الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » معنى لفظة: (فلتة) في قولة عمر المشهورة


خادم أهل البيت / السعودية
السؤال: معنى لفظة: (فلتة) في قولة عمر المشهورة
قال عمر في الحديث المعروف: ((كانت بيعة أبي بكر فلتة)).
ما هو المقصود بالفلتة؟
الجواب:

الأخ خادم أهل البيت المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكر ابن الأثير في (النهاية) أنّ الفلتة هي الفجأة، وقال: ((ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى! والفلتة: كلّ شيء فُعِل من غير روية، وإنّما بودر بها خوف انتشار الأمر)).
ثمّ قال: ((وقيل: أراد بالفلتة: الخلسة، أي: أنّ الإمامة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها الأنفس، ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلّدها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي واختلاساً))(1).

فبيعة أبي بكر إمّا أن نقول: أنّها حصلت فجأة من دون تروي، وإنّما استبق إليها أبو بكر استباقاً، أو نقول: أنّ البيعة حصلت خلسة بين جماعة اجتمعت في السقيفة!
فأيّة فضيلة تكون لبيعة تحصل خلسة، أو تسرق من أصحابها سرقةً؟!! ولو لم تكن بمثل هذا السوء لما قال عمر: ((الله وقى شرّها))، ونهى عن العودة لمثلها(2).

ومن معاني (الفلتة) هو: الزلّة(3)، فبيعة أبي بكر وقت عمر وقت قوله ذاك، كانت زلّة، والذي يرجّح هذا المعنى هو وصفها بالشرّ من قبل عمر.
ويعرف مدى قبح تلك البيعة حتّى عند عمر من قوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))(4).
ودمتم في رعاية الله

(1) النهاية في غريب الحديث 3: 467 حرف الفاء، باب الفاء مع اللام.
(2) انظر: مسند أحمد 1: 55 حديث السقيفة، صحيح البخاري 8: 25 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(3) دلائل النبوّة، للبيهقي 1: 297 حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله، غريب الحديث، لابن قتيبة 1: 215 حديث ابن أبي هالة التميمي، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير 5: 16 باب النون مع التاء، مجمع البحرين 2: 213 كتاب التاء، باب ما أوّله الفاء.
(4) تاريخ اليعقوبي 2: 158 أيام عمر بن الخطّاب، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني: 495 باب الكلام في إمامة عمر، والشافي في الإمامة 2: 114 الوجوه الدالة على فساد النص على أبي بكر، المغني، للقاضي عبد الجبّار 20: 339 ذكر مطاعنهم في أبي بكر وبيان الجواب عنها، الملل والنحل، للشهرستاني 1: 24 المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، شرح المقاصد في علم الكلام 2: 293 الفصل الرابع في الإمامة، المبحث الخامس، الصواعق المحرقة: 36 الباب الأوّل، الفصل الخامس، شرح المواقف، للجرجاني 8: 358 المرصد الرابع في الإمامة، نهاية الأقدام في علم الكلام، للشهرستاني: 269 القول في الإمامة، تذكرة الخواص، لابن الجوزي 1: 354 الباب الثالث في ذكر خلافته.

محمود الاحمد / سوريا
تعليق على الجواب (1)
لماذا لم تتمّوا حديث عمر(رضي الله عنه) عن أبي بكر(رضي الله عنه): ((...لأنّه ليس فيكم من تشرئب له الأعناق مثل أبي بكر))؟! ولأنّ هذا هو ديدنكم تكذبون وتدلّسون.
الجواب:

الأخ محمود المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ ما تحاوله من تأويل للمعنى الظاهر في قولة عمر المشهورة: ((كانت بيعة أبي بكر فلتة))، اعتذاراً له، نظراً إلى ما نسب إليه من قوله بعدها في الرواية: ((وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر))(1)، قد حاوله قبلك ابن تيمية الحرّاني إتّباعاً لمن سبقه - وستأتي إيراد أقوالهم قريباً - .
قال: ((قال الرافضي: وقال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، ولو كانت إمامته صحيحة لم يستحقّ فاعلها القتل، فيلزم تطرّق الطّعن إلى عمر. وإن كانت باطلة لزم الطعن عليهما معاً.

والجواب: إنّ لفظ الحديث سيأتي، قال فيه: ((فلا يغترّن امرؤ أن يقول: (إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمّت. ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن وقى اللّه شرّها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، ومعناه: إنّ بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريّث ولا انتظار; لكونه كان متعيّناً لهذا الأمر. كما قال عمر: (ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) ))(2).

وقال في موضع آخر: ((ومعنى ذلك أنّها وقعت فجأة لم تكن قد استعددنا لها ولا تهيّأنا; لأنّ أبا بكر كان متعيّناً لذلك، فلم يكن يحتاج في ذلك إلى أن يجتمع لها النّاس; إذ كلّهم يعلمون أنّه أحقّ بها، وليس بعد أبي بكر من يجتمع الناس على تفضيله واستحقاقه كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكر، فمن أراد أن ينفرد ببيعة رجلٍ دون ملأٍ من المسلمين فاقتلوه. وهو لم يسأل وقاية شرّها، بل أخبر أنّ الله وقى شرّ الفتنة بالاجتماع))(3).
لكن هذا لا يخرج عن كونه تأويلاً وتحميلاً على النصّ لا يغني عن ظاهر المعنى المفهوم من قولة عمر ((فلتة))، والمتّسق مع الذوق العربي.

فوجود العبارة المدّعاة بعد قوله: ((فلتة)) لا يغيّر من المعنى المراد شيئاً، إذ بيعة أبي بكر تبقى في رأي عمر فلتة وإن اعتذر منها، وهذا غاية الذمّ والقدح، خاصّة بعد قوله: ((الله وقى شرّها))، فنسبها إلى الشرّ إذ الضمير يعود إليها، بل أكّد ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، وهو مناقض لما يرومه ابن تيمية والذين من قبله من معنى! إذ حسب تأويلهم لا بدّ وأن يقول: الله وقى بها الشرّ، لا ((الله وقى شرّها))، وقول عمر بعدها إن صحّ - سيأتي - فهو اعتذار عن الفلتة لا تصحيح للفلتة كما يتعسّف به أهل السُنّة.

وإذا أردنا التفصيل فيما سبرنا من أعذار وتأويلات القوم، فنقول:
إنّ أوّل من وصف بيعة سقيفة بـ(الفلتة) هو أبو بكر بن أبي قحافة صاحب البيعة نفسه، فقد خطب بعد بيعته مباشرة متعذّراً، بما رواه البلاذري في (أنساب الأشراف)، قال: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن محمّد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري، قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كلّه علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً قدّام الساعة. فمن أطاعه رشد، ومن عصاه هلك. ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم. ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك إنّى خشيت فتنة...))(4).

ورواه ابن أبي الحديد عن الجوهري، قال: ((قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير، فدخلا بيت فاطمة(عليها السلام) معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، منهم: أُسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وهما من بني عبد الأشهل، فصاحت فاطمة(عليها السلام)، وناشدتهم الله. فأخذوا سيفي عليّ والزبير، فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم، وقال: إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها، وخشيت الفتنة...))(5)؛ وفي الخبر ما يعلم كذبه من قول أبو الأسود أنّ عليّاً والزبير بايعا وقبلا عذره، وقالا: ((ما غضبنا إلاّ في المشورة، وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها...))(6) الخ، فإنّ عليّاً(عليه السلام) بايع بعد ستّة أشهر كما في الصحيح عندهم، أو لم يبايع مختاراً كما هو الثابت عندنا.

واعتذار أبي بكر يتناسب وكون معنى (الفلتة) الزلّة أو الخلسة، وحتّى لو كان معناها الفجأة والبغتة، فإنّه لا يخرجها عن وجود ما يلام فيها ويذمّ حتّى يحتاج أبي بكر للاعتذار منها، فالاعتذار لا يكون إلاّ عن جريرة وخطأ.
وأنت ترى في رواية أبي الأسود بدايات محاولات التأويل؛ بأنّ البيعة جرت من غير مشورة حتّى اعترف أبو بكر بأنّها فلتة، أي: أنّها صارت فلتة لأنّها جرت من غير مشورة.
وهذا التأويل أقرب من عذر أبي بكر بأنّه خاف الفتنة، لأنّ الفتنة وقعت فيها! إذ خالف الأنصار وردّها سعد بن عبادة ومن معه، وعليّ (عليه السلام)، وبني هاشم ومن معهم.
وإلى هنا لا تجد شيئاً من محاولات جعل (الفلتة) حسنة، وأنّ أبا بكر هو المتعين لها، وإنّما الاعتراف بكونها فلتة لأنّها جرت من غير مشورة والاعتذار عنها بخوف الفتنة، أو الاعتراف بأنّها خطأ يوجب الاعتذار منه.
ولكن هذا لا يرضي الملكيين المتأوّلين، فرغم اعتراف أبو بكر بأنّ بيعته كانت فلتة، نجد الضحّاك بن خليفة حسب نقل سيف بن عمر الكذّاب يدّعي أنّ خلاف الأنصار في سقيفة بني ساعدة كان هو الفلتة، لا أنّ البيعة الفلتة كانت لأجل خوف الفتنة.

روى ذلك الطبري، قال: ((حدّثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن سهل وأبي عثمان، عن الضحّاك بن خليفة، قال: لمّا قام الحبّاب بن المنذر انتضى سيفه، وقال: أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه، ثم وثب على سعد، ووثبوا على سعد، وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتله الله إنّه منافق، واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه))(7).
والكذب في هذه الرواية من جهات، أوضحه ما ذكره من مبايعة سعد، فإنّ سعد لم يبايع حتّى قتل في الشام، ونحن لا نعرف من الكاذب فيها، هل هو سيف أو الضحّاك؟!

ثمّ بعد ذلك نجد آخرين يخوضون ويدورون في تأويلاتهم، يقرّبون البعيد ويبعّدون القريب، عند ذكرهم لاعتراف عمر بعد أبي بكر بأنّ بيعته كانت فلتة، من أجل قلبها إلى فضيلة.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) في (غريب الحديث): ((قوله: افتلتت نفسها، يعني: ماتت فجأة لم تمرض فتوصي ولكنّها أخذت فلتة، وكذلك كلّ أمر فعل على غير تمكّث وتلبّث فقد افتلت، والاسم منه الفلتة. ومنه قول عمر في بيعة أبي بكر: إنّها كانت فلتة، فوقى الله شرّها. إنّما معناه: البغتة، وإنّما عوجل بها مبادرة لانتشار الأمر والشقاق، حتّى لا يطمع فيها من ليس لها بموضع، وكانت تلك الفلتة هي التي وقى الله بها الشرّ المخوف))(8).
فتحوّلت عنده من كونها مورد للذمّ إلى مورد للمدح بعد أن وقى الله بهذه البيعة الفلتة الشرّ المخوف، وكأنّ عمر لم يكن يعرف العربية عندما نسب الشرّ لنفس البيعة، وقال: ((وقى الله شرّها)) بدل أن يقول: ((وقى الله بها الشرّ)).
وقال أبو عبيد أيضاً: ((في حديث عمر أنّه خطب الناس، فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها.
وعن ابن عوف، قال: خطبنا عمر، فذكر ذلك وزاد: أنّه لا بيعة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجل بايع من غير مشورة فلا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا.
قال شعبة: فقلت لسعد: ما تغرّة أن يقتلا، قال: عقوبتهما أن لا يؤمّر واحد منهما.
قال أبو عبيد: وهذا مذهب ذهب إليه سعد تحقيقاً لقول عمر: لا يؤمّر واحد منهما، وهو مذهب حسن، ولكن التغرّة في الكلام ليست بالعقوبة، وإنّما التغرّة: التغرير، يقال: غررت بالقوم تغريراً وتغرّة...
إلى أن قال: وإنّما أراد عمر: أنّ في بيعتهما تغريراً بأنفسهما للقتل، وتعرّضاً لذلك، فنهاهما عنه لهذا، وأمر أن لا يؤمّر واحد منهما لئلاّ يطمع في ذلك فيفعل هذا الفعل.

وأمّا قوله: فلتة، فإنّ معنى الفلتة: الفجأة، وإنّما كانت كذلك لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وسلّم) من المهاجرين وعامّة الأنصار إلاّ تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثمّ أصفقوا له كلّهم لمعرفتهم أن ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في الفضل، ولم يكن يحتاج في أمره إلى نظر ولا مشاورة، فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرّها، ولو علموا أنّ في أمر أبي بكر شبهة وأنّ بين الخاصّة والعامّة فيه اختلافاً ما استجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة، ولو استجازوه ما أجازه الآخرون إلاّ لمعرفة منهم به متقدّمة، وهذا تأويل قوله: كانت فلتة وقى الله شرّها))(9).

فانظر إليه كيف يناقض آخر كلامه أوّله، فأيّ فجأة في بيعة اجتمع عليها أكابر أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله) من المهاجرين وعامّة الأنصار؟! وهل يصحّ أن يقال على مثل هذه البيعة - التي لم تقع على الصفة التي ذكرها إلاّ في خياله، وصحيح النصوص كما في حديث عمر في البخاري يكذّبها - بـ(الفلتة).

ولكن عمر لمّا كان يعرف ما وقع من خلاف الأنصار وعدم بيعة سعد ومن معه، وعليّ(عليه السلام) وبني هاشم ومن معهم، كما ذكر ذلك في كلامه، وأنّه لم تكن مشاورة كما عرّض لذلك فيه حقّ له أن يصفها بالفلتة.
وإنّك تجد في كلام أبي عبيد محاولة التعليل والاعتذار بادّعاء انفراد أبي بكر في الفضل، بحيث لا يقارنه أحد، ولذا أخضع له المهاجرين والأنصار، فتمسك بهذا من جاء بعده في تأويل الفلتة.
ولكنّي أعجب كيف يوقع التأويل صاحبه في التناقض! حيث قال: ((فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرّها))، فكأنّه يقول: أنّ الفلتة الشرّ وقت بنفسها شرّ نفسها، أو أنّ الله وقى المسلمين شرّ الفلتة بنفس شرّ الفلتة!! فيا لله والتأويل! ولكن الحمد لله أنّه اعترف في آخر كلامه بأنّه تأويل!!
وردّ عليه الخطّابي (ت388هـ) بقوله: ((قد تكون الفلتة بمعنى الفجاءة، وليست بالذي أراد عمر ولا لها موضع في هذا الحديث، ولا لمعناها قرار هاهنا، وحاش لتلك البيعة أن تكون فجاءة لا مشورة فيها، ولست أعلم شيئاً أبلغ في الطعن عليها من هذا التأويل.
وكيف يسوغ ذلك وعمر نفسه يقول في هذه القصّة لا بيعة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجل بايع عن غير مشورة فلا يؤمر واحد منهما تغرّة أن يقتلا.

وقد روينا عنه من غير هذا الوجه أنّه قال: ((من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فاقتلوه))، أخبرنا محمّد بن هاشم، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ليث، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد، عن عمر.
وثبت عنه أنّه جعل الأمر بعد وفاته شورى بين النفر الستّة، فكيف يجوز عليه مع هذا أن تكون بيعته لأبي بكر ودعوته إليها إلاّ عن مشورة، وتقدمة نظر، هذا ممّا لا يشكل فساده وممّا يبيّن ذلك أنّ الأخبار المروية في هذه القصّة كلّها دالّة على أنّها لم تكن فجاءة، وأنّ المهاجرين والأنصار تآمروا لها وتراجعوا الرأي بينهم فيها.

أخبرنا ابن الأعرابي، أخبرنا ابن أبي خيثمة، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: لمّا قبض رسول الله قالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير، فأتى عمر، وقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنّ رسول الله أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيّكم تطيب نفسه أن يتقدّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر.

وممّا يؤكّد ذلك ويزيده وضوحاً حديث سالم بن عبيد: حدّثناه جعفر الخلدي، أخبرنا أحمد بن علي بن شعيب النسائي، أخبرنا قتيبة، وحدّثناه أصحابنا، عن إسحاق، أخبرنا قتيبة، أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط، عن سالم بن عبيد، وذكر قصّة موت رسول الله، قال: ثم خرج أبو بكر واجتمع المهاجرون فجعلوا يتشاورون بينهم، قال: ثم قالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار، فقالت الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير. فقال عمر: سيفان في غمد إذاً لا يصطلحان. قال: ثم أخذ بيد أبي بكر فقال له: من له هذه الثلاث (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، من صاحبه إذ هما في الغار من هما مع من قال، ثم بايعه فبايعه الناس أحسن بيعة وأجملها.
فتأمّل قوله: ((فجعلوا يتشاورون بينهم))، فإنّه قد صرّح بأنّها لم تكن فجاءة، وأنّ القوم لم يعطوا الصفقة إلاّ بعد التشاور والتناظر واتّفاق الملأ منهم على التقديم لحقّه، والرضا بإمامته، والأخبار في هذا الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية.

قال أبو سليمان: وكلام أبي عبيد في الفصل الأوّل إذا تأمّلته تبيّنت منه نفس هذا المعنى، وعلمت أنّه إنّما منع في الجملة ما أعطاه في التفصيل، وذلك أنّه قال: إنّما كانت بيعته فجاءة لأنّه لم ينتظر بها العوام، وإنّما ابتدرها أكابر أصحاب رسول الله من المهاجرين وعامّة الأنصار، إلاّ تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثمّ أصفقوا له كلّهم لمعرفتهم أن ليس لأبي بكر منازع ولا شريك في الفضل، فتأمّل كيف يقضي آخر كلامه على أوّله! وهل يشكل أنّ مثل الذي وصفه لا يكون فجاءة.
قال: ومعنى الحديث صحيح من حيث لا متعلّق عليه لطاعن))(10).

فانظر إلى هذا الرجل حينما يردّ على صاحبه يعترف بأنّ حمل معنى الفلتة على الفجأة فيه قبح وشناعة، وأنّه لا يوجد أبلغ منه في الطعن، ثمّ بدأ ينكر الحقائق فيما وقع في سقيفة بني ساعدة، ويدّعي أنّ المهاجرين والأنصار تآمروا وتشاوروا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر، ويستدلّ على ذلك بأخبار مقطوعة الكذب. فليت شعري أين ذهب قول الحبّاب: ((أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب))؟!
وأين ذهب قول عمر بعد أن وطئوا سعد ((قتله الله))؟!
وأين ذهب الهجوم على دار عليّ(عليه السلام)، والتهديد بحرقه على من فيه؟!
بل يدّعي أنّ كلّ الأخبار تدلّ على أنّها لم تكن فجاءة، وإنّما عن مشاورة! مع أنّ حديث عمر - الذي رواه البخاري ويحاول الخطّابي هنا تأويل عبارة منه - ينقض كلامه؛ فراجع!
ولا أعرف كيف يمكن الاستدلال برواية تجعل أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كلّ المهاجرين؟! ومن اجتمع في السقيفة كلّ الأنصار؟!

فانظر إلى ما في رواية سالم بن عبيد قوله: ((ثمّ خرج أبو بكر واجتمع المهاجرين فجعلوا يتشاورون بينهم...)) الخ، فإنّما هو عمر نادى أبا بكر فخرج، فأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة، فذهبا إليها يتعاديان وأخذا معهما أبو عبيدة، فهل تواطُؤ هؤلاء الثلاثة في غفلة عن المسلمين المشغولين بالنبيّ(صلّى الله عليه وآله) هو المشاورة، أو أنّ ما حدث في سقيفة لم يكن فيها، وإنّما وقع في المسجد بحضور جميع المسلمين.
وإن أبيت فانظر إلى ما نقله ابن حبّان (ت354هـ) عن أبي حاتم، قال: ((قال أبو حاتم: قول عمر: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ولكن الله وقى شرّها. يريد: أنّ بيعة أبي بكر كان ابتداؤها من غير ملأ، والشيء الذي يكون عن غير ملأ يقال له: الفلتة، وقد يتوقّع فيما لا يجتمع عليه الملأ الشرّ، فقال: وقى الله شرّها يريد الشرّ المتوقّع في الفلتات، لا أنّ بيعة أبي بكر كان فيها شرّ))(11).
وتمسّك بكلامه التفتازاني (ت793هـ) في (شرح المقاصد)، فقال: ((إنّ المعنى كانت فجأة وبغتة، وقى الله شرّ الخلاف الذي يكاد يظهر عندها، فمن عاد إلى مثل تلك المخالفة الموجبة لتبديد الكلمة فاقتلوه))(12).

فنحن نقبل اعترافهم بأنّها لم تكن عن ملأ ففلتوا بها، فلم تكن مشورة ولا تبادل رأي! ولكن لا نرضى محاولة ابن حبّان تقليل وقوع الشرّ فيها بقوله: ((وقد يتوقّع...))، وأنّ الله وقى عن هذا الشرّ لا أنّ بيعة أبي بكر كان فيها شرّ، لأنّ عمر صرّح بأنّ الشرّ فيها - أي: في البيعة الفلتة - وقال: ((وقى الله شرّها))، وأكّد ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، فلا وزن ولا اعتبار للتأويل مقابل ظاهر كلامه، وهذه الفلتة ليست ككلّ الفلتات، فهي فلتة في إمارة المسلمين وخلافة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فإذا وقعت لا عن مشورة ومن غير ملأ كان الشرّ فيها واقعاً لا محالة، وادّعاء عمر بأنّ الله وقى شرّها، يردّه ما وقع من الشرّ بسببها من أوّل يومها إلى يوم المسلمين هذا.

ثمّ التجأ الخطّابي إلى تأويل جديد هو أشنع عليه من سابقه، قال: ((الفلتة عند العرب: آخر ليلة من الأشهر الحرم، أخبرني أبو عمر، أنبأنا ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: الفلتة الليلة التي يشكّ فيها كما يشكّ في اليوم، فيقول قوم: هي من شعبان، ويقول قوم: بل هي من رجب. وبيان هذه الجملة: أنّ العرب كانوا يعظّمون الأشهر الحرم ويتحاجزون فيها فلا يتقاتلون، يرى الرجل منهم قاتل أبيه فلا يمسّه بسوء ولا ينداه بمكروه، ولذلك كانوا يسمّون رجباً شهر الله الأصمّ، وذلك لأنّ الحرب تضع أوزارها فلا تسمع قعقعة سلاح ولا صوت قتال، ويسمّونه كذلك منصل الأسنّة، لأنّ الأسنّة كانت تنزع من الرماح، فلا يزال هذا دأبهم ما بقي من أشهر الحرم شيء إلى أن تكون آخر ليلة منها، فربّما يشكّ قوم فيقولون: هي من الحلّ، وبعضهم يقول: بل هي من الحرم، فيبادر الموتور الحنق في تلك الليلة فينتهز الفرصة في إدراك ثأره غير متلوّم أن تنصرم عن يقين علم، فيكثر الفساد في تلك الليلة، وتسفك الدماء، وتشن الغارات...
- إلى أن قال -: فشبّه عمر أيام حياة رسول الله وما كان الناس عليه في عهده من اجتماع الكلمة وشمول الأُلفة ووقوع الأمنة بالشهر الحرام الذي لا قتال فيه ولا نزاع، وكان موته شبيه القصّة بالفلتة التي هي خروج من الحرم، لما نجم عند ذلك من الخلاف وظهر من الفساد، ولما كان من أمر أهل الردّة، ومنع العرب الزكاة، وتخلّف من تخلّف من الأنصار عن الطاعة جرياً منهم على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلاّ رجل منهم، فوقى الله شرّها بتلك البيعة المباركة التي كانت جماعاً للخير ونظاماً للأُلفة وسبباً للطاعة.

وقد روينا نصّ هذا المعنى عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخبرني الحسن بن عبد الرحيم، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لي أبو عبيدة السري بن يحيى، قال شعيب بن عمر التميمي: أخبرنا سيف بن عمر، عن مبشّر، عن سالم بن عبد الله، قال: قال لي عمر: كانت إمارة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، قلت: وما الفلتة؟ قال: كان أهل الجاهلية يتحاجزون في الحرم، فإذا كانت الليلة التي يشكّ فيها أدغلوا فأغاروا، وكذلك كان يوم مات رسول الله أدغل الناس من بين مدّع إمارة، أو جاحد زكاة، فلولا اعتراض أبي بكر دونها لكانت الفضيحة))(13).

ونحن لا نعلم هل وقع التأويل في هذه الرواية من سالم بن عبيد الله بن عمر، أو من سيف الكذّاب، اعتذاراً من قولة عمر!
ولكن نقول: انظر إلى الخلط والخبط والتمويه في التشبيه بين الليلة الفلتة ووفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، مع أنّ عمر وصف البيعة بالفلتة، فكان حقّ التشبيه تشبيه البيعة بليلة الفلتة لا وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأنّ فيها حدث انتهاز للفرصة، وأخذ للثأر من عليّ(عليه السلام) المشغول برسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وغصب حقّه في غفلة عن المسلمين وذهولهم بموت نبيّهم(صلّى الله عليه وآله).

وكيف أبعد من لفّق هذا التشبيه، وجمع بين ردّة أهل الردّة، وبين خلاف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، مع أنّ بعض الردّة كانت قبل وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! ومن منع الزكاة منعها عن أبي بكر، فكانت نتاج بيعته الفلتة! وخلاف الأنصار كان في نفس البيعة، فلم يجمع المتباعدات عندهم إلاّ التأويل المتعسّف.

قال ابن حجر في تقرير هذا التأويل: ((حكى ثعلب عن ابن الأعرابي، وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه، قال: الفلتة: الليلة التي يشكّ فيها هل هي من رجب أو شعبان، وهل من المحرم أو صفر، كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم، فكان من له ثأر تربّص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقّق انسلاخ الشهر فيتمكّن ممّن يريد إيقاع الشرّ به وهو آمن، فيترتّب على ذلك الشرّ الكثير، فشبّه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام، والفلتة بما وقع من أهل الردّة، ووقى الله شرّ ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم، كذا قال))(14).

وابن حجر اختصر على ذكر أهل الردّة، لأنّ الأنصار لم يكن عندهم ثأر مع أحد، ولم يقصدوا انتهاز الفرصة، فلا يتمّ التشبيه فيهم، ولكنّه لا يتم في أهل الردّة أيضاً! لأنّ الردّة بدأت قبل وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ومن منع الزكاة منعها عن أبي بكر، وإنّ عمر في قولته لم يشر إلى ذلك بحرف، وإنّما وصف نفس البيعة بالفلتة، وقال: ((وقى الله شرّها))، ولم يقل: ((وقى الله شرّها بأبي بكر))؟!

ولمّا كان هذا التشبيه واضح الخطأ والتعسّف، حاول ابن حجر إصلاحه، فقال: ((والأولى أن يقال: الجامع بينهما انتهاز الفرصة، لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشرّ الكثير، فوقى الله المسلمين شرّ ذلك، فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ، بل أطاعه الناس كلّهم من حضر البيعة ومن غاب عنها))(15).
والجامع وهو (انتهاز الفرصة) وإن كان صحيحاً، ولكنّه بين ما يقع في الليلة الفلتة، وما وقع ممّن انتهز الفرصة بانشغال المسلمين بنبيّهم(صلّى الله عليه وآله) وبايع أبا بكر، حتّى يكون التشبيه بين البيعة الفلتة والليلة الفلتة متطابق وصحيح.
وقوله: ((فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شرّ))، أوّل الكلام! وهل سلّ سيف أكثر ممّا سلّ في الإمامة؟! فالشرّ واقع فيها إلى الآن.

ومن هنا حاول القاضي عبد الجبّار (ت415هـ) في (المغني) نقلاً عمّن سبقه، قلب المعنى في الليلة الفلتة، فقال: ((قال شيخنا أبو علي: وليست الفلتة هي الزلّة والخطيئة، بل يجب أن تكون محمولة على ما نقل عن أهل اللغة من أنّ المراد بها بغتة فجأة من غير روية ولا مشاورة، واستشهد بقول الشاعر:

من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشي ماتا *** سبقت منيته المشيب وكان ميتته إفتلاتا

يعني بغتة من غير مقدّمة، أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي: أنّ العرب تسمّي آخر يوم من شوال: فلتة، من حيث إنّ من لم يدرك ثأره وطلبه فيه فاته، لأنّهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثأر، وذو القعدة من الأشهر الحرم، وإنّما سمّوه فلتة، لأنّهم أدركوا فيه ما كاد يفوتهم.
فأراد عمر على هذا: أنّ بيعة أبي بكر تداركوها بعد ما كادت تفوت.
وقوله: ((وقى الله شرّها))، دليل على التصويب، لأنّ المراد بذلك: أنّه تعالى دفع شرّ الاختلاف فيها.

فأمّا قوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))، فالمراد من عاد إلى مثلها من غير مشاورة ولا عذر ولا ضرورة، ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة فاقتلوه))(16).
وقد أجابه السيّد المرتضى في (الشافي) مفصّلاً(17)، فارجع إليه مليّاً، ولكن نحن قد نقلنا عن ثعلب خلاف هذا المعنى الأخير في الليلة الفلتة، وإن كان هذا المعنى الجديد يتّحد معنى المعنى السابق في جامع التشبيه، من أنّهم انتهزوا الفرصة وأخذوها خلسة وثأراً من صاحبها وهو عليّ(عليه السلام)، وتداركوها بعد أن كادت تفوت، بعدما نصب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عليّاً للإمامة يوم الغدير.

ومع أنّ البغتة التي اعترف بها عبد الجبّار وأقرّ بأنّها كانت عن غير مشورة تلزم الشنعة والذمّ أيضاً، ولكن معنى الفلتة لا ينحصر فيها، بل إنّه يشمل أيضاً الزلّة أو الخطيئة، كما نصّ عليه أهل اللغة، فلا بدّ أن نرجع إلى سياق الكلام لنحدّد أيّ المعاني هو المراد.
إذ قول عمر بعدها: ((وقى الله شرّها))، وقوله: ((فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه))، يخصّ المعنى بالزلّة والخطيئة، فهو ظاهر في الذمّ والقدح.

وبعبارة أُخرى: إنّ ظاهر قول عمر يصرف المعنى في (الفلتة) إلى الذمّ والقدح، حتّى ولو كانت في معنى البغتة والفجأة.
ولهذا نقل سحنون عبد السلام بن سعيد (ت240هـ) عن أشهب بن عبد العزيز (ت204هـ)، أنّها بضمّ الفاء، ويفسّرها بانفلات الشيء من الشيء ويقول: إنّ الفتح غلط، وأنّه إنّما يقال فيما يندم عليه وبيعة أبي بكر ممّا لا يندم عليه أحد.
ولكن ابن حجر ردّ عليه: بأنّ الثابت في الروايات هو الفتح(18).

ونقل ابن بطّال (ت449هـ) قول الكرابيسي في ضمن نقله لمجمل كلام أبي عبيد وتأويل الخطّابي، قال: ((وقال الكرابيسي: في قولهم: (كانت فلتة)، لأنّهم تفلّتوا في ذهابهم إلى الأنصار وبايعوا أبا بكر في حضرتهم، وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه، فقال قائل منهم: (منّا أمير ومنكم أمير)، وقد ثبت عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أنّ الخلافة في قريش، فإمّا بايعناهم على ما يجوز لنا، وإمّا قاتلناهم على ذلك فهي الفلتة، ألا ترى قول عمر: (والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من بيعة أبي بكر، ولأن أقدم فيضرب عنقي أحبّ إليَّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر)، فهذا يدلّ أنّ قول عمر: (كانت فلتة)، لم يرد مبايعة أبي بكر، وإنّما أراد ما وصفه من خلاف الأنصار عليهم، وما كان من أمر سعد بن عبادة وقومه، وقول عمر: (قتل الله سعداً) ))(19).

وهذا المعنى من الكرابيسي يثبت أنّها كانت خلسة، وانتهاز الفرصة، ولا يثبت أنّ عمر لم يرد بوصف (الفلتة) بيعة أبي بكر، وأراد ما وقع من خلاف الأنصار وسعد بن عبادة، لأنّه عدول عن ظاهر كلامه، فهو قال: ((إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت))، ثمّ يؤكّد على ذلك بقوله: ((ألا وإنّها كانت كذلك))، فلا يخرج ما حاوله الكرابيسي عن التأويل البعيد.

وقال الزمخشري بعدما أورد ما ذكره أبي عبيد والخطّابي: ((ويجوز أن يريد بالفلتة الخلسة، يعني أنّ الإمارة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها كلّ نفس، ونيط بها كلّ طمع، ولذلك كثر فيها التشاجر والتجاذب، وقاموا فيها بالخطب، ووثب غير واحد يستصوبها لرجل عشيرته، ويبدي ويعيد، فما قلّدها أبو بكر إلاّ انتزاعاً من الأيدي، واختلاساً من المخالب، ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيّجة للشرّ والفتنة، فعصم الله من ذلك ووقى))(20).
وهذا يكشف أنّها لم تكن شرعية، فأيّ حجّية لبيعة أُخذت خلسة من صاحبها الحقّ علي(عليه السلام)، وتولاّها أبو بكر تغلباً وانتزاعاً من الأيدي في المشاجرة بعد أن بايعه عمر، وتولّي خصوص أبا بكر لها لا يصحّحها بعد أن كان من ضمن المختلسين وطرفاً في المشاجرة.
وإن حاول الزمخشري تخفيف الأمر بأن جعلها جديرة بالشرّ لا أنّ الشرّ واقع فيها كما قال عمر، ولم يحاول أن يخرج الشرّ منها إلى غيرها كما فعل غيره، كابن الجوزي (ت597هـ) الذي نقل عن ثعلب قوله: ((في الكلام إضمار، تقديره: كانت فلتة من فتنة وقى الله شرّها))(21).

فانظر إليه كيف أدخل في الكلام ما ليس منه، وقلب به المعنى، وأرجع الضمير في (شرّها) إلى ما أضافه في كلام عمر، وهو لفظة (فتنة)، ليصرفه عن متعلّقه الواضح وهو (الفلتة)، فقلب معناها من المذمة إلى نقيضها وجعلها فضيلة! وإذا كان الهوى والعصبية تجوّز مثل هذا فلا عتب بعد ذلك على الجاحظ (ت255هـ) لمّا جعل الفلتة من مقام الأولياء والأنبياء، ليكون كلّ ما أنعم الله عليهم ووفّقهم له فلتات!

قال في العثمانية: ((فقد صدق أبو بكر، وصدق عمر، أنّ تلك البيعة كانت فلتة وأُعجوبة وغريبة. إذ سلمت على كلّ ما وصفنا من أسباب الهلكة، وهي سربخ، وليس دونها ستر ولا ردّ. فكانت بيعته يمناً وبركة أنقذ الله بها من الهلكة، وجمع بها من الشتات، وردّ بها الإسلام في نصابه، بعد تخلّعه واضطرابه. فأماتت السخيمة، وأودعت القلوب السلامة، وجمعتها على الأُلفة. وهذه مكرمة وعطية، ولا يجوز أن يحبو بها خالق العباد إلاّ نبيّاً أو خليفة نبيّ))(22).

نقول: نعم صدق أبو بكر وعمر بوصفها فلتة، وقد كانت أُعجوبة وغريبة خاصّة في انقلابهم على وصيّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وهو بعد لم يدفن، ولكن كونها سلمت من أسباب الهلكة الآنية ولم تسفك فيها الدماء لحكمة ومداراة عليّ(عليه السلام) لهم لا يجعلها شرعية، ولا يعطيها الحجّية، وبالتالي لا تكون يمناً وبركة، كيف والأُمّة إلى الآن تعاني من تبعتها وتنزف دماً بسببها، وقد أزالت روح الإسلام وحقيقته، ولم يبق منه إلاّ القشر والاسم، فهل مثل هذه تكون عطيّة ومكرمة لأقلّ المؤمنين فضلاً عن الأولياء والأنبياء؟! - ونحن لا نعلم أيّ فلتات الأنبياء تلك التي فيها شرّ، وأيّها يستحقّون عليها القتل؟!! - بل إنّها كانت ثلمة وشناعة في الإسلام إلى يوم القيامة.

وقد اعتمد هذه التأويلات قسم آخرين من علماء أهل السُنّة، كالقاضي أبي بكر الباقلاّني (ت 403هـ) في (تمهيد الأوائل)(23)، وسيف الدين الآمدي (ت631هـ) في (غاية المرام)(24)، وابن حجر (ت852هـ) في (فتح الباري)(25)، والعيني (ت855هـ) في (عمدة القاري)(26)، والمحب الطبري (ت694هـ) في (الرياض النضرة)(27)، والإيجي (ت756هـ) في (المواقف)(28)، والفضل بن روزبهان (ت927هـ) في ردّه على العلاّمة(29)، وابن حجر الهيتمي المكّي (974هـ) في (الصواعق)(30).

ولك أن تنظر في ما نقلناه وما أشرنا إلى مصادره من تأويلاتهم كيف يخبط بعضهم بعضاً، ويردّ آخرهم تأويل أوّلهم، ولا يخرجهم من هذه العويصة رأي واحد منهم، بإصرارهم على التأويل مقابل المعنى الظاهر، كلّ ذلك محافظة على أهوائهم وبناء مذهبهم، حتّى مقابل تصريح خليفتهم عمر بن الخطّاب.
ولكن هناك آخرون لم يعرفوا شيئاً من هذه التأويلات، فأخذوا بالمعنى الظاهر من لفظة (الفلتة) وإشعارها للذمّ والتخطئة.

من ذلك أورده محمّد بن جرير الطبري الشيعي في (المسترشد)، قال: ((روى الهيثم بن عدي، عن مجالد، قال: غدوت يوماً إلى الشعبي، وأنا أُريد أن أسأله عن شيء بلغني أنّ ابن مسعود كان يقوله، فأتيته في مسجد حيه، وفي المسجد قوم ينتظرونه، فخرج ونهض إليه القوم، فقلت: أصلحك الله، أكان ابن مسعود يقول: ما كنت محدّثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلاّ كان لبعضهم فتنة؟ قال: نعم، كان ابن مسعود يقول ذلك، وكان ابن عبّاس يقوله، وكان لابن عبّاس علوم يعطيها أهلها ويصونها عن غيرهم، فبينا نحن كذلك، إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر خب على أبي بكر، فقال الأزدي: والله ما رأينا، ولا سمعنا قطّ برجل كان أسلس قياداً لرجل من عمر لأبي بكر، ولا أَقولَ فيه بالجميل من عمر في أبي بكر، فأقبل عليَّ الشعبي وقال: هذا ممّا سألت عنه! ثمّ أقبل على الرجل، فقال الشعبي: يا أخا الأزد! فكيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرّها، أترى عدوّاً يقول في عدوّه ما قاله عمر في أبي بكر؟! فقال الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو! أنت تقول مثل هذا؟! فقال الشعبي: ما أنا أقوله، ولكن قاله عمر بن الخطّاب، فنهض الرجل مسرعاً ولم يودّع، وهو كالمغضب يهمهم بما لا يفهم من الكلام. قال مجالد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلاّ سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس ويبثّه فيهم، قال: إذاً لا أحفل به، وقد قاله عمر على رؤوس المهاجرين والأنصار، ولم يحفل به، أأحفل به أنا! وأنتم أيضاً فأذيعوه عنّي ما بدا لكم))(31).

وفي كتاب (الإيضاح) المنسوب للفضل بن شاذان، قال: ((ورويتم عن المعتمر بن سليمان، عن يونس، عن الحسن البصري، أنّه سُئل عن قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه، ما أراد عمر بذلك؟ قال: شيء كان في صدر عمر أحبّ أن يظهره، فقال السائل: أمن موجدة كانت من عمر على أبي بكر؟ قال الحسن: فما تراه إذاً؟! مع أنّه قد كانت بين قوم حركة هي التي دعت عمر إلى ذلك الموقف بهذا الكلام. فقال له الرجل: فما تلك الحركة؟ فقال الحسن: أعرض عمّا فات، فإنّ الله حسيب ما هناك))(32).

فأنت لا تجد عند الشعبي ولا الحسن البصري شيئاً من تلك التأويلات التي أوردوها في معنى الفلتة، والحركة التي أشار إليها الحسن البصري هي ما جاء ذكره في أوّل رواية البخاري، وسيأتي الكلام عليها، ومثل هذه الروايات لم يذكرها محدّثوا أهل السُنّة لأنّها تعارض ما أرادوه من تأويل المعنى في قولة عمر!!

بل أصرح من ذلك ما في (المسترشد)، و(الإيضاح)، و(الشافي)؛ والنصّ كما في (المسترشد):
قال: ((رواه الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش الهمداني، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، فقال رجل من القوم: كانا والله شمسي هذه الأُمّة وبدريها، فقال ابن عمر: وما يدريك؟! فقال الرجل: أليس قد ائتلفا؟ فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، فأشهد أنّي كنت عند أبي يوماً، وقد أمرني أن أُهيّئ أحلاساً، وأصلح منها، إذ استأذن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال أبي: دويبة سوء، ولهو خير من أبيه! فأوحشني منه ذلك، فقلت: يا أبة! عبد الرحمن خير من أبيه؟! فقال: ومن ليس خيراً من أبيه؟! لا أُمّ لك. وأذن لعبد الرحمن، فدخل، فكلّمه في أمر الحطيئة، أن يرضى عنه، وقد كان حبسه في شعر قاله، فقال له: إنّ في الحطيئة تأوّدا، فدعني أقومه وأحسنه بطول الحبس، فألحّ عليه عبد الرحمن، فأبى، وخرج عبد الرحمن، فأقبل علَيَّ عمر، فقال: أو في غفلة أنت إلى يومك هذا عمّا كان من أُحيمق بني تيم، وتقدّمه علَيَّ، وظلمه لي؟! فقلت: يا أبة! لا أعلم شيئاً من ذلك، فقال: يا بني! وما عسيت أن تعلم؟ فقلت: والله لهو أحبّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، فقال: إنّ ذلك لكما ذكرت على رغم أبيك وسخطه، فقلت: يا أبة! أفلا تحكي أفعاله بمقام في الناس، يبين ذلك عنه؟ فقال: وكيف لي بذلك، مع ما ذكرت من أنّه أحبّ إلى الناس من ضياء أبصارهم، إذاً لرضخت هامة أبيك بالجندل.
قال ابن عمر: ثمّ تجاسر فجسر، فما دارت الجمعة حتّى وقف به في الناس، فقال: يا أيّها الناس! كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها فمن عاد لمثلها فاقتلوه...
فقال ابن عمر: لكلّ أمر سبباً، وإن ما كان من أخبار هؤلاء القوم الذين همّوا بأفاعيل، هي التي هيّجت على عمر، وأنّه باب فتحه عمر من السخطة على أبي بكر))(33).

وهذه الأخبار وإن لم تكن حجّة على أهل السُنّة، ولكنّها لا تخلو من الدلالة على ظاهر المعنى في الفلتة، وأن لا موضع للتأويل فيها إلاّ التعلّلات والاستبعادات التي نقلناها عنهم:
فقد جاء في رواية البخاري التي هي الأصحّ عند القوم عن ابن عبّاس: ((إذ رجع إليَّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت، فغضب عمر، ثم قال:...)).

ثمّ ذكر خطبة عمر، وفيها: ((ثمّ إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترّن امرؤ أن يقول، إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر...))(34) الخ.
ففلان الذي قال أوّلاً: إنّ بيعة أبي بكر فلتة، وأقرّه عمر على ذلك في خطبته، لم يكن يقصد منها المدح والفضيلة، ولا يقصد ما تأوّلوه من تلك المعاني قطعاً، وإلاّ لماذا غضب عمر؟! بل المعنى واضح من سياق كلامه أنّه كان يقصد باللفظة الإشارة إلى بطلان وعدم حجّية بيعة أبي بكر، وأنّه يريد أن يصحّح ذلك بالبيعة للآخر الذي نادى ببيعته بُعيد موت عمر.

وإذا عرفنا أنّ فلان القائل بالفلتة، وفلان الذي يراد البيعة له، كانا من الصحابة، لكفانا ذلك في الاستدلال على بطلان بيعة أبي بكر، فإنّ شهادة القائل، وشهادة عمر في عرض واحد في الحجّية، بل إنّهما اتّفقا في الشهادة، فإنّ الأوّل شهد بالفلتة على معناها الذي يريده، وأقرّه عمر على تلك الشهادة، كما هو واضح من حديث البخاري!

ففي رواية البلاذري: ((عن بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، قال: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجّلت الرواح حين صارت الشمس صكة عمّي. فلمّا سكت المؤذّنون، خطب فقال: إنّي قائل مقالة لا أدري لعلّها قدّام أجلي، فمن وعاها، فليتحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإنّي لا أحلّ لأحد أن يكذب عليَّ.
ثم قال: بلغني أنّ الزبير قال: ((لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة))، فكذب والله، لقد أقامه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله))(35).

وطريق هذه الرواية يتّحد مع طريق رواية البخاري السابقة، وقد صرّح ابن حجر بقوّته(36)، وفيها قول الزبير: (بايعنا) بالجمع، وهذا يعني أنّ معه غيره! وفيها أيضاً تصريح عمر باسم القائل، ومن يراد المبايعة له! فأيّ أيدٍ أمينة حذفتهما من نصّ رواية البخاري؟!! وأي أيد أمينة وضعت تكذيب عمر للقائل هنا مع وضوح إقراره له في رواية البخاري؟!!
كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ ابن حجر(37)، والحافظ الهيثمي(38) ضعّفا سند ما جاء في (مسند البزّار) من أنّ الذي يراد المبايعة له طلحة(39).
ونقل ابن أبي الحديد عن البلخي عن الجاحظ: إنّ الرجل الذي قال: لو قد مات عمر لبايعت فلاناً عمّار بن ياسر(40).
وروى البلاذري أيضاً بطريق يتّحد مع سابقه: ((...إنّ فلاناً وفلاناً قالا: لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، فتمّت بيعته، فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها...))(41).

وفي آخر: ((عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عمر قال: إنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها...))(42).
وقال ابن حجر: ((ووقع في رواية ابن إسحاق: أنّ من قال ذلك كان أكثر من واحد، ولفظه: أنّ رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر))(43)، والخبر في (مصنّف) ابن أبي شيبة(44).
وفي رواية البزّار التي أشرنا إليها: ((قال ناس من الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً، يعنون طلحة بن عبيد الله))(45).
ولفظة رواية ابن أبي شيبة: ((فبلغه أنّ الناس يقولون: لو مات أمير المؤمنين قمنا إلى فلاناً فبايعناه))(46)، ومن طريقٍ آخر: ((فسمعته يقول - أي عمر ــ: إنّي قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة...))(47)، وفي آخر: ((قال: وقد بلغني أنّ رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر أنّها كانت فلتة، ولعمري! إن كانت كذلك))(48).
وروى النسائي عن عبيد الله بن عبيد، عن ابن عبّاس: ((أنّ عمر قال: إنّي قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة...))(49).
وفي أخبار الدولة العبّاسية بطريق الكلبي، أنّ ابن الزبير قال: إنّ ناساً قالوا: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ...))(50).

فظهر أنّ القائلين: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة))، وأقرّهم عمر في خطبته على ذلك، ليسوا واحد كما في رواية البخاري، بل هم رجال من المهاجرين والأنصار، فيهم الزبير، وعمّار، بل في روايات عديدة (أُناس)، وفي بعضها (الناس) بألف ولام، الدالّة على الإطلاق والشمول! وكلّهم حسب ظاهر الروايات لم يكونوا في صدد مدح بيعة أبي بكر وإقرارها، بل في صدد الاعتراض عليها وعلى الطريقة التي تمّت بها، وبيان عدم إقرارهم بحجّيتها، بدليل طلبهم التصحيح بمبايعة عليّ(عليه السلام)، فلولا اعتقادهم بأحقّية عليّ(عليه السلام) وعدم صحّة خلافة أبي بكر لمّا نادوا - وبين الحجيج - على عزمهم المبادرة إلى مبايعة عليّ(عليه السلام) فور موت عمر، وقد كان أمر بيعة أبي بكر من المعروفية والشهرة بمكان حتّى أنّ عليّاً(عليه السلام) عرّض ببيعة الفلتة في خطبة له أوّل خلافته عندما تخلّف عنه سعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، ومحمّد بن سلمة، وأُسامة بن زيد، وغيرهم، فقال في خطبته برواية الشعبي: (وهذه بيعة عامّة، من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتّبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً، وإنّي أُريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم...)(51)، وقال ابن أبي الحديد، وابن ميثم البحراني في شرحيهما: ((وفي الكلام تعريض ببيعة أبي بكر))(52)، فهل في تعريضه(عليه السلام) ما يشمّ منه رائحة المدح؟!
وأين هذا المعنى ممّا حاول المتأوّلون تأويله صرفاً عن معناه وتعمية على المسلمين وتقديساً لرموز السلف؟!

ومن الواضح من عبارة عمر أنّه يقرّهم على ما أرادوا من معنى، ويزيد الأمر وضوحاً معرفتنا أنّ ما نسب إليه من قوله: ((وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر))، لم يروه إلاّ الزهري المعروف بانحرافه عن عليّ(عليه السلام) وهواه في أبي بكر وعمر وشدّة جهده في تشييد أركان أمرهما.

فعند تتبّع رواياته التي نقلها البلاذري، نجد أنّه روى عنه مرفوعاً: ((خطب عمر الناس يوماً، فقال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرّها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة. فقال الحبّاب بن المنذر...))(53)، وليس فيها هذه الزيادة من قول عمر، لكنك تجد الزيادات المختلفة العبارة في مروياته الأُخر، بما يشعرك بمحاولاته للترقيع حسب اختلاف أوقات التحديث والرواية!

ففي رواية البلاذري، عن بكر بن الهيثم: بلغني أنّ الزبير قال: ((لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً، وإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة))، فكذب والله، لقد أقامه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله))(54).

وروى عن: ((علي بن محمّد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عبّاس: أنّ عمر بن الخطّاب خطب خطبة، قال فيها: إنّ فلاناً وفلاناً قالا: لو قد مات عمر، بايعنا عليّاً فتمت بيعته، فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، وكذبا والله، ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)، فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنّهما أهل أن يقتلا...))(55).

ففضلاً عن أنّ النصّ فيه قلب لكلام عمر إلى عكسه من تكذيبه لقولة الفلتة، فيه تقوّلٌ عليه ما لم يقله، بل فيه كذب على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من أنّه اختار أبا بكر ليقوم مقامه! مع أنّ الفقرات واضحة الإقحام ولا يتسق موضعها بين قوله: ((فإنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرّها))، قوله: ((فمن بايع رجلاً على غير مشورة، فإنّهما أهل أن يقتلا))، فإنّ سياق الكلام وجريه يتّفق مع تتابع الفقرتين لاتّحاد المعنى فيهما، ولا مكان لإقحام الفقرات الأُخر للطفرة الواضحة في جري الكلام على المعنى المقصود.

ولوضوح كذب الفقرات الآنفة - نعني: ((ولقد أقامة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مقامه، واختاره لدينهم على غيره، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر)))، اقتصر الزهري في الروايات الأُخر على الفقرة الأخيرة، كما عند أحمد بطريق مالك بن أنس عن الزهري(56)، والبخاري بطريق صالح عن الزهري(57)، وعبد الرزّاق الصنعاني بطريق معمر عن الزهري(58)، وابن حبّان بطريق هشيم عن الزهري(59)(60)، وابن عساكر بطريق سفيان بن عيينة عن الزهري(61)، والطبري بطريق عبّاد بن راشد عن الزهري(62)، وابن إسحاق عن طريق عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري(63).

وفي رواية ابن أي شيبة بطريق عبد الملك بن أبي بكر عن الزهري، اختلفت عبارته بعض الشيء، حيث قال: ((وقد بلغني أنّ رجالاً يقولون في خلافة أبي بكر: أنّها كانت فلتة، ولعمري! إن كانت كذلك، ولكن الله أعطى خيرها ووقى شرّها، وإيّاكم هذا الذي تنقطع إليه الأعناق كانقطاعها إلى أبي بكر...))(64).
وتجد عند الزهري أُولى محاولات التأويل كما وجدت في بعض الذي أوردناه التكذيب..

فقد روى البلاذري، قال: ((وحدّثني محمّد بن سعد، ثنا محمّد بن عمر الواقدي، عن أبي معمر، عن المقبري، ويزيد ابن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب، قال: بينا المهاجرون في حجرة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وقد قبضه الله إليه، وعليّ بن أبي طالب والعبّاس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبداً. هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجرّاح...))(65).

وهذا كما هو واضح من قول الزهري وادّعاءه وحده، يريد أن يوحي أنّ الفتنة الفلتة كانت من الأنصار، وأنّ الله وقى شرّها بأبي بكر، مع أنّ كذبه ظاهر! لأنّ من جاء وأخبر عمر بما في سقيفة بني ساعدة واحد لم يذكروا اسمه، وعمر هو الذي أخبر أبا بكر، ثمّ ذهب الثلاثة فلاقاهم معن وعويم.. فتأمّل كذبه الواضح الفاضح هنا!! وهو كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ترقيعاً لرواية أشياخه وتشيداً لأركان أمرهما!
هذا، ولم ترد هذه الزيادة - أي: قوله: وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر - في روايات غير الزهري!

روى ابن أبي شيبة، قال: ((حدّثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يحدّث عن ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: حجّ عمر فأراد أن يخطب الناس خطبة، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنّه قد اجتمع عندك رعاع الناس وسفلتهم، فأخّر ذلك حتّى تأتي المدينة، قال: فلمّا قدمت المدينة دنوت قريباً من المنبر، فسمعته يقول: إنّي قد عرفت أنّ أناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر فلتة، وإنّما كانت فلتة ولكن الله وقى شرّها، إنّه لا خلافة إلاّ عن مشورة))(66).
ورواها النسائي عن الحسين بن إسماعيل بن سليمان الجالدي، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن شعبة...(67).

ورواها بطريق آخر، قال: ((أخبرنا العبّاس بن محمّد الدوري، قال: ثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خطبنا عمر فقال: قد عرفت أنّ أُناساً يقولون: إنّ خلافة أبي بكر كانت فلتة ولكن وقى الله شرّها، وإنّه لا خلافة إلاّ عن مشورة، وأيّما رجل بايع رجلاً عن غير مشورة لا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا))(68).
ومثله عن ابن سلام والزمخشري في غريبيهما(69).
فهذه عن طريق عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس بغير طريق الزهري.

وروى البلاذري: ((محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، قال: لمّا بلغ عمر في حجّته التي رجع منها فطعن، أنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقال: إن كانت فلتة فقد وقى الله شرّها، وإن حدث بي حدث فالأمر إلى الستّة الذين قبض رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وهو عنهم راض))(70).

وروى أيضاً: ((حدّثني محمّد بن سعد، عن الواقدي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنّ عمر قال: إنّ رجالاً يقولون: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها، وإنّ بيعة عمر كانت عن غير مشورة، والأمر بعدي شورى))(71).

وروى اليعقوبي: ((واستأذن قوم من قريش عمر في الخروج للجهاد، فقال: قد تقدّم لكم مع رسول الله. قال: إنّي آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرة. لا تخرجوا! فتسلّلوا بالناس يميناً وشمالاً. قال عبد الرحمن بن عوف، فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين، ولم تمنعنا من الجهاد؟ فقال: لأن أسكت عنك، فلا أجيبك، خير لك من أن أجيبك. ثم اندفع يحدّث عن أبي بكر، حتّى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد لمثلها فاقتلوه))(72).

وكذا لم ترد الزيادة عنه كلّ من رواه مرسلاً أو أقرّ به من الشيعة أو من أهل السُنّة، فاقتصروا على قولة عمر بعدها: ((وقى الله شرّها))، كالشيخ الطوسي(73)، والقاضي النعمان(74)، والصدوق(75)، والكراجكي(76)، وأبو جعفر الإسكافي(77)، والإمام يحيى بن الحسين(78)، والزمخشري(79)، والإيجي(80)، والقاضي عبد الجبّار(81)، والمرتضى(82)، والعلاّمة الحلّي(83)، والشهرستاني(84)، والتفتازاني(85).
بل إنّ ابن أبي الحديد ذكر أنّ عمر قالها مرّتين، قال: ((فأمّا حديث الفلتة، فقد كان سبق من عمر أن قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.

وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عبّاس وعبد الرحمن بن عوف فيه حديث الفلتة، ولكنّه منسوق على ما قاله أوّلاً، ألا تراه يقول: فلا يغرنّ امرءاً أن يقول: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، فلقد كانت كذلك، فهذا يشعر بأنّه قد كان قال من قبل: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة))(86).
ويؤيّد ذلك ما أوردناه عن ابن عمر عن قول أبيه لمّا جاءه عبد الرحمن بن أبي بكر، وما رواه اليعقوبي في جواب عمر لعبد الرحمن بن عوف.

نعم، وردت عبارة قريبة ممّا رواه الزهري عن غير طريقه، رواها البزّار، عن زهير بن محمّد بن قمير، قال: نا حسين بن محمّد، قال: نا أبو مشعر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قالا:
- والرواية طويلة، وفيها قول عمر -: ((قد بلغني مقالة قائلكم: لو قد مات عمر أو لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلاناً فبايعناه، وكانت إمارة أبي بكر فلتة، أجل والله لقد كانت فلتة، ومن أين لنا مثل أبي بكر نمدّ أعناقنا إليه كما نمدّ أعناقنا إلى أبي بكر...))(87)، ورواها ابن أبي شيبة عن ابن معشر أيضاً(88).
ولكنّها فضلاً عن ضعفها كما ذكر الهيثمي بابن معشر(89)، ليست نقلاً لنصٍ روائي، وإنّما سرد متأخّر طويل بالمعنى، ملفّق من عدّة روايات، لكيفية قسمة العطاء في زمن أبي بكر، وما تلاه من تدوين عمر للدواوين وقسمته خلافاً لِما قَسَمَ أبو بكر.

وبالتالي فإنّه يتّضح من كلّ ما ذكرنا تفرّد الزهري بهذه العبارة، ويتّضح كذلك من اختلاف عباراته وزيادته ونقصانه في الروايات المختلفة عنه، أنّها من وضعه، بإقحامه في الرواية ما ليس منها، وتقوّله على عمر ما لم يقله، والغرض منه واضح!
وبه يرتفع ما يجده القارئ للرواية من عدم سلاسة واتّساق العبارة بين ما سبقها وما لحقها وعدم موائمتها لمجمل المعنى الذي أراده عمر.

إن قلت: من أين جاء الزهري بهذا الاعتذار، بل محاولة جعل الفلتة فضيلة لأبي بكر؟ هل هو من عنده أو ألقاه أحد في ذهنه.

قلنا: جاء في كتاب (أخبار الدولة العبّاسية) من طريق هشام بن محمّد الكلبي، قال: ((قال عيسى بن طلحة: حضرت من ابن عبّاس محضراً ما حضرته من قرشي قطّ، قال: كان مروان بن الحكم يأذن للناس بعد العصر، وكان ابن عبّاس يجلس على منبر رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عند رأسه وابن الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر الذي عند رأسه، فجاء ابن عبّاس فجلس مجلسه وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنّه يريد أن يتكلّم، فقال: إنّ أُناساً قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإنّ أمر أبي بكر كان أعظم من أن يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيراً من أبي بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة واستخلف عمر، فلم يكن إلاّ ما قال أبو بكر، ثم حضرت عمر الوفاة، فألقى حظّهم في حظوظ، وجدّهم في جدود، فأسقط الله حظّهم وأدحض جدّهم، وأخذ علمهم من كان أولى بذلك منهم، حتّى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرّة فقتلوه، ثمّ قتلهم الله بعد ذلك كل قتلة، وفرّقهم تحت بطون الكواكب.

فقال ابن عبّاس: على رسلك أيّها القائل في أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدّم من تقدّم منهم، وإن كانوا خيراً فما نألو أن نقول، ولو تقدّم متأخّر لكان أهله. ولولا أنّك تذكر حظّ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أنّ من أُولئك متكلّماً لأخبرته عنّي وعنه خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما لا عليك ولا لك؟ أقصر على حظّ نفسك فإنّه لك، وإنّ أحداً لن ينازعك، إنّي وإيّاك من الأوّلين بمنزلة، وإنّ الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعدي لعدي، وأُميّة لأُميّة، وإن يك في أسد شيء فهو لك، والله لأنا أقرب بك عهداً وأبيض عندك يداً ممّن أمسيت تظنّ هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد))(90).

ومن الواضح أنّ هذه المقولة في ذمّ بيعة أبي بكر قد اشتهرت عن أنصار عليّ(عليه السلام)، وعُرفت بين الناس، حتّى اضطرّ ابن الزبير لمجابهة ابن عبّاس والتعريض بعليّ(عليه السلام)، فأجابه ابن عبّاس بما أسكته، وأخبره أنّه لو كان من فخر بهم من الأوّلين إحياء لعرف كيف يجيبهم جواب حاضر لحاضر، وتبيّن من هذه الرواية أنّ ابتداء قول الزهري أخذه من ابن الزبير وآله، ولا يبعد أن يكون أوّله من عائشة خالة ابن الزبير.
إذا عرفت هذا واتّضح لك المعنى المراد من لفظة الفلتة، وأنّه لا يخرج عن الذمّ والقدح، سواء أريد بها الفجأة، أو الزلّة، أو الخلسة، بما يؤدّي إلى بطلان بيعة أبي بكر.
فإنّا نقول: إنّ معنى المراد فهمه كلّ الناس عامّهم وخاصّهم حتّى أصبح مورد المثل، ونظمه الشعراء.

قال دعبل الخزاعي في قصيدته المشهورة التي ألقاها لمّا قدم على الرضا(عليه السلام):

تراث بلا قربى وملك بلا هدى ***** وحكم بلا شورى بغير هداة
رزايا أرتنا خضرة الأُفق حمرة ***** وردت أُجاجاً طعم كلّ فرات
وما سهلت تلك المذاهب فيهم ***** على الناس إلاّ بيعة الفلتات(91)

ونقل أبو حيّان التوحيدي (ت400هـ) في معرض سرده لحالات الصاحب بن عبّاد نقلاً عن محمّد بن المرزبان، قال: ((وحدّثني، قال: انفلتت ليلة أُخرى ضرطة من بعض الحاضرين وهو في الجدل، فقال على حدته وجنونه (كانت بيعة أبي بكر)، خذوا فيما أنتم فيه، يعني (كانت فلتة) لأنّه قيل في بيعة أبي بكر: (كانت فلتة)))(92)، وأوردها عن أبي حيّان ياقوت الحموي في (معجم الأُدباء)(93).

وإن قلت: إذاً كيف لنا أن نوفّق بين ما تجشمه وجهده عمر في فعله وقوله لتشييد بيعة أبي بكر، وترسيخ شرعيتها وإقامة أركانها أوّل أمره - إذ ما اتّسقت إلاّ على يديه - وبين وقوفه في آخر جمعته لينقض بنائها ويهدم أساسها، بحيث يجعلها لم تتم على شيء بقولته فيها أنّها فلتة، بل زاد بأن أوعد على قتل فاعل مثلها؟

وهل يعقل مثل هذا التناقض مع ما ظهر واشتهر وبان من اتّساقهما وتوافقهما على أمرها؟
قلنا: إن عرف السبب بطل العجب! ولو عُرف الغرض والغاية القصوى لكلّ أفعال وأقوال عمر من يوم رجوعه عن بعث أُسامة إلى آخر لحظات حياته بعد طعنة أبي لؤلؤة له، لزال ما تجده من التناقض المتوهّم، وانبسطت أمامك مواقفه متراتبة متّسقة في وضوحها كرابعة النهار.

فلم يكن في قولته بوجه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يوم مرضه في حجرته، ولا في وقفته مع أبي بكر في سقيفة بني ساعدة وصفقه على يده، إلاّ رافضاً مانعاً لولاية عليّ(عليه السلام) وحقّه، كما لم يقم في جمعته الأخيرة مهدّداً متوعّداً وواصفاً للبيعة التي أقامها بأنّها فلتة، إلاّ تمسّكاً بهذا الرفض لتولّي عليّ(عليه السلام)، وإصراراً على دفعه عن حقّه، فغضبه من قول الزبير وعمّار ومن معهما بأنّهم سيبايعون عليّاً(عليه السلام) أخرجه عن طوره، بحيث لم يعطي أدنى أهمّية لما ينتج من التنافي بين قوله الأخير وبين كلّ ما صدر منه اتّجاه أبي بكر طوال خلافته ما دام يمكن له أن يحقّق مطلوبه في منع عليّ(عليه السلام) من تسلّم كرسي الخلافة.

فبعد أن تشاور مع عبد الرحمن بن عوف واتّفقا على حبك خطّة الشورى للوقوف أمام المنادين ببيعة عليّ(عليه السلام)، لم يبق هناك كثير أهمّية لأن يقف ويُشهّر ببيعة الفلتة.. ما كان تشهيره يمهّد الجوّ العام لتنفيذ خطّته ويخدم غرضه ومطلوبه الأساس ويقطع الطريق على المناوئين، بعد أن قرنه بالتهديد بالقتل، لم يكرر ما فعله مع أبي بكر ولكن مع عليّ(عليه السلام).

وفي البنان بقية بيان في هذا الموضع أعرضنا عنه خوف الإطالة والملل.
ودمتم برعاية الله 

(1) صحيح البخاري 8: 26 باب رجم الحبلى من الزنا.
(2) منهاج السُنّة 5: 469 فصل: مناقشة ابن المطهّر في ذكره لمثالب أبي بكر.
(3) منهاج السُنّة 8: 278 قول الرافضي: الثاني قول عمر: بيعة أبي بكر فلتة.
(4) أنساب الأشراف 1: 591 (1196) أمر السقيفة وبيعة أبي بكر، العثمانية، للجاحظ: 231، سبل الهدى والرشاد 12: 315 الباب الثالث والثلاثون، في ذكر خبر السقيفة وبيعة أبي بكر.
(5) شرح نهج البلاغة 2: 50 (26) حديث السقيفة.
(6) المصدر نفسه.
(7) تاريخ الطبري 2: 459 ذكر خبر ما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفة بني ساعدة.
(8) غريب الحديث 2: 231، 232 مادّة (فوت).
(9) غريب الحديث 3: 355 - 357 مادّة (غرر)، المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده 9: 494 التاء واللام والفاء.
(10) غريب الحديث، للخطابي 2: 123 - 126 حديث عمر بن الخطّاب.
(11) صحيح ابن حبّّان 2: 158 باب حقّ الوالدين، الزجر عن أن يرغب المرء عن آبائه إذ استعمال ذلك ضرب من الكفر.
(12) شرح المقاصد 2: 293 المقصد السادس، الفصل الرابع، المبحث الخامس، شرح التجريد، للقوشجي: 371 المقصد الخامس في الإمامة، مطاعن أبي بكر.
(13) غريب الحديث، للخطابي 2: 126 - 128 حديث عمر بن الخطّاب، حديث عمر أنّه قال: (إنّ بيعة أبي بكر فلتة...)، مشارق الأنوار على صحيح الآثار 2: 157 مادّة (ف ل ت).
(14) المصدر نفسه.
(15) فتح الباري 12: 132 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(16) المغني 20: 339 فصل في ذكر مطاعنهم في أبي بكر وبيان الجواب عنها، شبهة أخرى لهم.
(17) الشافي 4: 126 كتاب بيعة أبي بكر فلتة.
(18) فتح الباري 12: 129 باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت.
(19) شرح صحيح البخاري، لابن بطّال 8: 460 كتاب الرجم، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(20) الفائق في غريب الحديث 3: 50 الفاء مع اللام.
(21) كشف المشكل من حديث الصحيحين 1: 65 الحديث (26)، كشف المشكل من مسند أبي حفص عمر بن الخطّاب.
(22) العثمانية: 158 قول أبي بكر وعمر في أنّ بيعة أبي بكر فلتة.
(23) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: 496 باب الكلام في إمامة أبي بكر.
(24) غاية المرام في علم الكلام: 389 القانون الثامن، الطرف الثاني: في معتقد أهل السُنّة في الصحابة وإمامة الخلفاء الراشدين.
(25) فتح الباري 12: 132 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(26) عمدة القاري 24: 10 الحديث (6830) باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(27) الرياض النضرة 1: 237 ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها.
(28) المواقف 3: 600 نفي أهلية الإمامة عن أبي بكر.
(29) انظر: إحقاق الحقّ: 219.
(30) الصواعق المحرقة: 36 الفصل الخامس، في ذكر شبة الشيعة الرافضة.
(31) المسترشد: 245 الحديث (70) الباب الثاني: باب الفضل والعلم لمن أودعوها له.
(32) الإيضاح: 134 في أنّه كانت بيعة أبي بكر فلتة.
(33) المسترشد: 242 الحديث (69) الباب الثاني: باب الفضل والعلم لمن أودعوها له، الإيضاح: 135 فيما نقل من عمر في أبي بكر، الشافي في الإمامة 4: 126 كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها.
(34) البخاري 8: 25 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(35) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1176).
(36) مقدّمة فتح الباري: 337 كتاب الحدود.
(37) المصدر نفسه.
(38) مجمع الزوائد 6: 3 باب تدوين العطاء.
(39) مسند البزّار 1: 407 الحديث (286) مسند عمر بن الخطّاب.
(40) شرح نهج البلاغة 2: 25 (26) حديث السقيفة.
(41) أنساب الأشراف 1: 583 الحديث (1188).
(42) أنساب الأشراف 5: 500 الحديث (1282).
(43) فتح الباري 12: 129 باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(44) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(45) مسند البزّار 1: 407 الحديث (286) مسند عمر بن الخطّاب.
(46) المصنّف 7: 615 ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين.
(47) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(48) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(49) السنن الكبرى 4: 272 الحديث (7151)، و 4: 273 الحديث (7154).
(50) أخبار الدولة العبّاسية: 93 من أخبار عبد الله بن عبّاس مع ابن الزبير.
(51) الإرشاد، للمفيد 1: 243 من كلامه (عليه السلام) حين تخلّف بعض الصحابة، نهج البلاغة 2: 19 (136).
(52) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 31 (136)، شرح نهج البلاغة، لابن ميثم 3: 164 (135).
(53) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1179).
(54) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1176).
(55) أنساب الأشراف 1: 583 الحديث (1181).
(56) مسند أحمد بن حنبل 1: 55 مسند عمر بن الخطّاب، حديث السقيفة.
(57) صحيح البخاري 8: 25 كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(58) المصنّف 5: 441 الحديث (9758).
(59) صحيح ابن حبّان 2: 148 الحديث (412) باب حقّ الوالدين.
(60) في رواية عبد الرزّاق وابن حبّان زيادة بعدها، وهي قوله: ((أنّه كان من خيرنا حين توفّي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)))، وهو أيضاً إقحام في الرواية لو صحّ بهذا اللفظ، والصحيح أنّه تصحيف من قوله في رواية أحمد وغيره: ((وأنّه كان من خبرنا حين توفّي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، أنّ عليّاً والزبير...)).
(61) تاريخ مدينة دمشق 30: 285 ترجمة أبي بكر.
(62) تاريخ الطبري 2: 446 السنة الحادي عشرة، حديث السقيفة.
(63) السيرة النبوية، لابن هشام 4: 1071 أمر سقيفة بني ساعدة.
(64) المصنّف 8: 570 - 571، ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(65) أنساب الأشراف 1: 581 الحديث (1177).
(66) المصنّف 8: 570 ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردّة.
(67) السنن الكبرى 4: 273 الحديث (7154).
(68) السنن الكبرى 4: 272 الحديث (7151).
(69) غريب الحديث 4: 355 مادة (غرر)، الفائق في غريب الحديث 3: 50 مادة (فلت).
(70) أنساب الأشراف 1: 591 الحديث (1198).
(71) أنساب الأشراف 5: 500 الحديث (1288).
(72) تاريخ اليعقوبي 2: 157 أيام عمر بن الخطّاب.
(73) الاقتصاد: 208 ذكر أعيان الأئمّة(عليهم السلام)، دليل آخر على إمامته.
(74) دعائم الإسلام 1: 85 ذكر من يجب أن يؤخذ عنه العلم.
(75) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 255 باب ذكر ما كلّم به الرضا يحيى بن الضحّاك السمرقندي.
(76) التعجّب من أغلاط العامّة: 54 الفصل الرابع.
(77) المعيار والموازنة: 38 بدء بيعة أبي بكر وبيان عن نفسيته.
(78) تثبيت الإمامة: 13 قول عمر: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة.
(79) الفائق في غريب الحديث 3: 50 مادة (فلت).
(80) المواقف 3: 600.
(81) المغني/ قسم الإمامة 20: 339.
(82) الشافي 4: 126 كانت بيعة أبي بكر فلتة.
(83) منهاج الكرامة: 99 المطاعن.
(84) الملل والنحل 1: 24 المقدّمة الرابعة.
(85) شرح المقاصد 2: 293.
(86) شرح نهج البلاغة 2: 26 (26) حديث السقيفة.
(87) مسند البزّار 1: 407 الحديث (286) مسند عمر بن الخطّاب.
(88) المصنّف 7: 615 الحديث (5) ما قالوا في الفروض وتدوين الدواوين.
(89) مجمع الزوائد 6: 5 باب تدوين العطاء.
(90) أخبار الدولة العبّاسية: 93 من أخبار عبد الله بن عبّاس مع ابن الزبير.
(91) ديوان دعبل الخزاعي: 57 قال يذكر ما أصاب آل البيت من كوارث وألم، مختصر أخبار شعراء الشيعة: 100 دعبل بن علي الخزاعي.
(92) أخلاق الوزيرين 1: 228.
(93) معجم الأُدباء 6: 217 إسماعيل بن عبّاس الوزير الصاحب.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال