الاسئلة و الأجوبة » أبو هريرة » طعن أبي حنيفة في أبي هريرة


رضا / ايران
السؤال: طعن أبي حنيفة في أبي هريرة
رأيت أنّ أحداً من أهل السُنّة کتب في أحد المواقع عن مناظرة الدكتور المستبصر عصام العماد وعثمان الخميس: (حول طعن أبي حنيفة في أبي هريرة): ((قوله - الدکتور العمادــ: إنّ الأحناف يطعنون في أبي هريرة.. ويردّون روايته... وهذا كذب بواح على أبي حنيفة... إنّما استشكلوا بعض الأحاديث المروية من طريق أبي هريرة، بسبب استدراكات السيّدة عائشة... ومراعاة لحال الكلام لم آتي بكلام ابن الهمام الحنفي وشمس الأئمّة السرخسي من الحنفية، الذين يعتبرون من أعمدة المذهب الحنفي... وهم أعلم بنصوص إمامهم من غيرهم... وقد أسهبوا في المدح والثناء على أبي هريرة، نقلاً وتقليداً لإمامهم)).
الجواب:

الأخ رضا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روى محمّد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - عن أبي حنيفة، أنّه قال: ((أُقلّد من كان من القضاة من الصحابة: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي، إلاّ ثلاثة نفر، وفي رواية: أُقلّد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأي إلاّ ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب.
فقيل له في ذلك؟! فقال: أمّا أنس، فاختلط في آخر عمره، وكان يفتي من عقله، وأنا لا أُقلّد عقله؛ وأمّا أبو هريرة، فكان يروي كلّ ما سمع من غير أن يتأمّل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ))(1).

وروى أبو يوسف - وهو صاحب أبي حنيفة وتلميذه أيضاً ــ: قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيء عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) يخالف قياسنا، ما تصنع به؟ فقال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي. فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال: ناهيك بهما. فقلت: وعليّ وعثمان؟ قال: كذلك.
فلمّا رآني أعدّ الصحابة، قال: والصحابة كلّهم عدول ما عدا رجالاً، ثمّ عدَّ منهم أبا هريرة، وأنس بن مالك(2).

وأيضاً نقل أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) عن الحنفية بأنّهم كانوا يتركون حديث أبي هريرة أحياناً إذا عارض قياسهم، كما فعلوا في حديث المُصَرّاة - وهي: البقرة، أو الشاة، أو الناقة، يجمع اللبن في ضرعها ويحبس أياماً لا تحلب فيها لإيهام المشتري أنّها غزيرة اللبن - وقالوا: أبو هريرة غير فقيه، وحديثه هذا مخالف للأقيسة بأسرها؛ فإنّ حلب اللبن من التعدّي، وضمان التعدّي يكون بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس واحداً منها..(3).

ومن المعلوم أيضاً عن رأي أبي حنيفة وأصحابه كافّة بطلان الصلاة بالكلام مطلقاً، ولو عن نسيان، أو جهل، أو ظنّ المصلّي بأنّه خرج من الصلاة، والفقه الحنفي صريح بهذا الرأي، وعليه سفيان الثوري في أصحّ الروايتين عنه، وهذا ممّا يدلّ على أن لا قيمة عندهم لحديث أبي هريرة، الذي حدّث بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) سها فسلّم في الرباعية عن ركعتين، ثمّ قام من مصلاّه ودخل حجرته، ثمّ رجع فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تقصر، ولم أنسَ. فقالوا: بلى، صلّيت بنا ركعتين. وبعد حوار كان بينه وبينهم أيقن ممّا يقولون، فبنى على الركعتين وأتمّ الصلاة، ثمّ سجد للسهو(4).

وبهذا أخذ حسبما نقلوا: ابن عبّاس، وعبد الله بن الزبير، وأخيه عروة، وعطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، فأفتوا بأنّ كلام الناسي للصلاة والذي يظنّ أنّه ليس فيها لا يبطلها، ولكن أبا حنيفة حيث لم يأبه بحديث أبي هريرة، فأفتى بالبطلان لحديث ابن مسعود وزيد بن الأرقم(5).

كذلك أفتوا بصحّة طواف مكشوف العورة على خلاف حديث أبو هريرة: (لا يطوف بالبيت عريان)؛ قال النووي في شرحه: ((ستر العورة شرط لصحّة الطواف عندنا، وعند مالك، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة: ليس بشرط. دليلنا: الحديث الذي ذكره المصنّف: (لا يطوف بالبيت عريان)، وهو في الصحيحين))(6).

وقال ابن حجر في (فتح الباري): (( (قوله: باب لا يطوف بالبيت عريان)، أورد فيه حديث أبي هريرة في ذلك، وفيه حجّة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة... والمخالف في ذلك الحنفية؛ قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط...))(7).

وأفتى أبو حنيفة ببطلان الفريضة بطلوع الشمس على خلاف حديث أبي هريرة في الصحيحين: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم، قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)(8).

وأفتى بعدم وجوب الفدية على من أفطر لعذر ولم يصم إلى رمضان الآخر، خلافاً لما روي عن أبي هريرة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): في رجل مرض في رمضان، ثم صحّ ولم يصم حتّى أدركه رمضان آخر، قال: (يصوم الذي أدركه، ويطعم عن الأوّل لكلّ يوم مدّاً من حنطة لكلّ مسكين)(9).

ومنع وقف المنقول، خلافاً لما روي عن أبي هريرة: أمر رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بالصدقة، فقيل منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعبّاس بن عبد المطلب، فقال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): (ما ينقم ابن جميل إلاّ أنّه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله...)(10).
وله مسائل غيرها خالف فيها ما رواه أبو هريرة.
وهكذا نجد بأنّنا لو تتبّعنا الموارد التي أعرض فيها أبو حنيفة وأصحابه عن حديث أبي هريرة، لوجدنا أنّها لا تحصى كثرة، وليس الاستشكال في بعض الأحاديث كما هو المدّعى.

وتكذيب ما صدر عن أبي حنيفة بحقّ أبو هريرة في العبارات التي نقلناها، كما فعل المعلمي في (الأنوار الكاشفة)(11) لا يجدي شيئاً، بعد أن نعرف أنّ أبا حنيفة قد أخذ رأيه هذا من إبراهيم النخعي التابعي المعروف، وقد قال في أبي هريرة: ((كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة))(12). وقال: ((كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون))(13). وقال: ((كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئاً))(14). وقال: ((لم يكونوا يأخذوا من حديث أبي هريرة إلاّ ما كان في صفة جنّة أو نار))(15).

فإبراهيم النخعي ومن أخبر عنهم لم يكونوا يأخذون بأحاديث أبي هريرة في أمر الدين، لعدم قبولهم له، وعدم سكونهم لروايته، فكلامه صريح بعدم الاعتماد على روايته! نعم يأخذون منه ما يتسامح فيه من صفة الجنّة والنار، وأبو حنيفة أخذ رأيه من إبراهيم النخعي، وردّ أحاديث أبي هريرة بما عرفت ممّا نقلناه لك.

وأمّا تكذيب هذه النقولات فحرفة العاجز بعد أن تأيّدت بالقرائن، وبما هو مشهور عن أبي حنيفة، وقبله إبراهيم النخعي.
نعم، حاول من جاء من فقهاء الحنفية بعد أبو حنيفة، ومحمّد بن الحسن، وأبو يوسف، تلطيف هذا الموقف من أبي حنيفة اتجاه أبي هريرة؛ دفعاً للشناعة عليهم من جمهور أصحاب نظرية عدالة الصحابة، فعلّلوا ردّ الحنفية لرواية أبي هريرة بأنّه في ما خالف القياس؛ لأنّه لم يكن مشهوراً بالفقه عنده.
ومن هنا قال السرخسي في حقّه: ((قلنا: ما وافق القياس من روايته فهو معمول به، وما خالف القياس، فإن تلقته الأُمّة بالقبول فهو معمول به، وإلاّ فالقياس الصحيح شرعاً مقدّم على روايته في ما ينسد باب الرأي فيه))(16).

ومن الواضح أنّ الأخذ بروايته لموافقتها القياس أو لقبول الأُمّة لها لا يكون من الاعتماد عليها؛ إذ الدليل عندئذ يكون للقياس وقبول الأُمّة، لا للرواية! وبالتالي فإنّ عدم العمل بروايته المخالفة للقياس تصريح بردّ روايته، وإلاّ لو كانوا  يقبلونه لعاملوا روايته معاملة رواية غيره من الصحابة الثقاة.
وهذا يوافق ما نقلناه عن أبي يوسف من قول أبو حنيفة: ((إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي... والصحابة كلّهم عدول ما عدا رجالاً، ثمّ عدَّ منهم أبا هريرة، وأنس بن مالك))، فما كان ردّ أبو حنيفة لروايته إلاّ لعدم عدالته عنده! ولا يفيد  بعد هذا ما حاوله السرخسي وغيره من تخريج لرأيه، فأيّ فائدة لحكمهم بعدالة أبو هريرة بعد أن ردّوا روايته؟!
ودمتم في رعاية الله

(1) مختصر المؤمل في الردّ إلى الأمر الأوّل، لأبي شامة 1: 62 - 63 (148، 149).
(2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 68 (56)، فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذمّ عليّ.
(3) انظر: فجر الإسلام: 220، الباب السادس، الفصل الثاني.
(4) انظر: صحيح البخاري 1: 175 باب: هل يأخذ الإمام إذا شكّ بقول الناس، صحيح مسلم 2: 86 باب السهو في الصلاة والسجود له.
(5) انظر: شرح مسلم، للنووي 5: 71، باب السهو في الصلاة والسجود له.
(6) المجموع 8: 19، باب صفة الحجّ، فرع ذكر فيه خلاف الأئمّة في اشتراط ستر العورة في الطواف.
(7) فتح الباري 3: 387 كتاب الحجّ، باب لا يطوف بالبيت عريان.
(8) صحيح البخاري 1: 144، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، صحيح مسلم 2: 102، 103، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، مسند أحمد 2: 254، 260، 282، 348، 462، 489، مسند أبي هريرة، سنن الدارمي 1: 278 باب من أدرك ركعة من صلاة فقد أدرك، سنن ابن ماجة 1: 229 الحديث (699)، باب وقت الصلاة في العذر والضرورة، سنن أبي داود 1: 102 الحديث (412)، باب في وقت صلاة العصر، سنن الترمذي 1: 120 الحديث (186)، باب ما جاء في من أدرك ركعة من العصر.. وغيرها.
(9) سنن الدارقطني 2: 176، 177 الحديث (2318، 2319، 2320، 2321، 2323).
(10) صحيح البخاري 2: 129، كتاب قول الله تعالى: (وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله)، صحيح مسلم 3: 68، كتاب الزكاة، باب تقديم الزكاة ومنعها.
(11) الأنوار الكاشفة: 174 - 176 ما يحكى عن أبي هريرة وأصحابه.
(12) العلل، لأحمد بن حنبل 1: 428 الحديث (946).
(13) الفصول في الأُصول، للجصّاص 3: 127، الباب الحادي والخمسون.
(14) تاريخ مدينة دمشق 67: 360 (8895) ترجمة أبي هريرة.
(15) تاريخ مدينة دمشق 67: 361 (8895) ترجمة أبي هريرة.
(16) أصول السرخسي 1: 341 فصل في أقسام الرواة.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال