النتائج السلبية التي انتهى إليها الشك الحديث في معركته الفكرية مع الايمان والأخلاق, فقد كان طبيعيا للإنسان الذي انتصر على ايمانه وأخلاقه ان يؤمن بحريته الشخصية, ويرفض أية قوة تحدد سلوكه وتملك ارادته.
بهذا التسلسل انتقل الإنسان الحديث من الشك, إلى الحرية الفكرية, وبالتالي إلى الحرية الشخصية. وهنا جاء دور الحرية الاقتصادية, لتشكل حلقة جديدة من هذا التسلسل الحضاري: فان الإنسان الحديث بعد أن آمن بحريته الشخصية, وبدأ يضع أهدافه وقيمه على هذا الأساس وبعد ان كفر عمليا بالنظرة الدينية إلى الحياة والكون وصلتها الروحية بالخالق وما ينتظر الإنسان من ثواب وعقاب عادت الحياة في نظره فرصة للظفر بأكبر نصيب ممكن من اللذة والمتعة المادية, التي لا يمكن أن تحصل إلا عن طريق المال.
وهكذا عاد المال المفتاح السحري والهدف, الذي يعمل لأجله الإنسان الحديث, الذي يتمتع بالحرية الكاملة في سلوكه. وكان ضروريا لأجل ذلك أن توطد دعائم الحرية الاقتصادية, وتفتح كل المجالات بين يدي هذا الكائن الحر للعمل في سبيل هذا الهدف الجديد ( المال ) الذي أقامته الحضارة الغربية صنما جديدا للإنسانية: وأصبحت كل تضحية يقدمها الإنسان في هذا المضمار عملا شريفا وقربانا مقبولا, وطغى الدافع الاقتصادي كلما ابتعد ركب الحضارة الحديثة, عن المقولات الروحية والفكرية التي رفضها في بداية الطريق, واستفحلت شهوة المال فأصبح سيد الموقف, واختفت مفاهيم الخير والفضيلة والدين, حتى خيل للماركسية في أزمة من أزمات الحضارة الغربية: ان الدافع الاقتصادي هو المحرك الذي يوجه تاريخ الانسان في كل العصور.
ولم يكن من الممكن ان تنفصل فكرة الحرية الاقتصادية عن فكرة أخرى, وهي فكرة الحرية السياسية, لأن الشرط الضروري لممارسة النشاط الحر على المسرح الاقتصادي: إزاحة العقبات السياسية والتغلب على الصعاب التي تضعها السلطة الحاكمة أمامه وذلك بامتلاك أداة الحكم وتأميمها, ليطمئن الفرد إلى عدم وجود قوة تحول بينه وبين مكاسبه وأهدافه التي يسعى إليها. وبذلك اكتملت المعالم الرئيسية أو الحلقات الأساسية, التي الف الإنسان الغربي منها حضارته, وعمل مخلصا لإقامة حياته على أساسها, وتبنى دعوة العالم إليها.

وعلى هذا الضوء نتبين الحرية في هذه الحضارة بملامحها ها التي ألمعنا إليها في مستهل هذا الفصل, فهي ظاهرة حضارية بدأت شكا مرا قلقا, وانتهت, إلى إيمان مذهبي بالحرية. وهي تعبير عن: ايمان الإنسان الغربي بسيطرته على نفسه وامتلاكه لإرادته بعد أن رفض خضوعه لكل قوة. فلا تعني الحرية في الديمقراطية الرأسمالية: رفض سيطرة الآخرين فحسب, بل تعني أكثر من هذا سيطرة الإنسان على نفسه وانقطاع صلته عمليا بخالقه وآخرته.

وأما الإسلام فموقفه من الحرية يختلف بصورة أساسية عن موقف الحضارة الغربية فهو يعني بالحرية بمدلولها السلبي أو بالأحرى معطاها الثوري الذي يحرر الإنسان من سيطرة الآخرين ويكسر القيود والأغلال التي تكبل يديه.
ويعتبر تحقيق هذا المدلول السلبي للحرية هدفا من الأهداف الكبرى للرسالة السماوية بالذات (( وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَالأَغلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهِم )) ولكنه لا يربط بين هذا وبين مدلولها الايجابي في مفاهيم الحضارة الغربية, لأنه لا يعتبر حق الإنسان في التحرر من سيطرة الآخرين والوقوف معهم على صعيد واحد نتيجة لسيطرة الإنسان على نفسه, وحقه في تقرير سلوكه ومنهجه في الحياة - الأمر الذي نطلق عليه: المدلول الايجابي للحرية في مفهوم الحضارة الغربية - وانما يربط بين الحرية والتحرر من كل الأصنام والقيود المصطنعة, وبين العبودية المخلصة لله.
فالإنسان عبد الله قبل كل شئ, وهو بوصفه عبدا لله لا يمكن أن يقر سيطرة لسواه عليه, أو يخضع لعلاقة صنمية مهما كان لونها وشكلها, بل أنه يقف على صعيد العبودية المخلصة لله, مع المجموعة الكونية كلها على قدم المساواة. فالقاعدة الأساسية للحرية في الإسلام هي: التوحيد والايمان بالعبودية المخلصة لله, الذي تتحطم بين يديه كل القوى الوثنية التي هدرت كرامة الإنسان على مر التاريخ. (( قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَينَنَا وَبَينَكُم أَلاَّ نَعبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشرِكَ بِهِ شَيئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضاً أَربَاباً مِّن دُونِ اللّهِ )) (( أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ )) (( إِنَّ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمثَالُكُم )) (( أَأَربَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ )) وهكذا يقيم الإسلام التحرر من كل العبوديات على أساس الاقرار بالعبودية المخلصة لله تعالى, ويجعل من علاقة الإنسان بربه الأساس المتين الثابت لتحرره في علاقاته مع سائر الناس ومع كل أشياء الكون الطبيعية.

فالإسلام والحضارة الغربية, وان مارسا معا عملية تحرير الإنسان, ولكنهما يختلفان في القاعدة الفكرية التي يقوم عليها هذا التحرير. فالإسلام يقيمها على أساس العبودية لله والايمان به والحضارة الغربية تقيمها على أساس الايمان بالإنسان وحده وسيطرته على نفسه, بعد أن شكت في كل القيم والحقائق وراء الابعاد المادية لوجود الإنسان.
ولأجل ذلك كان مرد فكرة الحرية في الإسلام إلى عقيدة إيمانية موحدة بالله, ويقين ثابت بسيطرته على الكون. وكلما تأصل هذا اليقين في نفس المسلم, وتركزت نظرته التوحيدية إلى الله.. تسامت نفسه وتعمق احساسه بكرامته وحريته وتصلبت ارادته في وجه الطغيان والبغي واستعباد الآخرين: (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )). وعلى العكس من ذلك فكرة الحرية في الحضارة الغربية: فإنها كانت وليدة الشك لا اليقين, ونتيجة القلق والثورة لا اليقين والاستقرار.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال