الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(الأسماء والصفات) » معنى قوله(عليه السلام) داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء


احمد / جورجيا
السؤال: معنى قوله(عليه السلام) داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء

ورد عن الإمام عليّ(عليه السلام) في كلام له، في معرض التنزيه لله تعالى؛ حيث قال (عليه السلام): (داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج عن الأشياء لا كشيء خارج من شيء...)(1). فما معنى هذا القول؟
ثمّ ما هو المقصود بمصطلح (وحدة الوجود)؟ وما هو الموقف الإسلامي من القائلين بوحدة الوجود؟

(1) التوحيد للصدوق: 83 - 84.
الجواب:

الاخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أمّا عن الشق الأوّل من السؤال، فنقول:
لا بدّ أوّلاً من ملاحظة نص الحديث كاملاً، كما ورد في محلّه؛ فقد أورد الكليني(قدّس سرّه) في (الأُصول من الكافي) الحديث هكذا:
((سئل أمير المؤمنين (عليه السلام)، بم عرفت ربّك؟
قال: (بما عرّفني نفسه).
قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ قال: (لا يشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كلّ شيء ولا يقال: شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له: أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشيء خارجٍ من شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدأ)(1).. هذا تمام الحديث.
ولبيان المراد من كلام الإمام(عليه السلام) الوارد في السؤال نقول:

أمّا قوله: (داخل في الأشياء)، فالمعنى: أنّه لا يوجد أي شيء من الأشياء، ولا أي جزء من أجزاء العالم، خارج تصرّف وتدبير الله (سبحانه وتعالى)، ولا خارج حضوره العلمي، ولا يمكن لأي شيء أن يستغني في وجوده عن فيضه تعالى.

وأمّا قوله: (لا كشيء داخل في شيء)، أي: هو داخل في الأشياء لا على نحو دخول الجزء في الكلّ - كدخول الدسم في الحليب - ولا على نحو دخول العارض في المعروض - كدخول الحرارة ونفوذها في الماء - ولا على نحو دخول المتمكن في المكان - كالجلوس على السرير - لأنّ هذه الأقسام الثلاثة حالاتٌ وصفات لأجسام، وهو تعالى منزّه عن ذلك.

وأمّا قوله: (خارج عن الأشياء)، فبمعنى: أنّ ذاته المقدّسة بعيدة عن أن تكون متلبّسةً بالأشياء، ومنزّهةً عن الاتّصاف بصفاتها.

وقوله: (لا كشيء خارجٍ من شيء)، فإنّه سبحانه وتعالى خارج عن الأشياء لا على نحو الخروج المتعلّق بالبعدين المكاني والانتقالي، فهو مع الأشياء وقيّومٌ عليها، وقريب منها ومحيط بها، ولكن دون شبيه أو نظير، وهو سبحانه مباين لجميع الأشياء بلا نظير.

ولتقريب المعنى وجعله أوضح، يمكن لنا أن نستعين بمثالٍ يوضّح المقصود، وهو مأخوذ من علاقة الروح بالبدن أو النفس الناطقة بالجسد:
فمن المؤكّد أنّ كافّة أعضاء الجسد خاضعة في التصرّف والتدبير للنفس، وهي محيطةٌ به من كلّ جانب، ولكن في الوقت نفسه لا نستطيع أن نقول أنّ الروح أو النفس هي في الجزء الفلاني من الجسد دون الجزء الآخر.
وبهذا المعنى نستطيع القول إنّ الروح هي في الجسد، وخارجه، أي داخلة فيه على نحو السيطرة والإحاطة والتدبير، وخارجة عنه على نحو الانفصال والمغايرة، ولكن دون أن يشبه دخولها وخروجها الحالات الثلاثة التي مرّت معنا آنفاً في صفات الأجسام (أي دخول الجزء في الكلّ والعارض في المعروض والمتمكن في المكان).

وبكلام أوضح: إنّ الروح قريبة للجسم من حيث التصرّف والإحاطة وبعيدة عنه من حيث مقام الذات والاستقلال، وتنزّهها عن عوارض الجسد.
ولا يخفى أنّ قرب الخالق (جلّ وعلا) نسبةً لأشياء العالم وأجزائه، هو فوق قرب الروح وبعدها عن الجسد، وإذا كان الإنسان عاجزاً عن إدراك كيفية قرب وبعد الروح عن الجسد، فسيكون بشكلٍ أولى عاجزاً عن إدراك كيفية قرب وبعد الله سبحانه وتعالى؛ فسبحان الذي لا يُدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن.

وأمّا عن الشق الثاني من السؤال: فإنّ القائلين بوحدة الوجود ليسوا على مذهبٍ واحد؛ فإنّ بعضهم يقول: ((إنّ الوجود الحقيقي واحد، والموجودات الكثيرة، هي صور وتجلّيات للموجود الحقيقي الواحد، ويمثّلون ذلك بـ(البحر وأمواجه) فالبحر في مقام الوجود الحقيقي، والموج المتكاثر تجلّيات وصور لحقيقة البحر)).
وهذا الكلام يرفضه العقل؛ فإنّ العقلاء لا يمكنهم التصديق بأنّ كلّ هذه الموجودات الكثيرة، بمناشئها المختلفة وآثارها الخاصّة والمتنوعة، هي وهم، وأنّ الوجود الحقيقي لا يعدو أن يكون وجوداً واحداً.

وأمّا تمثيلهم بالبحر وأمواجه، أو غير ذلك، ممّا يدلّ على المقصود ويكشف عن المراد، فلا يلتفت إليه ولا يكترث به، فهو تعالى (( لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ )) (الشورى:11)، و(( سُبحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )) (يس:159).

هذا مضافاً إلى أنّ القول بـ(وحدة الوجود) يستلزم الخروج عن الدين عند بعض الفقهاء؛ فقد ورد في (مستمسك العروة الوثقى) للمرحوم السيّد الحكيم(قدّس سرّه) - وهو من كبار مراجع التقليد في النجف الأشرف، توفّي سنة (1390هـ.)، و(المستمسك) كتاب في الفقه الاستدلالي، وهو شرح على (العروة الوثقى) للسيّد اليزدي(قدّس سرّه) - قوله عن هذه المسألة بعد أنّ عدّد آراء القائلين بوحدة الوجود، يقول (رحمه المولى): ((حسن الظنّ بهؤلاء القائلين بالتوحيد الخاص والحمل على الصحّة المأمور به شرعاً، يوجبان حمل هذه الأقوال على خلاف ظاهرها، وإلاّ كيف يصحّ، على هذه الأقوال، وجود الخالق والمخلوق، والآمر والمأمور والراحم والمرحوم))(2).
ودمتم في رعاية الله

(1) أُصول الكافي 1: 85 حديث (2) كتاب التوحيد، باب (أنّه لا يعرف إلاّ به).
(2) مستمسك عروة الوثقى 1: 391 النجاسات، الكافر، المسألة (2).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال