×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أدوات الخط: تكبير افتراضي تصغير

التوفيق بين حديثي معرفة الله من خلال أهل البيت (عليهم السلام) وبالعكس


السؤال / محمد رضا / ايران
نحن نقول في الدعاء: (اللّهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك...) ويظهر من هذا الدعاء أنّ معرفة المعصوم (عليه السلام) تابع لمعرفة الله تعالى.
وفي زيارة (الجامعة الصغيرة) الواردة عن الإمام الرضا (عليه السلام) نقول: (من عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله)، يعني معرفة المعصوم (عليه السلام) شرط ومقدّمة لمعرفة الله تعالى.
فکيف يکون الجمع بين هاتين الجملتين المتناقضتين في الظاهر؟
الجواب
الأخ محمد رضا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ورد في كتاب (موسوعة العقائد الإسلامية) للشيخ الريشهري في التعليقة على هذه الأحاديث: ((إنّ هذه الأحاديث تعبّر عن التأثير المتبادل لمعرفة الله ومعرفة أهل البيت، فمن جهة؛ معرفة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته - كما جاء في الحديث أعلاه - فرع من معرفة الله، ذلك أنَّ النبوة لا تكتسب معناها إلّا بعد إثبات وجود الله، ومن جهة أُخرى؛ ما لم يدعوا الأنبياء الناس إلى معرفة الله، وما لم يهيئوا أرضية التفكّر في براهين التوحيد بين ظهراني الناس، لا يتوجّه أحد صوب معرفة الله عزّ وجلّ، حينئذٍ - كما بينا - لا يتسنى نيل الدرجات العليا من معرفة الله إلّا عن طريق تعليمات النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) وإرشاداتهم.
على هذا الأساس لا تعارض بين الطائفتين من الروايات المشار إليها، أي: في البداية يدعو الأنبياء وأوصياؤهم الناس إلى معرفة الله على أساس البرهان، وبعد أن عرفوا الله سبحانه تدعوهم عقولهم إلى اتّباع رسل الله والقادة الربانيين، ويمهّد أئمّة الدين الأرضية لتعالي الإنسان وبلوغ الدرجات العليا من مراتب معرفة الله))(1).

وقال السيّد حسين الهمداني الدرود آبادي في بيان ذلك: ((إنّ للإنسان بحسب ما له من الجوارح عوالم ودرجات من الإيمان، فلا يصل إلى حقيقة الإيمان إلّا بعد إيمان تمام جوارحه، ومعلوم أنّه لا يمكن لأحد معرفة الإيمان المتعلق بتمام جوارحه إلّا بتعريف غيره، وبيان تعلّق أيّ مرتبة من الإيمان بأيّ جارحة من الجوارح، ومعرفة ذلك لمّا لا يمكن إلّا بمعرفة تمام الأسماء ومعرفة صورها في مراتب نزولها إلى عالم الملكات وعالم الأفعال في صورة انفرادها أو تركّبها مع اسم آخر أو مع شأن من شؤون اسم آخر أو أسماء متعدّدة أو شؤون متعدّدة، فلا يمكن أخذ ذلك إلّا ممّن نصبه الله تعالى لذلك؛ لعدم إمكان معرفة ذلك الشخص إلّا لله تعالى أو من عرّفه الله تعالى ذلك، وليس هو بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلّا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده الطاهرين (عليهم السلام)، فهم أبواب الإيمان، لا يمكن إيمان الجوارح إلّا بتعلّم ما يتعلّق بكلّ منها من الإيمان منهم (عليهم السلام)، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) ))(2).

وأمّا المراد من معرفتهم (عليهم السلام) ؛ فهو معرفتهم بالنورانية، وأنّهم التجلّي الأعظم، ومظاهر أسمائه جلّ وعلا.
ففي حديث سلمان وأبا ذرّ جندب بن جنادة، أنّهما سألا أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى معرفته بالنورانية؟
فقال (عليه السلام) : ((إنّه لا يستكمل أحد الإيمان حتّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للإيمان، وشرح صدره للإسلام، وصار عارفاً مستبصراً، ومن قصّر عن معرفة ذلك فهو شاك ومرتاب.
يا سلمان ويا جندب!
قالا: لبيك يا أمير المؤمنين!
قال (عليه السلام) : معرفتي بالنورانية معرفة الله عزّ وجلّ، ومعرفة الله عزّ وجلّ معرفتي بالنورانية، وهو الدين الخالص الذي قال الله تعالى: (( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ )) (البينّة:5) ))(3).
وربّما قيل: إنّ (قد) في قولهم: ((من عرفهم فقد عرف الله...)) للتحقيق.
والمعنى: أنّ من عرفهم فقد عرف الله على الحقيقة، أي: إنّ معرفتهم تكشف عن معرفة حقّة لله سبحانه وتعالى، وأنّ الجهل بهم يكشف عن عدم معرفة حقّة بالله، فهو جاهل بالله في الواقع.

وبعد هذا نقول: سواء كان المراد هو المعنى الأوّل، أي: من طريقهم نصل إلى معرفة الله الحقّة؛ لأنّهم حجج الله وأولياؤه، وخزّان علمه، أو المعنى الثاني: من أنّ معرفتهم بالنورانية طريق لمعرفة الله، أو المعنى الثالث: من أنّ المعرفة بهم كاشفة عن المعرفة الحقّة بالله.
نقول: سواء كان هذا أو هذا أو ذاك، فإنّها بالتالي رتبة أو نوع أو سنخ من المعرفة غير تلك المعرفة التي في قوله: (اللّهم عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيّك...)، يعني: أنّ الحدّ الوسط بين القولين مختلف، فلا تناقض، لاختلال شرط من شروطه، فالمراد من هذه المعرفة غير المراد من تلك، إمّا لاختلاف الرتبة أو النوع أو السنخ.
ودمتم في رعاية الله
(1) موسوعة العقائد الإسلامية 3: 275 الباب (13) الفصل (6).
(2) الشموس الطالعة في شرح الزيارة الجامعة: 139 قوله (عليه السلام): وأبواب الإيمان...
(3) بحار الأنوار، للمجلسي 26: 1 الحديث (1) باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية.