الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » صلاة جماعته المزعومة (2)


علي / لبنان
السؤال: صلاة جماعته المزعومة (2)
هل هناك دليل واضح على تنحية الرسول(صلّى الله عليه وآله) لأبي بكر عن صلاة الجماعة المزعومة من كتب السُنّة؟ وفي حال وجد، ما هو الحديث؟
الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يمكن أن يقال في ردّ من يحاول الاستدلال بصلاة أبي بكر بالناس في مرض موت النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على الخلافة:
أوّلاً: ليست إمامة الجماعة لدى أهل السُنّة منصباً خطيراً ومهماً، أو قيادة شعبية، أو دينية في عرف الإسلام، ولذلك روي في كتبهم القول: (صلّوا خلف كلّ برّ وفاجر)(1)، ولو صحّ أنّ ابن أبي قحافة أمَّ الناس، فلا يكون ذلك كاشفاً حسب الموازين التي يعترفون بها لإمامة الجماعة أنّ الرجل ذو أهلية ويحمل مزية يصلح بها للزعامة الدينية والسياسية، بل جملة منهم لا يشترطون البلوغ في إمام الجماعة(2).

ثانياً: إنّ سحب رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، بأمر من الله، آيات من سورة البراءة، التي كان أبو بكر مكلّفاً منه(صلّى الله عليه وآله) بقراءتها على الناس في موسم الحجّ، لأكبر شاهد على أنّ أبا بكر لا يصلح للقيادة والزعامة(3)، وكذلك فشله في فتح قلعة خيبر(4).

ثالثاً: إنّ الروايات التي رويت من طرق أبناء العامّة في هذا الشأن مختلفة ومتباينة في صلب الموضوع، بحيث لا يمكن القول بأنّها تحكي عن معنى واحد..

وإليك بعضاً ممّا أورده ابن كثير في (البداية والنهاية): روى أحمد بسنده: ((عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد، قال: لمّا استعزّ برسول الله وأنا عنده في نفر من المسلمين دعا بلال للصلاة، فقال: (مروا من يصلّي بالناس). قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالناس. قال: فقام، فلمّا كبّر عمر سمع رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) صوته، وكان عمر رجلاً مجهراً، فقال رسول الله: (فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون). قال: فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعدما صلّى عمر تلك الصلاة، فصلّى بالناس...))، إلى آخر الرواية.

وأبو داود من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن زمعة أيضاً، قال: ((لمّا سمع النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) صوت عمر، قال ابن زمعة: خرج النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) حتّى أطلع رأسه من حجرته، ثمّ قال: (لا لا لا يصلّي للناس إلاّ ابن أبي قحافة)، يقول ذلك مغضباً)).

نقول: ورويت قصّة الصلاة بنحو آخر في البخاري عن عائشة أوردها ابن كثير أيضاً:
((قال الأسود: كنّا عند عائشة، فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها. قالت: لمّا مرض النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذّن بلال، فقال: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، فقيل له: إنّ أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: (إنّكنّ صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)، فخرج أبو بكر، فوجد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في نفسه خفّة، فخرج يهادى بين رجُلين، كأنّي أنظر إلى رجليه تخطّان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخّر، فأومأ إليه النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أن مكانك، ثمّ أتي به حتّى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) يصلّي وأبو بكر يصلّي بصلاته والناس يصلّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم)).

وقال ابن كثير: ((وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة من طرق متعدّدة، عن الأعمش به، منها ما رواه البخاري عن قتيبة، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى عن معاوية به)).
فينبغي أن تلتفت أيّها الناظر: أنّ هذا الخبر مع هذه التأكيدات في السند إنّما يثبت إمامة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، واقتداء أبي بكر به(صلّى الله عليه وآله)، ودعوى أنّ أبا بكر كان إمام الناس لا تعقل؛ إذ يعني ذلك أنّ هناك إمامين في صلاة واحدة شخصية!!

وقال ابن كثير: ((وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنّها قالت: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال في مرضه: (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس). قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، أنّها قالت: لقد عاودت رسول الله في ذلك، وما حملني على معاودته إلاّ أنّي خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر، وإلاّ أنّي علمت أنّه لن يقوم مقامه أحد إلاّ تشاءم الناس به، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبي بكر إلى غيره))..
ملاحظة: أترى أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كان يريد أن يتشاءم به الناس، وعائشة لا تريد ذلك؟!!

ونقل ابن كثير قصّة عن أحمد بشكل الصلاة بطريق آخر مختلف عمّا تقدّم، مع ما تقدّم من التباين والاختلاف:
((عن عبيد الله بن عبد الله، قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)؟ فقالت: بلى، ثقل برسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وجعه، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: (صبّوا إليَّ ماءً في المخضب)، ففعلنا، قالت: فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: (ضعوا لي ماءً في المخضب)، ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمى عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: (ضعوا لي ماءً في المخضب)، ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب لينوء، فأُغمي عليه، ثمّ أفاق، فقال: (أصلّى الناس؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، فقال: يا عمر! صلّ بالناس، فقال: أنت أحقّ بذلك، فصلّى بهم تلك الأيام، ثمّ إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وجد خفّة، فخرج بين رجلين، أحدهما العبّاس، لصلاة الظهر، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه أن لا يتأخّر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، وجعل أبو بكر يصلّي قائماً، ورسول الله يصلّي قاعداً... إلى أن قال ابن كثير: وفي رواية: فجعل أبو بكر يصلّي بصلاة رسول الله وهو قائم، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر ورسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قاعد...)).

ونقل عن أحمد أيضاً بسنده: ((عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عبّاس، قال: لمّا مرض النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثمّ وجد خفّة فخرج، فلمّا أحس به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر)).
وقال ابن كثير: ((ثمّ رواه أيضاً عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم، عن ابن عبّاس، بأطول من هذا. وقال وكيع مرّة: فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، والناس يأتمون بأبي بكر)).
نقول: وروى رواية أُخرى تعطي عكس ذلك..

قال: ((وقد قال الإمام أحمد: ثنا شباب بن سوار، ثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه)).
ونقل رواية أُخرى عن البيهقي بسنده عن أنس: ((آخر صلاة صلاّها رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) مع القوم في ثوب واحد ملتحفاً به خلف أبي بكر))(5).
وهكذا روايات متعدّدة، لن تجد روايتين منها تتّفق في المعنى، فضلاً عن اللفظ، وذلك دليل على اختلاق القصّة! أو تحريفهم لها لإخفاء حقائقها.

والذي روي عن طريق الخاصّة:
ما في (خصائص الأئمّة(عليهم السلام)) للشريف الرضي، و(الطرائف) للشريف المرتضى، والنصّ منه:
عن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، يرويه عيسى الضرير، قال عيسى: وسألته: قلت: ما تقول فإنّ الناس قد أكثروا في أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثمّ عمر.
فأطرق(عليه السلام) عنّي طويلاً، ثمّ قال: ليس كما ذكروا، ولكنّك يا عيسى كثير البحث عن الأُمور وليس ترضى عنها إلاّ بكشفها.
فقلت: بأبي أنت وأُمّي، إنّما أسأل منها عمّا انتفع به في ديني، وأتفقّه، مخافة أن أضلّ، وأنا لا أدري، ولكن متى أجد مثلك أحداً يكشفها لي؟

فقال: إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لمّا ثقل في مرضه، دعا عليّاً(عليه السلام) فوضع رأسه في حجره وأُغمي عليه، وحضرت الصلاة، فأُذن بها، فخرجت عائشة فقالت: يا عمر! اخرج فصلّ بالناس، فقال: أبوك أولى بها. فقالت: صدقت، ولكنّه رجل ليّن وأكره أن يواثبه القوم، فصلّ أنت. فقال لها عمر: بل يصلّي هو، وأنا أكفيه إن وثب واثب، أو تحرك متحرّك. مع أنّ محمّداً مغمى عليه لا أراه يفيق منها، والرجل مشغول به لا يقدر أن يفارقه - يريد عليّاً(عليه السلام) - فبادر بالصلاة قبل أن يفيق، فإنّه إن أفاق خفت أن يأمر عليّاً بالصلاة، فقد سمعت مناجاته منذ الليلة، وفي آخر كلامه: (الصلاة الصلاة).

قال: فخرج أبو بكر ليصلّي بالناس، فأنكر القوم ذلك، ثمّ ظنّوا أنّه بأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فلم يكبّر حتّى أفاق(صلّى الله عليه وآله)، وقال: (ادعوا إليَّ العبّاس)، فدعي، فحملاه هو وعليّ(عليه السلام) فأخرجاه حتّى صلّى بالناس وإنّه لقاعد، ثمّ حُمل فوضع على منبره، فلم يجلس بعد ذلك على المنبر، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، حتّى برزن العواتق من خدورهنّ، فبين باكٍ وصائح وصارخ ومسترجع، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) يخطب ساعة، ويسكت ساعة. وكان ممّا ذكر في خطبته، أن قال:
(يا معشر المهاجرين والأنصار! ومن حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجنّ والإنس! فليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا قد خلّفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى والبيان، ما فرط الله فيه من شيء، حجّة الله لي عليكم، وخلّفت فيكم العلَم الأكبر، علم الدين، ونور الهدى، وصيّي عليّ بن أبي طالب، ألا وهو حبل الله فاعتصموا به جميعاً ولا تفرقوا عنه، (( وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَاناً )) (آل عمران:103)..

أيّها الناس! هذا عليّ بن أبي طالب كنز الله اليوم وما بعد اليوم، من أحبّه وتولاّه اليوم وما بعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه الله وأدّى ما وجب عليه، ومن عاداه اليوم وما بعد اليوم جاء يوم القيامة أعمى وأصمّ، ولا حجّة له عند الله)...(6) إلى آخر الرواية.
فقد اتّضح لك أيّها الأخ الكريم تضارب روايات القوم في هذه القصّة، وأنّه دليل على أنّها مختلقة أو محرّفة، وقد قلنا: أنّه إن ثبتت لم يكن في ذلك فضل لأبي بكر ما دام حكم القوم في إمام الجماعة ما قد عرفت.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: سنن أبي داود 1: 143 الحديث (594) باب إمامة البرّ والفاجر، و569 الحديث (2533) باب في الغزو مع أئمّة الجور، سنن الدارقطني 2: 44 الحديث (1747، 1750)، السنن الكبرى، للبيهقي 4: 19 باب الصلاة على من قتل نفسه غير مستحل لقتلها).
(2) انظر: المجموع، للنووي 4: 249 فرع في مذاهب العلماء في صحّة إمامة الصبي للبالغين.
(3) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 3 عن أبي بكر، و151 عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، المستدرك على الصحيحين 3: 51، مسند أبي يعلى 1: 100 الحديث (104)، سنن الترمذي 4: 339 الحديث (5086) أبواب تفسير القرآن، سورة التوبة، سنن الدارمي 2: 67 كتاب المناسك، خطبة الموسم.
(4) مجمع الزوائد، للهيثمي 9: 124 كتاب المناقب، باب في قوله(ص): (لأعطين الراية رجلا...)، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 497 كتاب الفضائل، باب (18)، و8: 522 كتاب المغازي، باب (33)، المستدرك على الصحيحين 3: 37، المعجم الكبير، للطبراني 7: 35، تاريخ مدينة دمشق 42: 89، السيرة النبوية، لابن هشام 3: 797، تفسير الثعلبي 9: 50، الدرر، لابن عبد البرّ: 198.
(5) انظر: البداية والنهاية 5: 252 - 255 أحداث سنة 11، ذكر أمره (عليه السلام) أبا بكر أن يصلّي بالناس.
(6) طرف من الانباء والمناقب: 171 الطرفة العشرون، خصائص الأئمّة: 73 خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام)، عائشة تأمر عمر بالصلاة في الناس، بحار الأنوار 22: 485 أبواب ما يتعلّق بارتحاله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عالم البقاء، باب وصيّته عند قرب وفاته.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال