الاسئلة و الأجوبة » القرآن وتفسيره » معنى قوله تعالى (إنّي متوفيك...)


علي / المانيا
السؤال: معنى قوله تعالى (إنّي متوفيك...)
سلام عليكم
ما ورد في ألذكر ألحكيم: (( إني متوفيك ... )) إلى آخر الآية بخصوص السيد المسيح (عليه السلام)
هل ألمقصود أنه عليه السلام ميت ?
الجواب:
الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك بحث لطيف للشيخ البلاغي في مقدمة تفسيره ألاء الرحمن بخصوص هذه الآية الشريفة ذكره كمثال على لزوم الإحاطة بمفردات العربية ومعانيها ـ وأكثرها تداولاً ـ قال (قدس سره): ومن شواهد ما ذكرناه (أي في لزوم الإحاطة باللغة العربية وعدم الاقتصار على المعنى اللغوي فقط) هو الاضطراب في معنى (التوفّي) وما استعمل في لفظه المتكرر في القرآن الكريم فاللغويون جعلوا الإماتة في معنى التوفي والكثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى سورة آل عمران: (( يَا عِيسى إ نّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ )) قالوا: أي مميتك. وقال بعض: مميتك حتف انفك: وقال بعض: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء، وكأنهم لم يمعنوا الالتفات إلى مادة التوفي واشتقاقه ومحاورات القرآن الكريم، والقدر الجامع بينها، والى استقامة التفسير لهذه الآية الكريمة، واعتقاد المسلمين بأنّ عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع في السماء كما صرح به القرآن. والى أن القرآن يذكر فيما مضى قبل نزوله أن المسيح قال لله:(( فَلمّا تَوفَيتَني )) ومن كل ذلك لم يفطنوا أن معنى التوفي والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقاته إنما هو الأخذ والاستيفاء، وهو يتحقق بالإماتة، وبالنوم، وبالأخذ من الأرض وعالم البشر إلى عالم السماء.
وان محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك كما في قوله تعالى في سورة الزمر: (( اللهُ يَتَوَفَّى الأَنُفسَ حِين مَوتِها وَالَّتي لَم تَمُت فِي مَنامِها فَيُمسِكُ الَّتي قَضَى عَلَيها المَوتَ وَيُرسِلُ الأُخرى إلى أجَل مُّسمّـىً )) ألا ترى انه لا يستقيم الكلام إذا قيل: الله يميت الأنفس حين موتها، وكيف يصحّ أن التي لم تمت يميتها في منامها.
وكما في قوله تعالى في سورة الإنعام الآية 60 : (( وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّيكُم بِاللّيل وَيَعلَمُ ما جَرَحتُم بِالنَّهارِ ثُـمَّ يَبعَثُكُم فِيهِ لِيُقضَى أجَلٌ مُّسمّىً ثُـمَّ إلَيهِ مَرجِعُكُم )) فان توفي الناس بالليل إ نّما يكون بأخذهم بالنوم، ثم يبعثهم الله باليقظة في النهار، ليقضوا بذلك آجالهم المسماة ثم إلى الله مرجعهم بالموت والمعاد.
وكما في قوله تعالى (سورة النساء:15) (( حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوتُ )) فإنه لا يستقيم الكلام إذا قيل يميتهنَّ الموت.
وحاصل الكلام: إن معنى التوفي في موارد استعماله في القرآن وغيره إنما هو أخذ الشيء وافياً، أي تاماً كما يقال: درهم واف. وهذا المعنى ذكره اللغويون للتوفي في معاجمهم، وقالوا: انّ توفاه واستوفاه بمعنى واحد، وأنشدوا له قول الشاعر:

إن بني الادرد ليسوا لأحد ***** ولا توفّاهم قريش في العدد

أي لا تتوفاهم، وتأخذهم تماماً. (قلت) لكنَّ بين الاستيفاء والتوفي فرقاً واضحاً من جهة أثر الاشتقاق، فإن الاستيفاء ((استفعال)) كالاستخراج يشير إلى طلب الآخذ واستدعائه ومعالجته، والتوفي يشير الى القدرة على الآخذ بدون حاجة إلى استدعاء وطلب ومعالجة، ولذا اختص القرآن الكريم بلفظ التوفي، وعدل عن الأخذ لعدم دلالته على التمام والوفاء، كالتوفي الدال على تمام القدرة على نحو المعنى في: (( إنا لله وإنا إليه راجعون )) ولك العبرة فيما قلناه بقوله تعالى: (( اللهُ يَتَوفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوتِها وَالَّتي لَم تَمُت فِي مَنامِها )) (الزمر:42). فإنك إن جعلت قوله تعالى: (( وَالَّتي لَم تَمُت )) معطوفاً على الأنفس، لم تقدر أن تقول إ نّ معنى يتوفى يميت، وإن قلت: إن التوفي في المنام إماتة مجازية، قلنا: كيف يكون معنى اللفظ الواحد معنيين: معنى حقيقياً، ومعنى مجازيا. ويتعلق باعتبار كلّ معنى بمفعول ويعطف احد المفعولين على الآخر مع اختلاف المعنى العامل به ؟ وهل يكون اللفظ الواحد مرآة لكلّ من المعنيين المستقلين؟ كلا لا يكون.
وإن جعلت قوله تعالى: (( وَالَّتي لَم تَمُت )) مفعولاً لكلمة (يَتوفّى) مقدرة يدل عليها قوله تعالى: (( يَتَوفَّى الأنفُسَ )). قلنا: إ نّ دلالة الموجود على المحذوف إ نّما هي بمعناه كما لا يخفي على من له معرفة بمحاورات الكلام في كلّ لغة، فكيف يجعل التوفي بمعنى الموت دليلاً على توف محذوف هو بمعنى آخر؟!
إذن فليس إلاّ أن التوفي بمعنى واحد، وهو الأخذ تماماً ووافياً، إمّا من عالم الحياة، وأمّا من عالم اليقظة، وإما من عالم الأرض والاختلاط بالبشر إلى العالم السماوي، كتوفي المسيح وأخذه.
ومن الغريب ما قاله بعض: من أن رفع المسيح إلى السماء غير مشتمل على أخذ الشيء تماماً انتهى.
وليت شعري ماذا بقي من المسيح في الأرض، وماذا تعاصى منه على قدرة الله في أخذه، فلا يكون رفعه مشتملاً على أخذ الشيء تاماً، هذا ولا يخفى أن القرآن ناطق بأن المسيح: (( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم )) (النساء:157). ورفعه الله إليه وان عقيدة المسلمين مستمرة كإجماعهم على انه لم يمت، بل رفع إلى السماء إلى أن ينزل في آخر الزمان. فلأجل ذلك إلتجأ بعض من يفسر التوفي بالإماتة إلى أن يفسر قوله تعالى: (( يَا عِيسى إنِّي مُتَوفِّيك )) (آل عمران:55). أي مميتك في وقتك بعد النزول من السماء.
ولكني لا أدري ماذا يصنع بحكاية القرآن لما سبق على نزوله في قوله أواخر سورة المائدة: (( وَإِذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَن أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلتُهُ فَقَد عَلِمتَهُ تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ * مَا قُلتُ لَهُم إلاّ مَا أَمَرتَنِي بِهِ أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيداً مَا دُمتُ فِيهِم فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِم وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ )) (المائدة:116-117).
فهل يسوغ أن تفسر هذه الآية بالوفاة بعد النزول، وهل يصح القياس في ذلك على قوله تعالى: (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ )) (ق:20). وهل يخفى أن مقتضى كلام المسيح في الآيتين هو أنه بعد أن توفاه الله وانقطعت تبليغاته في دعوة رسالته، وكونه شهيداً على أمته، تمحض الأمر ورجع إلى أن الله هو الرقيب عليهم. وان سوق الكلام واتساقه ليدلّ على اتصال الحالين. وإن الرقيب كيفما فسرته إنما يكون رقيباً في وجود تلك الأمة في الدنيا دار التكليف، لا الآخرة التي هي دار جزاء وانتقام.
ولا تصحّ الطفرة في المقام من أيام دعوة المسيح لأمته في رسالته، وكونه شهيداً عليهم، إلى ما بعد نزوله من السماء في آخر الزمان حيث يكون وزيراً في الدعوة الإسلامية لا صاحب دعوة.
ومن الواضح ان المراد في الآيتين من الناس الذين جرى الكلام في شأنهم إنما هم الذين كانوا امة المسيح وفي عصر رسالته، ونوبة دعوته وتبليغه. وأما صرف وجهة الكلام إلى الناس الذين هم في أيام نزوله من السماء، فما هو إلاّ مجازفة فيها ما فيها وتحريف للكلم..
وأما قوله تعالى: (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ )) (الكهف:99). فلم يكن إخباراً ابتدائياً، يكون وقوع الفعل الماضي فيه باعتبار حال المتكلم كما في الآيتين، بل جاء في سياق قوله تعالى: (( مَا يَنظُرُونَ إلاّ صَيحَةً وَاحِدةً تَـأخُذُهُم )) (يَس:49). والقيامة ومقدماتها: فهو في سياقه ناظر الى ذلك الحين، وسياق الكلام يجعله بدلالته في قوة قوله: ونفخ حينئذ في الصور، فهو على حقيقة الفعل الماضي وباعتبار ذلك الحين كما في قوله: (( وَجِيء يَومئِذ بِجَهَنَّم )) هذا وبعض المفسرين لقوله تعالى: (( يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ )) (آل عمران:55). قال: أي مميتك حتف انفك.
وأقول: إن أراد الإماتة بعد نزول المسيح من السماء، شارك ما سبق من التفسير، وورد الاعتراض عليه. وإن أراد اماتته قبل ذلك وقبل نزول القرآن خالف المعروف من عقيدة المسلمين وإجماعهم في أجيالهم.
ويرد عليه السؤال أيضاً بأنه: من أين جاء بالإماتة حتف أنفه، وماذا يصنع بما جاء في القرآن كثيراً مما ينافي اختصاص التوفي بالموت حتف الأنف ؟ بل المراد منه الأخذ بالموت وان كان بالقتل، كقوله في سورة الحج: 5 ، والمؤمن:69، في أطوار خلق الإنسان من التراب والنطفة إلى الهرم: (( وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ )) (النحل:70). لتكونوا شيوخاً (( وَمِنكُم مَن يُتَوَفَّى مِن قَبلُ )) (غافر:67). وفي سورة البقرة: (( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجاً )) (البقرة:234). ويونس: (( وَلكِن أعبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّيكُم )) (يوسف:104)، والنحل:70، (( وَاللهُ خَلَقَكُم ثُـمَّ يَتَوَفّاكُم وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إلى أرذَلِ العُمُرِ ))، والسجدة: 11: (( قُل يَتَوفَّاكُم مَلَكُ المُوتِ )) ، والأعراف: 37: (( حَتَّى إذَا جَاءَتهُم رُسُلُنا يَتَوَفَّونَهُم )) ، والنحل: 28: (( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ )) ، والأنعام: 61: (( تَوَفَّتهُ رُسُلُنا )) ، ومحمد:27: (صلى الله عليه وآله وسلم) (( فَكَيف إذا تَوفتهُم المَلائِكة ))، والأنفال: 50: (( وَلَو تَرَى إذ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ ))، والزمر: 42: (( اللهُ يَتَوَفّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِها وَالَّتي لَم تَمُت فِي مَنامِها )).
وإنك لا تكاد تجد في القرآن المجيد لفظ التوفي مستعملاً فيما يراد منه الإماتة حتف الأنف، إذن فمن أين جيء بذلك في قوله تعالى: (( إنِّي مُتَوفِّيك )) نعم ابتلي لفظ التوفي ومشتقاته بالأخذ بمعناه يمنةً ويسرة، حتى أن العامة حسبوها مرادفة للموت، حتى انهم يقولون في الذي مات توفى بفتح التاء والواو والفاء بالبناء للفاعل. ويقولون في الميت متوفى بكسر الفاء وصيغة اسم الفاعل، بل يحكي أن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) كان يمشي خلف جنازة، في الكوفة فسمع رجلاً يسأل عن الميت ويقول من المتوفي بكسر الفاء.
وأما ما نسب إلى ابن عباس من ان معنى قوله تعالى: (( يَا عيسى إنِّي مُتَوفِّيك )) إني مميتك فما أراه إلاّ كما نسب إلى ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق، كما ذكر في الفصل الثاني من النوع السادس والثلاثين من إتقان السيوطي، من أن نافعاً سأله عن قول الله: (( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصبَةِ أُولِي القُوَّةِ )) (القصص:76). أي بما يرجع إلى معنى: تبهظهم وتثقل عليهم، كما قال عمرو بن كلثوم في معلقته:

متنى لدنة سمقت وطالت ***** روادفها تنوء بما ولينا


وكما انشده اللغويون:

(إلاّ عصا ارزن طالت برايتها ***** تنوء ضربتها بالكف والعضد)

فذكر ان ابن عباس قال له في الجواب لتثقل أما سمعت قول الشاعر:

تمشي فتثقلها عجيزتها ***** مشي الضعيف ينوء بالوسق

أي ينهض بالوسق بتكلف وجهد، على عكس المعنى المذكور في القرآن.
أفهل ترى ابن عباس يفسر (تنوء) التي في الآية بغير معناها، كما ثار من هذا الاستشهاد المنسوب اليه اعتراض النصارى بأن القرآن جاء بلفظة ((لتنوء)) في غير محلها.
وهل ترى ابن عباس لا يعرف ان معنى ينوء بالوسق ليس يثقل بل ينهض به بتكلف.
وهل ترى ابن عباس لا يدري ببيت المعلقة ليستشهد به استشهاداً صحيحاً مطابقاً منتظماً. كيف وان المعلقات كانت للشعر في ذلك العصر كبيت القصيد، ولكن: ((حنَّ قدح ليس منها)) وقد خرجنا عما نؤثره من الاختصار، ولكنا ما خرجنا عن المقصود الأصلي من الكلام في تفسير القرآن الكريم، بل سارعنا إلى شيء من الخير والله المسدد الموفق.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال